رواية انت الهدف الفصل الثامن عشر18بقلم ملك احمد

رواية انت الهدف الفصل الثامن عشر18بقلم ملك احمد


كانت تلك اللحظة وحدها كافية لتشعل توترًا خفيًا داخل المكان بأكمله...

لم يكن أحدٌ قد لاحظ نظرة آيان العابرة نحو سيرا، لكنها كانت كافية لتكشف اضطرابًا لم يفهمه حتى هو نفسه.

أخذ نفسًا عميقًا، ثم تحرك بخطوات هادئة حتى وقف أمامها.

ـ آيان: سيرا...

التفتت إليه وهي تنظر إليه باستفهام.

ـ سيرا: نعم؟

ثبت عينيه عليها لثوانٍ قبل أن يتحدث بنبرة هادئة اعتادت سماعها منه داخل العمل.

ـ آيان: يلا... ورانا شغل.

نظرت إليه باستغراب.

ـ سيرا: منا بشتغل.

ـ آيان: طيب... ممكن يلا؟

هزت رأسها بهدوء.

ـ سيرا: حاضر.

في تلك اللحظة، تقدم ماتيو خطوة للأمام وهو يبتسم له باحترام.

ـ ماتيو: Soy un gran admirador tuyo y de tu actuación en el partido.

ـ ماتيو: أنا معجب جدًا بك ... وبأدائك في المباراة.

ارتسمت ابتسامه خفيفه علي وجه آيان ...
ثم أجاب 

ـ آيان: Gracias.

شكراً.

بعدها استدار وغادر المكان، بينما لحقت به سيرا في هدوء.

لم تقل شيئًا...

لكنها شعرت أن الأمر انتهى بطريقة غريبة.

@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@

عاد آيان إلى مقعده داخل قاعة الاجتماعات، وجلست سيرا بجواره وهي لا تزال تفكر فيما حدث منذ دقائق.

التفتت إليه وهي تعقد حاجبيها.

ـ سيرا: أستاذ آيان... أنا كنت برتب شوية حاجات مع ماتيو، ليه حضرتك قولتلي أمشي؟

رفع عينيه عن الأوراق التي أمامه وأجابها بنبرة عملية بحتة.

ـ آيان: عشان حضرتك كنتي واقفة بتضحكي وتهزري... وإحنا في شغل.

اتسعت عيناها بصدمة واضحة.

حدقت به لثوانٍ وكأنها لم تستوعب ما سمعته.

ـ سيرا: نعم؟

ساد الصمت بينهما للحظة.

ثم أكملت وهي تحاول السيطرة على انفعالها.

ـ سيرا: معلش... بس مظنش إن حضرتك ينفع تقول كده.

أنا أولًا ماكنتش بهزر...

وثانيًا... هو كان بيقدم نفسه، وبيشرحلي طريقة تقديم الإعلان مش أكتر.

ظل ينظر إليها للحظات...

ثم قال بهدوء شديد.

ـ آيان: تمام.

كلمة واحدة...

لكنها كانت كافية لتشعرها أن الحديث انتهى بالنسبة له.

أما هي...

فشعرت بضيقٍ لم تستطع إخفاءه.

وقفت من مكانها دون أن تضيف كلمة أخرى، ثم خرجت من القاعة بخطوات سريعة.

تابعها آيان بعينيه حتى اختفت من أمامه.

قطب حاجبيه في حيرة.

ـ آيان (في نفسه):

هي زعلت ليه؟

أنا مديرها...

ومن حقي ألفت نظرها لو شفت حاجة مش مناسبة.

ولا... أنا فهمت الموقف غلط؟

ظل السؤال يدور في رأسه، لكنه لم يجد له إجابة.

@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@

خرجت سيرا من القاعة وهي تزفر بضيق.

كانت خطواتها سريعة، وكأنها تحاول الهروب من شعورٍ لا تستطيع تفسيره.

وقفت أمام الفندق، واستنشقت الهواء بعمق.

ثم تمتمت بضيق.

ـ سيرا: ده متخلف بجد...

يعني أنا كنت بهزر؟

هو أي ابتسامة بقت اسمها هزار؟

هزت رأسها بعدم تصديق.

ـ سيرا: مش طبيعي...

أنا كنت بشوف شغلي وبس.

في تلك اللحظة، اقتربت منها يمنى بعدما لاحظت خروجها المفاجئ.

ـ يمنى: سيرا... خرجتي ليه؟

ابتسمت سيرا ابتسامة باهتة محاولة إخفاء انزعاجها.

ـ سيرا: لا... مافيش.

بس حبيت أشم شوية هوا.

نظرت إليها يمنى .

ـ يمنى: أنا سمعت اللي حصل جوه.

تنهدت سيرا وهي تنظر إلي البعيد.

ـ سيرا: والله يا يمنى مش فاهمة.

فين الهزار اللي بيتكلم عنه؟

أنا كنت بشوف شغلي...

هو بقى شايف إن مجرد إني بابتسم يبقى أنا مش بشتغل؟

ربتت يمنى على كتفها برفق.

ـ يمنى: معلش...

ده طبع أستاذ آيان.

صارم جدًا في الشغل، ومبيحبش أي حاجة تشغله أو تشغل اللي معاه.

أومأت سيرا بهدوء.

ـ سيرا: تمام...

عادي.

رغم أنها قالتها ببساطة...

إلا أن الضيق كان واضحًا داخل عينيها.

في تلك اللحظة، خرج أحد أفراد فريق العمل.

ـ الموظف: الأستاذة سيرا...

حضرتك مطلوبة جوه.

التفتت إليه ثم أومأت.

ـ سيرا: حاضر.

نظرت إلى يمنى قبل أن تبتسم لها ابتسامة صغيرة.

ـ سيرا: هدخل.

ـ يمنى: ماشي ..

ثم تنهدت وهي تتمتم لنفسها.

ـ يمنى: أستاذ آيان عمره ما كان بيتصرف بالطريقة دي...

مش عارفة إيه اللي اتغير فيه.

لكنها هزت رأسها سريعًا وهي تطرد تلك الأفكار، ثم اتجهت هي الأخرى إلى الداخل.

@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@

طرقت سيرا الباب . ثم دفعته ببطء بعدما سمعت صوته يأذن لها بالدخول.

دخلت الغرفة بهدوء...

لتجده يقف أمام الطاولة، يجمع ملفاته بعناية، ويضع حاسوبه داخل الحقيبة 

كان يبدو منشغلًا كعادته...

هادئًا...

ودقيقًا في كل حركة يقوم بها.

رفعت نظرها إليه قبل أن تسأله.

ـ سيرا: حضرتك... هتمشي؟

رفع رأسه إليها للحظة قصيرة، ثم عاد يكمل ترتيب أغراضه.

ـ آيان: أيوه... الجلسة خلصت.

أومأت برأسها في صمت.

لم تجد ما تقوله...

فاتجهت هي الأخرى إلى مكتبها الصغير، وبدأت تجمع أوراقها وأدواتها في هدوء.

ساد الصمت بينهما...

صمت لم يكن مريحًا هذه المرة.

كان كلٌ منهما يريد أن يقول شيئًا...

لكن أحدًا لم يبدأ.

بعد دقائق قليلة، حمل آيان حقيبته واتجه نحو الباب دون أن ينطق بكلمة.
أما سيرا...

فاكتفت بالنظر إليه للحظة، ثم عادت لإكمال عملها.

@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@

في الليل...

كان الفندق غارقًا في هدوءٍ مريح.

الأضواء الصفراء الخافتة تزين الممرات، بينما كانت الأمواج البعيدة تُسمع بصوتٍ خفيف يمنح المكان راحة غريبة.

جلست سيرا على سريرها، تمسك هاتفها وتتصفح بعض الصور التي التقطتها خلال اليوم.

كانت تبتسم أحيانًا...

ثم تعود للصمت.

وفجأة...

قُطع هدوء الغرفة بصوت طرقاتٍ خفيفة على الباب.

عقدت حاجبيها باستغراب.

ـ سيرا: مين؟

لم يصلها رد.

فتقدمت بخطوات هادئة، ثم فتحت الباب.

وقفت تنظر إلى الشاب الواقف أمامها.

كان طويل القامة...

ذو شعرٍ أسود تتخلله خصلات بيضاء، وعينين بنيتين فاتحتين، وبشرة بيضاء زادت ملامحه وسامة.

بادلها نظرة متفاجئة، وكأنه أدرك أنه أخطأ المكان.

ابتسمت سيرا قبل أن يتحدث.

ـ سيرا: أنا عارفاك...

حضرتك معاذ اللاعب... صح؟

ابتسم معاذ وأومأ برأسه.

ـ معاذ: أيوه.

ـ سيرا: حضرتك محتاج حاجة؟

ضحك بإحراج  ...

ـ معاذ: لا خالص...

أنا شكلي جيت الأوضة الغلط.

كنت بدور على أوضة آيان.

ابتسمت وهي تشير إلى نهاية الممر.

ـ سيرا: آخر الممر هناك.

ـ معاذ: تمام...

شكرًا يا...

توقفت لحظة، ثم ابتسمت قائلة.

ـ سيرا: سيرا.

اتسعت ابتسامته.

ـ معاذ: تشرفت يا سيرا...

وشكرًا.

ـ سيرا: العفو.

أومأ لها مودعًا، ثم غادر.

أغلقت الباب بهدوء...

وابتسمت تلقائيًا.

لم يكن الموقف يستحق الابتسام...

لكنه كان لطيفًا بطريقة ما.

@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@

في الجهة الأخرى...

كان آيان مستلقيًا على سريره في هدوء، يحاول تعويض ساعات النوم التي فقدها بسبب ضغط العمل.

وفجأة...

رن جرس الباب بإلحاح.

فتح عينيه بضيق.

ثم نهض متثاقلًا واتجه نحو الباب.

ما إن فتحه حتى اندفع معاذ إلى الداخل.

ـ معاذ: إيه ده كله؟

كنت نايم؟

رمقه آيان بنظرة باردة.

ـ آيان: أيوه...

في مشكلة؟

ضحك معاذ.

ـ معاذ: في حد ينام الوقت ده؟

تنهد آيان بضيق.

ـ آيان: اطلع بره...

وقولي عايز إيه.

تجاهله معاذ تمامًا، وأغلق الباب خلفه ثم جلس على الأريكة بكل أريحية.

ـ معاذ: تعالى اقعد الأول.

نظر إليه آيان باستسلام، ثم جلس أمامه.

ـ معاذ: أنا رايح بكرة رحلة... انا وطاقم العمل ...

تيجي معايا؟

هز آيان رأسه دون تردد.

ـ آيان: لا.

ـ معاذ: ليه؟

ـ آيان: عندي شغل.

هرتب مواعيد مع مديرة أعمالي.

رفع معاذ حاجبه وهو يتذكر شيئًا.

ـ معاذ: هي البنت اللي كانت معاك في الطيارة؟

ـ آيان: سيرا.

ابتسم معاذ.

ـ معاذ: آه...

عرفتها.

لسه كنت بكلمها من شوية.

توقفت ملامح آيان فجأة.

رفع نظره إليه مباشرة.

ـ آيان: إزاي؟

ـ معاذ: خبطت على أوضتها بالغلط.

كنت فاكرها أوضتك.

ساد الصمت لثوانٍ.

لم يظهر على وجه آيان أي تعبير...

لكن شيئًا داخله لم يعجبه سماع ذلك.

أكمل معاذ حديثه وكأنه لم يلاحظ تغير ملامحه.

ـ معاذ: ها...

هتيجي معايا ولا لأ؟

تنهد آيان.

ـ آيان: لا.

ـ معاذ: يا عم هنروح شوية ونرجع.

مش هتاخد من وقتك حاجة.

ظل صامتًا للحظات...

ثم قال أخيرًا.

ـ آيان: تمام...

هفكر.

ابتسم معاذ بانتصار.

ـ معاذ: أهو كده.

أنا هستنى ردك الصبح.

@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@

في الصباح...

كان ضوء الشمس يتسلل بهدوء إلى شرفات الفندق 

خرج آيان من غرفته وهو يفكر في سيرا ...
ـ هل مازالت غاضبه ؟ 
ـ تحدث معها أمس ليخبرها أن اليوم لديهم رحله ...
ـ قاطع تفكيره صوت اغلق باب سيرا ...
ـ نظرت له والقت التحيه وكادت أن تذهب ....

ـ آيان: سيرا...

نظرت له دون رد.

أكمل وهو يثبت عينيه عليها:

ـ آيان: انتي زعلانة؟

رفعت حاجبها باستغراب خفيف.

ـ سيرا: لا.

ـ آيان: متأكدة؟

ـ سيرا: أيوه.

ثم أضافت وهي تحاول إنهاء الموقف:

ـ سيرا: بعد إذنك.

لكن قبل أن تذهب ، قال جملته بهدوء جعلها تتوقف في مكانها.

ـ آيان: آسف.

سكتت.

لم تتحرك.

التفتت ببطء نحوه.

ـ سيرا: نعم؟

اقترب خطوة واحدة فقط، دون أن يتجاوز المسافة بينهما.

كان صوته هذه المرة مختلفًا...

أهدأ... وأصدق.

ـ آيان: لو لسه زعلانة... فآسف.

ثوانٍ مرّت...

لم تكن مجرد صمت.

كانت لحظة اختبار غريبة بينهما.

ثم نظرت له سيرا أخيرًا.

لم تقل إنها قبلت الاعتذار...

لكن عينيها قالت شيئًا آخر.

شيء أخف لم تعد غاضبه .
ـ ذهب آيان من أمامها بعد إنهاء جملته ..
ـ وابتسمت سيرا ...

@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@

بعد قليل...

وصل الجميع إلى المكان.

كان المشهد مختلفًا تمامًا عن أي مكان آخر.

يخوت فاخرة تلمع تحت الشمس، مياه زرقاء هادئة، ومقاهي تطل على المارينا، وصوت ضحكات خفيفة يملأ المكان.

نزلت سيرا من السيارة، ووقفت للحظة وهي تنظر حولها بانبهار واضح.

ثم ابتسمت دون أن تشعر.

ـ سيرا: تحفة...

اقترب معاذ وهو يصفق بحماس.

ـ معاذ: يلا يا جماعة! ناخد صور ونقعد ونستمتع، النهاردة إحنا مش شغل... إحنا أصدقاء.

تفرّق الجميع تدريجيًا.

كل واحد اتجه لمكان يعجبه.

لكن سيرا...

ظلت واقفة.

تراقب البحر.

رفعت كاميرتها وبدأت تلتقط صورًا بهدوء.

ثم مشت ببطء نحو الرمال.

خلعت حذاءها...

ولامست قدماها الرمل لأول مرة.

أغمضت عينيها لحظة.

كأنها كانت تحتاج هذا الشعور منذ زمان.

اقتربت من المياه، ولمستها بخفة.

ابتسامة صغيرة ظهرت على وجهها.

لكن فجأة...

جاءت موجة أقوى من المتوقع.

تراجعت خطوة بسرعة...

لكنها اختل توازنها.

وقبل أن تسقط...

شعرت بيد تمسك ذراعها بقوة وثبات.

رفعت نظرها بسرعة.

كان هو.

آيان.

ثبتها في مكانها دون أن يقول شيئًا أولًا.

ثم ترك ذراعها بهدوء.

ـ آيان: انتي كويسة؟

هزت رأسها وهي تحاول استعادة أنفاسها.

ـ سيرا: أيوه... شكراً.

نظرت إلى حذائه الذي ابتل من أثر الموجة.

اتسعت عيناها قليلًا.

ـ سيرا: أنا آسفة...

ـ آيان: مفيش حاجة.

صمت.

لكن هذه المرة لم يكن صمتًا مزعجًا.

كان مختلفًا.

أهدأ.

أقرب.

رفعت سيرا كاميرتها مرة أخرى، وكأنها تحاول الهروب من لحظة أصبحت أثقل من أن تُفهم.

لكن صوت آيان أوقفها.

ـ آيان: بتحبي البحر؟

نظرت إليه.

ـ سيرا: أيوه جدًا.

ـ آيان: ليه؟

سكتت لحظة.

ثم قالت بصراحة بسيطة:

ـ سيرا: معرفش...

بس بحسه بيهدي.

كأنه بيسمعك من غير ما يحكم عليك.
ثم أكملت ...
ـ وانت ؟

نظر لها قليلًا...

ثم قال بصوت منخفض:

ـ آيان: وأنا مبحبش حاجة.

رفعت حاجبها.

ـ سيرا: ولا حاجة خالص؟

ـ آيان: ولا حاجة.

ابتسمت 

ـ سيرا: مستحيل.

أكيد في حاجة.

سكتت لحظة ثم أضافت بهدوء:

ـ سيرا: كل الناس بتحب حاجة... حتى لو مش واخدة بالها.
حاجه بتحس انك مبسوط لما بتشوفها ...
ـ حاجه بحس إن الدنيا كلها اختفت لما بتفكر فيها ...

نظر لها طويلًا.

لم يجب.

لكن داخله قال شيئًا لم ينطق به:

"في حاجة واحدة... أنا بدأت أحسها."

ابتسمت سيرا مرة أخرى، ثم ابتعدت قليلًا لتكمل التصوير.

وبقي هو ينظر إليها...

وكأن البحر لم يعد هو الشيء الوحيد الذي يجذبه في هذا المكان.

                 الفصل التاسع عشر من هنا
تعليقات



<>