رواية جامحه بقلبه الفصل العشرون20 بقلم داليا السيد

رواية جامحه بقلبه الفصل العشرون20 بقلم داليا السيد

تاتا
الصمت لفهم طوال الطريق للبيت، كلا منهما شارد بمكان مختلف لكن كلاهم واقف عند نفس النقطة وكأنها نقطة تحديد مركز الكون، أو.. 
هي مركز حياتهم الآن
الهاتف جعله يمنحها نظرة لتتركه وتصعد وهو ما فعلته.. كانت متعبة، جسديا ونفسيا.. 
دخلت غرفتهم وببطء تحركت، نفضت الحذاء بعيدا وعلى طرف الفراش استقرت جالسة، لم تصرح بما حدث داخلها نتيجة كلمات عنان
الأمر ليس بجديد لكن.. أن تعلنه هكذا على الملأ، هذا هو الجديد.. ومؤلم.. جدا
حدقت بالفراغ، عنان لن تتقبلها بأي يوم وهذا لم يعني شيء لها بأي يوم لكن اليوم تبدل الأمر.. عندما رأت نظرة الألم بعيون رحيم أدركت.. 
أنه لم يرغب بكل ذلك.. 
هو بينهما، بين والدته وزوجته والأمر ليس بسهل
صوت انغلاق الباب جعلها تنتبه لدخوله.. كان يحمل الجاكيت على ذراعه وضعه بمكان قريب ونظراته تواجه نظراتها.. 
وجهه جامد، لا يحمل أي معاني حتى جلس بجوارها دون النظر لها وظل الصمت رفيق ثالث بينهم 
قطع الصمت "هل أنتِ بخير؟"
لفت وجهها له وهي تدرك ما يدور داخله من غضب فقالت "نعم"
وعاد الهدوء يخيم عليهم ولكنها قالت "آسفة لأني وضعتك بهذا الموقف الليلة رحيم"
انحنى للأمام، شبك يداه ببعضهم وظل ينظر للفراغ أمامه وهو يقول "مرة أخرى مهرة، أنا من عليه الاعتذار، أمي أهانتك أمام الجميع، أعتذر نيابة عنها"
أخفضت نظرها، كلاهم لا يواجه الآخر، هي حقا تألمت لما حدث الليلة لكن لأجله هو "أعلم أنها تراني هكذا ولن تتبدل نظرتها لي، وأعلم أن ليس من السهل عليك رؤيتها تقلل مني أمام الجميع"
لف وجهه لها بالحال وهو يرد بلا تفكير "أنا لم أرى أنها قللت منك"
تابعته بلا فهم حتى أكمل بهدوء "أنا رأيت أنكِ أكبر من أي كلمة صدرت، رأيت أنكِ وقفتِ أمامها وواجهتها بشجاعة دون أن تنهاري"
ابتلعت مشاعرها بصعوبة، لم تحاول أن تمنح دموعها فرصة للنزول فقط قالت بصوت منخفض "تعلم أني ألتمس شجاعتي من وجودك بجواري رحيم، فقط هي والدتك وما حدث الليلة لن يمر بسهولة بالنسبة لها"
أبعد نظراته مرة أخرى وقال "أعلم"
صمت مر من جديد.. صمت عميق حتى عاد وأكمل "وأنا أيضا لن يمكنني تجاوزه بسهولة مهرة"
رفعت عيونها له.. لم ترى ملامح وجهه لكن نبرة صوته لم تعجبها، لم يكن بها غضب لكن كما لو كان ألم.. 
ظل ينظر للفراغ ولم ينتظر منها كلمات وهو يقول "لم أحب أن أكون بينكم بأي يوم، لكن للأسف بعد اليوم أصبحت بالمنتصف غصبا عني"
وسكت لحظة قبل أن يكمل "وهذا لا يعجبني"
أدركت سبب الألم النابض بصوته، أدركت سر فرار نظراته منها فحدقت بأصابعها وقالت "لم أطلب منك أن تختار.. ولن أفعل"
لف وجهه لها، كان متجهم كما كان وجهها ومع ذلك قال "أعلم، وهذا ما يزيد الأمر صعوبة"
رفعت نظراتها له والتقت بنظراته، كلاهم تائه بلا هدى حتى تنهدت وقالت "أخبرتك وسأظل أخبرك أني لا أريد أن أكون سببا بخسارتك لها"
اعتدل وأصبحت الوجوه قريبة وقال "وأنا لا أريد أن أخسرك أنتِ"
الصمت تواجد لكنه كان مختلف.. لم يكن صمت توتر، بل اعتراف صريح
اقترب وجهه منها أكثر، صوته خافت "لن أطالبك بأن تحبينها، ولا أن تتقبلي ما حدث، لكن أرغب بأن تظلي بجواري دون أن تشعري أنكِ في معركة بكل لقاء معها"
عيونها لمعت.. كلماته تعني لها الكثير، أن يهتم لمشاعرها، وجودها.. ما ستواجه لأجله، فهذا يجعلها تفعل أي شيء لأجله دون ندم 
قالت بصدق "أنا لم أكن بمعركة معك بأي يوم رحيم، أنا كنت بمعركة مع الخوف.. "
وسكتت 
لكنه همس، يحثها على أن تكمل رغم إدراكه الرد "الخوف من ماذا مهرة؟"
ابتلعت ريقها وقالت بصوت مكسور قليلا، مناقض لشخصيتها القوية "من أن أخسرك، أو أخسر نفسي وأنا أحاول ألا أخسرك"
وساد الصمت مرة أخرى
ثم.. رفع يده ومررها برقة على وجنتها "لن تخسري أي شيء مهرتي، طالما الحب بيننا فلا مجال لأي شيء، فقط نحن الاثنان معا للأبد"
مالت رأسها على راحته وهمست "نعم، فقط أتمنى أن تكون حياتنا بلا حرب من حولنا"
تفهم ما تعنيه والقلق الواضح بنظراتها ونبرة صوتها، فجذبها لأحضانه "لن تكون هناك حرب حبيبتي، لكن ربما طريق طويل ما زلنا نسير به"
ووضع قبلة على جبينها وأكمل "لكنك لن تكوني به وحدك أبدا"
**** 
المواجهة التالية كانت أصعب بالنسبة له لأنها ببساطة كانت مع والدته
عنان أيضا كانت بحالة سيئة منذ تلك الليلة، الصحافة لم تكن بصفها، بل العكس رفعت من مهرة إلى مكانة لا توصف.. 
نجاحها كان دافع وراء كل الدفاعات وكونها زوجة رحيم زاد قوة موقفها وكلماته لها أيضا صارت مثار إعجاب ولاقت مشاهدات مرتفعة جدا
كل ذلك أغضب عنان أكثر ليس فقط من مهرة بل من نفسها لأنها ظهرت بمظهر غير جيد
جلست بالصالون.. فنجان القهوة بيدها منذ وقت ليس بقصير وتقريبا نسته
لكن صوت باب الفيلا جعلها تنتبه ومع ذلك لم ترفع رأسها على الفور.. كانت تعرف من طريقة الدخول من القادم.. 
رحيم.. 
ولم تكن مستعدة لمواجهته.. 
دخل بخطوات ثابتة، بلا استعجال.. السيجارة مشتعلة بين أصابعه، ربما قلل منها لأجل أيلا مرة وحمل مهرة مرات كثيرة
وقف على باب غرفة الصالون لحظة.. لم ينطق بكلمة، لم يقل حتى "مساء الخير" كما اعتاد أن يفعل 
لم يناديها "ماما"
ولم يضع قبلة على وجنتها.. 
فقط ظل ثابتا مكانه.. ينظر لها وربما كان يصارع غضبه ليوقفه عن أمه.. 
خاصمته كثيرا لكن ما أن يراها حتى يعاملها وكأن شيء لم يكن، فقط لم تتوقف عن وضع مهرة بينهم
عاد وتحرك وفك جاكته قبل أن يجلس أمامها دون استئذان وظل الصمت أكثر من اللازم وأكثر من قوة تحملها
رفعت عنان عينيها نحوه، واجهت الدخان حوله.. نظراته الزائغة بعيدا وبداخلهم الكثير مما لا تفهمه 
قالت بهدوء "أعلم أنك هنا كي تعاتبني لأجلها؟"
مال للمائدة، جذب المطفأة ودهس السيجارة، ما تبقى منها ورجع لمكانه بابتسامة قصيرة بلا روح وقال "لا"
صمت ثانية، ضاقت فيها عيون عنان بلا فهم فعاد يكمل "لو أردت عتابك لكنت فعلت بنفس اللحظة التي ارتفع فيها صوتك على زوجتي أمام الناس"
ارتجف شيء خفيف في عينيها، لكنها تماسكت، هو ابنها ولن تخاف منه.. لكن الحقيقة أنها تخاف من فقدانه للأبد، ليس لأن مهرة ستخطفه منها كما تدعي.. 
لكن لأن هي من تدفعه للتخلي عنها بسوء تصرفاتها.. 
تماسكت رغما عن أفكارها وادعت القوة "هي من استفزني.. "
قاطعها مباشرة، بنظراته الحادة لكن.. بصوت منخفض كعادته "مهرة لم تستفز أحد.."
ابتلعت كلمات نستها بالأساس.. نستها عندما رأت أنه لم يكن يدافع دفاع عادي، بل كان يقينا منه
نهض، وضع يده بجيبه وهو يتحرك بعيدا ويكمل "أنتِ لستِ غاضبة مما كان ماما، أنتِ غاضبة من موقفك أمام الجميع، من أنكِ خسرتِ هناك"
رفعت رأسها بسرعة وهتفت "رحيم!"
لم يرد الانفعال بانفعال، ظل هادئا، مسيطرا وهو يقول بهدوء أخطر "ربما تخاصمنا كثيرا بسبب مهرة، لكني لم أكن بأي يوم ضدك، لكن تلك المرة أنتِ كنتِ ضدها هي"
صمت لحظة.. ثم أضاف وهو يلتفت مواجها لها "أمام الناس.. وهي زوجتي"
تغيرت ملامحها، كأنها سُجنت بركن صغير والآن تحاول إيجاد مخرج "أنا والدتك، ومن حقي.. "
قاطعها هذه المرة بصوت أوضح، أقوى، أخطر، لكن بلا صراخ "وأنا ابنك"
وسكت لحظة، يختار كلماته بعناية "وأنا أيضا زوجها"
العبارة كانت ثقيلة، تحمل معاني واضحة وتُقال بهذا الشكل الحاسم لأول مرة 
تحرك مرة أخرى مبعدا نظراته وقال "مهرة عندما ردت على هجومك كانت تدافع عن نفسها، لكن.. أنا عندما تحدثت، كنت أدافع عن بيتي، زوجتي وأولادي، كرامتي"
ثم لف وجهه لها بنظرة ثابتة "وأنتِ كسرتِ الاثنين أمام الجميع"
وتمزقت عنان.. دهست كرامة ابنها، ليس فقط أمام زوجته، بل وأمام الناس
ولأول مرة لم تجد ردا جاهزا. فقدت الكلمات لكن كبرياءها ما زال قائما، لم يتراجع أو يتساقط 
"هذا يعني أنك ستختارها هي؟"
ظلت عينيه تواجها، بلا تردد أجاب "أنا اخترت حياتي معها من قبل وليس الآن"
وشحب وجهها وهو أضاف بصوته المنخفض والصادق "ومع ذلك لا أرغب بأن أفقدك لكن وأنتِ مدركة أني أيضا لن أخسرها"
الصمت الثقيل عاد.. هيمن، سيطر
عنان لم تجد ما تقوله وهو اقترب حتى توقف بالمنتصف وقال "لو أردتِ أن تقتربي منها، فهذا قرارك"
وتحرك للباب ثم وقف مرة أخرى دون أن يلتفت وهو يكمل "لكن ليس على حساب كرامتها، وتلك المرة أنا لا ألقي كلمات بالهواء ماما فلا تدفعيني لم لا أرغب به"
وخرج.. 
وبقيت عنان وحدها.. ملتصقة بالمقعد.. لا شيء لتفعله، تلك المرة رحيم فعلا لا يلقي كلمات هباء كالمرات السابقة، هو تلك المرة ابتلع ما فعلته رغما عنه لكن.. 
لو تمادت فليس هو من سيخسر .. بل هي
****
لتمر الأيام.. 
منحها هي وابنتهم مكان بالنادي الشهير الذي كانت عائلته عضو به وأيلا أحبته جدا وأصبح يوم الاجازة مميز لأنها تقضيه هناك
رأت الخيل.. ورأت نظرة الشوق بعيون والدتها لركوب الخيل مرة أخرى 
كما رأت نظرة إدراك أنها لن تفعل.. الزواج، الحمل.. الأمومة بحد ذاتها ستمنعها وربما رحيم نفسه يرفض
لكنها كطفلة صغيرة لم تكن تعرف والدتها جيدا.. 
الألعاب بحديقة الأطفال جذبتها، أصبحت لا تطالب سوى بها بينما تجلس مهرة كالعادة أمام جهازها تتابع عملها أو بانتظار رحيم لتناول الغداء المتأخر والعودة للبيت
ولكن ها هو الغروب يعلن عن نفسه وهو لم يصل بعد.. ولكنها لن تذهب إلا عندما يصل
حملها كان يقلقه جدا.. التوأم مزعجين لوالدتهم والطعام غير مرحب به والغثيان لا مواعيد له، لذا كان يحافظ على تواجده معهم بقدر استطاعته
تراجعت والرجل يضع كوب الينسون الدافئ ويقول "هل من خدمة أخرى مدام؟"
رفعت وجهها له وهو يجذبها من عملها منتبهه له "ماذا!؟ لا شكرا"
وجذبت حقيبتها وأخرجت المال ومنحته له بابتسامة رقيقة عندما سقطت عيونها على عنان.. 
رأتها وهي تتحرك مع مجموعة من النساء بمثل عمرها، رحيم لم يخبرها عن لقائه بها ولا ماذا فعل معها والآن كل ما كان بينهم يرتد لها.. 
ومع ذلك لم تكره المرأة بأي يوم.. ما زالت جدة ابنتها وأولادها القادمين 
لفت وجهها لأيلا التي كانت تلعب بشغف على الألعاب وشعرت بعدم قدرة على التركيز، لا على عملها ولا على ماذا تفعل الآن؟ 
فقط ركزت على ابنتها التي كانت مستمتعة باللعب وعقلها رحل لعنان، ماذا لو رأتهم؟ طالما هي رأتها فالأخرى أكيد ستراها، وماذا بعد؟ 
انتبهت وأيلا تهرع من مكان اللعب للخارج فاعتدلت تتابعها والفتاة تسرع خارج مربع الألعاب وتداركت ما سيحدث من أيلا التي كانت تنطلق لعنان وعنان لم تكن تراها بالأساس 
وضعت الجهاز على المائدة ونهضت لتوقف ابنتها ولكن فات الأوان
أيلا وصلت لها بالفعل.. 
تجمدت عنان بين المرأتين اللتين كانتا تسيران بجوارها والفتاة تلتصق بها من الأسفل وهي تهتف "تاتا، تاتا، هل أتيت لتلعبي معي؟"
مهرة أيضا جمدت مكانها، كان عليها إيقاف ابنتها قبل أن تدفعها عنان بعيدا بطريقة مؤلمة قد لا تستوعبها أيلا لكن هي لن تقبل بها 
لكن.. 
رفعت أيلا وجهها الصغير لجدتها تمنحها ابتسامة بريئة، لا تعبأ بأي غضب مما كان داخلها ولا سبب له سوى.. حرب الطبقات
واحدة من النساء هتفت "تاتا!؟ عنان هل هي حفيدتك؟ هل رحمة عادت من الدنمارك؟"
شحب وجه عنان، اصفر وابيض وضاعت منه الدماء كما رحل صوتها والمرأة الأخرى تقول "لا يا عزة، رحمة لديها ولدان، حبيبتي من والدتك؟"
أيلا تذمرت وهي تجيب "مامي مهرة، تاتا تعالي لتشاهدي الألعاب، إنها رائعة"
وأمسكت يد عنان التي لم تتحرك والمرأة الثانية تقول "مهرة من عنان؟ ما اسمك حبيبتي؟"
وأخيرًا انحلت عقدة لسان عنان وقالت بحدة خفيفة على غير عادتها "هل تتركي يدي وتذهبي للألعاب؟"
لكن أيلا لم تفعل وهي تجيب المرأة "مهرة هي مامي وأنا أيلا رحيم"
ضحكت عزة وقالت "نعم، ابنة رحيم ابنك يا عنان، حقا هي تشبهه، كم عمرك أيلا؟ وأين والدتك؟"
مهرة هي من أجاب بهدوء لا ينم عن التوتر المشتعل داخلها، وهي تمسك يد ابنتها "أنا هنا، آسفة للإزعاج، أيلا تعالي"
 لكن أيلا لم تترك يد عنان وهي تنظر لمهرة "مامي، تاتا أتت لتلعب معي، هيا تاتا"
لكن المرأة جذبت يدها من يد أيلا وحاولت أن تظل هادئة ولم تواجه نظرات مهرة المنخفضة لابنتها وعنان تقول بصوت منخفض، واهن 
"ليس الآن"
وتحركت مبتعدة والمرأتان ظلتا واجمتين ومهرة لا تواجه أحد بل انحنت لأيلا لتوقفها عن متابعة عنان "أيلا توقفي، جدتك مشغولة الآن، عندما تفرغ ستخبرك"
وأخيرًا انفضت النساء خلف عنان ومهرة رفعت أيلا التي تذمرت مرة أخرى "كانت ستأتي معي ماما"
ولكنها تحركت بها للمائدة وقالت بلا غضب "ما رأيك بطلب مشروب الشكولاتة الذي تحبيه؟"
واستطاعت ببساطة منح ابنتها شيء جدي يشغلها عن عنان التي اختفت والنساء يحاولن تتبعها وعزة وصلت لها عند مدخل قاعة الاستراحة وهتفت 
"عنان ماذا بكِ؟ لماذا لم تتوقفي مع الفتاة؟"
جلست بترفع كعادتها لكن، شيء داخلها لم يعد كما كان.. 
كلمة تاتا ترن بأذنها، مختلفة عن أحفادها من رحمة فهناك ينادوها باسمها، بلا ألقاب
تاتا.. 
هل هناك شيء دغدغ قلبها؟ 
تلك الفتاة لا تواجه قسوتها معها بقسوة مماثلة، بل براءة لا جدال عليها.. 
ماذا عن مهرة؟ 
هي حتى لم توجه لها أي كلمة ولو حتى عتاب عما حدث بالحفل ولا لأنها ترفض ابنتها، بل بكل بساطة جذبت ابنتها، منحت الجدة عذر ولم تستغل الموقف لصالحها.. 
المرأة الثانية قالت "عنان نحن نتحدث معك!؟"
انتبهت لهما وقالت "ماذا عنايات؟ ماذا قلتِ؟"
ضاقت العيون بلا فهم وعزة تقول "لقد تذكرت مهرة، ذلك الفيديو لكما معا بعرض رحيم"
تجهم وجه عنان وهتفت "هي لا تليق بابني"
ردت عنايات "ماذا!؟ لا عنان، ما رأيناه الآن لا يخبرنا بذلك، المرأة كانت قمة باللياقة والأدب"
هتفت عزة "والجمال، هي جميلة جدا وأنيقة جدا، أين مشكلتك عنان؟"
عادت لهما وهي تدرك كل ما يقولاه ومع ذلك لا ترغب بأن تعترف، أبعدت وجهها وقالت "ليس لدي أي مشكلة معها عزة، لكن نارا هي من كانت تناسبه وهو لم يسمع لي ولن أقبل بها"
تبادلت المرأتان النظرات حتى ارتدت عنايات لها وقالت "ولكنها كانت زوجته من قبل عنان، الكل ما زال يذكر زواجه منها وانفصالهم، وها هو يعود لها ويترك نارا، وهذا أفضل لابنتهم، لو أراد نارا يا عنان، لما ظل ثلاث سنوات دون أن يتزوجها بل وعاد لمهرة"
أبعدت وجهها وقالت "وأنا لم ولن أقبل بها"
انحنت عزة للأمام وقالت بجدية "اسمعي عنان، لو مشكلتك مع مهرة أن نارا كانت الأحق فالأمر لا يخصك، لأن رحيم هو من يختار وليس أنتِ، أما لو كانت مشكلتك مع مستواها الاجتماعي فالمرأة على حد ما علمت تنال مكانة مميزة بعالم الإعلانات ولن ننسى أن رحيم ليس بأي رجل حتى يمنحها مكانة كمكانتها بمجموعته لو لم تكن جديرة بها"
زاغت عيون عنان لعزة، كانت ترى بهما جدية.. رحيم لم يكن بأي يوم ممن يخل بميزان عمله ولا بحياته
عنايات من أكملت "الفوارق التي تتحدثين عنها لم تعد موجودة بوقتنا هذا عنان، المهم المرأة نفسها ولا أحد انتقدها بكلمة واحدة"
ظلت صامتة.. 
عزة أخذت طرف الخيط "بل على العكس، ما ذُكر عنها مؤخرا بعد الفيديو، أنها كانت فارسة ماهرة بجوار نجاحها بعملها قبل زواجها من رحيم، حاولي تجاوز الأمر عنان، من أجل ابنك"
وعندما لم ترد تراجعت المرأتان، أدركوا أن لا رغبة لها بالاستمرار بالحديث بل ولم تعد معهم بالأساس بل مع تلك الصغيرة التي لا تتراجع عنها
***
مهرة لم تخبر رحيم شيء عما حدث بالنادي فقد اعتذر عن الحضور وعادت البيت وحدها مع أيلا وظنت أن الأمر انتهى
لكن.. 
خرجت من الحمام بعد أن استعدت للنوم دون أن تعرف متى سيعود ولكنها تفاجأت به يدخل فابتسمت له وهو يحمل جاكته ويقول "ظننتك نائمة، آسف لعدم تمكني من الحضور"
التقت به بمنتصف الغرفة وقبلتهم كانت أفضل من الكلمات.. 
أبعدها وقال "تبدين بخير"
ظلت يداها على صدره وعيونها عالقة بعينيه وهي تجيبه "نعم، لم أحظى بنوبة غثيان، أنهيت عملك؟"
كانت ذراعه تلفها ويده الأخرى تبعد خصلاتها "نعم وتمنيت أن أحظى بليلة دافئة مع حبيبة قلبي"
ضحكت وارتفعت يداها لعنقه "والمقابل؟”
شفاهه تحركت على وجنتيها وعنقها وهو يهمس " قلبي"
ولم تجيب، اكتفت، فقلبه هو كل ما تمنته بيوم ما ونالته أخيرا
لفها بذراعه عندما انتهى وظل ممددا على ظهره دون أن ينام فقالت "ماذا بك رحيم؟"
سقطت نظراته عليها، أصبحت تعرفه جيدا 
رفعت وجهها له فالتقت بنظراته الزائغة فقال "أيلا أخبرتني أنها قابلت ماما بالنادي"
ظلت تنظر له ولا تعرف بماذا تجيبه حتى اختارت كلماتها "لو كنت أعلم ما ذهبت بها"
ظل صامتا لحظة ثم قال "أنا لا ألومك مهرة، من حق أيلا الاستمتاع بالنادي"
أبعدت وجهها واستقر على صدره وهي لا ترغب برؤية الألم داخل عيونه "كنا بمنطقة الألعاب، لم أظن أنها.. "
أراحها على الفراش وواجه نظراتها "أخبرتك أني لا ألومك ولا توقفي ذهابك"
ووضع قبلة على شفتيها ونهض للحمام وهي ظلت تتبعه ولا تفهم ما يدور برأسه.. أخذ حمام وخرج بملابس البيت وهو يقول "أنا جائع هل تتناولين شيء معي؟"
هزت رأسها فطلب طعام من فتحية وهي ارتدت ملابسها وظلت على طرف الفراش وهو يدخن سيجارته عند الشرفة 
كان عليها أن تفهم فقالت "مما أنت غاضب إذن إن لم يكن مني أو من أيلا؟"
نفخ الدخان دون أن ينظر لها وقال "لست غاضب من أحد مهرة"
لم تظل مكانها، تحركت له وقالت "والدتك؟"
لف وجهه لها وهي تقترب فتحرك وأطفأ السيجارة وتوقف أمامها وقال "مهرة أنا بخير، فقط لا أرغب بأن يحدث شيء جديد يسبب ألم لكِ أو لأيلا"
رفعت وجهها له وأكملت ما لا يرغب بقوله "ولا لوالدتك"
ظل صامتا، يحدق بها وكاد يتحرك لكنها أوقفته بيداها وقالت "رحيم، هي والدتك وأنت تعلم أنها لن تتقبلني وهذا لا يضايقني لكن من فضلك لا تضع ذلك الأمر بينكم ولا تغضب منها، حاول أن تعيد علاقتك بها ومع الأيام قد تتقبل أيلا"
أمسك يداها برفق ونظرته لها كلها حب وامتنان وهو يقول "ولا تهتمين بما تفعله معك؟"
ابتسمت وقالت بصدق "كل ما أهتم به سعادتك وسعادة أيلا، أنا أم رحيم وأعلم ماذا يعني حرماني من ابنتي فلا تحرمها منك"
رفع راحتها لفمه ووضع قبلة صادقة عليها وقال بصوت امتلأ حب "وأنا نادم على كل يوم مر من عمري وأنتِ لستِ معي"
سعادتها لاحت على كل معالم وجهها وقالت "لا مكان للندم الآن حبيبي، الآن وقت سعادتنا وسعادتنا لن تكتمل إلا بعودتك لها"
ترك يدها على صدره وملأ وجنتها براحته وقال "ليس الآن مهرة، كلانا بحاجة للوقت، فقط حاولي ألا تنال أيلا جرح جديد منها"
لفت وجهه ووضعت قبلة مماثلة على راحته وهمست "هي لن تفعل بها ذلك مرة أخرى، صدقني رحيم، والدتك لن تؤلم حفيدتها"
ومن داخلها تمنت أن تفي والدته بتلك الكلمات لأجل أيلا، بينما اكتفى رحيم بكلمات زوجته لكنه كما أخبرها لم يبادر بإصلاح علاقتهم 
***
دقات على الباب ودخول مسلم جعله يرفع وجهه عن لوحة الرسم ومسلم يقول "كما توقعت مستر رحيم، تحاليل مدام مهرة تم التلاعب بها"
السيجارة اشتعلت بفمه وترك لوحة الرسم ونهض ليواجه مسلم "بمعنى؟"
رفع مسلم يده بملف وقال "مدام مهرة لم تكذب، المعمل ارسل لها نتائج خطأ، هو خطأ الموظف ولم يكن مقصود، لكن النتائج التي أُرسلت لنا ونحن بالمشفى تم التلاعب بها، أحدهم فعل ذلك عن عمد"
نفخ الدخان وخرج للمكتب وهو يقول "وبالطبع النتيجة أني أشك بمهرة، هل عرفت من الخائن بين رجالك؟"
أغلق مسلم الملف وقال بصوت متخاذل "نعم، اعترف بأن الآنسة نارا منحته مبلغ كبير لينقل لها كل الأخبار"
هز رأسه والتفت لمسلم وقال "هل تعرف لماذا غفرت لك هذا الخطأ مسلم؟"
تجهم مسلم وهو يبحث عن رد "لأنك تعلم أنني لم أتراخي في عملي مستر رحيم بأي يوم"
تحرك حتى وقف أمامه، دخانه يصحبه وقال "لا، بل لأنك كنت تصدق أن مهرة ليست كاذبة، أنت آمنت بها ودافعت عنها بوقت أنا.."
قاطعه مسلم "موقفنا مختلف مستر رحيم، أنا رجل عملي أحكم بالمنطق لكن حضرتك كنت تحكم بقلبك والأمر مختلف تماما"
ابتسم وقال "أحكم بقلبي؟ هل كنت تعلم بمشاعري تجاها قبلي مسلم؟"
شحب وجه مسلم فضحك رحيم وقال "ماذا حدث؟ هل تخشى أن أقتلك لأنك عرفت شيء أنا نفسي لم أعرفه إلا متأخرًا؟"
 ابتلع مسلم ريقه وقال بارتباك "هو فقط.. حضرتك أبديت اهتمام كبير بها منذ رأيتها بالإسكندرية ثم ظهور ابنتكم وارتباطك بها، ضف على ذلك تركك للزفاف وقت إصابة مدام مهرة ولهفتك عليها.. "
ولم يكمل ورحيم يهز رأسه بتفهم "أنت على حق مسلم، أنا كنت غبي"
تحرك ليطفئ السيجارة ومسلم يكمل "حضرتك تنسى تصرفات الآنسة نارا، هي كانت تدفع للشك بمدام مهرة وإفساد علاقتكم، أيضا حضرتك لم تكن ممن يؤمن بالحب"
هز رأسه وهو يقف أمام النافذة وكل ما مر به يتراءى أمام عيونه ومسلم يقترب منه ويقول "ولكنك تركت الآنسة نارا ولم تفعل لها شيء ولو عقاب على ما كان"
لم ينظر لمسلم وهو يقول "لأن أي عقاب لن يؤلمها مثلما يفعل عدم ارتباطي بها أو مبادلتها مشاعرها، أنا جرحتها بصميم كبرياءها مسلم يوم أفسدت الزفاف وتركتها بلا أي مقدمات ورفضت العودة لها، بل وتزوجت مهرة بدلا منها"
هز مسلم رأسه وهو يقول "وهو التصرف السليم مستر رحيم"
عاد لمسلم وضحك وهو يقول "أنت حقا متحيز لزوجتي مسلم"
احمر وجه مسلم رغما عنه ولم يواجه رحيم وهو يقول "لم أقصد مستر رحيم.. ، هو فقط إدراك أن كلاكم أحب الآخر بصدق"
صمت رحيم وثبتت نظراته على مسلم والذي رأى ما لم يراه رحيم إلا متأخرا 
تراجع لمكتبه وقال "وأنت؟ ألم تجد امرأة تحبك وتحبها بصدق؟"
تحرك مسلم له وقال "لا أظن أني سأجد، أمثال مدام مهرة لا يتكررون كثيرا مستر رحيم"
 رفع عيونه له فتدارك مسلم نفسه وقال "تعلم مدى إخلاصي لك ولأهل بيتك مستر رحيم"
ظل ثابتا عليه بنظراته لوهلة قبل أن يهز رأسه ويعود لجهازه ويقول "هل من جديد عن أمي؟"
اعتدل مسلم ونفض ارتباكه بعيدا وقال "لا، ما زالت تحافظ على روتين حياتها اليومي، النادي والأصحاب والبيت"
لم يرد وما زالت كلمات مهرة ترن بأذنه، والدتك لن تؤلم حفيدتها
**** 
بدلت كلاهم الأيام بالذهاب للنادي كي لا يلتقيان لكن الأقدار لها رأى آخر
دُعيت أيلا لحفل عيد ميلاد واحدة من أصحابها بالحضانة، والدة الفتاة دعت كل بنات الفصل للحفل بالنادي ووجهت دعوات خاصة لأسرهم وبالطبع أيلا أصرت على الحضور
واجهت مهرة "مامي، من فضلك، ليان قالت أن كل البنات ستأتي فلماذا لا أذهب؟"
يوم الجمعة، بالمغرب، هو نفس الموعد الذي التقوا فيه بعنان وهي تتجنب ذلك لكن بالطبع أيلا لن تفهم ذلك، بل هي لن تخبرها شيء من هذا
"أيلا حبيبتي، نحن لا نعرف أحد"
هتفت أيلا " أنا أعرف كل البنات ماما، كلهم أصحابي بالكلاس"
كانت قد بدأت تبكي ومهرة متعبة بسبب الحمل الذي بدأ يثقل حركتها والغثيان يحول حياتها لجحيم وقبل أن تفقد صبرها كان الباب يفتح ورحيم يدخل.. 
أيلا اندفعت له بلا مقدمات تشكو والدتها "بابي، مامي ترفض حضور عيد ميلاد ليان وأنا أرغب بالذهاب"
رفعها بين ذراعيه وسقطت نظراته على وجه زوجته التي لم تواجهه، لم تمنحه عيون زائغة وتفضح ما وراءهم فقال "ولماذا مامي ترفض؟"
قالت وهو يجلس على الفراش الصغير مواجها لمهرة "تقول أننا لا نعرف أحد، أنا أعرف كل البنات والحفل سيكون بيوم الاجازة بالنادي، أي لا عطلة عن الدراسة"
وتفهم.. 
رفع عيونه لها لكنها لم تواجه نظراته.. 
تمنت لو فرت منه لكنها ليست بجبانة، عاد لابنته وقال "سأحاول أن أقنع ماما أن توافق لو كنتِ فتاة جيدة طوال الاسبوع ونلتِ تذكية مدرسيكِ"
هتفت "أنا أفعل بابي، كلهم يخبروني أني ممتازة، اسأل ماما"
 لكن مهرة لم تنظر لهم، ظلت ساكنة حتى وضع قبلة على وجنة أيلا وقال "حسنا، دعيني أحاول مع ماما اتفقنا"
هزت رأسها ولم تجادل أكثر.. 
لحقت به بالغرفة.. كانت تؤخر نفسها عن المواجهة لكن بالنهاية ستفعل وهو ينتظرها
جفف شعره بالمنشفة وتركها حول عنقه عندما رآها تدخل وتوقف وهي تتحرك فقال "نامت!؟"
خلعت روبها وقالت "نعم، لدي ما أخبرك به عن شركات نوح عدلي.. "
يده جذبتها له لتواجهه وهو يقول "هل تخبريني عن سبب رفضك للحفل؟"
ظلت تنظر له.. لم تصل لرد لكن عليها أن تجيبه لكن عندما ظلت عيونها ثابتة على عيونه بلا رد قال "لو منعتِ لقائهم مرة فلن يمكنك منعهم للأبد مهرة"
منعت الدموع وقالت "أجنب الجميع الألم رحيم"
كان يعلم لذا قال "لكن تؤلمينها بطريقة أخرى مهرة، الأمر مهم عندها وهي أصغر من أن تتفهم أسبابك"
انفلتت منه ودموعها انتصرت وهي تقول "ستنسى"
لكنه قال "تلك الأمور لا تُنسى مهرة ولا يمكننا معاقبتها على شيء لا ذنب لها به"
التفتت له "والدتك ستظن أن أنا من يفتعل المواقف"
ظل يواجها "أخبرتني أنكِ لا تهتمين بنظرتها لكِ"
أغمضت عيونها وقلبها متعب، مرهق، لا يرغب بكل ذلك
لمساته على ذراعيها جعلتها ترتد له "لنترك الأمور تسير وننتظر مهرة، لكن ونحن بجوار ابنتنا، نحاول حمايتها قدر استطاعتنا، إنه أنتِ من أخبرني أن ماما لن تؤلم حفيدتها هل تراجعتِ عن كلماتك؟"
هزت رأسها بالنفي وقالت بضعف "لا رحيم، لكني خائفة على أيلا"
جذبها له، احتضنها بقوة وهي فعلت المثل تبحث عن الراحة والأمان وهو يقول "لا تخافي حبيبتي، كما قلتِ هي لن تضرها"
أغمضت عيونها بين أحضانه وقلبها يدعو الله ألا تتألم ابنتها مرة أخرى بسبب عنان.. 
***
الحفل كان بمنطقة الألعاب وتمنت لو أن عنان تتجنب الظهور به لتجنب رؤيتهم هي الأخرى
ظلت متوترة بالبداية لكن سرعان ما تعارفت على والدات باقي الفتيات واندمجت معهم، أيلا نالت فستان رائع من والدها وبدت فخورة بنفسها وهي تتحرك بين البنات بسعادة
تساؤلات الأمهات كانت عادية، كل واحدة تحدثت عن ابنتها والكلاس والدراسة ومواعيد حضورهم للنادي، ومهرة تجاوبت معهم والبعض منهن تحدثن عن أزواجهم ولكن هي لم تفعل.. 
لكن بدا أن الجميع يعلم من هي.. 
الكعكة وصلت والمائدة كانت طويلة بكل أنواع الحلويات.. نست مهرة أمر عنان والحفل أوشك على الانتهاء عندما.. 
سقطت عيون مهرة على عنان.. كانت تقف بعيدا، لم تقترب ولم تحاول المرور بجوار الجمع الكبير
عنان كانت فقط واقفة، لكن مهرة لم تفهم أن عنان كانت تبحث بعينها عن الصغيرة التي شغلتها بالأيام السابقة
كلمة تاتا، ظلت عالقة بذهنها، لم تنساها
عندما دعتها هدى لعيد ميلاد حفيدتها لم تسأل، أتت، ولكن كلما رأت أطفال كانت تبحث عن وجه أيلا
والآن جمدت مكانها عندما رأتها.. 
كانت جميلة بفستانها الروز، منفوش ويتحرك معها وهي تهرع هنا وهناك بسعادة مع البنات وشعرها المنساب يتطاير معها.. 
اندفاع هدى لها قطع نظراتها لحفيدتها "عنان، سعيدة أنكِ لبيت دعوتي، تعالي لرؤية ليان حفيدتي"
الآن تذكر كلمات هدى عن حفيدتها، سعادتها بتصرفات الفتاة معها، حكاياتها عن الصغيرة واليوم تدرك أن ذكرياتها مع أولاد رحمة سعيدة لكن قليلة
الأولاد كانوا دائمي الإقامة ببيت جدتهم لوالدهم لقربهم من المدرسة وعدم تفرغ رحمة لهم بسبب عملها.. 
لكن أيلا.. 
هي هنا.. معها وبيدها أن تكون قريبة منها وقتما تشاء لكن.. مهرة
هنأت هدى التي جذبتها لوالدة ليان وهنأتها هي الأخرى وهي تمنحها الهدية ومهرة انزوت بالخلف.. عيونها تبحث عن أيلا لكن بلا فائدة
لن تمنع القدر.. 
أيلا اندفعت "تاتا"
ونفس التصرف تكرر من الصغيرة، وعنان ظلت جامدة مرة أخرى، وهدى تبدي دهشتها "تاتا؟ عنان هل تعرفين الفتاة؟"
رفعت أيلا رأسها وهتفت "تاتا هل رأيتِ هديتي لليان؟ انتقيتها مع مامي، تعالي لتشاهديها"
وقبضت يد صغيرة على يد عنان وجذبتها وبلا وعي سارت مع الفتاة وتراجعت مهرة، أوقفت قدماها عن الحركة 
أيلا تقود المسيرة بلا موانع "ها هي، ليان هذه تاتا، هل رأيتِ كم هي جميلة"
الفتاة رحبت بالجدة ثم قالت "تاتا هل رأيتِ فستاني؟ بابي من أحضره لي ومامي من سرحت شعري، بابي يقول إنه يشبه شعره"
قاومت عنان الدموع ونظراتها تلتصق بوجه الفتاة التي عادت تهتف "تاتا ما رأيك؟ نحن سنذهب ونلعب بالألعاب"
ورفعت وجهها الصغير لعنان وقالت "تاتا هل ستنتظرين حتى ننتهي من اللعب؟"
جذبتها الفتاة ومع ذلك قالت "هل تأتين معنا؟"
ولم تكن لتتوقف أبدا، كأي طفل يحمل داخله براءة لم تعكرها الأيام بأي كره أو ضغينة 
وتدخلت مهرة أخيرا "حبيبتي الألعاب للصغار فقط"
لم تعارض لكنها قالت "هل تسمحين لي بقبلة تاتا؟"
ولم تنطق عنان، والتفتت مهرة لها، المرة السابقة صفعتها وهي لن تسمح بذلك 
لكن.. 
ليان أعفتهم جميعا وهي تجذب أيلا للألعاب ومهرة تتابع ابنتها حتى ارتدت لعنان وقالت "آسفة لتصرفاتها"
والتفتت لتذهب بلا انتظار للرد لكن.. 
صوت عنان أوقفها "مهرة"
وسكنت مهرة مكانها، لا تصدق ما سمعته، هل تناديها باسمها.. هكذا.. بلا إهانة أو غضب؟ 
التفتت لها بحذر، قلبها يدق بقوة فرأت عنان ما زالت تنظر ناحية الألعاب، تتابع أيلا التي تلعب بسعادة 
ثم قالت "أيلا.. كثيرة الحركة"
ابتلعت مهرة ريقها، فهمت.. أن المرأة لا تعرف كيف تبدأ حديثا طبيعيا معها فقالت بهدوء "نعم، رحيم يقول إنها أخذت طباعها مني"
مرت لحظة صمت أخرى، العيون ثابتة وما زال قلب مهرة يسابق الريح داخل صدرها حتى قالت عنان "بل هي تشبهه"
ولم تُضف شيئا آخر.. فقط التفتت وغادرت ببطء، تاركة مهرة تتبعها بدهشة لأن تلك أول مرة تتحدث معها دون قسوة أو غضب
مهرة لم ترى تلك الدموع التي سكنت عيون عنان.. فقط عنان ابتعدت حتى عن الحفل بلا كلمات.. 
أرادت أن تكون مع نفسها وما أن دخلت مكان السيارات حتى وقفت أمام سيارتها جامدة
مسلم كان يفتح له لينزل وهو يعلم بوجودها، أتى لأجل ابنته وزوجته.. كان على نفس درجة القلق التي لمست مهرة لكن لم يمنحها سوى الهدوء والطمأنينة 
لم يتراجع عن عنان، بل تحرك لها، بكل مرة تبتعد هو يقترب، انفصالهم بسبب الحفل ومهرة كان طبيعي لكنه لن يراها أمامه ويتركها هكذا
ما زالت والدته.. وهو حقا يحبها، ويعلم أنها هي الأخرى تحبه
وقف أمامها. وهي لم تفر من مواجهته، ظلت تنظر له وهو ينحني ويضع قبلة على وجنتها، عليها أن تدرك أن لا شيء سيبدل علاقتهم كما تظن
لا مهرة ولا نارا.. 
قال "مرحبا ماما"
سقطت الدمعة العالقة بعيونها، لا تصدق أنه ما زال يمنحها نفس الحب والحنان، ظنت أنه سيهجرها بسبب ما فعلته بزوجته
واجه نظراتها وتغاضى عن دموعها الخافية مع الظلام وهي قالت "لا تبدو بخير"
ابتسم وقال "ليس بأفضل حال، أحتاج للنوم"
يفتح حديث معها ربما يحنو قلبها وهي تماسكت ولفت وجهها بعيدا "العمل!؟"
قال الحقيقة "لا، مهرة كانت متعبة بالأمس بسبب الحمل ولم يمكنني تركها ومنه للعمل بلا نوم والآن هنا لأجل أيلا"
يخبرها أن أسرته هي ما ينال اهتمامه "هي حامل؟ زوجتك؟"
ولم تنطق باسمها مرة أخرى وما زالت ابتسامته تواجها "توأم، ولن يمكنك تخيل المعاناة التي تعانيها"
جف حلقها ولم تنتبه ليدها التي تعرقت ومسحتها بملابسها الفاخرة لكنها أبعدت وجهها وقالت "كانت تبدو بخير بالداخل"
تفهم.. أدرك أن المواجهة تمت لكنها لا تبدو غاضبة، هل سارت الأمور على ما يرام؟ 
ضاقت عيونه وهو يسأل "هي تفعل لأجل أيلا، هل صدر منهما شيء ضايقك؟" 
فقدت هدوءها "ولم لا تسألني مباشرة هل أهنتها وأغضبتها؟”
ظل ثابتا، يرى فقدانها للسيطرة ويعلم أن كبرياءها يطغى فتنهد وقال " لن أفعل ماما، هل نجنب أنفسنا الغضب بعدم التحدث عنهما؟ طالما الأمر يغضبك"
ظلت ثابتة على وجهه.. هل حقا يرغب بالحفاظ على هدوءها؟ 
همست بتعب مفاجئ "وهل ستفعل أنت؟”
مال عليها وقال "سأفعل ماما، تعلمين مكانتك عندي"
اهتز قلبها.. 
أبعدت نظراتها الدامعة والتفتت لسيارتها وفتحتها ثم توقفت فجأة وقالت "تلك الصغيرة، راقبوا حركتها أكثر من ذلك فهي تتحرك كثيرا"
ودخلت السيارة وتحركت بها وما زال رحيم واقفا بمكانه يتابعها، وابتسم.. 
هي لأول مرة تبدي اهتمام بابنته وربما هذه علامة أولية لبدأ التراجع
**** 
وتدور دائرة الأيام.. 
الحياة استقرت تماما ببيت رحيم، علاقته بزوجته تتوطد كل يوم أكثر من الأول، أراد منحها ما لم يمنحه لها من قبل وهي كانت مستمتعة جدا.. 
رحلتهم لأستراليا كانت رائعة، كان يقدم عرض لأزياء المجموعة هناك وبالطبع هي من قادت حملة الدعاية، بل هي سبب الدعوة من الراعي الرسمي 
لكن.. 
مع نهاية الشهر السادس بالحمل كان الأمر صعب، خاصة لو كان توأم ومع ذلك لم تكن تتحدث عن تعبها أمامه وهو كان يراه بعينيها
غرفتهم كانت تنتظرهم، لم تدخل غرفة أيلا بل تركتها لسحر، كانت بحاجة للراحة والنوم وهو ما فعلته.. 
استلقت على الفراش بملابسها وعندما لحق بها كانت قد رحلت بالنوم.. 
خلع عنها حذاءها وجذب عليها الغطاء وهو واثق أنها متعبة، هاتفه اهتز فأخرجه ليرى اسم والدته.. 
تحرك خارجا ليجيب "مرحبا ماما"
تحركت المرأة بالصالة بتوتر غريب عنها وقالت "أخيرا عدت رحيم"
ابتسم وهو يدخن سيجارته ويجلس بالجزء الصغير للاستراحة وقال "كنت بحاجة لاجازة بعد انتهاء العرض ومهرة كان لديها بعد الأعمال هناك"
تحركت بعصبية وقالت "ألم تكن تتحدث عن تعبها بالحمل؟ هل تدعي التعب أمامك؟"
ظل هادئا وهو يجيبها "مهرة لا تدعي شيء ماما، لقد هاتفت رحمة بالأمس"
لفت حول نفسها، هل يبدل الحديث؟ لم لا تخبره أنها.. 
أنها ماذا؟ 
ناداها فقالت "نعم هي أخبرتني، قالت إنكم اتفقتم على اللقاء بنهاية الشهر"
نفخ الدخان وقال "نعم، هي ترغب بلقاء مهرة، زوجها تعامل بالصدفة معها دون أن يعرف أنها زوجتي وكلاهم يرغب برؤيتها"
عادت تتحرك بعصبية وهي تقول "نعم، زوجتك تجيد رسم الخطط وتنفيذها"
عبث بعيونه بأصابعه وتطاير الدخان فوق رأسه وهو يقول "ماما من فضلك توقفي، تعلمين أن مهرة ليست كذلك، الشهور الماضية أثبتت لكِ ذلك فلماذا دائما تحاولين تشويه صورتها؟"
هتفت "وأنت تدافع عنها بلا يأس وكأني لست أمك"
فتح عيونه وتنهد "بل أنتِ كذلك حبيبتي، هل تخبريني ماذا تريدين؟"
صمتت، لم تعرف ماذا أرادت من كل ذلك، هو على حق، بالشهور الماضية كل لقاءاتهم بالنادي كانت من بعيد، فقط أيلا من كانت تتجاوز معها لكن بلا رد من عنان والآن لم تعد تعرف ماذا تريد؟ 
جلست، قدماها تخاذلان عن حملها وقالت "لا شيء رحيم، سفرك جعلني متوترة، كنت أشعر بالوحدة"
هدأ لأجلها وقال "ربما أمر عليكِ غدا بعد العمل"
وبلا وعي منها هتفت "وأيلا؟"
رفع رأسه.. انتبه، لأول مرة تذكرها بحوار لهم، أسرعت تقول "أقصد ماذا فعلت بدراستها؟"
صمت حل للحظة قبل أن يقول "ما زالت بالحضانة ماما ومهرة تعرف كيف تجعلها تواكب ما فاتها"
وصمت كلاهم حتى قرر هو أن يبدأ "ربما تصحبني بالغد وأنا بطريقي لكِ هل تعترضين؟"
تنفست بقوة.. تاتا.. هي جميلة.. 
كلمات الفتاة كانت تصحبها وطوال الفترة الماضية كانت تسمعها دون أن تمنحها أي كلمات ولا تنكر أن مهرة لم تمنعها عنها مرة واحدة بل ولم تسيء التعامل معها بأي شكل
ناداها مرة أخرى فقالت "لا، ليس لدي اعتراض"
ابتسم.. أيلا تحقق انتصارات الواحد تلو الآخر ولا أحد يمكن أن ينافسها.. 
 
تعليقات



<>