رواية ما استرده القلب الفصل العشرون20 بقلم ريهام ناجي
كان سليم واقف قدام شباك مكتبه، باصص على الشارع تحت،
وفي إيده فنجان قهوة برد من غير ما ياخد منه رشفة.
رن موبايله بصوت مسج،
رفع الشاشة...
وكانت مسج قصيرة ظهرت قدامه.
"وافقت."
ابتسم...
ابتسامة باردة خلت ملامحه كلها تتغير،
وهمس:
_كنت عارف.
حط الموبايل على المكتب براحة، وسند بإيده عليه،
وكأنه كان مستني اللحظة دي من أول يوم،
لف ببطء...
وفتح درج مكتبه،
وطلع منه فلاشة....
مررها بين صوابعه، وقال بهدوء:
_طالما اخترتيه...
يبقى جه وقت يعرف هو داخل على إيه.
ـــــــــــــــ
بعد مرور يومين...
من أول ما صحيت النهاردة... وأنا حاسة إن اليوم مختلف،
مش توتر... ولا خوف،
ويمكن دا طبيعي.. لإن يونس فاجأني إمبارح وقال إنه هيجيب أهله ويجي يتقدموا رسمي، ومن وقتها وأنا قلبي مش مبطل دق.
يمكن دي أول مرة من وقت طويل
أحس إن قلبي مرتاح.
وقفت قدام المراية، وعدلت الطرحة على شعري،
وتممت على شكلي وأنا ببص لنفسي بابتسامة صغيرة.
دخلت ماما الأوضة، وأول ما شافتني وقفت تتأملني ثواني،
ابتسمت.
_إيه يا بنتي... القمر ده كله لمين؟
ضحكت بخجل،
وأنا بقرب منها وبحضنها.
_لماما طبعًا.
بعدت عني، وعدلت طرف الطرحة بإيديها كالعادة،
وقالت بحنية:
_ربنا يتمملك على خير يا حبيبتي.
حضنتها من غير ما أتكلم...
وحسيت لأول مرة إن الحضن ده مليان طمأنينة.
...
بعد أقل من ساعة...
كان بيتنا كله مليان حركة.
ماما وسارة بيتأكدوا إن كل حاجة جاهزة...
وداخلين خارجين بين المطبخ والصالة.
أما أنا...
فكنت قاعدة في أوضتي، وكل شوية أبص للساعة،
لحد ما سمعت صوت عربية وقفت قدام البيت.
قلبي دق بسرعة...
وبعدها بثواني... جرس الباب رن،
بصيت لسارة،
اللي ابتسمت وهي بتغمزلي.
_واضح إنهم وصلوا يا عروسة.
نزلت عيني بخجل...
وحاولت أهدي نفسي.
...
في الصالة...
كان عبدالرحمن العزازي أول الداخلين، يتبعه يونس،
وبعدين باقي أفراد العيلة، اللي كانوا مامته وأخته.
قامت مانا تستقبلهم بابتسامة وترحاب،
وتصافح الجميع...
في جو هادي مليان احترام.
أما يونس...
فاكتفى إنه يرفع عينيه ناحيتي للحظة،
نظرة قصيرة...
لكنها كانت كفاية تخليني أنزل عيني بسرعة.
...
مر الوقت...
وبدأت الأحاديث بين الكبار،
وسط ضحكات خفيفة...
وكلمات الترحيب.
وكان كل شيء ماشي بهدوء...
لحد ما...
صدر صوت اهتزاز موبايل يونس فوق الترابيزة.
بص للشاشة... استغرب إنه
محمد
اعتذر بهدوء:
_ثانية واحدة... معلش.
ورد على المكالمة.
_أيوة يا محمد؟
لكن المرة دي...
محمد مبدأش حتى بالسلام،
جاله صوته متوتر بشكل عمره ما سمعه منه.
_يونس... افتح موبايلك حالًا.
قطب بين حواجبه.
_في إيه؟
_متسألش... افتحه بس.
قفل محمد المكالمة،
وقبل ما يونس يستوعب...
رن الموبايل تاني،
واللي كان المرة دي خالد،
رد بسرعة.
_خالد؟
_شوفت اللي نازل؟
اتسعت عيني يونس.
_إيه اللي نازل؟
_افتح أي موقع... أو فيسبوك... بسرعة.
قفل خالد هو كمان،
ساد الصمت في الصالة،
كل العيون اتجهت ناحية يونس...
اللي بدأ القلق يظهر على ملامحه لأول مرة.
فتح موبايله بسرعة...
ودخل على أول آب قدامه.
ثم...
اتجمد مكانه،
اتغير لون وشه بالكامل،
همس من غير ما يحس...
_إيه ده...؟
رفع عبدالرحمن رأسه باستغراب.
_في إيه يا يونس؟
لكن يونس...
مكانش قادر يرد،
لأنه كان بيبص للفيديو...
اللي عنوانه كان:
عاجل | يونس العزازي نجل رجل الأعمال عبدالرحمن العزازي،
يقتحم مقر شركة رجل الأعمال سليم الخولي،
ويعتدي عليه داخل مكتبه وأمام الموظفين.
ثبتت عينيه على الشاشة...
ضغط على الفيديو.
اشتغل المقطع بصوت منخفض...
كان واضح إنه مصور من كاميرا مراقبة داخل شركة سليم.
ظهر يونس وهو داخل المكتب بخطوات سريعة...
وبعدها ثواني...
لحظة شده لسليم من ياقة قميصه،
ودفعه بعنف ناحية المكتب.
وأصوات الموظفين وهم بيحاولوا يدخلوا بينهم،
لكن...
الفيديو كان مقصوص، وموجود فيه لقطات محصلتش أصلًا،
بدأ من لحظة اندفاع يونس...
وانتهى قبل ما سليم يمد إيده على رُهام، وقبل أي كلمة اتقالت تفسر اللي حصل.
يعني...
اللي يشوفه هيشوف راجل أعمال معروف، داخل شركة منافسه،
وبيعتدي على صاحبها من غير أي سبب.
رفع يونس عينه عن الشاشة ببطء...
ولأول مرة من سنين...
يتتفاجئ بالشكل دا،
همس وهو بيعيد تشغيل الفيديو:
_لا...
بص عبدالرحمن لابنه بقلق.
_وريني.
ناول له الموبايل من غير كلمة،
أخده عبدالرحمن...
ومع أول ثواني من الفيديو، اختفت الابتسامة من على وشه تمامًا.
أما والدة يونس،
فبصت بينه وبين الشاشة بعدم فهم.
_إيه اللي بيحصل؟
مدت سارة رقبتها من بعيد، وهي بتحاول تشوف.
أما رُهام...
فأول ما وقع نظرها على الڤيديو...
اتسعت عينيها،
عرفت المكان...
وعرفت اليوم...
وعرفت إن ده اليوم اللي راحت فيه تواجه سليم،
همست بعدم تصديق:
_ده...
ده يوم الشركة.
رفعت عينيها بسرعة ناحية يونس.
_الفيديو ده ناقص كتير... وفيه حاجات محصلتش!
لكن محدش كان بيسمع...
لأن الإشعارات بدأت تنهال على موبايل يونس واحدة ورا التانية.
رنة...
ورنة...
ورسائل...
واتصالات،
حتى موبايل عبدالرحمن بدأ يرن هو كمان.
ظهر اسم أحد رجال الأعمال المعروفين،
وبعده اسم صحفي،
وبعده اسم عضو مجلس الإدارة،
كلهم...
شافوا الفيديو.
ساد الصمت في الصالة...
الصمت اللي قبل العاصفة.
ـــــــــــــ
أما في مكان تاني...
كان سليم قاعد قدام شاشة اللابتوب...
وبيتابع عداد المشاهدات وهو بيزيد كل ثانية.
ابتسم ابتسامة باردة...
وقال وهو بيقفل الشاشة:
_ودي كانت أول حركة...
لسه اللعبة مبدأتش يا ابن العزازي.
ـــــــــــ
كان الصمت لسه مسيطر على الصالة...
لكن رنة موبايل بابا قطعت كل حاجة.
بص للشاشة...
ثم رد بهدوء بعد ما قام وقف بعيد شوية.
_أيوة...
مكملش دقيقة... واتغيرت ملامحه.
_لا... الموضوع مش زي ما ظاهر.
سكت وهو بيسمع اللي معاه، قبل ما يقفل المكالمة بهدوء،
لف ناحيتي.
_أعضاء مجلس الإدارة عايزين اجتماع حالًا.
رفعت عيني ليه.
_دلوقتي؟
_دلوقتي.
وقبل ما حد يتكلم...
رن موبايلي أنا كمان.
وكان خلد،
رديت بسرعة.
_أيوة.
جالي صوت خالد متوتر.
_أنا نازل الشركة دلوقتي... الصحافة واقفة قدام المبنى،
وفي ناس من السوشيال ميديا مستنيينك، والقنوات بدأت تنقل الخبر.
غمضت عيني ثانية.
_حد طلع بيان؟
_لأ... بس الفيديو منتشر في كل حتة.
قفلت المكالمة...
وبصيت ناحية رُهام،
كانت واقفة مكانها... وشها شاحب.
ولأول مرة من ساعة ما وافقت عليا...
حسيت إني السبب في إن الفرحة اللي كانت في عينيها من شوية تختغي.
قربت منها خطوتين...
وقولت بهدوء:
_أنا آسف.
رفعت عينيها باستغراب.
_بتعتذر ليه؟
ابتسمتلها ابتسامة باهتة.
_كان نفسي أول يوم رسمي بين العيلتين
يبقى أحسن من كده.
هزت راسها بسرعة.
_يونس...الحقيقة كلها معايا، فمفيش داعي لكلامك دا،
أنا واثقة فيك، وإنك هتقدر تحل الموضوع.
بصتلها للحظة...
وكان كلامها دا كفاية يخفف عني جزء من اللي حاسس بيه،
لكن بابا قطع اللحظة.
_يونس... لازم نمشي.
هزيت راسي...
وقبل ما أخرج، بصيت لرُهام مرة أخيرة.
_أوعدك...
إن اللي عمل كده هيتحاسب.
---
بعد دقائق...
نزلت مع بابا من البيت،
وأول ما ركبت العربية...
بابا اتنهد وقال من غير ما يبصلي:
_مين المستفيد؟
رديت فورًا.
_سليم.
هز بابا رأسه.
_كنت متأكد إنه هيقل بأصله،
وهيعملي حركة مش كويسة بعد اللي حكتهولي عنه.
التفتله.
_الفيديو ده أكيد كاميرات مكتبه سجلته يوميها،
وأنا متأكد إنه فبرك فيه، وحط حاجات محصلتش.
سكت بابا لحظة...
وبعدين قال بهدوء رجل الأعمال الخبير:
_يبقى هو مش عايز يوقعك في قضية.
عقدت حواجبي.
_أمال؟
بص قدامه وقال:
_هو عايز يخليك تدافع عن نفسك...
بدل ما تهاجمه.
سكت...
ولأول مرة...
بدأت أفهم إن اللي حصل النهاردة...
مكنش ضربة غضب،
دي كانت أول خطوة في خطة أكبر.
ـــــــــــ
وفي مكان بعيد...
كان سليم واقف قدام مكتبه، ماسك موبايله،
وبيقرأ التعليقات اللي بتزيد كل ثانية.
ابتسم ابتسامة جانبية...
وهمس:
_دلوقتي... هنشوف يا ابن العزازي...
هتحافظ على اسمك الأول...
ولا على رُهام.
ــــــــــــــ
كنت قاعدة في أوضتي أنا وسارة... بعد ما يونس وأهله مشيوا،
الهدوء اللي كان مالي البيت من شوية... اختفى تمامًا.
فضلت أبص لبوكيه الورد اللي جابهولي يونس النهاردة...
ولأول مرة من ساعة شوفته... محستش بالفرحة اللي كنت حاساها.
اتنهدت،
وسندت ضهري على السرير،
وهمست:
_أنا السبب.
لفت سارة ناحيتي بسرعة.
_إيه الكلام ده؟
بصتلها بعين مليانة تعب.
_لو مكنتش رحت لسليم يومها...
مكنش هيبقى معاه الفيديو ده، ولا كل دا كان حصل.
هزت سارة راسها بسرعة.
_لأ يا رُهام.
سكتت لحظة، وبعدين كملت بثبات:
_حتى لو مكنتيش رحتي...
كان هيلاقي أي حاجة تانية يعملها.
نزلت عيني.
_بس كل اللي حصل ده... بسببي.
قربت مني سارة، وقعدت جنبي.
_بصيلي.
رفعت عيني بصعوبة
قالت بحزم:
_أنتِ ناسية إن الحقير ده كان بيهددك من قبل كده أصلًا.
افتكرت كلامه... ونظرته الأخيرة.
"لو خرجتي من عندي... هتندمي."
اتقبض قلبي،
همست:
_أنا متأكدة...
عقدت سارة حاجبها.
_من إيه؟
اتنفست ببطء.
_إن سليم هو اللي سرب الفيديو.
سكتت ثانية...
وبعدين كملت:
_والأخطر...
إنه مسربوش دلوقتي صدفة.
بصتلي سارة باستفهام.
_تقصدي إيه؟
قولت وأنا برجع بذاكرتي:
_استنى شهر ونص من وقت اللي حصل...
وسربه فجأة أول ما يونس جه يتقدملي،
والنهاردة مستحيل تكون مجرد صدقة.
رفعت عيني ليها.
_هو كان قاصد يبوظ اليوم ده تحديدًا.
ساد الصمت بينا...
وكان واضح إننا الاتنين وصلنا لنفس النتيجة،
قالت سارة بهدوء:
_يبقى هو مش عايز ينتقم منك بس...
هزيت راسي.
_هو عايز يدمر حياة يونس كمان،
عشان هو دخل حياتي.
وفي اللحظة دي...
رن موبايلي،
بصيت للشاشة...
كان يونس.
بصيت لسارة...
وبعدين أخدت نفس عميق،
وضغطت على زر الرد.
_ألو...
جالي صوته هادي...
لكن الإرهاق كان واضح فيه.
_كنت بس حابب أطمن عليكي.
ابتسمت رغم كل اللي حصل.
_أنا كويسة...
سكت لحظة، وبعدين سألته:
_وأنت؟
اتنهد تنهيدة خفيفة.
_هبقى كويس...
أول ما أخلص اللي لازم يتعمل.
وبعدين سكت ثانية، وأضاف بنبرة حاسمة:
_ومتقلقيش...
المرة دي...
مش هسيب سليم يكسب،
هاخدلك حقك يا رُهام، وهرجعهولك.
وعند كلامه دا غمضت عيني...
ورجعت بيا الذاكرة لأسبوع فات...
اليوم اللي طلبت منه أقابله فيه... قبل ما أدي له أي رد.
قبل أسبوع...
كان يونس مستنيني في نفس الكافيه المفضل ليا كافيه "قهوة وونس"،
أول ما قعدت قدامه... لاحظ إني مش شبه كل مرة.
مقالش: "مالك؟"
ولا حاول يستعجلني بالكلام،
اكتفى إنه قال بهدوء:
_اتفضلي... أنا سامعك.
فضلت ساكتة شوية... وبعدين رفعت عيني ليه.
_قبل ما أقولك موافقة أو لأ على طلبك...
لازم تعرف حاجة عني.
عقد حواجبه باهتمام...
_اتفضلي.
اتنفست ببطء...
_أنا مش بخاف من الجواز بس...
سكت ثانية...
_أنا داخلة حرب.
استغرب...
لكنه فضل ساكت،
كملت وأنا ببص قدامي...
_سليم... مكنش مجرد مدير في شركة بابا، أو ابن أخوه،
بل كان أقرب واحد ليه، يمكن أقرب مني.
شربت بؤ مية وبعدين كملت:
_بابا رباه بإيده... وعلمه...
واعتبره ابنه قبل ما يكون ابن أخوه.
نزلت عيني...
_وكان بيثق فيه ثقة عمياء.
ابتلع يونس ريقه في هدوء...
وأنا كملت:
_استغل الثقة دي... وخلى بابا يمضي على أوراق،
وهو فاكر إنها تخص شغل الشركة...
لكن الحقيقة...
كانت بتنقل ملكية كل حاجة باسمه،
الشركة...
والبيت...
وكل حاجة بابا تعب فيها عمره.
سكت للحظة...
وكان صوتي بيضعف مع كل كلمة.
_ولما بابا اكتشف الحقيقة...
مصدقش،
مكنش مصدق إن الشخص اللي رباه...
وأكله من خيره... واعتبره دراعه اليمين...
هو نفسه اللي سرقه.
نزلت دموعي...
_وبعدها بساعات...
جاله سكتة قلبية،
وسابني لوحدي.
ساد الصمت بينا...
وكان يونس ثابت مكانه...
مقاطعنيش...
ولا حتى حاول يواسيني،
استنيت شوية...
وبعدين بصيت له.
_عارف ليه بحكيلك ده؟
هز رأسه بالنفي،
قولت بثبات رغم الدموع:
_علشان لو وافقت عليك...
ميجيش يوم تقولي:
"انسِي... وسيبي حق أبوكي."
ولا تمنعني أكمل الحرب دي
ولا تطلب مني أتنازل،
أنا...
مش هسيب حق بابا،
حتى لو فضلت عمري كله بدور عليه.
طال الصمت...
وبعدين قال يونس بهدوء شديد:
_خلصتي؟
هزيت راسي،
فمال بجسمه لقدام شوية...
وقال وهو باصص في عيني مباشرةً:
_لو كنتِ قولتيلي إنك هتتنازلي عن حق والدك...
ساعتها بس كنت هزعل.
اتجمدت مكاني،
كمل بنفس الهدوء:
_لكن طول ما إحنا معانا حق...
يبقى هيتاخد،
ولو ربنا كتب إننا نكمل سوا...
فمعركتك هتبقى معركتي،
وحق والدك...
هيبقى حقي أنا كمان.
