رواية انت الهدف الفصل الثالث والعشرون23بقلم ملك احمد

رواية انت الهدف الفصل الثالث والعشرون23بقلم ملك احمد


تجمدت سيرا في مكانها فور أن سمعت صوته يأتي من خلفها...

ـ آيان: عشان...

توقفت أنفاسها للحظة، لكنها لم تلتفت.

أما هو، فظل واقفًا خلفها، يحدق في ظهرها بصمت.

كان يشعر أن الكلمات التي أخفاها طويلًا أصبحت أثقل من أن يحتفظ بها داخله.

مرر يده بين خصلات شعره بتوتر، ثم زفر ببطء، وكأنه يحاول أن يستجمع شجاعته للمرة الأخيرة.

أغمض عينيه للحظة، ثم قال بصوت خافت خرج من أعماق قلبه...

ـ آيان: عشان... بحبك.

ساد الصمت.

صمت طويل، لم يُسمع فيه سوى دقات قلبين فقد كلٌ منهما هدوءه.

شعرت سيرا بأن العالم توقف حولها.

تسارعت أنفاسها، واتسعت عيناها بذهول، قبل أن تستدير إليه ببطء.

كانت تنظر إليه وكأنها تنتظر أن يخبرها أنه يمزح...

لكنه لم يفعل.

كان واقفًا أمامها، ينظر إليها بكل الصدق الذي حاول إخفاءه طوال الأشهر الماضية.

ـ سيرا: بتقول... إيه؟

اقترب منها خطوة واحدة، ثم توقف أمامها قائلاً 

ـ آيان: أيوه... بحبك.

خرجت منه الكلمة هذه المرة بثبات أكبر.

ـ آيان: كل مرة كنت بحاول أقنع نفسي إن اللي حاسس بيه مجرد اهتمام... أو إني متعود على وجودك معايا في الشغل... لكن الحقيقة كانت غير كده.

ابتسم ابتسامة خافتة، وكأنه يسخر من نفسه.

ـ آيان: كل مرة كنت أقول هقدر أتجاهل إحساسي... كنت باكتشف إني بكدب على نفسي.

رفعت سيرا عينيها إليه، وما زالت الصدمة تسيطر على ملامحها.

ـ سيرا: بس... إزاي؟

تنهد آيان وهو يثبت نظره عليها.

ـ آيان: معرفش إمتى بدأ... ومش عارف إزاي.

صمت لثوانٍ، ثم أكمل بصوت أكثر هدوءًا.

ـ آيان: كل اللي أعرفه... إني بقيت بتضايق لما أشوفك واقفة مع أي حد غيري... وبخاف عليكي بشكل عمره ما حصل مع أي حد.

ابتسم ابتسامة صغيرة وهو يهز رأسه.

ـ آيان: أول ما تختفي من قدامي... بلاقي نفسي بدور عليكي من غير ما أحس.

ولو لقيتك زعلانة... يومي كله بيبوظ.

ولو ضحكتي... بلاقي نفسي بضحك حتى لو كنت متضايق.

خفض رأسه للحظة، ثم عاد ينظر إليها.

كانت عيناه تحملان صدقًا لم تستطع سيرا أن تتجاهله.

ـ آيان: حاولت أقول لنفسي إن ده مجرد اهتمام عادي... لكن لا..

ـ آيان: أنا بحبك يا سيرا...

وبحبك أكتر مما كنت متخيل.

وقفت سيرا صامتة.

كانت الكلمات تدور داخل رأسها بلا توقف.

لم تكن تتوقع أبدًا أن تسمع منه هذا الاعتراف.

ازدادت دقات قلبها، وشعرت بأن صوتها قد اختفى تمامًا.

نظر إليها آيان منتظرًا أي رد.

ـ آيان: سيرا...

رفعت عينيها إليه.

ـ آيان: قولي... لو انتي كمان بتحبيني... قولي.

ولو لأ... قولي برضه.

يمكن الرفض يوجع...

بس الانتظار أصعب.

خفضت سيرا رأسها ...

حاولت أن تتحدث أكثر من مرة، لكن الكلمات كانت تخذلها.

وأخيرًا همست بصوت مرتجف...

ـ سيرا: مش... مش عارفة.

ساد الصمت مرة أخرى.

أغمض آيان عينيه للحظة، وكأنه كان يتوقع تلك الإجابة، لكنه كان يتمنى غيرها.

ومع ذلك... ابتسم لها ابتسامة هادئة.

ـ آيان: خدي وقتك.

مش مستعجل.

فكري براحتك...

وأيًا كان قرارك... هحترمه.

ثم نظر إليها للحظة أخيرة.

ـ آيان: بس أوعديني... متخليش خوفي من ردك يمنعك إنك تكوني صريحة معايا.

اكتفت سيرا بالنظر إليه.

أما هو، فاستدار بهدوء، واتجه نحو الداخل.

ظلّت تتابعه بعينيها حتى اختفى تمامًا.

وحينها فقط...

وظلت واقفة في مكانها، غير مستوعبة أن اللحظة التي كانت تبدو مستحيلة... أصبحت حقيقة.

@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@

في الداخل...

دخل آيان إلى القاعة من جديد، محاولًا أن يبدو طبيعيًا، وكأن شيئًا لم يحدث.

لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.

كان جسده هنا...

أما عقله، فقد ظل مع سيرا في الخارج.

كان السؤال نفسه يتردد داخل رأسه بلا توقف...

هل ستوافق؟

أم أن اعترافه كان نهاية كل شيء؟

حاول أن يطرد تلك الأفكار، لكنه فشل.

اقترب منه سيف وهو يتحدث بحماس عن بعض أمور العمل.

ـ سيف: بس هو ده اللي حصل... وبعدها الشركة وافقت على البنود كلها، ومفيش غير كام تعديل بسيط.

ظل آيان صامتًا، ينظر أمامه بشرود.

لوّح سيف بيده أمام وجهه.

ـ سيف: يا ابني... إنت معايا؟

انتبه آيان أخيرًا، ثم أخرج زفرة طويلة.

ـ آيان: ها... أيوه... معلش، كنت سرحان.

نظر إليه سيف باستغراب.

ـ سيف: سرحان من ساعة ما خرجت. في حاجة حصلت؟

تردد آيان للحظة، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة.

ـ آيان: لا... مفيش.

لم يقتنع سيف، لكنه لم يضغط عليه.

وفي تلك اللحظة...

وقعت عينا آيان على سيرا.

كانت تحمل حقيبتها، وتسير بهدوء في اتجاه باب الخروج.

تعلقت عيناه بها تلقائيًا.

ثم قال بسرعة...

ـ آيان: ثانية واحدة.

وقبل أن يسمع رد سيف، اتجه إلى الخارج.

نظر سيف في أثره باستغراب، ثم تمتم لنفسه...

ـ سيف: أكيد في حاجة مخبيها.

@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@

كانت سيرا تسير بخطوات هادئة نحو سيارتها.

ورغم هدوء ملامحها...

إلا أن عقلها كان يمتلئ بالفوضى.

كل كلمة قالها آيان كانت تتردد داخلها من جديد.

"أنا بحبك..."
وصلت إلى سيارتها، وأخرجت المفتاح.

فتحت الباب...

لكن قبل أن تركب، أُغلق الباب مرة أخرى.

التفتت بسرعة.

لتجده واقفًا أمامها.

نظر إليها بهدوء، ثم قال...

ـ آيان: رايحة فين؟

ـ سيرا: همشي... ماما مستنياني.

أومأ برأسه.

ـ آيان: طيب... استني أخلي حد يوصلك.

ابتسمت ابتسامة خفيفة وهي تهز رأسها.

ـ سيرا: لا، شكرًا... معايا العربية.

أومأ مرة أخرى.

لكن هذه المرة لم يتحرك.

ظل ينظر إليها لثوانٍ، وكأنه يريد أن يقول شيئًا آخر.

وأخيرًا قال بصوت هادئ...

ـ آيان: سيرا...

رفعت عينيها إليه.

ـ آيان: لو كلامي ضايقك..

انسيه.

متفكريش فيه دلوقتي

شعرت سيرا بوخزة خفيفة في قلبها.

كان واضحًا عليها أنه لا يريد أن يفرض نفسه عليها...

ولا حتى على مشاعرها.

لكنها لم تستطع الرد.

اكتفت بالنظر إليه للحظة...

ثم ركبت سيارتها.

أغلقت الباب بهدوء، وتحركت مبتعدة.

أما آيان...

فظل واقفًا مكانه.

يتابع السيارة بعينيه حتى اختفت تمامًا.

تنهد ببطء...

وأغمض عينيه للحظة.

كان يشعر للمرة الأولى...

أن نتيجة أهم قرار في حياته أصبحت خارج إرادته.

استدار أخيرًا، وعاد إلى الداخل.

وفي الجهة المقابلة...

كانت يمنى تقف في الممر.

رأت كل ما حدث منذ البداية.

ورأت نظرة آيان لسيرا...

وطريقته في الحديث معها...

وطريقته في متابعتها وهي ترحل.

خفضت عينيها في صمت.

ارتسمت على شفتيها ابتسامة باهتة، لكنها لم تصل إلى عينيها.

لم تكن غاضبة...

بل شعرت بشيء يشبه الخيبة.

وكأنها أدركت أخيرًا أن المكان الذي كانت تتمنى الوصول إليه...

كان يشغله شخص آخر منذ البداية.

أخذت نفسًا عميقًا 

ثم استدارت، وعادت إلى عملها، وكأن شيئًا لم يكن.

@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@

في منزل سيرا...

كانت سيرا تجلس على طرف سريرها بعد أن بدلت ملابسها.

كان الهدوء يملأ الغرفة...

لكن داخلها كان هناك عالم آخر تمامًا.

ظلت تنظر أمامها بشرود، وكأنها تحاول أن تستوعب كل ما حدث.

لم تكن تتوقع أن يأتي يوم ويقف آيان أمامها ويعترف لها بكل تلك المشاعر.

ذلك الشخص الذي اعتاد الجميع أن يراه قويًا، لا يهتز، ولا يسمح لأحد بمعرفة ما بداخله...

كان اليوم مختلفًا.

كان صادقًا معها.

وضعت يدها على قلبها عندما شعرت بدقاته المتسارعة.

ـ سيرا: مش عارفة...

أخذت نفسًا عميقًا.

ـ سيرا: أوافق ولا لأ؟

سكتت للحظات، ثم أغمضت عينيها.

كانت تخاف.

لكنها لم تكن خائفة من آيان...

بل كانت خائفة من أن يحدث معها مثلما حدث ...

من فكرة أن يصبح شخص ما مهمًا لهذه الدرجة في حياتها.

ـ سيرا: خايفة أوافق...

وخايفة أرفض أكتر.

ظلت تفكر طويلًا، حتى غلبها النوم وهي لا تزال تحمل نفس السؤال داخلها.

@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@

في اليوم التالي...

دخلت سيرا إلى الشركة كعادتها.

حاولت أن تتصرف بشكل طبيعي، وأن تجعل يومها يسير كما كان دائمًا.

لكن كل شيء كان مختلفًا.

المكان نفسه...

الأشخاص أنفسهم...

لكن نظرتها لكل شيء تغيرت.

كلما تذكرت أن آيان يعمل في المكتب المجاور، تشعر بتوتر لا تفهم سببه.

جلست في مكتبها تحاول التركيز في بعض الملفات.

وبعد دقائق...

طرقت يمنى الباب ودخلت.

ـ يمنى: سيرا...

رفعت سيرا نظرها إليها.

ـ سيرا: نعم؟

ـ يمنى: أستاذ آيان عايزك.

توقفت سيرا للحظة.

ثم أغلقت الملف أمامها.

ـ سيرا: حاضر.

أخذت الأوراق المطلوبة، واتجهت إلى مكتب آيان.

@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@

بعد قليل...

وقفت أمام الباب.

ترددت للحظة قبل أن تطرقه.

لم تكن تعرف لماذا شعرت بالتوتر...

فهي قابلته مرات كثيرة من قبل.

لكن اليوم كان مختلفًا.

طرقت الباب.

ـ آيان: ادخل.

دخلت سيرا بهدوء.

كان آيان يجلس خلف مكتبه، يحاول أن يبدو طبيعيًا هو الآخر.

لكن عينيه خانتاه.

فبمجرد دخولها، رفع نظره إليها.

وللحظة...

نسي تمامًا ما كان يريده.

لكنه سرعان ما عاد إلى هدوئه.

ـ سيرا: حضرتك طلبتني؟

أشار إلى الملفات أمامه.

ـ آيان: جهزتي أوراق الاجتماع؟

ـ سيرا: أيوه... اتفضل.

اقتربت  ووضعت الأوراق أمامه.

أخذها آيان وبدأ يراجعها.

كان يركز في الأوراق أمامه ...

وبعد لحظات، أنهى مراجعتها.

أعاد الأوراق إليها.

ـ آيان: كاملين... اتفضلي.

أخذتهم سيرا.

ـ سيرا: شكرًا.

استدارت متجهة نحو الباب.

كانت تريد الخروج قبل أن يظهر ارتباكها.

لكن صوته أوقفها.

ـ آيان: سيرا...

توقفت يدها على مقبض الباب.

ثم التفتت إليه.

ظل صامتًا لثوانٍ.

لم يكن يريد أن يضغط عليها...

لكنه لم يستطع منع نفسه من السؤال.

ـ آيان: فكرتي؟

نظرت إليه سيرا.

كانت ترى في عينيه انتظارًا حاول إخفاءه.

أخذت نفسًا هادئًا.

ـ سيرا: لسه.

ساد الصمت للحظة.

أومأ آيان برأسه فقط.

ـ آيان: تمام.

خرجت سيرا وأغلقت الباب خلفها.

أما آيان...

فظل ينظر إلى الباب للحظات.

ثم تنهد، ومرر يده بين خصلات شعره.

@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@

بعد انتهاء الدوام...

بدأ الموظفون في مغادرة الشركة واحدًا تلو الآخر.
خرج آيان من المبنى وهو يحمل مفاتيح سيارته، متجهًا إلى الخارج.

كان يومه طويلًا...

لكن الشيء الوحيد الذي لم يغادر تفكيره كان سيرا.

منذ أن سألها إن كانت فكرت...

وهو يحاول إقناع نفسه بأن ينتظر بهدوء.

لكن الحقيقة أنه لم يكن هادئًا أبدًا.

كان يريد أن يعرف الإجابة...

ليس لأنه يريد أن يضغط عليها، بل لأنه أصبح متعلقًا بها أكثر مما كان يتخيل.

وصل إلى مكان سيارته، لكنه توقف فجأة عندما رأى سيرا تقف بالقرب من المدخل.

تلاقت عيناهما للحظة.

استدار ليكمل طريقه.

لكنه لم يخطُ سوى خطوات قليلة...

حتى سمع صوتها.

ـ سيرا: آيان...

توقف مكانه.

وكأن مجرد سماع اسمه بصوتها جعله ينسى كل شيء حوله.

استدار .

كانت واقفة هناك، تنظر إليه.

اقترب منها خطوة.

ـ آيان: نعم؟

ساد الصمت بينهما للحظات.

كانت سيرا تحاول أن تجمع شجاعتها.

هي نفسها لم تكن تتوقع أن تأتي هذه اللحظة بهذه السرعة.

لكنها عندما فكرت جيدًا...

أدركت أن خوفها لم يكن بسبب عدم رغبتها به.

بل بسبب أهمية وجوده في حياتها.

أخذت نفسًا عميقًا.

ثم قالت بصوت هادئ...

ـ سيرا: أنا موافقة.

توقف آيان عن الحركة.

ظل ينظر إليها وكأنه يحاول التأكد أنه سمعها بشكل صحيح.

ـ آيان: قولتي إيه؟

ابتسمت سيرا 

ـ سيرا: أنا موافقة 

للحظة...

لم يجد آيان أي كلمة يقولها.

الرجل الذي اعتاد أن يجد الحلول لكل شيء...

وقف عاجزًا أمام كلمة واحدة منها.

ظهرت ابتسامة صغيرة على وجهه، ابتسامة لم تستطع سيرا أن تراها منه كثيرًا.

ابتسامة شخص شعر بالراحة بعد انتظار طويل.

ـ آيان: متأكدة؟

أومأت سيرا برأسها.

ـ سيرا: أيوه.

نظر إليها آيان طويلًا.

كان هناك الكثير من الكلام بداخله، لكنه لم يعرف كيف يقوله.

اكتفى بابتسامة هادئة. 

هز رأسه وهو يبتسم.

لكن عينيه كانت تقولان كل شيء.

في تلك اللحظة...

لم يكن آيان اللاعب المعروف.

ولا رجل الأعمال الذي يملك السيطرة على كل شيء.

كان فقط رجلًا حصل أخيرًا على الإجابة التي كان ينتظرها من الشخص الذي اختاره قلبه.

أما سيرا...

فشعرت لأول مرة أنها لم تختر فقط شخصًا تحبه...

بل اختارت مكانًا شعرت فيه بالأمان.

وبينما كانا يقفان هناك...

كان كل شيء حولهما يبدو مختلفًا.

نفس المكان...

نفس الطريق...

لكن شعورهما به أصبح مختلفًا.

لأن القلب عندما يجد الشخص الذي يبحث عنه...

لا يحتاج إلى الكثير من الكلمات.

وهكذا... يمكننا أن نقول إن القلب وجد مسكنه.

تعليقات



<>