رواية انت الهدف الفصل العشرون20بقلم ملك احمد

رواية انت الهدف الفصل العشرون20بقلم ملك احمد


في صباح اليوم التالي...

استيقظت سيرا مع أول خيوط الشمس التي تسللت إلى غرفتها.

فتحت عينيها ببطء، ثم اعتدلت في جلستها وهي تتذكر برنامج اليوم.

تنهدت تنهيدة خفيفة، ونهضت من فراشها، ثم ارتدت ملابسها سريعًا ونزلت إلى الطابق السفلي.

كانت تعلم أن آيان بدأ تدريباته الصباحية مع الفريق، لذلك قررت أن تنتظره هذه المرة حتى لا تتأخر كما حدث في اليوم السابق.

خرجت إلى الملعب، واتجهت نحو المدرجات.

جلست في أحد المقاعد، وأسندت ظهرها إليه وهي تتابع اللاعبين في صمت.

كانت أصوات الكرة، وصافرة المدرب، وهتافات اللاعبين تتردد في المكان، بينما كانت عيناها تتنقلان بين الجميع، تراقب التدريبات باهتمام.

مر الوقت سريعًا...

حتى أعلن المدرب انتهاء المران.

بدأ اللاعبون يغادرون أرض الملعب وهم يتبادلون الضحكات والحديث، متجهين إلى غرف تبديل الملابس.

أما سيرا...

فأخرجت منديلًا صغيرًا من جيبها، ومسحت به وجهها بسبب حرارة الجو، ثم رفعت رأسها وهي تستعد للوقوف.

لكنها تفاجأت بزجاجة ماء تمتد أمامها.

رفعت عينيها، لتجد معاذ يقف أمامها مبتسمًا.

ـ معاذ: اتفضلي.

ابتسمت له سيرا بأدب، ثم أخذت الزجاجة.

ـ سيرا: شكرًا.

ـ معاذ: مستنية آيان؟

ـ سيرا: أيوه... عندنا جلسة تصوير النهارده.

هز رأسه مبتسمًا.

ـ معاذ: ربنا يوفقكم.

ـ سيرا: يا رب... شكرًا.

ساد بينهما صمت قصير، لم يدم سوى ثوانٍ.

لكن...

في الجهة الأخرى من الملعب...

كان آيان يقف أعلى المدرجات، يراقب المكان من بعيد.

وقع بصره على سيرا وهي تتحدث مع معاذ.

ثبتت عيناه عليهما للحظات، ثم انعقد حاجباه دون أن يشعر.

ظل ينظر بصمت...

قبل أن يخرج هاتفه ويضغط على رقمها.

رن هاتف سيرا.

نظرت إلى الشاشة، ثم أسرعت بالرد.

ـ سيرا: ألو؟

جاءها صوته هادئًا، لكنه بدا جادًا كعادته.

ـ آيان: أنا مستني قدام العربية... يلا.

ـ سيرا: حاضر... جاية.

أغلقت الهاتف، ثم التفتت إلى معاذ.

ـ سيرا: بعد إذنك.

ـ معاذ: اتفضلي.

ابتسمت له ابتسامة خفيفة، ثم أسرعت في خطواتها نحو الخارج.

ظل معاذ ينظر في أثرها للحظات، قبل أن يكمل طريقه.

@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@

خرجت سيرا من الملعب، حتى وصلت إلى موقف السيارات.

كان آيان يقف بجوار سيارته، وقد عقد ذراعيه أمام صدره، ينتظر وصولها.

ما إن اقتربت منه، حتى قالت وهي تلتقط أنفاسها:

ـ سيرا: آسفة على التأخير.

نظر إليها لثوانٍ دون أن يتحدث.

ثم قال بنبرة هادئة، لكنها حملت شيئًا من الجدية:

ـ آيان: تمام...

توقفت سيرا تنتظر أن يكمل حديثه.

ـ آيان: بس ياريت بعد كده وقت الشغل... متوقفيش تضحكي وتهزري.

رمشت سيرا باستغراب.

لم تفهم سبب كلامه المفاجئ.

فقالت بهدوء:

ـ سيرا: أنا مضحكتش يا فندم... وكمان إحنا لسه مبدأناش الشغل.

نظر إليها للحظة، ثم صرف عينيه عنها.

ـ آيان: أنا قولت اللي عندي... يلا.

فتح باب السيارة، وصعد إلى مقعده.

وقفت سيرا مكانها لثوانٍ وهي تنظر إليه بعدم فهم.

ثم تمتمت بصوت منخفض، بالكاد سمعته هي:

ـ سيرا: هو أنا عملت إيه يعني...

هزت رأسها وهي تزفر بضيق، ثم فتحت الباب وصعدت إلى السيارة.

ساد الصمت بينهما طوال الطريق...

ولم يكسره أيٌّ منهما.

@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@

بعد نحو ساعة...

وصلت السيارة إلى مكان جلسة التصوير.

كان المكان يعج بالمصورين، والعاملين، وفريق الإعداد الذي يتحرك في كل اتجاه استعدادًا لبدء التصوير.

ترجل آيان أولًا، ثم تبعته يمنى، وأخيرًا سيرا التي أخرجت دفترها الصغير والقلم من حقيبتها.

دخل آيان إلى موقع التصوير، وما إن وقف أمام الكاميرا حتى تبدلت ملامحه تمامًا.

أصبح أكثر هدوءًا وثقة، وكأنه اعتاد على تلك الأجواء منذ سنوات.

أما سيرا...

فكانت تقف على مسافة ليست ببعيدة، تتابع كل تفصيلة باهتمام، وتدوّن الملاحظات التي قد تحتاجها فيما بعد.

كانت تراقب مواعيد تبديل الملابس، وأوقات الاستراحة، وتعليمات المخرج، دون أن تغفل شيئًا.

وفجأة...

اهتز هاتفها داخل جيبها.

أخرجته سريعًا، لتجد اسم إياد يضيء على الشاشة.

ارتسمت ابتسامة تلقائية على وجهها.

ـ سيرا: معلش...

ابتعدت عدة خطوات حتى لا تُصدر أي إزعاج أثناء التصوير، ثم أجابت المكالمة.

ـ سيرا: ألو... إياد؟

لكنها لم تسمع سوى تشويش متقطع.

أبعدت الهاتف عن أذنها وهي تنظر إلى الشاشة.

ـ سيرا: الشبكة وحشة...

تحركت قليلًا نحو الخارج وهي تحاول التقاط إشارة أفضل.

لكن دون جدوى.

رفعت رأسها، فوجدت شارعًا طويلًا يمتد أمامها.

نظرت خلفها نحو المبنى، ثم قالت لنفسها:

ـ سيرا: همشي شوية بس... أكيد الشبكة هتظبط.

بدأت تسير بخطوات هادئة...

وكل تركيزها كان مع الهاتف.

وبعد عدة أمتار...

عاد الصوت أخيرًا.

ـ سيرا: أيوه... سامعني؟

جاءها صوت إياد هذه المرة واضحًا.

ـ إياد: أيوه... أخيرًا.

ابتسمت سيرا وهي تواصل السير دون أن تنتبه إلى الطريق.

ـ سيرا: كنت مختفي فين؟

ضحك إياد.

ـ إياد: أنا رجعت مصر.

توقفت سيرا مكانها، واتسعت ابتسامتها.

ـ سيرا: بجد؟

ـ إياد: أيوه... أول ما وصلت قولت أكلمك.

ـ سيرا: والله فرحتني.

ـ إياد: وأنا كان نفسي أشوفك.

خفضت رأسها بابتسامة حزينة.

ـ سيرا: وأنا كمان... بس للأسف الشغل مخليني بره.

ـ إياد: هترجعي إمتى؟

ـ سيرا: بعد شهر إن شاء الله.

ـ إياد: هستناكي.

ابتسمت وهي تستعد للرد...

لكن فجأة...

انقطع الاتصال.

نظرت إلى الهاتف باستغراب.

ضغطت على زر التشغيل أكثر من مرة.

لكن الشاشة بقيت سوداء.

تنهدت بضيق.

ـ سيرا: لا... هو ده وقته؟

حاولت تشغيله مرة أخرى.

لكن البطارية كانت قد نفدت تمامًا.

أعادت الهاتف إلى حقيبتها، ثم استدارت حتى تعود.

لكن...

تجمدت مكانها.

نظرت أمامها...

ثم خلفها...

ثم إلى الطريقين المتشابهين الممتدين أمامها.

اختفت ابتسامتها شيئًا فشيئًا.

وعقدت حاجبيها وهي تحاول أن تتذكر.

ـ سيرا: ثانية...

لفت حول نفسها ببطء.

ـ سيرا: أنا... جيت منين؟

ساد الصمت من حولها.

لم يكن هناك أحد تسأله.

وكل الطرق بدت متشابهة بصورة أربكتها أكثر.

وضعت يدها فوق رأسها وهي تزفر بقوة.

ـ سيرا: يا سيرا... ركزي... أكيد هتفتكري.

أغلقت عينيها للحظات وهي تحاول استرجاع الطريق الذي سلكته.

ثم فتحتهما من جديد.

كان أمامها طريقان.

نظرت إلى الأول...

ثم إلى الثاني...

وظلت مترددة.

ـ سيرا: يمين... ولا شمال؟

ظلت صامتة للحظات، قبل أن تبتسم بخفة رغم توترها.

ـ سيرا: لا... شمال إيه.

ثم قالت وهي ترفع يدها قليلًا إلى السماء:

ـ سيرا: اللهم اجعلنا من أهل اليمين.

وضغطت على حقيبتها بيدها، ثم بدأت تسير في الطريق الأيمن...

غير مدركة...

أنه لم يكن الطريق الذي جاءت منه.

@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@

في تمام الساعة السابعة مساءً...

أعلن المخرج انتهاء جلسة التصوير.

بدأ العاملون في جمع المعدات، بينما كان الجميع يستعد للمغادرة بعد يوم طويل.

خلع آيان الميكروفون الصغير المثبت في ملابسه، ثم مرر يده بين خصلات شعره وهو يزفر بهدوء.

كان يبدو مرهقًا...

لكنه اعتاد على ذلك.

وقفت يمنى بجواره وهي تراجع معه جدول اليوم التالي.

أما سيرا...

فلم تكن موجودة.

رفع آيان رأسه ينظر حوله دون اهتمام في البداية، معتقدًا أنها تقف في مكان قريب تدون بعض الملاحظات.

لكن مرت دقيقة...

ثم أخرى...

ولم تظهر.

انعقد حاجباه قليلًا.

التفت إلى يمنى.

ـ آيان: فين سيرا؟

رفعت يمنى رأسها، ثم أخذت تبحث بعينيها بين الموجودين.

ـ يمنى: كانت هنا من شوية...

أعاد آيان النظر إلى المكان مرة أخرى.

ـ آيان: اتصلي عليها.

أخرجت يمنى هاتفها واتصلت بها.

ظل الهاتف يرن لثوانٍ...

ثم انقطع، وخرج الصوت الآلي:

"الرقم المطلوب مغلق أو غير متاح... برجاء ترك رسالة."

أنزلت يمنى الهاتف ببطء.

ـ يمنى: تليفونها مقفول.

ساد الصمت للحظة.

نظر آيان إلى الباب المؤدي إلى الخارج، ثم عاد بنظره إليها.

ورغم أن ملامحه بقيت هادئة...

إلا أن القلق بدأ يتسلل إلى عينيه.

ـ آيان: خرجت إمتى؟

ـ يمنى: معرفش... يمكن راحت ترد على مكالمة وترجع.

لم يجبها.

ظل ينظر إلى المكان وكأنه ينتظر أن تدخل سيرا في أي لحظة.

لكنها لم تظهر.

مرّت خمس دقائق أخرى...

وهنا شعر أن الأمر لم يعد طبيعيًا.

التفت بسرعة.

ـ آيان: بلغي الأمن يدوروا عليها فورًا.

ـ يمنى: حاضر.

تحركت يمنى مسرعة، بينما وقف آيان مكانه، ينظر إلى الباب في صمت.

لم يكن يفهم سبب شعوره بالانزعاج.

هي مجرد موظفة...

إذًا لماذا بدأ يشعر أن شيئًا سيئًا قد حدث؟

ضغط على فكه بقوة، محاولًا إقناع نفسه بأنها ستعود بعد دقائق.

لكن داخله...

كان يخبره بعكس ذلك.

وبعد عدة دقائق...

عادت يمنى، وكانت علامات التوتر واضحة على وجهها.

ـ يمنى: أستاذ آيان...

رفع رأسه إليها فورًا.

ـ آيان: لقيتوها؟

هزت رأسها بالنفي.

ـ يمنى: دورنا في المكان كله... ومفيش أي أثر ليها.

اتسعت عينا آيان قليلًا.

لأول مرة...

اختفى هدوؤه المعتاد.

ـ آيان: إزاي يعني مش موجودة؟

ـ يمنى: مش عارفين.

ظل صامتًا لثوانٍ...

ثم قال بحزم:

ـ آيان: هاتوا تسجيلات الكاميرات.

بعد دقائق...

وقف الجميع أمام شاشات المراقبة.

بدأ المسؤول يشغّل التسجيلات.

كانت اللقطات تمر واحدة تلو الأخرى.

حتى ظهرت سيرا...

وهي تخرج من المبنى ممسكة بهاتفها، ثم تواصل السير حتى اختفت من الكاميرا.

اقترب آيان من الشاشة دون أن يشعر.

ثبت عينيه عليها.

ثم قال بهدوء يخفي غضبه:

ـ آيان: وقّف هنا.

توقفت الصورة.

ظل ينظر إليها للحظات...

ثم استدار فجأة.

ـ آيان: أنا هروح.

تفاجأت يمنى.

ـ يمنى: حضرتك هتروح بنفسك؟

ـ آيان: أيوه.

ـ يمنى: بس يا أستاذ... ممكن الأمن يدوروا وهيلاقوها.

نظر إليها نظرة قصيرة.

ـ آيان: لو كانت قدامهم كانوا لقوها من بدري.

لم تنتظر يمنى أكثر.

أومأت برأسها بسرعة.

خرج آيان بخطوات سريعة لأول مرة منذ بداية اليوم.

كان يسير وهو يحاول أن يبقى هادئًا...
لكن كل دقيقة كانت تمر، كانت تزيد ذلك الشعور الثقيل داخل صدره.

صعد إلى سيارته، وأدار المحرك فورًا.

وانطلقت السيارة بسرعة، بينما تبعتها سيارة الحراسة.

وصل إلى أول طريق ظهر في الكاميرات.

أخذ ينظر يمينًا ويسارًا وهو يقود ببطء.

كان يبحث عنها بين المارة، وبين السيارات، وحتى الأرصفة.

لكن...

لا أثر لها.

قبض على المقود بقوة.

ثم استدار إلى الطريق الآخر.

كان الأمل الوحيد المتبقي لديه...

أن يجدها هناك.

وما إن دخل ذلك الطريق...

حتى ضغط بقوة على المكابح.

توقفت السيارة فجأة.

تجمدت عيناه وهو ينظر إلى الأمام.

وشحب وجهه...

لقد رأى شيئًا...

جعله يشعر أن قلبه توقف للحظة.


تعليقات



<>