
أبحث عما يحميكِ
ذراعه التفت حول خصرها من الخلف، لم تفزع بل ارتاح جسدها على صدره وشفتاه تضع قبلة رقيقة على عنقها الذي التوى بعيدا ليمنحه مساحة..
همسه داعب أذنها "اشتقت لكِ"
التفتت له ليتلقاها بقبلته وهي لا توقفه.. رغم كل ما كان يدور بذهنها مما كان لكنها كانت تريد تلك القبلة، هذا العناق، ونالته
أبعدها قليلا ليتنفسا ففتحت عيونها والتقت بعينيه الناعسة "شكرا رحيم"
ضمها له أكثر، دائما ما تمنحه كلمات الشكر ولو على أقل الأشياء.. وهو لديه شعور بالراحة لما حدث جعله يدرك أن كل قراراته الأخيرة كانت صائبة ولا مجال للندم
"هكذا بلا مقابل"
ضحكت فابتسم ثم عادت تقول "لم أرغب بأن تخسر والدتك بسببي مرة أخرى رحيم، هي تحبك وتتمنى لك الأفضل"
عبث بخصلاتها الناعمة، يحب شعرها، لونه، نعومته، أجابها "ألا تملين من الدفاع عنها وهي بالأساس لا ترغب بكِ؟"
يداها استقرت على صدره كما هي نظراتها، لم تواجه عيونه فقط قالت "أنا أتفهم موقفها رحيم، كونك ابنها الوحيد، عائلتك.."
قاطعها بلا رغبة بتلك الكلمات "لا أرغب بتلك الكلمات مهرتي، عائلتي، أو اسم العائلة كما تقول ماما، لم يمنحني السعادة التي عرفتها بالشهر الماضي، أنا لا أرغب سوى بكم مهرة، أنتِ وابنتنا"
رفعت عيونها له، تلك السعادة التي تلفها تخيفها فهي لم تنالها من قبل، بالغردقة كانت سعيدة، طلب الزواج وما عاشته وقتها كان سعادة لكنها كانت سعادة مغلفة بمخاوف عانت منها بالفعل
الآن اختلف الأمر مما جعلها تقول "وأنا حقا أحببت كل لحظة لنا معا رحيم، لأول مرة أعيش بلا خوف، منذ انفصالنا وأنا والخوف كنا رفقاء"
ترك شعرها واحتضن وجنتها بحنان وتجاهل شعور الذنب داخله "انسي مهرة، انسي كل ما كان ودعينا نعيش الحياة التي نستحقها"
وجذب وجهها له وصدق بقبلته على كلماته فالقبلة أول خطوة وبعدها تتوالى الخطوات
****
عادت بهم الحياة، سارت طبيعية لا توقفها مخاوف جديدة..
دخل غرفة أيلا ليراها تقف أمام مهرة بالزي المدرسي الجديد فابتسم "تبدين رائعة أميرتي"
هتفت بسعادة "بابي، مامي ترفض ترك شعري مثلما تفعل هي"
وقف بجوار زوجته التي كانت تحاول معها لتعيد لها ترتيب شعرها بصعوبة من رفضها وقال "هي تفعل عندما نكون هنا بالبيت أو أثناء خروجنا معا، لكن بالعمل هي ترفعه دائما كي لا يضايقها، والمدرسة هي عملك لذا شعرك لابد أن يرتفع كي لا يضايقك هناك"
منحته مهرة نظرة امتنان لكلماته فهي تعلم أن أيلا الآن تقتنع بكلماته أكثر منها وسمعت صغيرتها تقول "معك حق بابي، حسنا مامي ضعي ذلك الرباط الجديد، يبدو مناسب كما قلتِ"
حقيبتها الجديدة التي انتقتها وباقي الأدوات كانت بانتظارها وبالسيارة كانت تجلس بينهما وهي تقول "لم لا تتركاني وحدي؟ لستُ بحاجة لكما؟"
رفعت مهرة حاجبها وانشغل هو بهاتفه لحظة ومهرة تقول "جيد سندخل معك وبعدها نرحل، فقط لا تتراجعين"
هتفت بطريقتها الصغيرة "لن أفعل، لست صغيرة"
تابعته مهرة وقد بدت ملامحه غير سارة فقالت "رحيم هل هناك شيء؟"
انتبه لها ومنحها نظرة قصيرة قبل أن يقول "تذكرين حملتك الإعلامية الأخيرة بالإسكندرية؟"
ضاقت البنفسجية، سقط اهتمامها بأيلا لحظة وارتفع القلق مكانه "التي أخبرتني أنك توليت أمرها؟ نعم ماذا عنها؟"
ترك الهاتف ومنحها اهتمامه "هناك مشاكل أثيرت أثناء التصوير وتوقف، لابد أن أذهب لمتابعة الأمر"
ظلت صامتة وهو فهم نظراتها فقال "لن يمكنك الذهاب وأيلا بأول أيامها بالمدرسة"
هزت رأسها رغم أنها طالبته من قبل أن تتابع جلسات التصوير بنفسها لكن سفرها كان يعيق الأمر
بالطبع ما أن أدركت أيلا أن مهرة ستتركها حتى انهارت بالبكاء وتعلقت بها واضطروا للبقاء معها وقت أطول حتى انشغلت مع المعلمة المختصة فتسربا راحلين
تركها أمام الشركة وتحركت به السيارة للإسكندرية وما أن صعدت ودخلت مكتبها حتى رن هاتفها..
رقم غريب أجابته بلا اهتمام وصوت ليس بغريب جاءها "من الرائع عودتك مهرة"
للحظة ظلت صامتة، تحاول تذكر الصوت حتى فعلت، رفعت رأسها ببطء وشفاها تحركت بالاسم "عدنان" والصوت يعود مرة أخرى "افتقدتك حقا"
رفعت رأسها، تذكر محاولاته معها وتساءلت عن سر عودته الآن
عاد صوته "هل لي بقهوة بمكتبك؟ لدي.. "
أغلقت وأبعدت الهاتف لحظة ثم عادت وفتحته ورقم رحيم أمامها وهي ترفع إصبعها لتضغط اتصال وتوقفت لحظة للتفكير
كان يشك بشيء بينها وبين ذلك الكلب بيوم ما فهل سيعود لما كان؟ هل ستفقد سعادتها التي تعيشها الآن؟
بالماضي كانت تخاف من إخبار رحيم بتصرفات عدنان ومع ذلك لم يرحمها وظن بها الظنون..
ولم يثق بها..
الآن هي تقف عند مفترق الطرق، إما أن رحيم تبدل حقا كما ترى وإما أن تكون مرحلة وانتهت وسيعود لما كان بأول مطب
ضغطت اتصال وأتاها رنين وكلمة انتظار، كان لديه هو الآخر جبهة أخرى يحارب بها، كانت فوهة نارا توجه له هو الآخر عبر الهاتف لكن ما أن رأى اتصال مهرته حتى قال
"تمام نارا، الرسالة وصلت"
وأغلق ليجيب زوجته التي كانت واقفة، ثابتة بمكانها، وسمعته يجيبها "ماذا هناك مهرة؟ هل حدث شيء؟”
كانت جادة مثله، ربما ترددت للحظة لكنها عادت تقول بهدوء حاولت الحفاظ عليه
"عدنان تواصل معي الآن"
الصمت الذي تلا كلماتها أعاد لها توتر السنوات الماضية.. لكن صوته خرج هادئا بصورة أربكتها
"ماذا يريد؟"
رمشت بدهشة، لا غضب؟ لا اتهام؟
ابتلعت ريقها وقالت بصدق "لا أعلم، طلب مقابلتي بمكتبي."
جاءها صوته حاسما لكن خاليا من الشك "لا تقابليه وحدك"
وأكمل بعد ثانية ليوقف عقلها عن أي أفكار سيئة "ليس لأني لا أثق بكِ، بل لأني لا أثق به"
وتنفست بعمق، أغلقت عيونها وهي تحاول التعامل مع تلك الحياة التي تبدلت كثيرا. سمعته يناديها "مهرة؟ مهرة أنتِ معي؟"
فتحت عيونها ونبرته المفضلة هي ما أتتها فقالت "نعم رحيم، ثقتك هذه تعني لي الكثير"
أبعد وجهه لخارج النافذة ودخان سيجارته يهرب منه وهو يجيبها "أنا أيضا مهرة، صراحتك معي عنت لي الكثير"
وأغلق كلاهم.. عبث بعينيه، نارا تتلاعب بكارت احترق منذ سنوات والغريب أن هي من أمسك بالكارت وقذف به
من أين أتت به؟ والآن!؟
ظلت بمكانها، تتنفس براحة، لقد تبدل حقا، لم ينهال عليها بالاتهامات، لم يطالبها بتفسيرات لا تملكها، فقط منحها كلمات بسيطة لكن عنت لها الكثير
عادت للعمل ولكن بعد وقت لم تعرف مقداره السكرتيرة دخلت وهي تقول "امرأة ترغب برؤيتك مدام"
رفعت وجهها من على الجهاز الخاص بها وقالت "امرأة؟ أي امرأة؟"
صوت نارا كان قويا وهي تتحرك للداخل بثقة واضحة وتقول "أنا"
جمدت للحظة ونارا تقف بمدخل المكتب والسكرتيرة ظلت عالقة بين المرأتين والجمود اعتلا كلتاهما
تراجعت مهرة وهي ترفع عيونها ببطء نحو القادمة ورأتها، نارا كانت كما هي.. أناقتها زائدة، نظراتها مرتفعة وثقتها لم تفارقها يوما وكأنها ملكت العالم بما فيه
لكن تلك المرة كان هناك شيئا مختلفا، مهرة نفسها
أغلقت الحاسوب أمامها بهدوء وقالت للسكرتيرة "يمكنك الذهاب"
خرجت المرأة بسرعة مغلقة الباب خلفها بصوت أذن للصمت بأن ينزل حتى قطعته نارا "أعترف أني لم أتوقع استمراركما لكل هذا الوقت"
لم تهتز مهرة، فقط عقدت ذراعيها وهي تراقبها "وأنا لم أتوقع عودتك بهذه السرعة"
ابتسمت نارا بخفة وجلست دون دعوة وكأن المكان يخصها ورغم أنها تفهم معنى كلمات مهرة إلا أنها قالت "القاهرة مملة بدوني كما تعلمين"
لم تعلق مهرة، لم تنساق وراء تلك المرأة فقط ظلت تراقبها حتى مالت نارا للأمام وقالت "يبدو أن الزواج يناسبك"
للحظة لم تجيب مهرة، حتى خرج ردها هادئا على غير عادتها وقد رحل الخوف بعيدا "ربما لأني تلك المرة تزوجت من رجل يعرف ماذا يريد"
واختفت الابتسامة من على وجه نارا لكنها استعادت نفسها بسرعة، لا تستسلم لهزيمة وهي تقول "حقا؟ وهل يعرف بالفعل ما يريد؟"
ظلت مهرة ثابتة بمكانها، لا ترغب بإظهار أي ضعف أمامها "أظن أنكِ أتيتِ لسبب أوضح من هذا الحديث"
ضحكت ضحكة خفيفة، باردة بلا روح، ضحكة تخفي وراءها ما لا تبديه على وجهها، اتكأت إلى الخلف وقالت "اشتقت لرؤية المرأة التي قلبت حياة رحيم العزايزي رأسا على عقب"
صمتت مهرة، مندهشة من جرأة نارا، لكن عيونها لم تهرب من نارا، هي الآن ترى نفسها الأقوى مهما حاولت نارا تبديل الآية
أكملت نارا بصوت هادئ يحمل سمًا قاتلا "بصراحة، كنت دائما أتساءل ماذا وجد بكِ تحديدًا، أول مرة لكما معا لم ألتقي بكِ لكن تلك المرة.."
ورفعت عيونها تتحرك على مهرة من أعلى لأسفل وأكملت "لا تنتمين لعالمه، لا تشبهينه، حتى طريقة عيشتك مختلفة عنه تماما"
تلك الكلمات لم تعد تؤثر على مهرة نهائيا، رحيم جعلها ترى عالمه بنظرتها هي، لم يرغب بتلك الفوارق بعد، بل دائما يخبرها أنها حقا الأنسب له من كل ناحية لذا..
لم تعد كلمات عنان ولا نارا، تؤلمها، بل تمر وكأنها لا تسمعها لذا قالت "حتى لو، هو بالنهارية اختارني أنا"
لمعت عيون نارا، الضربة أصابتها بمكانها الصحيح، جعلتها ترتد خائبة لكنها لم تتراجع رغم ذلك بل قالت بقوة "اختارك أنتِ أم اختار ابنته؟"
تلونت البنفسجية بألوان مختلفة غير مفهومة لكنها تداركت نفسها بسرعة ونارا تراقبها بانتصار وهي تكمل "رحيم عملي مهرة، يفكر بعقله دائما، وأنتِ تعرفين هذا أكثر مني"
واعتدلت لتقرب وجهها من المكتب وانخفض صوتها وهي تقول "هل نسيتِ كم مرة شك بكِ؟ كم مرة جعلكِ تبكين؟"
تجهمت، للحظة شحب وجهها من تدخل تلك اللعينة بحياتها بهذا الشكل وسُمها يكاد يتسلل داخلها لكنها باللحظة التالية تذكرت كلمات رحيم قبل قليل "ليس لأني لا أثق بكِ، بل لأني لا أثق به"
تلك الكلمات أوقفت كل محاولات نارا جعلتها تتنفس بعمق وهدوءها يزداد مما أربك نارا لعدم توقعها ذلك ومهرة تقول "هل تعرفين الفارق بيني وبينك نارا، الفارق بيننا أنني أعيش مع رحيم الحالي.. لا الماضي، والفارق كبير بينهما"
وتجمدت نارا للحظة.. تستوعب ما قذفته مهرة بوجهها من حقيقة قد تكون قد غابت عنها
مهرة لم تمهلها وهي تكمل بثبات أكبر "ولو كنتِ قد أتيتِ لتخبريني أنه كان يشك بي يوما فأنا أعرف، ولو أتيتِ لتقولي أنه أخطأ فأنا أيضا أعرف"
ونهضت ببطء من مكانها وما زالت تكمل "لكن ما يبدو أنكِ لا تعرفينه أن رحيم هذه المرة لن يكون سوى معي قبل حتى أن يطلب مني أي تفسير، أي بلا شكوك ولا دموع"
ووقفت أمامها، تواجها بنظرات قوية تتحداها، وقد اختفت ابتسامة نارا تمام عن وجهها ومهرة كانت قريبة منها لأول مرة وبلا خوف أو فزع من المنافسة بينهما بل خرجت نبرتها هادئة لكنها قوية
"وهذا أكثر ما يخيفك، أليس كذلك؟"
للحظة اشتعلت نظرات نارا، الغيرة والغضب والحقد امتزجوا معا قبل أن تبتسم بسخرية باردة "تظنين أنكِ انتصرتِ لأنه منحك بعض الاهتمام؟"
رفعت مهرة حاجبها "لا، بل لأنه اختارني بكامل إرادته"
نهضت نارا دفعة واحدة.. الكلمة أصابتها مباشرة
"رحيم لم يتغير مهرة، الرجال لا يتغيرون، فقط ينتظرون اللحظة المناسبة ليعودوا لحقيقتهم"
اقتربت أكثر وهمست "وصدقيني.. أنا أعرف رحيم أكثر منكِ"
لكن مهرة لم تتراجع هذه المرة.. بل واجهتها بثبات كامل وقالت "ورغم ذلك لم يخترك أنتِ"
والأمر تلك المرة كان صعب، صعب جدا على نارا التي اسود وجهها والحقيقة تواجها بلا مجاملة ومع ذلك لم تقبل الهزيمة وهي تحارب لآخر نفس "لكني لن أتركه لكِ، رحيم حقي منذ سنوات، من قبل أن يعرفك وأنا لا أتنازل عن حقي"
والتفتت لتذهب ولكن مهرة فاجأتها "وماذا ستفعلين تلك المرة؟ محاولتك لقتلي فشلت فما هي خطوتك التالية؟"
جمدت نارا بمكانها لوهلة، طويلة قبل أن تلتفت ببطء وتلتقي بنظرات مهرة الفارغة من أي معالم والصمت لفهم
وأخير عقدت مهرة ذراعيها وقطعت الصمت "هل ظننتِ أني لم أفهم ما فعلتيه؟ كان من السهل استنتاج أنكِ وراء الطلق الناري لتضربي عصفورين بحجر واحد، إفساد الزفاف والتخلص مني"
رأت الشحوب يعتلي وجه نارا التي استوعبت الكلمات والاتهام الصريح ثم تداركت نفسها ومالت تجاه مهرة والقلق رحل وحل محله كره واضح بكل جزء من ملامحها وقالت "من الجيد أنكِ تعرفين جيدا ما يمكنني فعله، لم لا تنجين أنتِ وابنتك وتختفين من طريقي لأني لن أتوقف؟"
ارتجف جسد مهرة من التهديد الواضح ولم تراه مجرد تهديد وإنما ظهر بالعيون التي تواجها إصرار على الطريق الذي تسير به وعدم التفكير بالتراجع..
لم تزيد وهي تتحرك للخارج مغلقة الباب خلفها ومهرة ما زالت جامدة مكانها والخوف ملأها على ابنتها والحيرة مما عليها تفعل لتحميها..
لكنها تثق برحيم وقدرته على حمايتها هي وابنتهم
انتهى متأخرًا من حل المشكلة بالإسكندرية والغريب أنه لم يصل لأصل الأزمة ولكن طوال اليوم وعقله مشغول بعدنان ومهاتفته لمهرة
عاد بوقت متأخر، لم يفضل البقاء بعيدا عن امرأته وابنته..
وضع قبلة على وجنة أيلا النائمة وابتسم براحة عندما اطمئن عليها ثم تحرك خارجا والمربية تعود للغرفة..
خلع جاكته وحمله على ذراعه وهو يدخل غرفتهم والتفتت هي بفزع لدخوله المفاجئ وقد كانت جالسة أمام مائدة الزينة
ابتسم لرؤيتها وشعرها يلف معها متطايرا بالهواء حول وجهها، ملابسها المثيرة من اللون المفضل له، عطرها سرقه بمجرد دخوله..
هتفت "رحيم! أفزعتني"
أسقط الجاكيت على المقعد وما زال يتحرك لها وانحنى بابتسامة واسعة "أحب رؤيتك غاضبة"
وأخذ شفتيها بقبلة منعتها من الرد حتى أفلتها وهمس "اشتقت لكِ"
واعتدل ينزع ربطة العنق والقميص فنهضت تتابعه وعقلها لم يتوقف عن العمل لكن بالوقت المناسب ستنفذ قرارها
تابعته وهو يتحرك للحمام فتبعته وقالت "سعيدة أنك لم تبقى هناك"
فتح المياه الدافئة والتفت لها وأجاب "لم أحب ترككم وحدكم"
وضعت الزيوت بالمياه لأجله فتحرك لها ووضع قبلة على عنقها وهمس "كيف عرفتِ برغبتي بهذا؟"
التفتت بين ذراعيه ويدها ارتاحت على صدره العاري ونظراتها احتضنت نظراته بحب لم يراه بعد وقالت بصدق "فقط أرى أنك بحاجة للراحة"
تذكر تصرفاته معها بالماضي.. ما كان اليوم دفع بالذكريات السيئة لعقله
أبعد وجهه لحظة، يخفي غضبه من نفسه لأنه كان يدمر كل جميل بينهم دون أن يدري
رفعت وجهها له لصمته فقالت "أنت غاضب مني؟"
عاد لها، سقطت نظراته عليها وقال "بل من نفسي مهرة، أنا ضيعت الكثير من عمري بعيدا عنكِ وعن السعادة التي أعيشها الآن، كنت عصبي، أناني ومغرور ولم أقدر قيمتك وقتها فهل ننسى؟"
ابتسمت بحب تمنت لو صارحته به وقالت "لقد فعلت رحيم، أنت جعلتني أنسى كل شيء، رحيم الذي تزوجته تلك المرة هو من تمنيته ورغبت به"
أحنى رأسه واقترب منها أكثر واختلطت أنفاسه الثقيلة بأنفاسها الرقيقة وسأل بقلب متلهف "وهل ما زال مكاني بقلبك كما هو؟"
سكنت ملامحها، ارتفعت دقات قلبها متجاوبة مع سرعة أنفاسها ولم تعرف بماذا تجيب، هل تمنحه مشاعرها لتعود وتنهزم وتسقط على الأرض الباردة وتتفتت مرة أخرى؟
ضاعت منها الكلمات وهو رأى الحيرة والخوف بعينيها التي انخفضت هاربة منه فعاد وقال "أعلم أني السبب لكني أخبرتك أني لن أتنازل عنكِ أبدا مرة أخرى مهرة، سأحارب لإعادة قلبك لي"
عادت عيونها ترتفع له، لم تعرف ماذا تقول أو تفعل وهو من فعل، قبلها بلا انتظار ردها وجذب جسدها له وباللحظة التالية كانت تنضم له بالمياه ورغاوي الصابون تغرقهم معا وهو لا يتركها بعيدا عنه
مشطت شعرها بعد أن جففته وتابعته وهو ينهي اتصاله والسيجارة تنهرس بين شفتيه قبل أن يضعها بالمطفأة وقال "قد أطلب منكِ تجهيز حملة جديدة لملابس الرجال للشتاء مهرة هل يمكنك ذلك؟"
تحرك للفراش وهي نهضت تتبعه وقالت "بالطبع، رحيم أرغب بأن أخبرك بشيء حدث اليوم"
تمدد بالفراش ومنحها اهتمامه وهو يقول بهدوء "أسمعك مهرتي"
تحركت ووقفت أمامه، يداها التصقتا معا ونظراتها تحمل القلق والجدية "نارا، زارتني اليوم بالشركة"
شبك يداه خلف رأسه ومنحها اهتمامه، هو بالطبع يعرف، رجال الحراسة تخبر مسلم ومسلم يمنحه تقرير كامل عنها وعن ابنتهم
انتظرت الرد لكنه ظل يواجها بصمت فلم تتراجع، هو تبدل وهي أيضا، لم يعد الخوف طريقها..
أكملت "تحدثنا عنك بالطبع، بنهاية الحديث واجهتها بأنها.. أنها من كانت وراء الطلق الناري بالزفاف"
فك يداه من خلف رأسه واعتدل وقد نجحت بجذب كل انتباهه وقال "ماذا قلتِ؟"
التفتت تفرك يداها وتتحرك بلا هدى والخوف سيطر عليها عندما تذكرت الكره بعين نارا وهي تهددها
صوته جعلها تلتفت له "مهرة سألتك ماذا قلتِ، أجيبي"
تبدل ملامحه أخافها، هل سيصدقها؟
حكت له ما كان بينهما بالمكتب وكان قد أشعل سيجارة والتهمها وهو يسمعها وطال صمته حتى ظنت أنه لم يسمع ولا كلمة من كلماتها فقالت
"رحيم هل تصدقني؟"
انتبه لها.. كان يربط الكثير ببعضه ورفع وجهه لها ورأت انغلاق عيونه من بين الدخان حتى تحدث أخيرًا "أعرف أنكِ لا تكذبين مهرة، فقط الأمر فاجأني خاصة وأن مسلم لم يمكنه الوصول لشيء"
ظلت مكانها، قدماها واهنة، تحملها لكن لا تقوى على الحركة، رأى الخوف بعيونها فأسقط السيجارة بمكانها ونهض لامرأته حتى وقف أمامها وهي ترفع رأسها له
لمس وجنتها وقال "لا يعجبني هذا الخوف بعينيك مهرة، ما زلت موجود"
نظراتها له كانت مليئة بالكثير وصوتها ارتجف، لم يكن ثابتا وهي تقول "هي لن تتوقف رحيم وأنا أخاف على أيلا"
راحته ملأت وجنتها ليمنحها شعور بالأمان "الحراسة ستزداد من الغد وأنا من سيتولى توصيلها من وإلى المدرسة بنفسي وأنتِ الرجال ستتبعك كظلك لو لست معك، وذلك حتى يمكنني الوصول لأي شيء ضدها، ربما قللت منها لكن ليس بعد اليوم"
أغمضت عيونها، ثقته تلك كانت كل ما تمنته وحلمت به..
يده ضغطت برقة على وجنتها ففتحت عيونها له فعاد وسألها "ماذا بكِ؟ ألا تثقين بقدرتي على حمايتكم؟ سأدفع عمري كله مقابل حياتكم مهرة ولن تضحي بنفسك مرة أخرى لأجلي فلم أكن أستحق"
رفعت يداها على صدره، التي شيرت الفاخر لم يمنعها من الإحساس بصلابة عضلاته التي تعرفها..
نظراتها كانت مليئة بالكثير لكن بلا توضيح تمنى لو تمنحه له لكنها قالت "بلى تستحق، نحن بحاجة لك رحيم، أنت حصننا الذي نحتمي خلفه، أنا لن أتردد مرة أخرى بفعل ما فعلته بالزفاف، أنا لا يمكنني تحمل فقدانك"
أغمض عيونه، نادرا ما تمنحه كلمات تثلج قلبه، هو يعلم أن ما زرعه بالماضي يقف بينهم لكن الآن هي تفرج عن شيء ما
فتح عيونه وخرج صوته ضعيفا "تلك الكلمات غالية جدا مهرة، لا يمكنك معرفة كم تعني لي"
أخفضت وجهها ولكنه رفعه له مرة أخرى والتقت العيون بنظرة حالمة وما زالت العيون مليئة بالكثير بلا تصريح
تساءلت "كم تعني لك؟"
أخفض وجهه لها بلا مساحة حتى للهواء بينهم وهمس "الحياة، كما هو أنتِ مهرة، أنتِ الحياة والروح التي تسكن وجداني، أنتِ كل شيء مهرة، كل شيء"
وصدق بقبلته على كلماته وهي علقت بالكلمات..
لكم منحته كلمات عن حبها له ولكنه لم يهتم، وقتها كان يسخر من مشاعرها واليوم هو من يتحدث عن الروح وهو الروح التي عاشت وتعيش بها ولكنه لا يعلم
****
نست أمر نارا بالأيام التالية واهتمت بالحملة الجديدة التي طالبها بها..
كما منحت أيلا أيضا اهتمامها بما يخص المدرسة رغم أن المدرسة كانت تلم بكل ما يخص طفلتها
رن هاتفها وقد كانت تجلس بأرض غرفة أيلا ترتب معها بعض الرسومات التي عادت بها من المدرسة..
التقطت الهاتف دون اهتمام لكن ما أن رأت الاسم حتى تجمدت ملامحها لحظة..
عدنان..
الاسم تراقص أمامها كحية ترقص على المزمار، توقفت أناملها عن الحركة، وعاد شيء بارد يزحف داخل صدرها رغم كل ما فعله رحيم ليعيد لها الأمان..
لم تنسى أن عدنان كان القشة التي أنهت قصتها مع رحيم بالمرة السابقة، خوفها لم ينسحب لأنها أحبت حياتها تلك المرة مع زوجها، تلك الحياة التي تمنتها ولم تتوقف عن الحلم بها
انتبهت أيلا لشرودها فرفعت وجهها الصغير لها ونادتها "مامي ماذا حدث؟"
عادت لابنتها، خارجة من حالة الشرود وابتسمت لها بسرعة وأغلقت الشاشة دون رد وقالت "لا شيء حبيبتي، اكملي رسمتك"
نهضت بهدوء وخرجت للشرفة.. الهواء الليلي لفها والبرودة أطفأت الحرارة التي ارتفعت داخلها من تأثير الاتصال
أعادت النظر للهاتف الذي عاد يهتز مرة أخرى بالاسم نفسه.. اللعنة لماذا يظهر الآن؟ ما الذي يريده منها؟
لكن قبل أن تقرر، انتزع الهاتف من يدها بهدوء ومع ذلك فزعت لما حدث والتفتت بنفس الفزع لتجده خلفها.
رحيم.
لم تسمع قدومه أصلًا.. ولم تعرف منذ متى وهو هنا؟ يراقبها أم ماذا؟
الرمادية سقطت على الشاشة المضيئة ثم عليها.. لم تكن نظرات شك، ولا غضب، فقط هدوء خطير تعرفه جيدًا.
"يتصل كثيرًا"
قالها بهدوء وهو يغلق الهاتف.
ارتبكت للحظة.. الذكريات القديمة اندفعت لها مرة أخرى دون إذن، تلك التحقيقات، الاتهامات، النظرات القاسية..
ودق قلبها مهووسا، خائفا من المجهول القادم والمصير الذي سيتلقاها
حتى.. خرج صوتها مترددًا رغما عنها "رحيم أنا.."
لكنه قاطعها فورًا، لم يطالبها بأي تفسير، وهو ما قاله "لم أسألكِ شيئًا"
صمتت، صمت حيرة، عدم فهم
اقترب خطوة، أسند ذراعه على سور الشرفة محاصرًا إياها قربه دون أن يخيفها، فقط قريب.. قريب جدًا.
"تعلمين ما الفرق بين الماضي والآن؟"
رفعت عيونها له بصمت. لكن النظرة امتلأت بالتساؤلات عما سيقوله
فقال وهو ينظر مباشرة داخل عيونها "بالماضي كنت أبحث عما يثبت شكوكي… أما الآن فأنا أبحث عما يحميكِ"
ارتجفت أنفاسها.. ضاعت أفكارها عن الخوف من القادم، عن الدمار الذي توقعته وبنته من ماضيهم الذي الآن يتبخر..
رحيم الذي كان رحل واليوم هو الرجل الذي ملك قلبها أكثر وأكثر
أخذ الهاتف بين أصابعه ثم فتحه أمامها وضغط على الرقم حتى ظهر الحظر أمامه، وبعد ثانية أغلق الهاتف ووضعه بيدها من جديد.
قال بصوت ثابت، هادئ منحها نفس الهدوء والراحة "انتهى الأمر"
ظلت تحدق به غير مستوعبة ما يحدث وانفرجت شفتاها عن كلمات قليلة "هكذا ببساطة؟"
ابتسم بخفة، لكنها لم تكن ابتسامة مرحة، بل رجل تعب من خسارتها يومًا ولم يعد يريد ذلك "مهرة، لو كان يريدك، لكان حاول منذ سنوات وأنا لست معك، ولو كنتِ تريدينه، لما عدتِ إليّ، لقد استوعبت الأمر جيدا"
واتسعت عيونها ببطء.
يا إلهي…
هذا الرجل نفسه الذي كان يومًا يحاسب نظرة وكلمة؟ هل هذا هو الرجل الذي صرخ بها لمجرد شكوك لم ترقى لأفعال، بل وكان الدمار هو النتيجة الحاسمة؟
يده ارتفعت ببطء حتى استقرت أسفل ذقنها "أنا لا أخاف من رجل يلاحق امرأة متزوجة… أخاف فقط من أن أجعلكِ تندمين على اختياري للمرة الثالثة"
تورد وجهها بعنف، ولأول مرة منذ سنوات طويلة… شعرت أن قلبها آمن بالكامل معه، لذا لسانها لم يتراجع عما أراد التصريح به
فهمست دون وعي "أنت تجعل الأمر صعبًا جدًا عليّ"
انعقد حاجباه بخفة وتساءل بجدية "أي أمر؟"
أخفضت عيونها، ارتبكت الكلمات فوق شفتيها لكنه أجبرها على رفع وجهها من جديد.
"تحدثي مهرة"
تسارعت أنفاسها وهي تهمس بصعوبة "ألا أحبك أكثر…"
تجمد.
للحظة كاملة لم يتحرك، كأن العالم توقف حوله، حتى أنفاسه نفسها اختلت.
ثم جذبها له فجأة بكل قوته، دفن وجهه بعنقها وكأنه يخفي شيئًا هزّه بعنف، وخرج صوته خافتًا… ضعيفًا على غير عادته
"مرة أخرى"
ارتجف قلبها بين ضلوعها وهي تسأله "ماذا؟"
رفع وجهه لها، والعاصفة داخل عيونه أفقدتها القدرة على التنفس.
"قولي أنكِ تحبينني مرة أخرى… حتى لو كانت كذبة"
هل يهتم؟ هل يصدقها تلك المرة ولا يلقي بما قالت بوجهها بلا اهتمام؟
يده اخترقت وجنتها لعنقها وهمس بصوت واهن، حالم "هيا مهرة، لكم تمنيت أن يظل مكاني بقلبك كما كان بالماضي، خشيت أن أكون قد فقدته بسبب ما كان"
هزت رأسها رغم يده التي ارتاحت على عنقها وهمست "مكانك لم يتبدل بقلبي بأي يوم رحيم، فقط ظننت أنك لا تهتم.. "
قاطعها بلهفة "أهتم مهرة. أهتم لأن حبك هو كل ما تمنيته وظلت كلماتك عنه لي رابضة داخلي"
سقطت دمعة على راحته، دمعة سعادة وليس حزن والنظرات لا تفترق وهي تقول بوهن "لم تؤمن بالحب بأي يوم رحيم"
قال بلا تفكير "لأني كنت غبي، جاهل، لا أعي معنى الكنز الذي كان بين يداي وأنا من أضاعه، لم أعي أني كنت أحبك وأن قلبي تمزق لفراقك أضعاف مضاعفة، لم أفهم أن فقداني لنفسي معك كان نتيجة حبي لكِ، أنا مجنون بحبك مهرة، مجنون بحبك"
لم تفكر وهي تندفع لأحضانه، لا تصدق أنها تسمع ما حلمت به كثيرا، أنها نالت قلبه، حبه، الحب الذي كان نجمة بالسماء ولا يمكنها الوصول لها
قبض عليها بذراعيه بقوة، دفن رأسه بين خصلات شعرها.. نال ما تمناه، قلبها، حبها ووجودها للأبد معه
****
الحب يجعل الحياة رائعة ويفتح أبواب الجنة
والجنة هي ما أصبحت تعيش بها الآن وتتمنى أن تسكنها للأبد
بدا التغيير عليه أكثر، هدأ غضبه الدائم، لم يعد اسم على غير مسمى، بل سكنت الرحمة قلبه تجاه حبيبته وابنته
لكن..
مع العدو.. كان أسد بري لا يُبقي ولا يذر
فتح له مسلم باب السيارة فنزل مغلقا جاكته ورفع رأسه للمبنى الشاهق أمامه وتأمله من تحت منظاره الشمسي ومسلم يقول "شركته تحتل الدورين السابع والثامن"
هز رأسه وتحرك ومسلم يتبعه بثبات لداخل المبنى
السكرتيرة رفعت وجهها له فقال "رحيم العزايزي"
منحته نظرة عدم فهم وقالت "هل هناك موعد يا فندم؟"
نظراته تجولت بالمكان قبل أن يجيبها "لا، فقط أخبريه برغبتي بلقائه"
لم تجادل، مظهر رحيم وحده يثير رهبة بقلب من يواجهه، رفعت السماعة وهاتفت مديرها ولحظة وأعادت السماعة ونظرت لرحيم الهادئ أمامها وقالت
"ينتظرك يا فندم"
مسلم تحرك، فتح له باب المكتب وهو تقدم بخطى ثابتة للداخل..
المكتب قاتم بلون القهوة.. ستائر تمنع ضوء النهار وجسد عدنان رابض فوق مقعد جلدي فاخر خلف مكتب ابتلعه من شدة ضخامته
ارتد الرجل بالمقعد ولم ينهض وهو يقول "رحيم العزايزي بنفسه بمكتبي؟ مفاجأة غير مفهومة"
لم يمنحه اهتمام وهو يفك جاكته ويجلس على المقعد الجلدي الوثير بأريحية وكأن المكان يخصه واضعا ساقا فوق الأخرى وقال "بل تفهم عدنان، الغباء ليس من سماتك"
ظل واجما لحظة قبل أن ينهض، ليس بطويل بل متوسط القامة، لديه ساقان نحيفان انطلقا به لمكان رحيم حيث جلس أمامه ونظر بعيونه مباشرة قائلا "لا رحيم، لست بغبي لكن ليس بيننا ما يجعلك تخطو لمكتبي بنفسك"
السيجارة اشتعلت بين شفاه رحيم والدخان غيم انتشر حوله في شكل جعل عدنان ينكمش قليلا بمكانه ورحيم يقول "بل هناك.. زوجتي مثلا"
تجهم وجه الرجل، برقت عيناه بشكل ملفت والصمت لفه دون أن يجيب فعاد رحيم يقول "أنا جئت لأعرف سبب ملاحقتك لها واتصالاتك التي لا معنى لها الآن"
ارتبك عدنان.. لم يتخيل أن مهرة ستخبره، بالمرة السابقة انكمشت والأمر نجح فما الجديد تلك المرة؟
كلمات عدنان تاهت منه ولكنه ظل يمثل التماسك وهو يقول بصوت منخفض فاقد للثبات "أنا.. لا أفعل.. لم اهاتفها"
ظل رحيم ثابتا بنظراته عليه.. صامتا.. أراد تدمير أعصاب عدنان بهدوئه قبل أن يقول "من الذي يدفعك لتظهر بحياة زوجتي كلما ظهرت بحياتي؟"
سقط السؤال عليه كمطرقة هزته بقوة وكادت تحطم جمجمته بلا رحمة، الدخان وصله، جعله يدرك أن رحيم ينتظر إجابته فارتد بالمقعد وكأنه يحتمي به وهو يجيب "أنا لا أفهم سؤالك رحيم؟ أنا لا أحد يملي عليّ تصرفاتي"
لمعت الرمادية من خلف السيجارة ومع ذلك ظلت ثابتة على عدنان لحظة حتى رفع السيجارة أمام عيونه وتأملها لحظة قبل أن يقول "بانتهاء تلك السيجارة سيحدث أمر من اثنان، إما أن أعرف الحقيقة"
ورفع نظراته لوجه عدنان الشاحب وأكمل بنبرته الهادئة والمخيفة "وإما مسلم سينال الإجابة بطريقته منك"
ارتجف جسد الرجل دون ظهور واضح، فقط ابيضت شفاهه ورمشت عيونه.. نهض، ثار بقوة مزيفة "أنا لا أسمح لك بتهديدي بمكتبي رحيم"
رحيم لم ينظر له، لم يرمش، السيجارة ما زالت بين أصابعه تحترق ببطء وصوته لم يخرج وعدنان تحرك.. بلا هدى وبلا ثبات وهو ينطق بكلمات توعد ورحيم لا يرد
"أنت جننت رحيم، أنا لن أمرر الأمر هكذا"
وعندما التفت، كان رحيم يطفئ السيجارة فتجمد بمكانه.. هو لم يواجه رحيم بأي مشكلة من قبل.. يعرفه جيدا بالمناسبات الاجتماعية وبالمنافسة بمجال عملهم لكن..
أخرج رحيم هاتفه وعبث به ووضعه على أذنه منتظرا الرد حتى قال "مسلم.."
هتف عدنان ويداه تشوح أمامه "رحيم انتظر.. "
نظرات رحيم ثبتت على وجه عدنا الشاحب فأبعد الهاتف قليلا وقال "لديك شيء لي؟"
للحظة ظل جامدا وعيونه تتحرك من الهاتف لرحيم حتى هز رأسه وقال "نعم"
عاد رحيم للهاتف وقال "انتظرني"
وأغلق الهاتف وأعاده للجاكيت وحدق بوجه عدنان المتعرق وعقد ذراعيه بانتظار كلماته
والرجل قال كلمة واحدة.. بل اسم واحد كان كافيا
"نارا"