رواية نبضات الصخر الفصل العشرون20والحادي والعشرون21 بقلم هاجر سلامة

رواية نبضات الصخر الفصل العشرون20والحادي والعشرون21 بقلم هاجر سلامة
أُغلقت أبواب غرفة العمليات الحديدية الثقيلة، لتضاء اللوحة الحمراء المرعبة في الممر المعقم

  في تلك الثواني، شعر معاذ وكأن جزءاً من جسده وروحه قد انتُزع ودخل خلف تلك الأبواب. 
وقف مكانه كالصنم، وعيناه الحمراوان الغائرتان معلقتان بالزجاج الداكن لم يكن هذا الخوف خوفاً عادياً، بل كان رعباً عاشقاً على فتاة تحدت المرض، وحاربت التليف، وحملت في أحشائها المجهدة نبضين وتوأماً لتهبه الحياة والأمان فقد كان الممر الطويل فسيحاً وبارداً، يقطعه فقط صوت خطوات معاذ القلقة وهو يروح ويجيء وعقله يرتجف ندمًا وشوقًا 

 جلس شاكر بيه على أحد المقاعد، ممسكاً بمسبحته الخشبية، ودموعه الصامتة تنهمر على لحيته البيضاء وهو يدعو الله : "يا رب سلم بنتي نايا.. يا رب رجعها ليا بالسلامة وقومها هي وأولادها.. ماليش غيرها يا رب .

 "اقترب معاذ من حماه، وجلس على ركبتيه أمامه، وأمسك بيده المرتعشة وتحدث بصوت متهدج يملأه اليقين: "هتقوم بالسلامة يا عمي.. نايا قوية، وحبنا والرسالة اللي قرأتها قبل ما تدخل ثبتت قلبها ربنا مش هيضيع رجاءنا ولا تعب الشهور اللي فاتت دي أنا حاسس إن أولادنا بيحاربوا معاها جوة."

 مرت ساعة ونصف بدت وكأنها قرن كامل من الزمان.
 وفجأة، وسط الصمت المهيب الذي خيم على الطابق المؤمن الكامل 

  اخترق السكون صوت رفيع، حاد، ونقي.. صرخة صبية دافئة هزت أركان الممر. 

 التفت معاذ بلهفة وصدمة، وقبل أن يستوعب، دوت صرخة ثانية أقوى وأعمق.. صرخة ولد بطل يعلن عن قدومه للدنيا!
انهمرت الدموع الجارفة من عيني معاذ فوراً، وسقط ساجداً على الأرض يبكي بحرقة وفرحة جنونية هزت كيانه بالكامل، وصاح وهو ساجد : "الحمد لله يا رب! الحمد لله يا كريم! ولادي اتولدوا.. نايا عملتها وقامت!"نهض شاكر بيه وهو يرتجف فرحاً، واحتضن معاذ بقوة بالغة، واختلطت دموع الأب بدموع الزوج في مشهد إنساني مهيب طهر القصر والعائلة من كل آلام الماضي 

 فُتحت أبواب غرفة العمليات، وخرج الطبيب الخاص بملامحه المشرقة والمبشرة الطبية الرائعة ، وخلفه ممرضتان تحمل كل منهما لفة قطنية دافئة؛ واحدة باللون الأزرق السماوي والأخرى باللون الوردي النبيل .

 تقدم الطبيب وقال بابتسامة واسعة : "مبروك يا معاذ بيه.. مبروك يا شاكر بيه! المعجزة اكتملت بأفضل شكل طبي ممكن. مدام نايا بخير، وجدار رحمها استقر تماماً بعد خروج الأجنة والنزيف تمت السيطرة عليه بنجاح.. وتفضلوا، استقبلوا وريث عائلة الشاكر، والأميرة الصغيرة في أتم صحة وعافية! 

 "تقدم معاذ بخطوات مرتعشة وعيون مذهولة. 

 امتدت يداه ليلتقط اللفتين برفق شديد وحذر، كأنه يحمل أثمن لآلئ الكون. وضع الممرضات الولد والبنت بين يديه العريضتين. نظر معاذ إلى وجهيهما الصغيرين، ورأى ملامح نايا وسحر عيونها الخضراء يتجلى في الأميرة الصغيرة، ورأى قوته ورجولته تنبض في ملامح الوريث الصغير

 انحنى معاذ وقبل جبين الولد ثم البنت بدموع وعشق جارف، وتحدث بصوت باكٍ حنون : "أهلاً بيكم في دنيتي يا قلب بابا.. أهلاً بيك يا سندي ويا وريث عيلتنا، وأهلاً بيكي يا أميرتي المحببة أنا هحميكم بروحي ودمي طول العمر، ومش هخلي مخلوق يمسكم بشعرة 

 "انحنى شاكر بيه وقبل أحفاده بفخر شديد وعيناه تشعان سعادة : "يتربوا في عزك يا معاذ يا ابني.. مبروك علينا المعجزة دي. يلا ندخل بيهم ل نايا عشان تفرح بيهم."تم نقل نايا إلى غرفتها الفخمة المجهزة بالبالونات والورود الملونة 

  بدأت نايا تفوق ببطء من أثر البنج، وتحركت جفونها الخضراوان لتفتح عينيها وتجد الغرفة دافئة وهادئة. أول ما وقعت عليه عيناها كان معاذ، الذي كان يجلس بجانب سريرها، ويحمل بين يديه التوأم الصغير بابتسامه تشع عشقاً ودموع الفرحة لم تجف على وجنتيه .

 اقترب معاذ برفق، ووضع الأطفال بجانبها على السرير لتلمسهم يدها الدافئة. نظرت نايا إليهم، وانهمرت دموع الفرح الحقيقية والانتصار الساحق من عينيها. ضمتهم إلى صدرها برفق وبكت بحرقة : "أولادي يا معاذ! ولد وبنت! أنا بقيت أم.. رحم المريض شالهم وطلعهم بالسلامة للدنيا الحمد لله يا رب على كرمك."انحنى معاذ وقبل شفتيها قبلة طويلة وعميقة، مفعمة بالوعد الأبدي والامتنان والشوق الجارف وهمس في اذنها: "أنتِ أعظم ملكة في الكون يا نايا.. أثبتّ للدنيا كلها أن الحب والصدق يصنعان المعجزات شكراً لأنكِ وهبتِ لي هذه الحياة الجديدة، وشكراً لأنكِ صمدتِ لأجلنا.. أنا وكل ما أملك تحت قدميكِ يا أميرتي الجميلة

 ."دخل شاكر بيه واحتضن ابنته بحنان شديد وقبل رأسها : "مبروك يا نور عيني.. رفعتي راسي، والنهارده الميراث والشركة وكل شقى عمري اتأمن رسمي باسم أولادك، ومعاذ بقى رئيس مجلس الإدارة والكل بيعمل له حساب ربنا يحفظكم لبعض يا ولادي."

 نظرت نايا إلى زوجها وحبيبها معاذ، ورأت في عينيه الأمان والدرع الذي طالما بحثت عنه ، وأمسكت بيده وضغطت عليها بقوة وهي تبتسم بانتصار كامل وسعادة باذخة تملأ الغرفة الملونة بالورود والبالونات ، معلنة نهاية فصل التعب وبداية عصر الحب الأبدي لعائلة الشاكر.

 نبضات الصخر
الفصل الحادي والعشرون 
 الكاتبة هاجر سلامة 

 عادت عائلة الشاكر إلى قصرها الفاخر وهي تحمل بين يديها المعجزة المزدوجة التي طهرت جدران البيت من كل سموم الماضي. مر أسبوع كامل على الولادة التاريخية، واستعادت نايا جزءاً كبيراً من نضارتها وصحتها بفضل الرعاية الفائقة والدلع المفرط الذي كان يغرقها فيه معاذ بالثانية. تحول القصر في هذه الأيام إلى خلية نحل حقيقية؛ استعداداً لإقامة أضخم وأعظم حفلة "سبوع" في تاريخ رجال الأعمال للاحتفال بوريث العائلة وأميرتها الصغيرة.

 في الجناح الملكي، كانت نايا تقف أمام مرآتها الكبيرة، ترتدي فستاناً مخملياً باللون الأبيض الناصع المطرز بالذهب، وتضع في عنقها عقداً أليماسياً فخماً أهداه لها معاذ بمناسبة سلامتها. بدت كملكة متوجة عادت لتجلس على عرش كبريائها وأنوثتها التي حماها العشق. اقترب معاذ من خلفها ببطء، وكان يرتدي بدلة رسمية سوداء تزيد من هيبته ووسامته الإدارية الكبرى كرئيس لمجلس الإدارة. أحاط خصرها بيديه الدافئتين برفق شديد، وانحنى وقبل كتفها العاري: "بسم الله ما شاء الله.. أنتِ النهاردة مش بس أم لتوأم، أنتِ أحلى حورية شفتها عيني في الكون يا نايا."

 التفتت إليه نايا وعيناها تشعان هُياماً وعشقاً، ووضعت يديها على صدره وتحدثت بدلال رقيق: "كل الجمال ده عشانك أنت يا معاذ.. وعشان أكون تليق بالراجل والدرع اللي رفع راسي قدام الدنيا كلها وحمى أولادي.. أنا بحبك أوي."

 ضحك معاذ بصوت دافئ، وقبل شفتيها قبلة طويلة ومفعمة بالوعد والوفاء، ثم همس برفق: "الضيوف بدأوا يوصلوا تحت، والكل مستني يشوف الملكة والتوأم.. يلا بينا ننزل يا حبيبتي."

 كانت حديقة القصر الفسيحة مزينة بالكامل بآلاف الزهور الطبيعية الملونة باللونين الأزرق والوردي، ومليئة بالبالونات المضيئة وأسرة الأطفال الكريستالية الفخمة التي تحمل التوأم الصغير. حضر كبار رجال الأعمال والمسؤولين والمشاهير، وكان "شاكر بيه" يقف في المنتصف يستقبل المهنئين وعيناه تدمعان بفخر واعتزاز وهو يرى معاذ ونايا ينزلان درجات السلم يداً بيد بكامل هيبتهما وقوتهما.

 وسط الحشود الصاخبة، كانت تقف مجموعة من "صديقات نايا" القدامى من الطبقة المخملية، تتقدمهن فتاة تدعى "ياسمين". كانت ياسمين وصديقاتها يشعرن بنيران غيرة وحقد أعمى ينهش قلوبهن؛ فلم يصدقن أن نايا التي تفاخرن سابقاً بمرضها وتأخر حملها، قد عافت رحمها وحملت بتوأم، وتزوجت من رجل وسيم وذكي صار هو الآمر الناهي في مجموعة شركات الشاكر.

 تحدثت ياسمين مع صديقاتها بغل مسموم: "شايفين البت نايا عاملة فيها ملكة إزاي؟ والراجل اللي كانت بتقول عليه موظف بسيط، بقى هو الحوت الكبير وبيدير كل حاجة! الجوازة دي مستحيل تستمر والسعادة دي لازم تنتهي النهاردة.. أنا هوريكوا إزاي ههز ثقتها في نفسها وأوقع جوزها ده في ثانية."

 بدأت الأجواء تشتعل بالموسيقى والاحتفالات، وذهبت نايا لتقف بجانب والدها والتوأم لتلقي التهاني من كبار الشخصيات. في تلك اللحظة، رصدت ياسمين معاذ وهو يقف بمفرده بجانب طاولة المشروبات يتابع العمل والحراسة بنظرات ثاقبة وصارمة.

 عدلت ياسمين فستانها العاري، وحركت خصلات شعرها بدلال رخيص، وتقدمت بخطوات متمايلة نحو معاذ وتحدثت بنبرة ناعمة ومغرية: "مساء الخير يا معاذ بيه.. قصدي يا باشا مصر الجديد. بجد مبروك على التوأم وعلى منصب رئيس مجلس الإدارة.. أنت تستاهل أكتر من كدة بكثير."

 التفت معاذ إليها، وعقد حاجبيه بصرامة وجفاء تام يعكس رجولته ووفاءه المطلق لنايا. ونظر إليها ببرود حديدي كمن ينظر إلى حشرة طفيلية، وتحدث بجفاء: "مساء النور يا فندم. الله يبارك فيكِ.. عقبالك."

 حاولت ياسمين الاقتراب منه خطوة إضافية لتقف قريبة جداً من صدره، ولمست ذراعه برقة مصطنعة وقالت بخبث محب وهي تنظر لعينه بدلال: "تسلم يا معاذ.. بس بجد، أنا مستغربة إزاي راجل وسيم وقوي وذكي زيك يستحمل برود وعناد نايا وطبعها الصعب ده؟ نايا دايماً مغرورة وشايفة نفسها.. أنت تستاهل واحدة تانية تقدر رجولتك وتدلعك وتعرف قيمتك بجد.. لو تحب، ممكن نتقابل برة الشغل ونتكلم في صفقات تانية خالص هتعجبك أوي."

 في تلك الثواني، تجمدت ملامح معاذ، واشتعلت عيناه الحادتان بنيران حمراء وقاتلة من الغضب من هذه الوقاحة الجريئة. سحب ذراعه من يدها بقوة وعنف كاد يسقطها أرضاً، وتحدث بصوت جهوري، حاد، وصارم زلزل أركان المكان وأثار انتباه الضيوف القريبين: "الزمي حدودكِ يا شاطرة وأوعي تفتكري إن كل الرجالة زي الأشكال اللي تعرفيهم! نايا دي ضفرها برقبتك وبرقبة كل اللي يعرفوكي! نايا دي الملكة ومراتي وأم أولادي، والراجل اللي يتكلم عن مراته بنبرة زي دي في بيته يبقى مش راجل.. أنتِ وصحابك الجعانين دول داخلين بيتي بطمع وحقد وعايزين تبوظوا فرحتنا؟"

 أشار معاذ بإصبعه بصرامة نحو بوابة القصر الكبرى وصاح بصوت مرعب: "سليم! خذ الأشكال الرخيصة دي واطردهم برة القصر حالا.. ومش عايز أشوف وشهم في أي مكان يخص عيلة السيوفي تاني! برة!"

 ركض سليم ورجال الأمن الأشداء فوراً، وأحاطوا بياسمين وصديقاتها اللاتي شحبت وجوههن تماماً من شدة الفضيحة والانكسار أمام كبار رجال الأعمال. وتم سحبهن وطردهن خارج أسوار القصر الفاخر يجررن أذيال الخيبة والذل الكلي.

 كانت نايا تقف على بعد أمتار، وشهدت الموقف بالكامل من بدايته لنهايته. انهمرت دموع الفرحة والثقة المطلقة من عينيها الخضراوين، وشعرت بفخر واعتزاز لا حدود له بهذا الرجل الذي صان عرضها وحمى كبريائها أمام الجميع وفي عقر دارها.

 تقدم معاذ نحوها بخطواته الثابتة، وتلاشت كل علامات الغضب من وجهه لتحل محلها ابتسامة دافئة مفعمة بالعشق والاعتذار: "أنا أسف يا ملكتي.. كان لازم أنظف الحفلة من الأفاعي دول عشان فرحتك تكمل ومحدش يعكر مزاجك."

 ارتمت نايا في أحضانه بقوة أمام جميع الحاضرين الذين صفقوا لهما بحرارة وإعجاب شديد، وقبلت وجنته وقالت بصوت يرتجف من شدة المشاعر: "أنت رجلي وسندي يا معاذ.. ربنا يخليك ليا ولأولادنا، وميحرمناش من وجودك ومن حمايتك دي أبداً.. بحبك فوق ما تتخيل."

 انتهت الحفلة الأسطورية بنجاح ساحق، وصعد العروسان إلى جناحهما حاملين التوأم الصغير ليرقدوا جميعاً في سلام وأمان كامل تحت ظلال العشق الصادق الذي انتصر على كل المؤامرات والأشواك.
تعليقات



<>