رواية نفوذ عاشق الفصل الثاني والعشرون22 بقلم سارة علي
كانت تارا تجلس على احدى الطاولات التي يجلس عليها كلا من خالد وحوراء ولميس وقد صادفت أن انضمت إليهم هي بعدما دعتها احدى السيدات والتي تعرفها جيدا بينما يجلس أيضا بعض الرجال والسيدات معهم ..
كان الجميع يتحدث بإستثناء خالد الذي يراقبهم بجمود و قد توقف عن ردوده المقتضبة التي كان يجامل بها الموجودين ما إن إنضمت هي اليهم ..
لا يعلم لماذا لم يحب إنضمامها إليهم ولم يرتح لوجودها قربه ..
أفاق من شروده على صوت أحدهم يسأل :
" ما رأيك أنت يا خالد بك ..؟!"
لتهتف أخرى مازحة وقد لاحظت تفاجئه من السؤال :
" يبدو ان خالد بك لم يكن معنا ..."
ابتسم خالد بإقتضاب دون رد بينما المرأة تتأمله بإعجاب صريح انتبهت له تارا التي التوى فمها بإبتسامة متهكمة وهي تسمعها تكمل :
" هنيئا لمن جعلتك شاردا بها يا بك .."
تجاهل حديثها وهو يرتشف قليل من العصير أمامه بينما حدقت بها حوراء بنظرات باردة قبل أن تنتبه الى إبتسامة تارا الخافتة والتي لم يلحظها سواها كونها سرعان ما أخفتها ..
عادت الأحاديث الجانبية بينما وضعت حوراء جل تركيزها مع تارا التي إنتبهت الى نظراتها الخاطفة المصوبة نحو ابن عمها لتتجهم ملامحها كليا لتجدها تتحدث مع لميس وشخص آخر عن الأخبار الأخيرة التي انتشرت عن ألبومها القادم ليهتف أحد الموجودين بمكر :
" أنتِ فقط كوني مستعدة لأخبار الغد التي لن تنفك الحديث عن الحبيب المجهول .."
اتجهت انظار حوراء نحو خالد الذي وجدت جبينه يتغضن بإنزعاج فهزت رأسها بإنكار وهي تفكر إن هذا كله مستحيل ومن صوب خيالها الذي يصور لها ما غير موجود .
ردت تارا بهدوء :
" الأخبار دوما ما تتحدث عني وعن عشاقي الذين لا وجود لهم من الأساس يا بك .. لقد اعتدت هذا الأمر .."
أردفت بجدية :
" الأغنية مجرد اهداء لا اكثر ولا تعني اي شيء .."
لا يعلم لماذا شعر بكلماتها تضربه في الصميم وإن هناك شيء ما إنزعج داخله بشدة بسبب هذه الكلمات ..
أكملت تارا :
" انا لا اهتم لهذه الأخبار أبدا .. "
" وماذا عن تلك الشائعات التي تخرج عنك يا تارا هانم ..؟! أنت من المشاهير الذين دوما ما تصدر شائعات في حقهم و البعض منها ليس لطيفا .."
حدقت بها تارا بتمهل بطيء وكأنها تقيمها كليا بينما اتجهت انظار الجميع نحوها منتظرين ردها خاصة خالد الذي أغضبه حديث حوراء بشكل لا يفهمه والأهم لا يفهم سبب هجومها الواضح على تارا ..
أخيرا ردت تارا بصوت هادئ طبيعي للغاية :
" حسب ما أذكر فإن آخر شائعة صدرت بحقي تحدثت عن زواج سري جمعني بقيصر بك .. أخوكِ .."
شددت على كلمة " أخوكِ " ليتوتر الجو من حولها كليا لتكمل وهي تتأمل وجه حوراء الذي بهت للحظات حيث لم تتوقع هذه الصراحة منها :
" بالنسبة لي لقد نفيت تلك الشائعة بوضوح وكذلك فعل قيصر بك .."
أردفت وهي تبتسم بهدوء يحمل في طياته التحدي :
" ربما من الممكن أن تشكي في حديثي لكن من غير الممكن أن تشكي في حديث أخيكِ يا هانم .. وإذا كنت تشكين بذلك فهو معك دوما .. إسأليه إذا أردت وهو لن يكذب أبدا .. حسب علمي قيصر عمران معروف بصراحته وجرئته ولا يخشى شيئا مهما كان .."
أنهت كلماتها وهي ما زالت تبتسم بقوة لتشيح بوجهها بعيدا وهي تحتسي البعض من كوب عصيرها متجاهلة نظرات خالد المصوبة نحوها والتي شعرت بها بوضوح ..
لا يستطيع أن ينكر إعجابه بجوابها وثقتها رغم غضبه من حديثها عن صراحة وجرئة ابن عمها الذي يريد معرفة سر ما يجمعهما بشدة غير منتبها لتلك التي لاحظت نظراته فإشتعلت الغيرة داخلها وهي ترى إهتمامه بها و الذي مهما حاول إخفائه يظهر بوضوح لمن يراقبه بتمعن ..
إهتمام تكاد تجزم إنه لم تحظَ أي إمرأة به من قبل حتى هي وجاءت تلك المغنية وحظيت بإهتمامه رغم إنها أفضل منها في كل شيء ..
عادت تتأمل تارا بنظرات حاقدة بينما الأخيرة نهضت من مكانها متجهة الى أحد أصدقائها وهي تفكر إن عليها أن تبتعد تماما عن هذه الطاولة ..
تلك الفتاة كوالدتها تماما تتماثلان في الشخصية المتعجرفة المتعالية لكن ليس عليها بالطبع فهي تعرف كيف تتعامل مع هذه النماذج وتوقفها عند حدها اما خالد عمران والذي تكاد تجزم إنه سببا في هجوم تلك الحمقاء عليها فستتجاهله هو الآخر كما تجاهلت الكثير قبله .. هي لم ولن تسمح بدخول رجل الى حياتها أبدا ولن يكون هو إستثناء لذلك ..
***
في صباح اليوم التالي ..
وقفت شمس امام المصعد تنتظر هبوطه حينما فوجئت بشخص يهتف وهو يقف جانبها :
" صباح الخير .."
نظرت اليه بدهشة لثواني ثم سرعان ما تذكرته فهو من راسلها البارحة لترد بهدوء :
" صباح النور .."
قال يعرفها عن نفسه :
" مصطفى .."
ردت بفتور :
" وانا شمس .. تعرف بالطبع .."
ضحك وهو يرد :
" نعم أعرف .."
أكمل بجدية :
" انت متدربة هنا .. أليس كذلك ..؟!"
أومأت برأسها دون رد ثم اندفعت داخل المصعد الذي وصل اخيرا ليلحق هو بها بسرعة دون أن ينتبه أيا منهما الى ذلك الذي وصل منذ قليل وكان شاهدا على حديثهما المقتضب ونظرات ذلك الشاب الغير مريحة ولحاقه بها ..
***
دلفت ربى الى تلك الشركة التي يملكها ابن عمها كما فهمت ثم سارت بخطواتها نحو موظفة الإستقبال تسألها عن مكتبه ..
اتجهت بعدها نحو المصعد ودلفت به وهي تتذكر قرارها البارحة بزيارته فهي لن تضيع هذه الفرصة منها ابدا ..
حمدت ربها إن والدتها ذهبت صباحا لبيت خالتها كي تودع أيمن الذي سيعود الى الخارج مع عروسه لتنتهز هي غيابها وأخوها أسامة الذي يستيقظ متأخرا كونه يذاكر طوال الليل فتخرج بسرعة وتأتي الى هنا ..
سارت نحو مكتبه بعدما دلها الموظفين عليه لتدلف الى الداخل فتتفاجئ بمكتب السكرتيرة فارغ وباب مكتبه مفتوح ..
مدت قامتها وهي تتقدم نحو المكتب قبل ان تقف عند الباب وتهتف :
" صباح الخير .."
التفت فارس نحوها والذي كان يقف في منتصف المكتب يتحدث مع سكرتيرته ليتأملها قليلا وقد جذب انتباهه شعرها الأحمر ولون عينيها وهو يكاد يجزم إن تلك التفاصيل ولون الشعر هذا لا يمتلكه سوى واحدة وهي ابنة عمه التي رأها لآخر مرة عندما كانت طفلة صغيرة لكنه يتذكر ملامحها جيدا ..
" صباح النور .. تفضلي .."
قالها بجدية لتتقدم نحوها وتقف أمامه معرفة عن نفسها بثقة :
" انا ربى يا فارس .. ابنة عمك .."
***
تأمل فارس ابنة عمه التي تجلس أمامه بنظرات هادئة مليئة بالثقة وقد أدرك من نظرة واحدة إنها تحمل من التكبر والغرور الكثير ..
ربما بسبب جمالها المميز او هو طبع متأصل بها او ربما تستخدم هذا الإسلوب مع من تكرههم وهو بالتأكيد واحدا منهم ..
" ماذا تشربين يا ربى ..؟!"
سألها بهدوء لتجيب :
"'شكرا ... لا أريد شيئا .. جئت لأتحدث معك قليلا وأخرج .."
" تفضلي ...أسمعك يا ربى .."
قال جملته تلك وهو يضغط على حروف إسمها وداخله يفكر في سبب مجيئها له ..
هو شبه متأكد إن والده فعل شيئا جعلها تأتيه ويتمنى حقا ألا يكون نفذ ما في رأسه ..
" لقد زارنا عمي قبل يومين .."
نظر إليها بترقب لتكمل بثبات :
" خطبني لك .."
حاول ألا يجعل أي شيء يظهر على ملامح وجهه رغم الغضب الذي أوج به من والده وتصرفه هذا وإصراره على وضعه أمام الأمر الواقع ..
" أعلم .."
قالها بإقتضاب كاذبا عليها كي لا يظهر بشكل الإبن الغبي الذي يتصرف والده في شؤونه رغما عنه بينما داخله يتجهز لحرب قوية مع والده بعد تصرفه هذا ..
" ألم يخبرك بجوابي ..؟!"
سألته بنبرة بدت عادية لكنها تحمل الكثير من الخبث لتكمل دون أن تستمع الى جوابه :
" ألم يخبرك إنني رفضت طلبه..؟! "
حاول ان يحافظ على جمود ملامحه ولا يتأثر بطريقتها الإستفزازية الواضحة وقال :
" أخبرني بالطبع .. "
أكمل بجدية :
" وأخبرته إنك حرة في رأيك .."
أكدت على حديثه :
" انا حرة بالطبع ولا أحد يجبرني على ما لا أريده .."
سألت وهي تتأمل نظرات التي جاهد لجعلها هادئة :
" ألن تسأل لماذا أتيت اليوم ..؟!"
سألها ببرود :
" لماذا أتيت يا ربى ..؟!"
أجابت بصدق :
" لأعلم غايتك انت ووالدك من هذا الطلب .."
رفع حاجبه وقال :
" غايتنا ...؟! أي غاية بالضبط يا ربى ..؟!"
هتفت بنبرة هازئة قليلا :
" والدك لا يفعل شيئا لوجه الله يا فارس .. هو بالتأكيد يريد شيئا من وراء ذلك .. وأنت بالتأكيد تعرف ماذا يريد وماذا تريد انت ربما .."
أجاب بقوة :
" لا أعلم شيئا و إن كان هو يضمر غاية معينة وراء ذلك فهذه ليست مسؤوليتي .."
ضحكت بخفة وهي تهتف بسخرية :
" حقا ..؟! إذا ماذا تسمي خطبتك لي وأنت خاطب أخرى غيري منذ مدة ..؟! "
أردفت وهي تلاحظ وجوم ملامحه :
" هل أصبحت من عادة الرجال أن يخطبوا على خطيباتهم .. ؟! ظننت إنهم يتزوجون على زوجاتهم بعد الزواج لا يخطبون .. لكن يبدو إن الأمور تبدلت وانا لا علم لدي .."
رمقها بنظراته الباردة وقال :
" الأمر ليس هكذا .. هناك أسباب وراء ذلك .."
" أسباب ..؟! أية أسباب بالضبط ..؟!"
سألته بنبرة متهكمة ليرد بالحقيقة قاصدا إحراجها :
" نسرين خطيبتي هي ابنة خالي ووالدي لا يريدها لإنه لا يحب خالي حيث يقاطعه منذ سنوات لذا هو يريد تخريب زيجتي من ابنة خالي وتزويجي بكِ كي يرى الجميع إنني فضلت ابنة عمي على ابنة خالي .."
لم تصدق ما تسمعه منه ..
هل كانت لعبة عند عمه وعنده ..؟!
انتفضت من مكانها وهي تصيح لا إراديا :
" يا لك من وضيع .. كيف تفعل هذا ..؟!"
نهض من مكانه وتقدم نحوها هاتفا بتحذير :
" الزمي حدودك وانتِ تتحدثين معي.."
ضحكت ببرود ثم هتفت بوجه يكاد ينفجر من شدة الغضب :
" ألزم حدودي مع من ..؟! معك انت ..؟! مع رجل وضيع ضعيف مثلك .. يتلاعب بإبنة خاله وابنة عمه .."
" إياكِ أن تتجاوزي حدودك يا ربى لإنك لن تضمني ردود أفعالي وقتها .."
" لم أقل شيئا خاطئا .. فقط قلت الحقيقة .. الحقيقة لا غير .."
كانت تتحدث ووجهها يقابل وجهه ليتأمل حمار وجهها الذي أصبح متوهجا كنار حارقة فيهتف بعدم استيعاب :
" ما هذه الجرأة يا فتاة ..؟! كيف تتحدثين مع شخص يكبرك بعدة أعوام بهذا الشكل ..؟! لا أصدق إنك في الثامنة عشر من عمرك فقط .. احترمي من يكبرك سنا فهذا يدل على عدم تربيتك .."
ردت بلا مبالاة :
" الأمر ليس له علاقة بالعمر يا فارس .. فأنا رغم إنني أصغرك بأكثر من عشرة أعوام إلا إنني أمتلك من الأخلاق التي تجعلني لا أتلاعب بأي شخص مهما كان .."
أكملت وهي ترمقه بنظرات نافرة صادقة :
" من الجيد إنني قمت بهذه الزيارة وعرفتك .. لو كان يوجد احتمال صغير بأن أعيد التفكير في طلب عمي فيستحيل أن أفعل ذلك بعد الآن .."
اقترب منها أكثر وقال بقوة :
" للمرة الأخيرة إلزمي حدودك يا فتاة وإلا .."
أكملت غير مبالية :
" لكن ماذا سأتوقع من ابن شخص قاتل وسارق مثله .. ؟! "
وعند هنا لم يتحمل فارس أكثر ونزل بكفه على وجنتها بقوة جعلت عيناها تجحظ بعدم إستيعاب فهي التي لم يتجرأ أحدا يوما على ضربها ليأتي ابن عمها الذي تكرهه أكثر من أي شيء ويمد يده عليها ..
***
خرج من غرفة مكتبه بنية التوجه خارج الشركة لعمل مهم فوجد خالد يتوجه نحوه وهو يهتف :
" هل ستخرج الآن ..؟! أريد أن أتحدث معك بشأن الصفقة الأخيرة .. "
" ألن تذهب اليوم مع مؤيد للقاء ممثلي الشركة الأخرى ..؟!"
اومأ خالد برأسه وأجاب :
" نعم سأذهب .. "
هتف قيصر بجدية :
" تحدث معهم اولا وإفهم منهم كل شيء ونتحدث غدا مع بقية المدراء .."
هز خالد رأسه متفهما ثم حدثه بإختصار عن بعض أمور العمل قبل أن ينسحب عائدا الى مكتبه بينما اتجه قيصر نحو المصعد وضغط على الزر ليفتح ويصعد به ..
هم بضغط الزر الخاص بالطابق الأرضي لكنه تراجع وهو يقرر المرور الى الطابق الذي تعمل به لغرض رؤيتها ..
منذ عدة أيام لم يرها وقد سعى هو لذلك فهو أراد أن يترك لها مساحة خاصة بها تستعيد من خلالها نفسها وقد أدرك إن إستمرارها في التدريب دليل إن كلماته أثرت بها ..
وهذا شيء لصالحه مبدئيا على الأقل ..
الان سيذهب لرؤيتها فقط لإنه يشتاقها بقوة لكنه لن يقوم بأي شيء فما زالت تحتاج لمدة أطول دون أن يقترب منها أو يشتت انتباهها ..
خرج من المصعد واتجه نحو مكتبها ليتجمد مكانه وهو يجدها تقف مع نفس الشاب الذي رأه مسبقا معها عند المصعد ..
هو يضحك لها ويتأملها بإعجاب واضح بينما هي ترسم إبتسامة باهتة على شفتيها وتسمع حديثه دون رد ..
من نظرة واحدة أدرك إنها تتصنع الإبتسامة والإهتمام وتجامله ..
تقدم نحوهما بخطواته لتنتبه هي فتتوتر نظراتها ويبدو إن الشاب شعر بذلك فإستدار نحو الخلف حيث تنظر فيتوتر لا إراديا من وجود مدير الشركة قربه ..
" أليس هذا وقت العمل أم أنا مخطئ ..؟! "
اومأ الشاب برأسه ليرد وهو يتأمل شمس الصامتة :
" لماذا لستما في أماكن عملكما إذا ..؟!"
هم الشاب بالرد لكنه قاطعه بنبرة آمرة :
" اذهب الى مكتبك فورا .."
تحرك بسرعة نحو مكتبه وهمت شمس بالتحرك لكنها قال بصوت قوي :
" انتظري .."
توقفت وهي ترمقه بنظراتها ليهتف بشدة :
" لا تتحركي من أمام مديرك دون إذن منه يا أنسة .."
همت بالحديث لكنه سبقها :
" أنتظرك في الكراج فهناك أمر هام أريدك به .."
ثم أكمل بتحدي ؛
" وإذا لم تأتِ سأتِ بنفسي وأخذكِ .."
ثم تحرك منطلقا لتشحب ملامحها وهي تفكر إنه عاد كما كان وتلك التمثيلية الغبية التي إتبعها الفترة السابقة إنتهت أخيرا ..
اتجهت نحو المكتب وهي تحمل حقيبتها وفي داخلها تفكر بما سيحدث ..
سارت نحو المصعد حيث ستهبط الى الطابق الأرضي ثم الكراج الذي سيكون خاليا كالعادة في هذا الوقت المبكر من العمل ..
بعد دقائق كانت تتقدم داخل الكراج لتتفاجئ به يسحبها من كفها ويجرها نحو سيارته ..
" ابتعد عني .. اتركني .."
قالتها وهي تحاول دفعه بعيدا بينما يده الصلبة تقبض على ذراعها بقسوة شديدة تمنع محاولاتها المستميتة للفرار ..
فتح باب سيارته وهو ما زال قابضا على ذراعيها ثم دفعها الى الداخل في المقعد الأمامي وأغلق الباب عليها ليتجه بسرعة نحو الجهة الأخرى من السيارة ويركب في مقعده ثم يدير المقود متجها نحو المجهول ..
فوجئ بها تهاجمه بضراوة حيث تضربه وتحاول ايقافه ليصيح بها وهو يحاول السيطرة على السيارة :
" توقفي .. سوف نصاب بحادث أيتها الغبية .."
جذبت حزام الأمان وربطته على جسدها ثم عادت تضربه وهي تصيح :
" وهذا ما أريده .. حادث يخلصني منك الى الابد .."
وفي لحظة كاد ان يصطدم في سيارة قادمة نحوه بعدما بدأ يفقد سيطرته على المقود بسبب محاولاتها المجنونة لإيقافه ..
لا يعرف كيف سيطر في اللحظة الأخيرة على الوضع وأدار المقود بشكل جعل السيارة تستدير بقوة مندفعة الى الجهة الأخرى ولولا ستر الله لكانا الآن في عداد الموتى او على الأقل في غرفة العمليات ..
تراجع بجسده الى الخلف ما ان توقفت السيارة اخيرا على الجانب بينما عينيه شاخصتين بقوة بسبب ما حدث ..
أخذ نفسا عميقا ثم إلتفت بسرعة نحوها ليجدها منكمشة على نفسها كليا ترتجف من شدة الخوف ..
" شمس .. أنتِ بخير .. أليس كذلك ..؟!"
سألها بقلق واضح لتتجه بعينيها المذعورتين نحوه وهي تومأ برأسها دون جواب ليعاود سؤالها بهدوء أخيرا بدأ يأخذ طريقه إليه :
" هل تعرضت لإصابة من أية نوع أثناء ما حدث ..؟!"
هزت رأسها نفيا وردت بخفوت :
" كلا .. انا بخير .."
تنهد براحة ثم إلتفت إليها بعينين هادئتين بينما هي تنظر إليه وتفكر إنه رغم كل ما فعلته وتسببت به بسبب جنونها يسألها عن أحوالها بخوف حقيقي ..
لا تعرف لماذا سألت نفسها اذا ما كان هناك شخص سيفعل مثله لو كادت ان تتسبب بحادث قد يميته ..؟!
بالطبع لا .. مهما بلغت محبة الشخص لها فلن يتسامح معها بشيء كهذا ..
وفي تلك اللحظة شعرت لأول مرة بإنه مختلف ، مميز ، مهتم وكم تعجبت لتفكيرها ..!!
لم تدم أفكارها طويلا حينما فوجئت به يقبض على ذراعها صارخا بها :
" أيتها الحمقاء .. هل رأيت ما كان سيحدث بسببك ..؟! كنا سنموت بسبب جنونك الغبي .."
دفعته بشراسة وقد عاد الجنون يتلبسها :
" ابتعد .. لا تلمسني هكذا .. لا أسمح لك .. "
ثم أكملت مدعية اللا مبالاة رغم رعبها كلما تتذكر ما حدث :
" ثانيا لم يحدث شيء وأنت أمامي بخير .. "
"بعد ماذا ..؟! بعدما كنا سنموت .. "
أكمل بعصبية واضحة :
" متى ستتعقلين..؟! متى ستكبرين ..؟! أخبريني .. "
قال كلمته الأخيرة بصياح ونفاذ صبر لترد بإستفزاز :
" انا لن أتغير .. هكذا أنا وإذا لا يعجبك فاتركني وشأني .. تصرفاتي لن تضرك بشيء .."
اقترب منها ببطأ لتتراجع الى الخلف بخوف حتى التصق جسدها بالباب خلفها ليهتف وهو ينظر الى عينيها بقوة :
" تعقلي يا فتاة واستوعبي ما كان سيحدث بسببك .. كنا سنموت .. هناك أشياء لا يمكن التهاون بها يا شمس .. ارجوكِ لا تأخذي كل شيء من باب العناد فقط .."
كان تدرك إن معه حق فهي كانت ستتسبب بحادث مخيف والله وحده يعلم كيف كانا سيخرجان منها هذا إذا خرجا من الأساس ..
زمت شفتيها وهي تجيبه :
" أنت السبب .. أنت من تجعلني أجن بسببك .. "
أردفت تسأله بحنق :
" ماذا تريد مني ..؟! لماذا لا تتركني بشأني ..؟! ما علاقتك بي ..؟! لماذا تتدخل في تصرفاتي وعلاقتي مع زملائي ..؟! "
رد ببرود :
" لم أتدخل سوى هذه المرة لإن زميلك هذا سخيف وغير محترم .. "
صاحت معترضة :
" بلى إنه شاب محترم و .."
قاطعها بغضب :
" إياكِ أن تتحدثي عنه بهذا الشكل ..؟! لا تتحدثي عنه .. هل فهمت ..؟! ولا تجلبي سيرته على لسانك مهما حدث .."
" عفوا .. هل تأمرني ..؟!"
سألته هازئة ليرد بقوة :
" نعم أمرك .."
صاحت بعصبية :
" بأي حق تفعل ذلك ..؟! من تظن نفسك .. ؟!"
" بصفتي خطيبك وزوجك المستقبلي .."
قالها ببرود لتجحظ عينيها وهي تهتف بعدم استيعاب :
" نعم ..؟! من خطيب من ..؟! هل جننت ..؟! سأبتلي بمصيبة بسببك .."
رد بلا مبالاة :
" سأخطبك من والدتك اليوم وأصبح خطيبك رسميا .. "
" لن أقبل .. ووالدتي لن تقبل .. "
قالتها بغضب ليطلق شتيمة جعلتها تشهق لا اراديا ثم تصيح بها معترضة :
" ما هذا ..؟! أنت حقا غير مؤدب .. إذا سمعتك تتفاخر بنفسك ومستواك واسم عائلتك وكافة هذه الأشياء سأذكرك بهذه الشتيمة كي تصمت تماما .. "
ضحك بخفة ثم قال :
" هل تجرؤين على ذلك .. ؟!"
ردت بقوة :
" أجرؤ عليها و على ما هو أكبر منها .. "
سحب نفسا عميقا وهو يبتعد عنها ناظرا الى الجانب يحاول ان يجد حلا لكل ما يتعرض له بسببها وعلى يدها ..
لأول مرة هناك واحدة تستعصي عليه .. لأول مرة يعاني مع إحداهن ..
حسنا عليه أن يجد حلا .. هو يعترف إن إسلوبه قاسي متملك لكنه هكذا ولن يتغير ..
نظر إليها بهدوء ليجدها تعقد ذراعيها أمام صدرها وهي تنظر أمامها بوجوم ويبدو ان ما حدث استنزفها هي أيضا ..
حسنا ماذا سيفعل الآن ..؟! هو ليس غبيا كي يجبرها على الزيجة ويهددها كما فعل مسبقا ..
بهذه الطريقة سوف يخسرها تماما وحتى وإن نالها فسينالها جسدا بلا روح ..
كلا لن يكرر اخطاء الماضي مهما حدث ..
لقد قرر ان يتخلى عن اسلوبه القديم معها ما إن قرر إعادتها الى حياته وعليه ان يفعل ..
وفي تلك اللحظة بدأت يستعيد كل شيء وبدأ يتمعن النظر في شخصيتها المجنونة ..
جنونها الذي سيروضه يوما لكن بعدما ينالها وتصبح بجانبه ..
لكن كيف سينالها ..؟!
كيف سيكسر دماغها المتحجر ..؟!
" ما بالك تنظر إلي هكذا ..؟!"
سألته فجأة عندما وجدته يتأملها للحظات لتجد عيناه الزرقاوين تلمعان بقوة غريبة ..
ربما عليه الآن أن يلعب على الوتر الحساس لدي أي إمرأة .. العاطفة .. ربما عليه ان يسرق عاطفتها ويوجهها كليا نحوه ..
هتف فجأة :
" هل تحبين الشاطئ..؟!"
نظرت اليه بدهشة ليكمل بجدية :
" تحبينه بالطبع .. "
ثم قاد سيارته نحو المكان المجهول بينما هي تسأله بعصبية عن المكان الذي سيأخذها اليه وقد بدأت المخاوف تتشكل داخلها ..
