رواية اسميتها ريحانه الجزء الثاني2من عشقت محتالة الفصل الثالث3بقلم سلمي جاد
البارت 3
ابتلع ياسين ريقه، وظل ينظر إليها ببلاهة، غارقًا داخل عينيها العسليتين اللتين كانتا تلمعان تحت أشعة الشمس. لم يعلم أكانتا بهذا الجمال حقًا، أم أنه يتوهم من أثر ارتطام رأسه بالأرض.
بدأ الناس يتجمعون حولهما بأعداد كبيرة. لم يفهم ياسين حديثهم، لكنه توقّع بالطبع أنهم يسألونه عن حاله، فتمتم بسرعة:
"أنا كويس... كويس."
ثم اتجه مسرعًا نحو سيارته، ليحضر السماعة حتى يستطيع التحدث مع الفتاة.
استغرق ثوانٍ معدودة حتى وصل إلى السيارة، وأخذ السماعة وارتداها.
التفت خلفه...
ولكنه لم يرها.كأنها اختفت.أخذ يبحث عنها في كل مكان، لكنه لم يجد لها أثرًا.
اتجه إلى أحد الأشخاص الذين ما زالوا واقفين، وسأله:
"لو سمحت، الآنسة اللي كانت واقفة هنا راحت فين؟"
أجابه أحد الواقفين:
"دي ركبت تاكسي يا بيه ومشيت... بس الأصول إنك كنت تشكرها، دي أنقذت حياتك."
همس ياسين بضيق، وهو ينظر إلى المكان الذي اختفت فيه:
"للأسف... ملحقتش."
____________________________________________________
في شركة الدالي جروب - غرفة الاجتماعات
بدأ أعضاء الوفد الفرنسي في الدخول، واحدًا تلو الآخر، واستقبلهم سليم برفقة سهيلة.
جلس الجميع، وبدأ الاجتماع، بينما كان سليم ينظر إلى الباب، ثم إلى الساعة، ينتظر دخولها.
همست سهيلة له:
"سليم بيه، نبدأ ولا إيه؟"
نظر نظرة أخيرة إلى الباب، قبل أن يهز رأسه موافقًا.
"تمام... ابدأي."
وفجأة...
فُتح الباب، وظهرت ريحانة وهي تتنفس بسرعة من أثر الجري، وفي يدها كوب قهوة.
اعتذرت عن تأخرها، ثم دخلت وجلست على أحد المقاعد حول الطاولة الكبيرة، التي كان يجلس على رأسها وباقي أعضاء الوفد.
بدأ الاجتماع، والذي استمر لمدة ساعة.
ثم تحدث أحد أعضاء الوفد:
"OK, Mr. Salim. Now we should sign the contract, but first we need someone to tell us about your plans."
"حسنًا، مستر سليم، الآن سنوقع العقد، ولكن أولًا نحتاج إلى شخص يشرح لنا خططكم."
تقدمت سهيلة لتشرح المشروع، لكن نفس الشخص تحدث مرة أخرى:
"But we need it in the German language, because it will be better for us."
"لكن نريد الشرح باللغة الفرنسية، لأنه سيكون أفضل بالنسبة لنا."
اقتربت سهيلة من سليم، وقالت بتوتر:
"هنعمل إيه يا سليم بيه؟ أنا مش بعرف أتكلم فرنساوي، ولا حضرتك كمان."
نظر سليم إلى ريحانة، التي كانت تسجل الملاحظات بانتباه، ثم قال:
"ريحانة."
رفعت رأسها فجأة، وقالت بتوتر:
"نعم؟"
"قومي يلا عشان تشرحي للعملاء خطة البيع بتاعتنا."
ابتلعت ريقها بتوتر، وهي تنظر إلى الجالسين.
"يا مستر سليم... أنا..."
تحدث بنبرة هادئة، محاولًا بث الطمأنينة بداخلها، رغم علمه أن الأمر صعب:
"إنتِ كل اللي هتعمليه إنك هتقري من الملف بالإنجليزي، بس تشرحيه بالفرنسي، عشان يفهموا."
ظلت تنظر إليه بتوتر، لكنه قال بنبرة واثقة بثت في نفسها الطمأنينة:
"أنا واثق فيكي يا ريحانة، وعارف إنك هتقدري."
هزت رأسها بابتسامة باهتة، ثم نهضت لتقف أمام الشاشة بعدما التقطت ملف المشروع.
فتحته بهدوء، وبدأت تتحدث.
كانت كلماتها واثقة، ونبرة صوتها مميزة، رغم أنها كانت تتنقل بين لغتين مختلفتين في الوقت نفسه.
كان يراقبها بابتسامة خفية، وكلما التقت عيناها بعينيه، هز رأسه لها بتشجيع، فتتابع حديثها بثقة أكبر، تحت أنظار سهيلة المليئة بالحقد.
انتهى الاجتماع، ووقف سليم ليودع أعضاء الوفد، وبرفقته ريحانة.
تحدث أحد أعضاء الوفد، موجهًا حديثه إليها:
"Your accent is so good."
ابتسمت ريحانة، وأجابته:
"Thank you, sir."
خرج أعضاء الوفد، وبرفقتهم سهيلة، ولم يبقَ في غرفة الاجتماعات سوى سليم وريحانة.تقدم منها بخطوات هادئة، حتى وقف أمامها، بينما كانت ترتب الملفات.
وقال:
"اتأخرتِ ليه على الاجتماع؟ أنا مش قايلك إنه بعد ساعة؟"
رفعت رأسها، فهي لم تنتبه أنه ما زال داخل الغرفة.
كان يقف أمامها مباشرة، بينما كانت الطاولة خلفها.
تحدثت بتلعثم:
"أنا آسفة... كنت بجيب قهوة من تحت، والمكان كان زحمة."
رفع أحد حاجبيه باستنكار، وقال:
"ومجبتيش من قهوة الشركة ليه؟ إنتِ متعرفيش إن عندنا كافتيريا في الدور اللي تحتنا؟"
هزت رأسها نفيًا.
"لا... مكنتش أعرف."
أومأ برأسه، وقال:
"تمام يا ريحانة، اللي حصل النهارده ميتكررش تاني."
ثم اتجه نحو الباب استعدادًا للخروج، لكنه توقف عنده، ووجه حديثه إليها دون أن يلتفت، معطيًا لها ظهره:
"صحيح... برافو عليكي. كنتِ قد الثقة اللي حطيتها فيكي."
ابتسمت من مدحه المبطن، وقالت:
"أنا معملتش حاجة... ده شغلي."
هز رأسه ببطء، ثم خرج من الغرفة.
أما هي، فتنهدت بسعادة من كلماته، حتى وإن لم يُظهرها بوضوح، فمنذ الوقت القصير الذي رأته فيه، أدركت أنه يكتم مشاعره بقوة، ويرسم على وجهه قناعًا من الجليد.
_________________________________________________
في أحد المولات الشهيرة، كان يقف يزن بهيبته الرجولية ينتظر فتون التي كانت تقيس إحدى قطع الملابس. وفي أثناء انتظاره بملل، سمع فجأة باب غرفة تبديل الملابس يُفتح، تبعته خطوات فتون الهادئة.
شعر بنبضات قلبه تتسارع فور رؤيته لجمالها الفاتن الذي زاده الفستان تألقًا؛ كان باللون الأحمر القاني، من قماش لامع، بكتف واحد، وينتهي بفتحة جانبية عند الساق.
تحدثت باستحياء من نظراته المتفحصة:
"حلو عليا؟"
همّ أن يرد، لكنه صُعق بصوت شخص آخر سبقه بالرد قائلًا:
"تجنني."
أدار رأسه ببطء، ليجد شابًا يقف خلفه يتأمل فتون بإعجاب وجرأة صريحة.
شعر بالغليان، وكأن النار تتطاير من عينيه، وهو يجز على أسنانه حتى برز فكه الحاد. همس بشر، بنبرة شيطانية:
"ده إنت يومك أسود بتعاكس مراتي يا و*سخ."
____________________________________________
في شركة السويسي...
كان أدهم يجلس أمام اللابتوب، يرد على الإيميلات المختلفة الخاصة بعمله، حتى انتهى وأغلقه، وهو يمسح عينيه بإرهاق.
في تلك اللحظة، دخل علي إلى المكتب بابتسامته المشرقة المعتادة، وقال مازحًا:
"إيه يا عجوز؟ مبقتش قد الشغل ولا إيه؟"
ابتسم أدهم بإرهاق، وقال:
"شكلي كده."
جلس علي أمامه، وقال بتعجب:
"إيه يا أدهم؟ من إمتى وإنت بتقول كده عن الشغل؟"
تنهد أدهم، وقال:
"السن له أحكامه برضه، وإنت أكيد عارف... الواحد كبر، وقال عياله هيساعدوه، بس أديك شايف؛ يزن ملوش علاقة بمجالنا، وريحانة مش عايزة تشتغل معايا."
قال علي:
"صحيح، فكرتني... ريحانة اشتغلت في شركة الدالي؟"
"أيوة، أول يوم ليها النهارده."
ابتسم علي، وقال:
"ربنا يوفقها ويسعدها، وإنت متضايقش نفسك. مسيرها تفكها من عندها ده، وتعرف إن مصيرها لشركة أبوها."
أثناء حديثهما، طُرق الباب، ثم دخلت السكرتيرة قائلة:
"أدهم بيه، سعد باشا برة."
"خليه يدخل."
دخل سعد بابتسامة، وقال:
"السلام عليكم."
نهض أدهم ليستقبله، وقال:
"وعليكم السلام يا سعد، اتفضل."
دخل سعد، وجلس أمام علي.
بعد التحيات ..
وجه سعد حديثه إلى أدهم:
"أخبار الشغل إيه يا أدهم؟"
"كله تمام، بفضل الله."
ثم أكمل سعد:
"سليم لسه مبلغني إن صفقة الفرنسيين عدّت على خير، ووافقوا على شروطنا في العقد."
ابتسم علي، وقال:
"ما شاء الله، إنت محظوظ إن ابنك يبقى معاك في الشغل ومعتمد عليه. أنا وأدهم كنا لسه بنتكلم في الموضوع ده."
ابتسم سعد، وقال:
"الحمد لله. سليم هو اللي كان شايل شغلنا في أمريكا، وأنا يادوب كنت بنزل الشركة كل فترة أشرف."
قال أدهم بابتسامة:
"ربنا يباركلك فيه يا سعد."
ابتسم سعد، ثم وجه حديثه إلى أدهم:
"وربنا يخليلك ريحانة يا أدهم، وتشرف بيها. ثم هي مش في شركة منافسة، دي برضه شركتها، وليك أسهم فيها، وكفاية إنها مش شغالة مع حد غريب."
أومأ علي مؤيدًا:
"أكيد طبعًا."
_________________________________________________
كان يجلس بهدوء أمام مكتبه، يتفحص بعض الملفات الخاصة بصفقات الشركة.
كان وجهه جامدًا كالصخر عندما يكون الأمر متعلقًا بالعمل.
فتح اللابتوب ليرسل بريدًا إلكترونيًا، ولكن أثناء الكتابة على لوحة المفاتيح، شعر بحركة غريبة تمر أمام عينيه.
رفع بصره نحو مصدر الحركة...
ثوانٍ، ثم رفع أحد حاجبيه باستغراب، وارتسم شبح ابتسامة على شفتيه.
كانت ريحانة، الجالسة أمامه في المكتب المقابل، الذي لا يفصل بينه وبين مكتبه سوى ستارة شيش تفتح وتغلق يدويًا، كانت تدور بكرسيها الدوار كالأطفال، وتضع قلمًا أعلى شفتيها وهي شاردة.
هز رأسه بعدم تصديق، وهمس:
"إيه العبيطة دي!"
قطع وصلة مراقبته لها رنين هاتفه.
أجاب على المتصل، وما زالت عيناه تراقبانها.
"ألو."
"ألو."
"أيوة يا ياسين، عايز إيه؟"
رد الآخر بشرود:
"مش عارف."
قطب حاجبيه، وقال باستغراب:
"إنت عبيط يا ابني؟ يعني إيه مش عارف؟ وصوتك عامل كده ليه؟"
تنهد ياسين، ثم قال:
"أصلي اتسحرت."
عقد سليم حاجبيه أكثر:
"اتسحرت؟! اتسحرت إزاي يعني؟"
"هي سحرتني."
زفر سليم بضيق، وقال:
"يا ابني، ما تتكلم عدل بقى، أنا مش فاهم حاجة."
تنهد ياسين، وبدأ يقص عليه ما حدث:
"النهارده الصبح السماعة بتاعتي اتكسرت في العيادة، فنزلت أجيب السماعة الاحتياطية اللي شايلها في العربية. وعشان مكنتش لابسها، وأنا بعدي الطريق كانت فيه عربية هتشيلني."
انتفض سليم من مقعده بفزع، وقال:
"إيه؟! طيب إنت كويس؟"
"أنا كويس... عشان هي ظهرت وأنقذتني."
قطب حاجبيه، وسأله:
"هي مين دي؟"
"مش عارف... فجأة لقيت نفسي على الأرض، وهي شبه في حضني، وبعدين سألتني: إنت كويس؟"
صمت لحظة، ثم أكمل:
"رغم إني مسمعتش كلامها، بس قريت حركة شفايفها."
سأله سليم بفضول:
"وبعدين؟ عرفت هي مين أو اتكلمت معاها؟"
تنهد ياسين بحسرة:
"للأسف... على ما قومت وجبت السماعة ورجعت، لقيتها اختفت. دورت عليها، بس كانت ركبت عربية ومشيت."
قاطع حديثهما طرقٌ على الباب، أعقبه دخول ريحانة.
قالت باحترام:
"سليم بيه، أنا خلصت الشغل اللي حضرتك قولت عليه."
وجه سليم حديثه لياسين عبر الهاتف:
"طيب يا ياسين، نكمل كلامنا بعدين."
ثم أغلق الهاتف.
نظر إلى ريحانة، وقال بهدوء:
"تمام يا ريحانة، تقدري تروحي."
"تمام."
وما إن همت بالخروج، حتى أوقفها صوته الخشن:
"ريحانة."
التفتت إليه باستغراب:
"نعم؟"
سألها:
"إنتِ هتروحي إزاي؟"
أجابته:
"هطلب أوبر."
صمت لثوانٍ، وكأنه يحسم أمرًا ما داخل رأسه، ثم قال:
"لا... استني، أنا هوصلك."
_________________________________________________
قبض يزن على عنق الشاب بقوة، وهو يهدر بغضب:
"بقى إنت بتعاكس مراتي يا زفت"
تحدث الشاب برعب، محاولًا إبعاد يد يزن الملتفة حول عنقه:
"والله ما كنت أعرف إنها مراتك، أنا أصلًا مخدتش بالي إن فيه حد معاها."
ضغط يزن على عنقه بقوة أكبر، وقال من بين أسنانه:
"أنا بقى هعلّمك إزاي عينك تيجي على حاجة متخصكش."
وما إن أنهى جملته، حتى هوى بلكمة عنيفة على وجهه، أطاحت به أرضًا، ليرتطم جسده بالأرض بقوة، وسط أنظار المتسوقين الذين تجمعوا لمشاهدة الشجار.
هرع أفراد أمن المول لمحاولة إبعاد يزن، لكنه لم يكن في كامل وعيه من شدة الغضب.
وحين همّ بتوجيه لكمة أخرى إلى الشاب الملقى على الأرض كقطعة من القمامة...
توقفت يده في الهواء فجأة.
وصل إلى مسامعه صوت نحيب مكتوم، أعقبه صوتها الرقيق يهمس برجاء:
"يزن... أرجوك، كفاية."
أغمض عينيه لثوانٍ، وأخذ نفسًا عميقًا، ثم التفت إليها.
كانت تقف في أحد الأركان، تضم ذراعيها حول جسدها الرقيق الذي كان ينتفض من شدة البكاء.
خمدت نيران غضبه في اللحظة التي وقعت عيناه عليها.
اقترب منها بخطوات هادئة، ثم أمسك يدها برفق، وخرج بها من المحل دون أن ينطق بكلمة.
وبعد أن ابتعدا عن الزحام، تحدث بصوت خافت:
"خلاص يا فوتي... أنا آسف. بطلي عياط بقى."
لم تجبه.
ظلت دموعها تنهمر بصمت، بينما كانت شهقاتها الضعيفة تغرس في قلبه آلاف السكاكين.
رفع يده يلمس وجنتها المحمرة من أثر البكاء، وقال بندم:
"أنا عارف إنك خوفتي... بس حقك عليا، متزعليش."
رفعت عينيها إليه أخيرًا، وهمست بصوت متقطع:
"يزن... إنت عارف إني مبحبش تتخانق وإحنا مع بعض. بحس وقتها إن اللي قدامي شخص تاني... كأنك بتتحول."
ابتسم ابتسامة صغيرة، ثم مرر كفه على شعرها بحنان، وقال:
"عارف يا قلب يزن... بس أنا مشوفتش قدامي. أول ما سمعت الكلب ده بيعاكسك، محستش بنفسي غير وأنا ماسكه من زمارة رقبته."
ارتسمت على شفتيها نصف ابتسامة، أضاءت وجنتيها الناعمتين، ليشعر أن العالم عاد إلى مكانه من جديد.
ابتسم هو الآخر، ثم سألها بمشاكسة:
"خلاص... مش زعلانة مني؟"
هزت رأسها نفيًا، فتنفس الصعداء، ثم قال بابتسامة واسعة:
"إيه رأيك نروح ناكل آيس كريم؟"
ضمّت شفتيها بطفولية، وسألته:
"باللوتس؟"
انفجر ضاحكًا وهو يجيب:
"باللوتس يا لوتس."
تشابكت أصابعه مع أصابعها، ثم سار بها نحو أحد محال الآيس كريم المنتشرة في أرجاء المول، بينما كانت ابتسامتها الصغيرة كفيلة بأن تمحو ما تبقى من غضبه.
_______________________________________________
في قصر السويسي...
جلست جميلة وياسمين في الحديقة، تحتسيان الشاي، وتتحدثان عن ذكريات الماضي.
قالت ياسمين، وهي تضحك بصوت عالٍ:
"مش قادرة! كل ما أفتكر اللي عملناه فيهم وقت الحمل أتفطس من الضحك، خصوصًا إنتِ. طب أنا كانت طلباتي عادية؛ فاكهة، مسليات، ويوم لما طلبت حاجة غريبة كان حواوشي الساعة اتناشر بالليل... لكن إنتِ طلبتي حرنكش الفجر!"
انفجرت جميلة ضاحكة، وقالت:
"لا، ولا كلمة! يكون مزز، عارفة؟ لو كان مسكر مش هاكله."
ضحكت ياسمين، وقالت:
"عذبناهم أوي، ولولا طنط منى، خالة علي، وبابا محمود، وماما نادية، الله يرحمهم، كانوا بيساعدوا، كان زمانهم اتجننوا مننا."
تنهدت جميلة بحزن خفيف، وقالت:
"الله يرحمهم... الواحد لحد دلوقتي مش مصدق إنهم فارقونا ومبقوش موجودين."
هزت ياسمين رأسها بحزن مماثل، وقالت:
"عندك حق والله."
نهضت جميلة، وفي يدها أكواب الشاي، وقالت:
"طيب يلا يا أختي على المطبخ. بفكر أعملهم حاجة حلوة، بس مش عارفة أعمل إيه بالظبط."
سارت ياسمين بجانبها نحو الداخل، وقالت:
"إيه رأيك نعمل كيكة بالشوكولاتة؟"
ابتسمت جميلة ابتسامة عريضة، وقالت:
"والله فكرة حلوة، بقالي كتير معملتهاش... وبالمرة تساعديني فيها."
ابتسمت ياسمين، وقالت:
"يلا بينا."
_________________________________________________
في عيادة الدكتور ياسين برهام...
كان يقف شاردًا أمام الشرفة المطلة على الشارع الرئيسي، ونسمات الهواء تداعب خصلات شعره البنية.
كان الغروب قد حل، وبدأت الشمس ترسم خيوطها البرتقالية الناعمة على البنايات والطرق. أصبحت الحركة أبطأ، والشوارع شبه خالية.
كان ينظر إلى نقطة معينة في الطريق... المكان الذي صادفها فيه لأول مرة.
ابتسم عندما تذكر ملامحها البريئة، وعينيها العسليتين اللتين أسرتاه.
قطع حبل أفكاره دخول الممرضة، قائلة:
"دكتور ياسين، نكمل ولا إيه؟"
تحدث، وما زال ينظر من الشرفة:
"فاضل كام واحد برة؟"
أجابته:
"كان فيه اتنين، بس واحدة استأذنت ومشيت، وفاضل حالة واحدة برة."
"تمام... دخليها."
استدار، وجلس خلف مكتبه، وارتدى نظارته الطبية، ثم نظر إلى شاشة الحاسوب.
دخلت بهدوء، وقالت بصوت رقيق:
"السلام عليكم."
رد دون أن ينظر إليها :
"وعليكم السلام، اتفضلي اقعدي، وثواني وهكون معاكي."
أنهى ما كان يفعله، وما إن رفع عينيه عن شاشة الحاسوب، حتى اتسعت عيناه البنيتان بصدمة وشوق.
تمتم غير مصدق:
"إنتي؟!"
ابتسمت بخجل عندما التقت عيناها بعينيه، وقالت:
"حضرتك افتكرتني؟"
ابتسم، وما زال غير مصدق، ثم قال:
"أيوة طبعًا. أنا كنت عايز أشكرك على اللي عملتيه، بس للأسف إنتِ مشيتي بسرعة وملحقتكيش."
هزت رأسها بابتسامة هادئة، وقالت:
"ملوش داعي الشكر... أنا معملتش حاجة."
ابتسم، ثم قال:
"غريبة الصدفة دي... خير."
أجابته بهدوء:
"أنا جاية أكشف على ابني."
اختفت ابتسامته تدريجيًا، وانتقل بصره إلى الصغير، الذي لم يتجاوز الخامسة من عمره، وكان يقف بجوارها ينظر إليه ببراءة.
همس ياسين بصدمة:
"ابنك؟!"
________________________________________________
كان يقود السيارة بهدوء وهيبة، يمسك عجلة القيادة بيد واحدة بثقة وسيطرة.
ومن حين لآخر، كان ينظر خلسةً إلى جواره، ليجدها تتأمل الطريق. كانت نسمات الهواء تداعب خصلات شعرها الأسود، فتلامس بشرتها برقة، مما جعلها ترفع يدها وتعيد الخصلات الشاردة خلف أذنها.ابتلع ريقه بصعوبة من هيئتها الجذابة.
أما ريحانة، فكانت تتظاهر بالانشغال بتأمل الطريق لتخفف من توترها. لا تعلم لماذا انصاعت لأوامره عندما أصر على توصيلها، لتجد نفسها فجأة تجلس بجواره في سيارته.
تحدث أخيرًا، ليكسر الصمت:
"ريحانة."
ابتلعت ريقها بتوتر عندما سمعت نطق اسمها بصوته الرجولي الرخيم، ثم ردت بهمس:
"نعم؟"
"ليه مش معاكي عربية؟ مش بتعرفي تسوقي؟"
أجابت ببساطة:
"لا، بعرف أسوق، بس الحكاية إن أكيد موظفة في الشركة مش هيكون معاها عربية زي عربيتي."
ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة، وقال:
"تقصدي الموظفة اللي بتمثلي دورها؟"
هزت رأسها نافية، ثم قالت:
"مش كده... بس الموضوع إني عانيت كتير بسبب إن عيلتي غنية، وأبويا يبقى أدهم السويسي. لما كنت في المدرسة أو النادي، أول ما اسمي يتقال، الكل يعاملني معاملة مختلفة."
تنهدت، ثم أكملت:
"وعشان كده قررت إني لما أشتغل، هشتغل بمجهودي، وكل حاجة أوصلها هتكون بسبب تعبي، مش عشان أنا بنت أدهم السويسي."
سرح في كلماتها...نعم، ليس ذنبها أنها ابنة أدهم السويسي.
لِمَ يريد أن ينتقم منها؟ من المفترض أن ينتقم من الجاني، لا من ابنة الجاني.
نظر إليها مرة أخرى، فوجدها تتأمل الطريق بابتسامة رقيقة، بينما كانت عيناها الفيروزيتان تلمعان...
لم تتغير كثيرًا...
ما زالت تحمل نفس البراءة.
وصل إلى أرجاء القصر، وبدأت السيارة تتباطأ وهي تسير وسط الحديقة المليئة بالزهور والنباتات المختلفة، حتى توقفت أمام البوابة.
ابتسمت ريحانة برقة، وقالت:
"شكرًا يا سليم بيه على التوصيلة."
ابتسم بطرف فمه، وهو ينظر إليها بتفحص، ثم قال:
"قوليلي سليم... زي ما أنا بقولك يا ريحانة."
قالت بتوتر:
"بس مينفعش... إنت..."
قاطعها قائلًا:
"أنا عارف إني مديرك في الشغل، وده قدام الناس، لكن متنسيش إن باباكي له أسهم في الشركة، يعني يعتبر رأسك براسي. فإيه رأيك نتفق اتفاق؟"
ابتسمت وقالت:
"اتفاق إيه بقى؟"
قال بهدوء:
"تناديني سليم بيه قدام الناس، لكن مادام إحنا لوحدنا، يبقى اسمي سليم... تمام؟"
هزت رأسها بابتسامة:
"تمام."
نزلت من السيارة تحت أنظار سليم، الذي ظل يراقبها بعينيه.
لكنه استغرب حين جلست على ركبتيها لتلتقط شيئًا من الأرض، ثم اقتربت منه، ووقفت أمامه قائلة:
"اتفضل."
نظر إلى ما بيدها، فوجده نبتة خضراء، فسأل بتعجب:
"إيه ده؟"
ابتسمت برقة، وقالت:
"ريحان... أنا بحب نبات الريحان أوي عشان على اسمي، وعشان كده بابا زرعلي الجنينة كلها ريحان."
صمت لثوانٍ...
وكأن ذكرى قديمة عادت لتحفر نفسها في قلبه من جديد.
ثم سألها بلهفة:
"بتحبي اسمك؟"
هزت رأسها بتأكيد، وقالت:
"آه، جدًا. بحسه مميز أوي، ومختلف كمان، لدرجة إني طول سنين المدرسة والجامعة ملحقتش بنت بنفس اسمي."
ثم أضافت بابتسامة دافئة:
"أنا لازم أدخل بقى."
هز رأسه، وظل يتابعها بنظراته حتى دخلت إلى القصر.
همس بشرود:
"هو فعلًا مميز... عشان كده اختارته."
ومرت أمام عينيه ذكرى قديمة...
طفلة رضيعة يحملها بين ذراعيه، ويُلبسها سوارًا صغيرًا، منقوشًا عليه حروف حفرت في قلبه قبل عقله:
«ر ي ح ا ن ة»
همَّ بتحريك السيارة، لكنه رأى مشهدًا أشعل النيران في عينيه...
ريحانة داخل أحضان والدها، أدهم، يتحدثان بحب ومرح.
اشتعل الغضب بداخله، فأدار محرك السيارة وانطلق بسرعة، بينما كانت عيناه تنظران بحقد إلى نبتة الريحان التي وضعتها على تابلوه السيارة.
عند أدهم وريحانة...
خرج أدهم من باب القصر، ليجد ابنته تسير نحوه، والابتسامة مرسومة على شفتيها.
"حبيبتي، إنتِ جيتي"
ابتسمت وقالت:
"أيوة يا بابي."
سألها باهتمام:
"عملتي إيه في الشغل؟"
قالت بحماس:
"اسكت يا بابي، النهارده كان فيه صفقة صعبة لوفد فرنسي، والعميل كان مُصر إن العرض يتشرح بالفرنساوي، وأنا اللي شرحته، والعملاء شكروا فيا أوي."
ابتسم أدهم بفخر، واحتضنها قائلًا:
"شاطرة يا قلب بابي."
ثم سألها:
"أومال جيتي إزاي؟ ويزن مشغول؟"
أجابت:
"مديري هو اللي أصر يوصلني، بعد ما عرف إني هطلب أوبر."
نظر أدهم إلى السيارة وهي تخرج بسرعة من بوابة القصر، ثم سألها باستفهام:
"مديرك مين؟"
قالت ببساطة:
"يا بابا، رئيس الشركة... ابن صاحبك، سليم الدالي."
هز رأسه بتذكر، وقال:
"آه... عرفته..طيب وهو يوصلك بمناسبة إيه؟"
إختفت إبتسامتها :"حضرتك إتضايقت يا بابا"
_ "مش حكايه إتضايقت ،بس لازم تاخدي بالك إن مش كل بيفكر بعقلك البرئ ده يقلب بابي ،لكن سليم ابن صاحبي وزي إبني وأكيد مش هيأذيكي"
ثم ابتسم وأضاف:
"يلا ندخل بقى، ده مامي عملالنا كيكة شوكولاتة تجنن."
ضحكت وهي تقول:
"يلا بينا، إنت شوقتني."
ودخلا إلى القصر، بينما تعالت ضحكاتهما في أرجائه.
