رواية صاحب الوجه الاخر الفصل الاول1بقلم رحمة حسين
العائد من الموت
لم يكن الموت هو النهاية دائمًا...
أحيانًا يكون البداية الأكثر قسوة.
تسللت أشعة الشمس الخافتة بين شواهد القبور تُلقي بظلالها الطويلة على الأرض الرطبة، بينما وقف الجميع في صمتٍ يليق بالمكان وبالوجع الذي لم يبرأ رغم مرور خمس سنوات.
تقدمت روميساء بخطواتٍ بطيئة حتى وقفت أمام شاهدٍ رخامي أبيض انطبعت عليه حروفٌ سوداء لم تستطع يومًا التحديق فيها طويلًا
عدي السيوفي
لمست أطراف الاسم بأصابع مرتجفة ثم أغمضت عينيها
خمسة أعوام
خمسة أعوام كاملة وما زالت تشعر أن كل ما حدث كان كابوسًا طويلًا لم تستيقظ منه بعد
وضعت باقة الزهور برفق، وهمست بصوتٍ لم يسمعه أحد:
"اللهم اجمعني به في جنتك إن كان قد سبقني إليها"
وقفت والدته إلى جوارها تتكئ على ذراع ابنتها روجين بينما انحنى يوسف يقرأ الفاتحة بصوتٍ خافت يحاول أن يخفي ارتجافة صوته.
أما د. يحيى، فاكتفى بالنظر إلى الاسم المنقوش أمامه
كان يعلم أن مرور السنوات لا يعني أن الغياب أصبح أسهل
بعض الغياب يزداد ثقلًا كلما مر عليه الوقت
ساد الصمت
صمتٌ لم يقطعه سوى صوت الرياح وهي تعبث بأوراق الأشجار.
وفجأة
اهتز هاتف يوسف داخل جيبه
نظر إلى الشاشة باستغراب
ده عم حسن بواب العمارة
ابتعد خطواتٍ عنهم وأجاب بهدوء:
"ألو"
جاءه صوت رجلٍ مسن، مترددًا:
عم حسن: "استاذ يوسف"
يوسف
"خير يا عم حسن؟"
ساد صمتٌ قصير
ثم خرجت الكلمات متقطعة وكأن صاحبها لا يصدق نفسه:
"في... في راجل واقف تحت العمارة."
يوسف
"مين يا عم حسن "
ابتلع الرجل ريقه قبل أن يقول:
"بيقول إنه الدكتور عدي."
...
تجمد الدم في عروق يوسف.
لمعت عيناه وهو يحدق في الفراغ
"إنت بتقول إيه؟"
"والله يا ابني أنا عارف إن الكلام هيبان جنون بس الراجل نسخة من الدكتور نفس الوش نفس الصوت دكتور عدي رجع يا أستاذ يوسف"
انقطع صوت يوسف تمامًا.
التفت ببطء نحو أسرته.
كان الجميع ينظر إليه بعدما تغير لون وجهه.
اقتربت روميساء أولًا.
"يوسف... في إيه؟"
لم يجب.
ظل يحدق بها لثوانٍ.
ثم خرج صوته بالكاد:
"لازم... لازم نرجع البيت."
قطبت روجين حاجبيها.
"ليه؟ حصل إيه؟"
نظر إليهم جميعًا
ثم قال الجملة التي شقت سكون المقبرة كالصاعقة:
"في واحد واقف قدام بيتنا... وبيقول إنه عدي."
...
ساد صمتٌ مخيف.
توقفت أنفاس الجميع.
تراجعت أم عدي خطوة إلى الخلف وهي تهز رأسها بعنف.
"لا"
همست بها قبل أن تتحول إلى بكاءٍ هستيري.
"انت اكيد بتهزر يا يوسف"
أما روميساء...
فلم تنطق بحرف.
حدقت في شاهد القبر مرةً أخيرة
ثم رفعت عينيها نحو السماء.
وللمرة الأولى منذ خمس سنوات
شعرت أن القدر يفتح بابًا لم تكن مستعدة لعبوره
ــــــــــــــــــــــــــــ
غادرت السيارات المقبرة في صمتٍ ثقيل وكأن أحدًا يخشى أن ينطق بكلمة فتتبدد تلك المعجزة التي هبطت عليهم فجأة.
كان يوسف يقود السيارة بعينين زائغتين بينما تجلس والدته إلى جواره تمسك مسبحتها وتتمتم بآياتٍ متقطعة لا تدري أهي تدعو الله أن يكون ما سمعته حقيقة أم تخشى أن تستيقظ بعد قليل وتكتشف أن كل شيء كان حلمًا
في المقعد الخلفي جلست روميساء بجوار روجين
لم تتبادل أيٌّ منهما الحديث
كلتاهما تحدقان في الطريق.
كلتاهما تستعيدان الذكرى نفسها
يوم خرج عدي من البيت للمرة الأخيرة
ــــــــــــــ
توقفت السيارة أمام العمارة كان المكان يعج بالجيران
رجال ونساء يقفون في حلقات صغيرة يتبادلون النظرات والهمسات.
وما إن نزل يوسف حتى اندفع إليه عم حسن، البواب.
قال بصوتٍ مرتجف:
"هو لسه واقف مكانه يا يوسف بيه... والله العظيم ما اتحرك خطوة."
ابتلع يوسف ريقه.
ثم رفع بصره.
وهناك
كان يقف هو نفسه القامة نفسها
الملامح نفسها
حتى الوقفة التي اعتاد أن يقفها أمام العمارة كل صباح
تجمد في مكانه
شعر وكأن الزمن عاد به خمس سنوات إلى الوراء
تمتم دون وعي:
"عدي..."
رفع رأسه
ولمعت ابتسامة هادئة على شفتيه
"يوسف..."
لم يحتج يوسف لأكثر من ذلك.
ركض نحوه كطفلٍ وجد أخاه بعد عمرٍ من الفقد وألقى بنفسه بين ذراعيه.
ارتفع صوت بكائه دون خجل.
"كنت فين يا عدي؟!"
ضمه عدي بقوة وربت على ظهره.
"أنا آسف... آسف يا يوسف."
لم تكن هناك كلمات تكفي لخمسة أعوامٍ من الوجع.
ما إن رأت فاطمة ابنها حتى أطلقت صرخة مزقت سكون المكان.
"عديييي!"
ركضت نحوه غير عابئة بضعف قدميها ولا كِبر سنها
احتضنته بكل ما بقي فيها من قوة
كانت تتحسس وجهه بيديها وكأنها تخشى أن يتلاشى إن أبعدته عنها
"إنت عايش... والله إنت عايش..."
انحنى وقبّل رأسها.
"حقك عليا يا أمي."
أجهشت بالبكاء وهي تضم وجهه إلى صدرها
أما روجين فلم تستطع الانتظار
دفعت يوسف جانبًا وهي تضحك وتبكي في الوقت نفسه.
"وحشتني أوي يا أبيه..."
ابتسم وهو يمسح دموعها
"وإنتِ كبرتي أهو."
ضحكت وسط دموعها
"خمس سنين يا بني آدم... أمال هفضل صغيرة؟"
انطلقت ضحكات مختلطة بالبكاء بين الجميع
حتى الجيران بدأوا يمسحون دموعهم
كان آخر من اقترب هو يحيى
وقف أمام صديقه للحظات
لم يقل شيئًا
ثم فتح ذراعيه
احتضنه عدي طويلًا
وقال يحيى بصوتٍ مخنوق:
"وحشتيني اوي يا صاحبي"
أجابه بصوتٍ خافت:
"و انت كمان أنا كنت كل يوم بحلم إني هرجع."
ابتعد يحيى ينظر إليه.
"هتحكي لينا كل حاجة"
ابتسم ابتسامة متعبة.
"هحكي... بس لما أدخل البيت الأول"
وسط كل ذلك
كانت روميساء وحدها لم تتحرك
وقفت في مكانها تراقب المشهد بعينين امتلأتا بالدموع
كانت تسمع دقات قلبها بوضوح
أهو حقًا؟
هل عاد؟
أيمكن أن يمنحها الله معجزة كهذه بعد أن أغلقت باب الأمل بيديها؟
التفت إليها
ولمعت عيناه عندما وقعتا عليها
تحرك بخطوات هادئة حتى وقف أمامها مباشرة
ساد صمت طويل
ابتسم ابتسامة باهتة.
"عاملة إيه يا روميساء؟"
انهارت دموعها أخيرًا.
لم تستطع أن تتكلم.
كل الكلمات التي حفظتها طوال خمس سنوات ضاعت في لحظة
رفعت يدها المرتجفة ولمست خده برفق
كانت تريد فقط أن تتأكد أنه حقيقي
أنه ليس حلمًا.
أغمضت عينيها للحظة
ثم همست: "إنت رجعت..."
هز رأسه ببطء
"رجعت."
ولم تنتظر أكثر
ألقت بنفسها بين ذراعيه تبكي كما لم تبكِ منذ يوم دفنه.
أما هو
فاكتفى بأن ضمها في هدوء بينما أغلق عينيه للحظة طويلة.
لم يلتفت أحد إلى ذلك المشهد
كان الجميع يبكي
والجميع يحمد الله على تلك المعجزة التي أعادت الغائب بعد خمس سنوات
قطع عم حسن تلك اللحظة وهو يقول بحماس:
"يا جماعة... سيبوه يدخل بيته الأول الراجل أكيد تعبان."
أومأ يوسف بسرعة.
"صح... يلا يا عدي."
تحرك الجميع نحو مدخل العمارة.
وقف عدي أمام الباب للحظة قصيرة
ابتسم ابتسامة صغيرة وهو يمرر بصره على الجدران القديمة
نظر الجيران إلى بعضهم البعض
كل كلمة يقولها
كل اسم ينطق به
كل تفصيلة يتذكرها
كانت تؤكد أنه عدي السيوفي
دخل البيت
توقف الجميع عند الباب
لم يتغير شيء تقريبًا
الصور المعلقة كما هي
الساعة القديمة ما زالت في مكانها
والمصحف المفتوح فوق الطاولة الجانبية كما تركته أمه منذ سنوات
تنفس عدي بعمق
ثم قال بصوتٍ امتزجت فيه الراحة بالتعب:
"ريحة البيت... وحشتني."
لم تتمالك فاطمة نفسها أخذت تبكي من جديد وقالت
"مقدرناش نعيش في الشقة من غيرك يا عدي من يوم ما فرقتنا واحنا سبنها كل مكان فيها كان بيفكرنا بيك "
بينما اقترب يوسف منه وربت على كتفه
"إحنا مش هنسيبك تقوم من مكانك النهارده لازم تحكي لينا كل حاجة."
ابتسم عدي ابتسامة هادئة
"هحكي بس الأول نفسي أقعد وسطكم شوية."
ساد صمت دافئ.
ولأول مرة منذ خمس سنوات
اجتمعت العائلة حول المائدة الطعام من جديد
بينما كانت الحياة تبتسم لهم
كانت الحقيقة في مكانٍ آخر ما تزال مقيدة بالسلاسل.
