
رواية قيود من حرير الفصل الثامن والثلاثون38 بقلم سيليا البحيري
سر إيه اللي بتتكلموا عنه؟!"
تجمّدت دارين في مكانها، وكأن الصوت سحب الهواء من رئتيها دفعة واحدة. اتسعت عيناها برعب حقيقي، بينما التفتت هايدي نحو الباب... ثم نحو دارين، وفي تلك اللحظة القصيرة، اتخذت قرارها.
"مفيش حاجة."
قالتها بسرعة، بنبرة حاولت أن تبدو طبيعية... لكنها كانت هشة كزجاج على وشك الانكسار. لم تنتظر ردًا، بل تحركت فورًا، بخطوات ثابتة وسريعة، مرت بجانب سليم دون أن تجرؤ حتى على النظر إليه... ثم خرجت.
أُغلق الباب.
وسقط الصمت.
وقف سليم عند المدخل، حضوره وحده كان كافيًا ليخنق المكان. عيناه مظلمتان، حادتان، وغاضبتان بشكل لا يُطمئن أبدًا.
"اقفلي الباب."
قالها دون أن يرفع صوته، لكن الأمر كان أثقل من الصراخ.
ارتجفت يد دارين، ومع ذلك أطاعته. دفعت الباب ببطء... لم تكد تنهي حركتها حتى استدار نحوها فجأة، وفي لحظة خاطفة، قبض على فكّها بعنف.
شهقت.
"إنتِ بتخبي إيه؟"
صوته منخفض... لكن مخيف بما يكفي ليُجمّد الدم في عروقها.
حاولت التملص، همست بصوت مهزوز: "سيبني-"
لكن قبضته اشتدت أكثر.
"أنا بسأل."
ارتجفت أكثر، وكأن الكلمات تهرب منها: "مفيش حاجة... والله-"
اقترب منها أكثر، حتى شعرت بأنفاسه تختلط بخوفها، وعيناه تخترقانها بلا رحمة:
"ما تكذبيش عليا."
سكتت. لم تجد ما تقوله. الخوف كان أعلى من أي دفاع.
"اللي كان واقف قدامي من شوية..." قالها ببطء، كأنه يختبر كل كلمة، "مش حد عادي."
بلعت ريقها بصعوبة، لكن صوتها خانها.
"والنظرة دي..." ضيّق عينيه، "أنا عارفها."
صمت ثقيل سقط بينهما... ثم جاء سؤاله كطعنة مباشرة:
"إنتِ عملتي إيه؟"
"ولا حاجة!"
خرجت منها بسرعة، شبه صرخة، كأنها تحاول إقناع نفسها قبل أن تقنعه.
لكن ردّه كان أقسى، شدّ فكها أكثر حتى تألمت، ثم قال بصوت أخفض... أخطر:
"اسمعيني كويس."
تجمدت أنفاسها.
"لو قربتي..." توقف لحظة، وكأنه يتعمد إطالة الرعب، ثم أكمل، "من ميار-"
اتسعت عيناها.
"أو من غزل-"
شهقت بخفوت.
"أو من ولادي... أدهم... مازن... حور-"
تحول صوته فجأة إلى حدة قاطعة:
"أنا اللي هدمرِك."
ارتجفت بالكامل، وكأن الكلمات ضربتها جسديًا.
"فاهمة؟"
أومأت بسرعة، بعينين دامعتين: "فاهمة..."
ظل يحدق بها لحظة... ثم أفلتها فجأة.
تراجعت للخلف، تضع يدها على فكها، تتنفس بصعوبة وكأنها خرجت لتوّها من الغرق.
نظر لها باشمئزاز واضح.
"طول عمرك كده."
قالها بسخرية باردة، كأنها حقيقة يعلنها لا رأيًا.
رفعت عينيها له، مكسورة... لكن خلف الكسر شيء آخر بدأ يتشكل.
"بتلعبي دور..." ابتسم بسخرية، "بس فاشلة فيه."
سكتت.
فأكمل بحدة، مشيرًا لها بإهانة واضحة: "بدل ما تراقبي بيتي... روحي شوفي جوزك."
تصلبت ملامحها فورًا.
"حازم."
قال اسمه ببطء متعمد، كأنه يضغط على جرح تعرفه جيدًا.
"اللي مش طايقك أصلاً."
شهقت: "سليم-"
"إيه؟ زعلتي؟" قاطعها بسخرية لاذعة، ثم اقترب خطوة، نظراته أصبحت أكثر قسوة: "ولا عايزاني أقولك الحقيقة؟"
صمتت... لأن الحقيقة كانت واضحة في عينيه.
"أنا عمري ما حبيتك."
سقطت الجملة كصخرة.
تجمدت.
"ولا عمري هحبك."
اختنقت أنفاسها.
"ومش شايفك غير..." توقف لحظة، وكأنه يختار الكلمة التي ستكسرها أكثر، ثم قال: "غلط."
انزلقت دمعة من عينها... لكنها لم تمسحها.
"بطلي جري ورايا." قالها ببرود، "الموضوع بقى مُقرف."
أغمضت عينيها للحظة، وكأنها تلقت صفعة حقيقية.
لكنه لم ينتهِ.
"وبلاش تحاولي تغويني-" نظر لها باحتقار صريح، "علشان إنتِ آخر واحدة ممكن أبص لها."
ساد الصمت... ثقيلًا... خانقًا.
ثم اقترب أكثر، صوته أصبح أخفض لكنه أشد قسوة:
"وبلاش تنسي نفسك."
اقترب حتى كاد يهمس داخل روحها:
"إنتِ بتشوهي اسم العيلة."
رفعت عينيها له، مكسورة تمامًا... لكنه لم يرحم.
"خصوصًا اسم أبوكي."
تجمدت.
"محمد..." قال الاسم بهدوء قاتل، "الراجل المحترم..."
ثم نظر لها ببرود قاطع: "اللي خلفك."
سحب أنفاسه بهدوء، تراجع خطوة، عدّل أكمامه وكأن شيئًا لم يحدث... وكأنها لم تُسحق للتو.
"اختفي من وشي."
استدار واتجه نحو الباب.
وقبل أن يخرج، توقف... دون أن يلتفت:
"وأنا هعرف السر ده..."
صمت لحظة، ثم أضاف ببرود مرعب:
"غصب عنك."
وخرج.
أُغلق الباب.
وعاد الصمت...
لكن هذه المرة، لم يكن صمتًا عاديًا.
وقفت دارين مكانها، أنفاسها متقطعة، عيناها ممتلئتان بالدموع... لكنها لم تعد دموع ضعف.
شيء آخر كان يتكوّن.
أغمضت عينيها للحظة... ثم همست:
"ميار..."
رفعت رأسها ببطء، وعيناها تشتعلان:
"وأنت كمان يا سليم..."
ابتسمت ابتسامة خفيفة... لكنها كانت مخيفة.
"هندمك."
عاد الهدوء...
لكن في العمق-
كانت العاصفة قد بدأت بالفعل
*****************************
انفتح باب الفيلا بهدوء، وانسلّ منه غيث أولًا، يحمل ياسين بين ذراعيه ككنز صغير يضحك بين يديه.
"يا سلام يا عم ياسين!"
قالها وهو يضحك، يرفع الطفل قليلًا، كأنه يقدّمه للعالم.
"السهرة عجبتك ولا لأ؟"
انفجر ياسين بضحكة طفولية ناعمة، ومدّ يده الصغيرة نحو وجه والده، يلمسه ببراءة جعلت غيث يضحك أكثر.
"آه كده؟ عاجباك الأجواء؟"
كان صوته مليئًا بالحياة... خفيفًا... مطمئنًا.
لكن خلفه-
دخلت غزل.
ببطء.
بصمت ثقيل لا يشبه هذا الدفء.
أغلقت الباب خلفها، ثم توقفت لحظة، عيناها معلّقتان بالفراغ... كأنها تحاول أن ترى ما لا يُرى.
"شايفك."
ترددت الجملة داخل رأسها مرة أخرى، واضحة... مزعجة... لا ترحم.
التفتت حولها بسرعة، نظرة حذرة، كأنها تتوقع أن يخرج أحد من الظلال... أن يكون هنا... الآن.
"ماما!"
صوت غيث قطع أفكارها فجأة.
رفعت رأسها، وكأنها عادت من مكان بعيد.
في تلك اللحظة، خرجت شيرلين من الداخل، ابتسامة دافئة تسبق خطواتها:
"رجعتوا؟"
اقتربت منهم فورًا، عيناها تلمعان وهي تنظر إلى ياسين:
"حبيبي!"
مدّت يديها نحوه بحنان صادق:
"تعالى عند تيتا."
ضحك الطفل بسعادة، يتحرك بين ذراعيها، فسلّمه لها غيث برفق:
"خدي بقى ابنك المدلل."
ضحكت شيرلين، تضمّه إليها:
"ده حبيبي أنا."
وبدأت تداعبه، تلاعبه، تضحك معه... وسرعان ما امتلأ المكان بصوت ضحكاته.
مشهد دافئ...
طبيعي...
مليء بالحياة.
إلا-
غزل.
كانت واقفة بينهم... لكن عقلها لم يكن هنا.
عيناها على ياسين... لكنها لا تراه.
على غيث... لكنها لا تسمعه.
غارقة في شيء أعمق... أخطر.
"غزل؟"
التفتت نحوه ببطء.
اقترب غيث منها، ملامحه بدأت تتغير:
"إنتِ كويسة؟"
ترددت لجزء من الثانية، ثم قالت بسرعة:
"آه... كويسة."
لكن صوتها خرج بعيدًا... كأنه لا ينتمي لها.
ضيّق عينيه، يراقبها:
"مش باين."
ابتسمت محاولةً ترميم ما لا يُرمم:
"يمكن تعبانة شوية."
ظل ينظر لها طويلًا... وكأنه يحاول أن يقرأ ما وراء الكلمات.
"غزل."
قال اسمها بهدوء، لكن بنبرة لا تحتمل المراوغة.
سكتت.
"في حاجة."
هزت رأسها بسرعة، وكأنها تريد إنهاء الحوار قبل أن يبدأ:
"مفيش حاجة."
ثم أشاحت بنظرها، تهرب... ليس منه فقط، بل من نفسها.
لكن داخلها-
لم يكن هناك هروب.
كانت الأفكار تتصادم بقوة:
"هو هنا..."
"شافنا..."
"يعني قريب..."
شدّت يدها ببطء، حتى كادت أظافرها تغوص في جلدها.
"لازم أسبق."
رفعت عينيها فجأة.
نظرة مختلفة تمامًا.
أكثر تركيزًا... أكثر برودًا.
"مش هستنى."
لاحظ غيث التغيير فورًا.
"بتفكري في إيه؟"
سألها مباشرة، هذه المرة بلا التفاف.
نظرت له... لثانية قصيرة.
ثم قالت بهدوء:
"ولا حاجة."
لكن هذه المرة-
لم تكن مجرد كذبة.
كانت قرارًا بالإخفاء.
"غزل..."
قالها بنبرة أهدأ، وهو يقترب خطوة:
"إنتِ بتخبي عليا حاجة؟"
تجمدت.
لحظة صمت مرت كأنها أطول مما يجب.
ثم قالت:
"لا."
لكن عينيها خانتها... بوضوح.
نظر لها بقلق حقيقي، بدأ يتسلل إلى ملامحه.
وفي الخلف...
كانت شيرلين تضحك مع ياسين:
"يا قلبي... بتضحك كده ليه!"
صوت مليء بالحياة... بالحب...
لكن هنا-
كان شيء آخر يتكوّن بصمت.
نظرت غزل نحو ابنها...
ثم نحو غيث...
وفي داخلها-
كان القرار يكتمل.
"لو هو بيلعب..."
"أنا كمان هبدأ."
سحبت نفسًا ببطء، كأنها تستعد لشيء أكبر منها.
ثم قالت فجأة:
"أنا طالعة أنام شوية."
استغرب غيث، انعقد حاجباه:
"دلوقتي؟"
"آه..."
قالتها بسرعة، وكأنها لا تريد مجالًا للنقاش.
ثم تحركت فورًا، اتجهت نحو الدرج، وصعدت دون أن تلتفت.
ظل غيث يراقبها بعينيه... يتتبع خطواتها...
حتى اختفت.
سقط صمت خفيف.
نظر نحو شيرلين... ثم عاد ببصره إلى الدرج.
"في حاجة غلط."
همس بها لنفسه.
وفي الأعلى...
دخلت غزل غرفتها، وأغلقت الباب خلفها ببطء.
وقفت مكانها لثوانٍ...
ثم أخرجت هاتفها.
فتحت الصورة.
هم... في المقهى.
تجمدت نظراتها عليها، وعيناها فقدتا كل دفء.
أصبحتا باردتين... حادتين.
"اللعبة بدأت."
همست بها وفي تلك اللحظة...لم تعد فقط خائفة بل مستعدة
***********************
أُغلق باب الغرفة خلف غزل بهدوءٍ ثقيل، كأن الصوت نفسه يحمل سرًا لا يريد أن يُقال. وقفت في منتصف الغرفة، الهاتف لا يزال في يدها، وأنفاسها غير منتظمة، تتصاعد وتهبط كأنها تحاول النجاة من شيء يضغط على صدرها من الداخل.
لم تمضِ سوى ثوانٍ قليلة حتى فُتح الباب مرة أخرى، ودخل غيث. أغلقه خلفه بهدوء، لكن ذلك الهدوء لم يكن مطمئنًا... كان مشدودًا، كوتر على وشك الانقطاع. استدار نحوها، وعيناه ثابتتان عليها.
"غزل."
قال اسمها هذه المرة بنبرة حازمة، لا تحتمل الهروب.
لم تلتفت.
اقترب خطوة، وصوته ازداد ثقلًا:
"إحنا لازم نتكلم."
أغمضت عينيها للحظة، كأنها تجمع ما تبقى من نفسها، ثم فتحتهما ببطء واستدارت نحوه. وجهها كان خاليًا من كل شيء... باردًا بشكل مخيف، كأن كل ما فيها انسحب فجأة وترك مكانه فراغًا قاسيًا.
"تمام."
قالتها بهدوء غريب.
اقترب أكثر، يبحث في ملامحها عن شيء مألوف فلم يجد.
"في إيه؟"
سكتت. لحظة مرت... ثم أخرى... قبل أن تخرج الكلمات أخيرًا، حادة، مباشرة، بلا تمهيد:
"طلقني."
الصمت الذي تلاها لم يكن صمتًا... كان انفجارًا مكتومًا.
تجمد غيث في مكانه، كأن الكلمة أصابته في صدره مباشرة. رمش ببطء، وكأن عقله يرفض استيعاب ما سمعه.
"...إيه؟"
رفعت عينيها إليه، نظرة مستقيمة بلا ارتجاف، وكأنها تُطلق الحكم مرة أخرى:
"طلقني."
تغيرت ملامحه بالكامل، وكأن شيئًا انكسر داخله في لحظة.
"إنتِ بتقولي إيه؟"
"زي ما سمعت."
اقترب خطوة، وصوته أصبح أخفض... أخطر:
"إنتِ بتهزري؟"
"لا."
سقطت الكلمة ببرود قاتل.
ساد سكون ثقيل، ثم قال اسمها ببطء، وكأنه يحاول أن يعيدها إليه:
"غزل..."
لكنها لم تتحرك.
"أنا مش بهزر."
ردّت بنفس البرود، وكأنها تقطع آخر خيط بينهما.
فجأة، ضرب بيده على الطاولة بجانبه بعنف، فاهتزت.
"في إيه؟!"
لم تهتز هي.
"مفيش حاجة."
ضحك ضحكة قصيرة، مليئة بسخرية عصبية موجوعة:
"مفيش حاجة؟!"
ثم اقترب أكثر، عينيه تشتعلان:
"تقومي تقوليلي طلقني ومفيش حاجة؟!"
نظرت له بثبات مؤلم، ثم قالت ببطء، كأن كل كلمة تُنتزع من قلبها:
"جوازنا من الأول... كان علشان الحماية."
توقف، يحدق فيها، ينتظر... يرفض أن يكمل عقله الجملة.
لكنها أكملت.
" بس لورانزو مات...."
انخفض صوتها قليلًا، وكأنها تطعن نفسها وهي تعترف.
"خلاص... مفيش داعي نكمل."
تجمد تمامًا. لم يعد يتحرك، فقط ينظر لها كأنه لا يعرفها.
"إنتِ..."
لم يكمل.
في لحظة اندفع نحوها، أمسك بذراعيها بقوة، كأنه يخاف أن تختفي.
"بصيلي!"
حاولت أن تشيح بوجهها، لكنه أجبرها، رفع وجهها نحوه بعنف:
"قولي الكلام ده تاني كده!"
نظرت له، وعيناها لمعتا للحظة... لكنّها تماسكت بقسوة.
"طلقني يا غيث."
وهنا انفجر.
"إنتِ مجنونة؟!"
هزت رأسها ببطء، وكأنها تثبّت قرارها:
"لا."
سكت لحظة، أنفاسه مضطربة، ثم قال بصوت منخفض يحمل ألمًا واضحًا:
"إنتِ بتبعديني؟"
"لا!"
خرجت منها بسرعة، كأنها تخشى أن يصدقها... أو لا يصدق.
ساد صمت قصير، ثم قالت ببرود جارح:
"أنا بس... عايزة أعيش حياتي."
كأنها صفعة.
"لسه صغيرة..."
أكملت، وكل كلمة تترك أثرًا أعمق:
" عايزة أكون حرة ... أنا لسه صغيرة ومن حقي اعيش حياتي زي ما أنا عايزة"
اتسعت عيناه، والألم ظهر فيها دون أي محاولة لإخفائه.
"حرة؟"
لم ترد.
"أنا بقيت قيد؟"
وصمتها... كان الإجابة.
شدّ على ذراعيها أكثر، وكأنه يحاول إيقاظها من كابوس:
"طب وابنك؟!"
سكتت.
لحظة طويلة... قاتلة... قبل أن تهمس، بصوت خافت لكنه واضح كالسيف:
"هسيبهولك."
تجمد.
"...إيه؟"
"خليه معاك."
في تلك اللحظة، انكسرت نظرته. شيء في عينيه سقط... بلا رجعة.
"إنتِ بتقولي إيه؟!"
أشاحت بنظرها، لكن دمعة خانتها وانزلقت رغمًا عنها.
"أنت أبوه..."
صوته أصبح أخفض، أهدأ... لكنه أكثر وجعًا:
"وإنتِ؟"
لم ترد.
"إنتِ إيه؟!"
الصمت كان أقسى من أي إجابة.
مرّت لحظة، ثم قال بصوت ممتلئ بغضب مكبوت:
"كل ده تمثيل؟!"
رفعت عينيها إليه، مليئة بألم كاد يفضحها... لكنها دفنته بسرعة.
"يمكن."
وهنا... لم يعد هناك ما يُمسك به.
ترك ذراعيها فجأة، كأن لمسها أصبح يؤلمه، وتراجع خطوة للخلف، ينظر لها وكأنها غريبة تمامًا.
"أنا مش مصدق..."
همس بها، ثم ضحك ضحكة مكسورة، خالية من أي حياة:
"أنا فعلًا مش مصدق."
اقترب خطوة، لكن هذه المرة لم يكن يبحث عن إجابة... كان يغرق في صدمة.
"كنتِ هتمشي؟"
لم ترد.
"كنتِ هتسيبيني؟!"
الصمت.
"كنتِ هتسيبي ابنك؟!"
أغمضت عينيها بقوة، كأن السؤال اخترقها.
"ردي!"
لكنها... لم تستطع.
مرت ثانية... ثقيلة... ثم استدار فجأة، كأنه لم يعد يحتمل البقاء. اندفع نحو الباب، فتحه بعنف، ثم خرج وهو يخبطه خلفه بقوة هزّت الغرفة.
وسقط كل شيء.
الصمت عاد... لكن هذه المرة كان مدمرًا.
وقفت غزل مكانها لثوانٍ، كأن جسدها لا يعرف كيف يتحرك... ثم انهارت فجأة. سقطت على ركبتيها، يدها على فمها تكتم صوتها، لكن الألم كان أقوى من أن يُحبس.
"أنا آسفة..."
خرجت مكسورة، بالكاد تُسمع.
"أنا آسفة يا غيث... سامحني يا حبيبي"
انفجرت دموعها، وصوتها اختنق وهي تعترف بما لم تستطع قوله له:
"أنا بحبك..."
شهقة قطعت كلماتها.
"بس مش هخليك تموت بسببي..."
انحنت أكثر، تبكي بصمت موجع، كأن قلبها يُسحب منها قطعة قطعة.
وفي الخارج...
كان غيث واقفًا، ظهره ملاصق للباب، قبضته مشدودة حتى ابيضّت مفاصله، وعيناه ممتلئتان بشيء لم يظهر فيه منذ زمن...
غضب...
وألم...
وعجز قاتل.
وبين هذا الباب المغلق...
كان هناك قلبان ينكسران في اللحظة نفسها-
كلٌ منهما يختار أن يُنقذ الآخر...
بطريقته التي تُدمرهما معًا
************************
في فيلا الحديدي، كانت الغرفة تغفو على هدوءٍ دافئ، ضوء خافت ينساب على الجدران كأن الليل يربّت على المكان برفق. في سريرها الصغير، كانت تاج نائمة بسلام، أنفاسها منتظمة، وملامحها البريئة تحمل سكينة تُذيب أي تعب.
جلست شغف على طرف السرير، تميل قليلًا نحوها، تتأملها بابتسامة ناعمة لا تُقاوم... كأنها تحفظ ملامحها في قلبها قبل عينيها.
"بصّي بقى..."
جاء صوت أوس من خلفها، فالتفتت إليه، لتجده واقفًا يعقد ذراعيه، يراقب الطفلة بنظرة فيها جدية مصطنعة بالكاد تخفي مشاغبته.
"أنا مش مقتنع."
قالها وكأنه يناقش قضية مصيرية.
رفعت شغف حاجبها، نصف مبتسمة:
"بإيه؟"
أشار برأسه نحو تاج، وكأنه يقدّم دليلًا:
"دي بنتي؟"
اتسعت عيناها بدهشة ممزوجة بالضحك:
"نعم؟!"
اقترب خطوة، ملامحه لا تزال تمثّل الجدية:
"يعني أنا كنت متوقع بنت تطلع زيي..."
ثم نظر للطفلة، وأضاف بنبرة متعمدة:
"جميلة... هادية... راقية..."
"أوس!"
قاطعته شغف بصدمة، لكن ضحكتها كادت تفضحه.
كتم ضحكته بصعوبة، ثم أشار لتاج:
"لكن دي طالعة زيك."
ضربته بخفة على ذراعه:
"وقح!"
ضحك أخيرًا، بحرارة هذه المرة:
"طب مش حلوة؟"
نظرت شغف إلى ابنتها، ثم إليه، بعينين تلمعان بحب واضح:
"حلوة... وغصب عنك هتبقى زيي."
اقترب منها أكثر، ابتسامة مشاغبة ترتسم على شفتيه:
"يبقى أنا كده اتظلمت."
"إزاي؟"
مال قليلًا نحوها، صوته أخفض:
"اتنين شبهك..."
ثم همس وكأنه يشاركها سرًا:
"وأنا لوحدي."
ضحكت بخفة، وهزت رأسها:
"إنت حالة ميؤوس منها."
جلس بجانبها هذه المرة، قربه كان دافئًا... مألوفًا. نظر إلى تاج للحظة، ثم عاد بعينيه إليها، وصوته هدأ فجأة:
"بس بجد... أنا مبسوط."
نظرت له، وابتسامتها أصبحت أعمق... أصدق:
"وأنا كمان."
ساد صمت خفيف، لكنه لم يكن فارغًا... كان ممتلئًا بشيء يشبه الطمأنينة.
لكن للحظة-
سرحت.
"غزل..."
"الرسالة..."
"حد بيراقبهم..."
شدّت يدها دون أن تشعر.
لاحظ أوس فورًا، التفت لها:
"إيه؟"
انتبهت كأنها عادت من بعيد:
"ها؟"
"سرحتي."
ابتسمت بسرعة، محاولة التهرب:
"لا... عادي."
ضيّق عينيه، يقرأها ككتاب مفتوح:
"شغف..."
"بقولك عادي."
قالتها بابتسامة أخفقت في إخفاء كل شيء.
ظل ينظر لها لثوانٍ... ثم تنهد، وكأنه قرر أن يتركها الآن:
"تمام..."
لكن عينيه قالتا بوضوح: أنا فاهم إن في حاجة.
وفجأة، اقترب منها أكثر، ملامحه عادت تحمل تلك اللمعة المشاغبة:
"بس أنا عندي حل يخليكي ما تسرحيش."
نظرت له باستغراب:
"إيه؟"
ابتسم بخبث محبب:
"أشغلك."
اتسعت عيناها، وضحكت بخفوت:
"أوس!"
اقترب أكثر، صوته انخفض، لكنه صار أكثر دفئًا:
"إيه؟ مش مراتي برضه؟"
ضحكت وهي تدفعه بخفة:
"ابعد... البنت نايمة."
نظر لتاج، تأملها لحظة، ثم قال بهدوء وابتسامة خفيفة:
"نامت خلاص."
ثم عاد إليها، بنفس النظرة... لكن هذه المرة كانت أهدأ، أعمق:
"نرجع لموضوعنا."
ضحكت:
"إحنا ما كانش عندنا موضوع."
"دلوقتي بقى عندنا."
قالها وهو يقترب أكثر، يمسك يدها برفق، كأن لمسها شيء لا يُؤخذ إلا بهدوء.
"إنتِ كنتِ وحشاني."
قالها هذه المرة بصوت صادق... خالٍ من المزاح.
سكتت، ونظرت له، ثم ابتسمت بخجل خفيف تسلل رغمًا عنها:
"إنت طول اليوم معايا."
"برضه."
نظراته لم تبتعد.
تبادلت معه النظرة، ثم همست:
"وأنت كمان."
ابتسم... تلك الابتسامة التي تعرف طريقها لقلبها جيدًا.
اقترب أكثر، وكأنه ينجذب لا يقرر:
"طب ما تيجي هنا."
ضحكت بخفة... لكن هذه المرة لم تبتعد.
قربه كان كافيًا ليُسكت كل شيء.
وفي تلك اللحظة-
اختفى القلق...
تراجع، خفت، وكأن العالم قرر أن يمنحهما هدنة صغيرة.
لكن في داخل شغف...
ظل شيء يقف في الظل.
"غزل مش لوحدها..."
فقط...
هي اختارت أن تؤجل المواجهة.
أن تترك الحرب ليوم آخر...
وتعيش هذه اللحظة-
كأنها عالم كامل وحدها
*************************
في لندن... حيث المدينة لا تنام، كانت فيلا ياسر البحيري تقف كجزيرة من الصمت وسط ضجيج لا يصل إليها.
داخلها، وفي مكتب واسع تغمره إضاءة خافتة تميل للبرود، وقف ياسر أمام النافذة، يراقب الأضواء الممتدة بلا نهاية... عيناه لا تريان المدينة بقدر ما تغوصان في ماضٍ لم يُغلق.
في يده ملف أسود.
أغلقه ببطء... وكأن كل صفحة فيه تحمل حسابًا لم يُسدَّد بعد.
"وأخيرًا..."
همس بها، لا كارتياح... بل كإعلان بداية.
استدار بثبات، وعاد إلى مكتبه، جلس بهدوء رجل يعرف تمامًا ماذا سيفعل.
أمامه، وقف أوليفر، ملامحه عملية، يحمل جهازًا لوحيًا، لكنه لم يبدُ مرتاحًا.
"المعلومات مؤكدة."
رفع ياسر عينيه إليه، نظرة مباشرة لا تحتمل الدوران:
"قول."
تنفّس أوليفر ببطء، ثم بدأ:
"دارين بدأت تتحرك من جديد... نشاطات غير قانونية، وشبكة كبيرة... ممتدة بين أكتر من دولة."
سكون.
ابتسم ياسر.
لكنها لم تكن ابتسامة... كانت شيئًا أبرد، أقسى، كأنها تحمل معرفة قديمة لا تتفاجأ.
"لسه زي ما هي."
تقدم أوليفر خطوة:
"وفي احتمال كبير إنها بقت أخطر من زمان."
أغمض ياسر عينيه لثانية... ثم فتحهما ببطء، وكأن الظلام استقر فيهما أكثر:
"لا... هي كانت دايمًا كده."
صمت قصير... ثم مال للأمام قليلًا، وصوته أصبح أخفض:
"بس المرة دي... أنا جاهز."
تردد أوليفر للحظة:
"هل ناوي-"
"أرجع مصر."
قالها ياسر دون أن يترك له فرصة للإكمال.
تجمد أوليفر.
"قرار كبير."
"متأخر."
جاء الرد فورًا، بلا تفكير.
نهض ياسر من مكانه، بدأ يتحرك ببطء داخل المكتب، خطواته محسوبة، كأن كل خطوة تقرّبه من شيء انتظره طويلًا.
"واحد وعشرين سنة..."
قالها وهو ينظر إلى الأرض، وكأن الرقم نفسه ثقيل.
"واحد وعشرين سنة وأنا سايب حقي."
توقف فجأة.
رفع رأسه.
وعيناه... لم تعودا نفس العينين.
"كفاية."
ساد الصمت، لكنه لم يكن فراغًا... كان امتلاءً بالغضب المكبوت.
"دارين..."
نطق اسمها ببطء، وكأنه يذوقه للمرة الأخيرة قبل أن يمحوه.
"فكرت إن اللعبة خلصت."
ابتسم بسخرية حادة:
"بس هي لسه بدأت."
اقترب أوليفر أكثر، صوته صار أكثر حذرًا:
"وهتعمل إيه؟"
نظر له ياسر... بهدوء مرعب، هدوء لا يسبق إلا العواصف:
"هرد."
"إزاي؟"
هنا... سكت ياسر لحظة.
لكنها لم تكن ترددًا... كانت ترتيبًا.
ثم قال ببطء، كل كلمة محسوبة:
"بنفس طريقتها... بس أدق."
اتسعت عينا أوليفر قليلًا.
تحرك ياسر نحو مكتبه، فتح درجًا، وأخرج ملفًا قديمًا، مهترئ الحواف... لكنه مليء.
رماه أمامه.
"ده ملفها."
فتح أوليفر الملف، تقلّبت عيناه بسرعة بين الصفحات:
"كل ده؟!"
"ده اللي قدرت أوصله..."
قالها ياسر بهدوء، ثم رفع نظره، نظرة رجل يعرف أن القادم أخطر:
"والباقي... هجيبه بإيدي."
سكت لحظة... ثم بدأ يتحدث، لكن هذه المرة لم يكن كلامًا عاديًا... كان خطة.
"دارين بتعتمد على ثلاث حاجات... فلوسها... رجالتها... وخوف الناس منها."
أغلق الملف بإصبعه.
"أنا هكسر الثلاثة."
نظر أوليفر له بتركيز كامل.
"أولًا..."
قالها ياسر وهو يتحرك ببطء:
"الفلوس."
رفع إصبعه قليلًا:
"كل حساباتها اللي برة... الشركات الوهمية... التحويلات... عايزها تتجمّد."
"ده محتاج-"
"هيحصل."
قاطعه بثقة باردة.
"هخليها تصحى في يوم تلاقي نفسها صفر."
صمت... ثم أكمل:
"ثانيًا... رجالتها."
اقترب أكثر، صوته انخفض:
"كل واحد شغال معاها... ليه نقطة ضعف."
رفع نظره:
"عايزهم يتكسروا واحد واحد... يا يخونوها... يا يختفوا."
ابتلع أوليفر ريقه بصمت.
"ثالثًا... سمعتها."
ابتسم ياسر ابتسامة قاسية:
"اللي بنته بالخوف... ههدّه بالفضيحة."
سكون ثقيل.
"هخلي اسمها يبقى عبء عليها... مش سلاح."
نظر له أوليفر ببطء:
"ده معناه-"
"إنها هتخسر كل حاجة."
قالها ياسر دون تردد.
ثم أضاف، وهو ينظر في عينيه مباشرة:
"وقبل ما تقع... هتكون لوحدها."
صمت.
"والعيلة؟"
سأل أوليفر.
نظر ياسر نحو الباب، وكأن خلفه عالم آخر... أهم.
"هترجع معايا."
"كلهم؟"
"كلهم."
تردد أوليفر:
"وده خطر."
ابتسم ياسر ابتسامة خفيفة... لكنها لم تحمل دفئًا:
"أنا الخطر."
ساد الصمت.
ثم قال ببرود قاتل:
"وأي حد يقرب منهم... هيندم."
عاد إلى مكتبه، أغلق الملف ببطء، وكأن القرار أُغلق معه:
"جهّز كل حاجة."
"السفر؟"
نظر له... ثم قال:
"والحرب."
أومأ أوليفر بصمت:
"تمام."
استدار ليخرج... لكن قبل أن يصل للباب-
"أوليفر."
توقف.
"دي مش مجرد عودة."
صمت قصير.
رفع ياسر عينيه، وكان فيهما شيء حاسم... نهائي:
"دي نهاية."
فتح عينيه بالكامل...
"ليها."
خرج أوليفر.
وعاد الصمت.
وقف ياسر وحده في المكتب، نظر مرة أخرى نحو المدينة... لكن هذه المرة، لم يكن يراها.
كان يرى طريقًا واحدًا فقط...
طريقًا يبدأ الآن...
ولا ينتهي إلا بسقوطها.
وفي تلك اللحظة-
كان واضحًا أن رجلًا صمت واحدًا وعشرين عامًا...
لم يعد ليواجه فقط-
بل ليُسقط كل شيء... بضربة لا تقوم بعدها.
************************
في شقة ريان...
كان الليل مستقرًا فوق المكان كطبقة هدوء ثقيلة، تتسلل معها إضاءة خافتة عبر ستارة تتحرك ببطء مع نسمة باردة. كل شيء ساكن... إلا عقله.
كان مستلقيًا على سريره، ذراع تحت رأسه، وعيناه مثبتتان في السقف... لكن ما يراه لم يكن سقفًا.
خيوط.
أسماء.
تحركات.
نقاط تلتقي... ثم تختفي.
"خيوط كتير..."
همس بها، صوته منخفض كأنه لا يريد أن يزعج الفكرة نفسها.
رفع يده، مررها على وجهه بتعب، ثم أغلق عينيه لحظة:
"بس في حاجة مش راكبة."
فتح عينيه فجأة، وجلس، أنفاسه أعمق الآن.
"الهجوم على غيث..."
قالها ببطء، وكأنه يعيد تركيب المشهد.
"والرسائل اللي بتوصل لغزل..."
ضيّق عينيه، الفكرة بدأت تتشكل:
"مش عشوائي."
نهض، بدأ يتمشى في الغرفة، خطواته بطيئة لكنها مشدودة.
"في حد بيلعب لعبة أكبر..."
توقف لحظة، كأنه سمع صدى الجملة داخل رأسه، ثم همس:
"وبيتحرك بهدوء."
وصل إلى النافذة، نظر للخارج... للمدينة التي لا تكشف أسرارها بسهولة.
"بس أنا هلاقيك."
صمت.
ثم-
ظهر وجه.
غزل.
"مستهدفة..."
قالها بهدوء، "بس ليه؟"
ثواني مرت...
ثم ظهر وجه آخر.
لارين.
توقف.
زفر ببطء، وكأن وجودها في التفكير نفسه مفاجأة:
"والتانية..."
ابتسم بسخرية خفيفة، عابرة:
"دخلت في النص بالغلط."
لكن الابتسامة لم تعش طويلًا.
تذكر نظرتها... برودها... الطريقة التي وقفت بها رغم الخطر.
"مش سهلة."
عاد وجلس على طرف السرير، أمسك هاتفه، يقلبه بين يديه.
"ومش خايفة..."
صمت.
ثم قال لنفسه، وكأنه يصحح:
"أو... بتتظاهر."
مرر إصبعه على الشاشة، فتح قائمة الأسماء... وتوقف.
لارين.
ظل ينظر للاسم، ثواني تمر ببطء.
"ماليش دعوة بيها."
قالها ببرود، وكأنه يصدر أمرًا لنفسه.
صمت.
ثم أضاف:
"أنا عندي مهمة."
لكن...
لم يتحرك.
عاد ينظر للاسم، وزفر ببطء، استسلام خفيف:
"بس... لازم أطمن."
ضغط اتصال.
رفع الهاتف إلى أذنه.
رنّة...
رنّتين...
"ألو؟"
صوتها.
هادئ... بارد... لكن واضح.
سكت لحظة، وكأن مجرد سماع صوتها غيّر الإيقاع.
ثم قال بهدوء:
"إنتِ كويسة؟"
صمت قصير من الطرف الآخر.
"ريان؟"
"آه."
"في إيه؟"
نظر أمامه، وكأنه يبحث عن إجابة لا تبدو غريبة:
"مفيش..."
توقف لحظة، ثم أكمل بصراحة أخف:
"بس كنت عايز أتأكد إنك تمام."
صمت.
ثم قالت، بنفس نبرتها الباردة المعتادة، لكن فيها شيء خفيف... غير واضح:
"أنا كويسة."
أومأ رغم أنها لا تراه:
"كويس."
لحظة صمت غريبة، ليست مريحة... لكنها ليست سيئة أيضًا.
ثم قالت فجأة:
"إنت بتتصل بكل الناس اللي قابلتهم بيومك؟"
ابتسم بخفة، وهو ينظر للأرض:
"لا."
"طب أنا ليه؟"
رفع عينيه، وسكت لحظة قبل أن يجيب، صوته أهدأ:
"علشان إنتِ تقريبًا الوحيدة اللي كنتي هتموتي قدامي."
رفعت حاجبها في الطرف الآخر، نبرتها جافة:
"دراما."
"واقع."
سكون.
ثم أضاف، بنبرة أخف:
"وأنا مش بحب أكرر نفس الغلطة مرتين."
سكتت لحظة... كأنها تفكر.
ثم قالت:
"يعني إيه؟"
ابتسم بخفة:
"يعني المرة الجاية... هكون موجود قبل ما يحصل حاجة."
لحظة صمت... أطول هذه المرة.
"وإنت دايمًا كده؟"
سألت فجأة.
"كده إزاي؟"
"بتدخل في حياة ناس مالكش دعوة بيهم... وبعدين تقرر تحميهم."
ضحك بخفة، هادئة:
"لا... مش كل الناس."
"آه..."
قالتها ببطء، "أنا حالة خاصة يعني؟"
"واضح كده."
سكون قصير... لكن هذه المرة فيه شيء خفيف... يكاد يكون ابتسامة غير مرئية.
ثم قال:
"خلي بالك من نفسك."
ردت فورًا:
"ده شغلي."
"ودي نصيحتي."
توقفت لحظة... ثم قالت بنبرة أخف قليلًا:
"تمام."
سكت.
وهي أيضًا سكتت.
ولا أحد أغلق الخط.
لحظة غريبة... هادئة... لكنها ممتلئة بشيء غير مفهوم.
ثم قال فجأة:
"لو احتجتي حاجة-"
قاطعته بسرعة:
"مش هطلب."
ابتسم، كأنه كان متوقعًا:
"عارف."
"يبقى خلاص."
"بس هتكوني غلطانة."
سكون.
ثم قالت، هذه المرة بنبرة أقل حدّة، وكأنها خففت الحواجز قليلًا:
"إنت دايمًا كده... واثق؟"
"لما أبقى عارف أنا بقول إيه... آه."
سكتت.
ثم قالت بهدوء:
"مغرور."
ابتسم:
"ممكن."
ثم أضاف بعد لحظة:
"بس صح."
صمت قصير... ثم-
"تصبح على خير يا... ملازم."
ابتسم، وعيناه لمعتا بشيء خفيف:
"وإنتِ من أهله."
أغلقت الخط.
أنزل الهاتف ببطء، وظل ينظر إليه لثوانٍ، كأنه يتوقع أن يحدث شيء آخر.
زفر بخفة:
"مش سهلة فعلًا..."
استلقى مرة أخرى، ينظر للسقف...
لكن هذه المرة-
الأفكار لم تعد فقط عن المهمة.
بل عنها.
وفي مكان آخر...
كانت لارين تمسك هاتفها، تنظر إلى الشاشة بعد أن أغلقت المكالمة، صامتة...
لكن زاوية فمها ارتفعت قليلًا... دون أن تشعر.
"غريب..."
همست بها.....ثم أغلقت الهاتف، واستلقت...لكنها لم تنم....وبينهم....لم يكن مجرد اهتمام....كان شيء بدأ يتشكل...بهدوء شديد...بارد من الخارج...لكن في الداخل...شرارة صغيرة... عنيدة... وخطيرة.
**************************
في فيلا الشرقاوي، كان الصباح مختلفًا... هادئًا على غير العادة، وكأن البيت قرر أن يمنحهم لحظة سلام قصيرة قبل أن ينقلب كل شيء.
اجتمعت العائلة حول طاولة الإفطار، الأطباق موزعة، ورائحة القهوة تملأ المكان، تتداخل مع ضحكات خفيفة وأحاديث متقاطعة.
كان إياد يتحدث بحماس، يلوّح بيده وكأنه يعرض مشروعًا عالميًا:
"أنا بقولكم... لو فتحت كافيه، هيكسر الدنيا."
رد عليه سليم الشاب وهو يضحك، مستندًا للخلف:
"أنت لو فتحت كشك سجاير، هيقفل في أسبوع."
انفجرت الضحكات حول الطاولة، حتى الجد عادل اكتفى بابتسامة خفيفة، يراقبهم بعينين تحملان رضا هادئ.
وفجأة-
انكسر الإيقاع.
صوت الباب.
التفتت كل الرؤوس في نفس اللحظة... وكأن شيئًا غير مرئي جذبهم.
ودخلت غزل.
توقفت عند المدخل لثانية... وكأنها تقيس المسافة بينها وبين هذا المكان الذي كان يومًا بيتها.
سكون قصير مرّ... ثم-
"غزل!"
قالتها ميار بفرح حقيقي، وهي تنهض فورًا وتتجه نحوها.
"حبيبتي!"
احتضنتها بقوة، بلهفة اشتياق واضحة:
"وحشتيني..."
تجمدت غزل داخل العناق لجزء من الثانية... ثم رفعت يدها ببطء، وردّت العناق... لكنه لم يكن بنفس الدفء.
اقترب باقي أفراد العائلة، كلمات الترحيب تتساقط، ابتسامات، نظرات حنونة... حتى سليم، الذي وقف ينظر لها بنظرة دافئة نادرة:
"إيه المفاجأة الحلوة دي؟"
جلست غزل بهدوء على الطاولة، ملامحها ثابتة... أكثر من اللازم.
نظرت لها ميار بحنان، وهي تحاول قراءة وجهها:
"فين ياسين؟"
سكتت غزل.
ثانية مرت... ثقيلة.
"مجبتهوش."
عقدت ميار حاجبيها باستغراب:
"ليه؟"
رفعت غزل عينيها ببطء... ونظرت إلى الجميع.
واحدًا واحدًا.
ثم قالتها.
ببساطة... كأنها تقول شيئًا عاديًا:
"أنا جاية أقول لكم... إني هتطلق."
الصمت الذي سقط بعدها... لم يكن صمتًا.
كان صدمة.
تجمدت الأيدي... توقفت الأنفاس... حتى الهواء بدا أثقل.
"...إيه؟"
خرجت من سليم بصوت منخفض، غير مصدق.
نظرت له مباشرة، دون أن ترمش:
"هتطلق من غيث."
اتسعت عينا ميار، وكأنها لم تستوعب بعد:
"غزل... إنتِ بتقولي إيه؟!"
لكن غزل لم تتوقف.
"وكمان... ياسين هيفضل معاه."
شهقت تقى:
"إيه؟!"
"هسيبه لأبوه."
الكلمات سقطت ببرود قاسٍ، كأنها لا تخصها.
في لحظة، اندفع سليم واقفًا، الكرسي اندفع للخلف بقوة، واصطدم بالأرض بصوت حاد.
"إنتِ اتجننتي؟!"
لكنها لم تهتز.
"لا."
اقترب منها بسرعة، نظراته تشتعل:
"الكلام ده يتقال إزاي؟!"
"عادي."
ضحك بسخرية غاضبة، أقرب لانفجار:
"عادي؟!"
"آه."
"تسيبي جوزك وابنك وتيجي تقولي عادي؟!"
نظرت له بثبات مزعج:
"أنا مش مرتاحة."
"مش مرتاحة؟!"
كررها بصدمة، كأنها إهانة.
تدخلت ميار بسرعة، تحاول احتواء الموقف:
"استني يا سليم... خلينا نفهم-"
"مفيش حاجة تتفهم!"
صرخ بها، ثم عاد ينظر لغزل:
"انطقي... في إيه؟"
سكتت لحظة... ثم قالت:
"مفيش حاجة."
"غزل!"
رفعت رأسها قليلًا:
"زواجنا من الأول كان علشان الحماية بس."
ساد سكون جديد... مختلف.
"لورانزو مات."
قالتها وكأنها تنهي ملفًا قديمًا.
"خلص دوره."
ثم أضافت ببرود أشد:
"وأنا كمان خلصت."
شهقت صفاء، وضعت يدها على صدرها:
"يا بنتي استغفري ربنا..."
"أنا بقول الحقيقة."
اقتربت ميار منها مرة أخرى، أمسكت يدها هذه المرة، تضغط عليها بحنان حقيقي:
"حبيبتي... إنتِ متوترة... أكيد في حاجة-"
لكن غزل سحبت يدها بهدوء.
"مفيش."
"طب ياسين؟!"
سكتت.
لحظة قصيرة... لكنها كأنها دهور.
ثم قالت:
"هسيبه لأبوه."
"إنتِ إزاي تقولي كده؟!"
قالتها ميار بوجع.
"عادي."
"ده ابنك!"
رفعت غزل عينيها نحوها... ولمعت للحظة.
لحظة واحدة فقط.
ثم اختفت.
"هو أبوه أولى."
في الخلف-
كانت دارين تراقب.
صامتة... تلتقط كل تفصيلة.
ثم... ابتسمت.
ابتسامة بطيئة... خبيثة.
"بصراحة..."
قالتها بهدوء متعمد، فالتفتت الأنظار نحوها.
"أنا مش شايفة حاجة غريبة."
نظرت لغزل بنظرة ممتلئة احتقارًا:
"دي طول عمرها مدلعة..."
اقتربت خطوة، صوتها يحمل سُمًّا ناعمًا:
"عايزة تعيش حياتها... تسيب جوزها... ابنها..."
ثم ابتسمت:
"طبيعي."
اشتعلت عينا سليم:
"دارين-"
لكنها لم تتوقف.
"يعني إيه واحدة تتجوز شاب غلبان..."
نظرت لغزل باحتقار واضح:
"وبعدين تزهق منه؟"
سكون مشحون.
"تزهق من مستواه؟"
ثم مالت رأسها قليلًا، وعيناها تلمعان بخبث:
"أو يمكن... كانت بتتسلى."
"بس!"
صرخ سليم، لكن الكلمات كانت قد وصلت.
وغرزت.
كل العيون اتجهت إلى غزل...
بانتظار.
دفاع... إنكار... أي شيء.
لكنها-
لم تفعل.
فقط قالت بهدوء قاتل:
"أنا قلت قراري."
سقط الصمت مرة أخرى، أثقل من قبل.
رفع الجد عادل يده ببطء:
"كفاية."
سكت الجميع فورًا.
نظر إلى غزل، بعينين حازمتين، تحملان خبرة السنين:
"تعالي هنا."
وقفت أمامه.
"بصيلي."
رفعت عينيها.
"غيث خانك؟"
"لا."
"ضربك؟"
"لا."
"قصر في حقك؟"
"لا."
"بتكرهيه؟"
توقفت.
لحظة.
كأن الزمن كله توقف معها.
ثم قالت:
"لا."
تجمدت الوجوه.
نظر لها الجد طويلًا... ثم قال بهدوء عميق:
"يبقى ليه؟"
سكون.
لم تجب.
وفي تلك اللحظة-
انكسر صبر سليم.
تحرك فجأة، خطوة واحدة كانت كافية-
صفعة.
صوتها دوّى في المكان، قطع كل شيء.
شهقت ميار:
"سليم!"
تجمد الجميع.
انحرفت رأس غزل مع الضربة... لكن جسدها بقي ثابتًا.
ببطء...
رفعت رأسها.
نظرت إليه.
عيناها كانتا باردتين... بشكل مخيف.
لكن في العمق...
شيء ينكسر بصمت.
"فوقي لنفسك!"
صرخ بها، صوته مبحوح بالغضب والألم.
"الكلام ده مش هيحصل!"
"هيحصل."
قالتها بهدوء.
وكأن الصفعة لم تكن.
تراجع سليم خطوة، ينظر لها كأنه لا يعرفها.
"أنا هتطلق."
سقطت الجملة الأخيرة كحكم نهائي.
صمت.
نظرات متجمدة... قلوب مضطربة...
وفي الخلف-
كانت دارين تبتسم.
ببطء...
بهدوء...
لأنها، ولأول مرة منذ وقت طويل-
رأت اللعبة تأخذ شكلها الذي تريده تمامًا.
**********************
بعد الصفعة...
تجمّد الهواء في فيلا الشرقاوي، وكأن الزمن نفسه تراجع خطوة، يراقب ما سيحدث.
وقف سليم أمامها، أنفاسه متسارعة، صدره يعلو ويهبط بعنف، وعيناه مشتعلة بشيء لم يعد مجرد غضب... بل جرح قديم انفجر دفعة واحدة.
"هيحصل؟"
كررها بصدمة، كأنه لم يستوعب بعد كيف خرجت الكلمة منها.
نظرت له غزل... وجهها شاحب، لكن ثابت.
"آه."
قالتها بهدوء قاتل.
ثانية واحدة فقط مرت...
ثم-
انفجر.
"لو حصل-"
أشار لها بعنف، يده ترتجف من شدة الغضب:
"تبقي مش بنتي!"
الصمت الذي تلاها كان أشد من الصفعة نفسها.
شهقت ميار، صوتها مكسور:
"سليم!"
لكن أحدًا لم يتحرك.
حتى غزل...
اهتزت عيناها لأول مرة.
لم يكن خوفًا...
كان شيئًا أعمق.
لكنها لم تتراجع.
"أنا مش بهزر."
أكمل، صوته ارتفع، يحمل قسوة لم يعرفها فيه أحد:
"اللي عايزة تهد بيتها بإيدها..."
اقترب خطوة، صوته أصبح أقسى:
"مش بنتي."
"سليم كفاية!"
صرخت ميار وهي تبكي، تحاول أن تصل إليه.
لكنه لم يسمع.
لم يعد يسمع أحدًا.
"أنا غلطت في تربيتك!"
قالها بحدة، وكأنها حكم نهائي.
ساد صمت قاتل.
"دلعتك زيادة..."
"سيبتك تعملي اللي إنتِ عايزاه..."
"والنتيجة؟!"
أشار لها بغضب يكاد يخرج من عينيه:
"واحدة أنانية!"
اتسعت عينا غزل.
شيء في صدرها انقبض بقوة... كأن الكلمات أصابت مكانًا لا يُرى.
"مش شايفة غير نفسها!"
"سليم-!"
"ولا فارق معاها جوزها!"
"ولا ابنها!"
كل كلمة كانت تهبط عليها كضربة...
ثابتة...
مباشرة...
لا مهرب منها.
وقفت مكانها، تحاول التماسك، تحاول أن تبقى واقفة فقط...
لكن عينيها بدأت تلمع.
"غيث راجل!"
أكمل، صوته مبحوح بالغضب:
"ألف راجل!"
ثم نظر لها بنظرة قاطعة:
"ويستاهل أحسن منك!"
هنا-
انكسرت نظرتها.
لثانية واحدة فقط...
ثم رفعت رأسها.
"تمام."
خرجت الكلمة مبحوحة... لكنها ثابتة.
نظر لها بصدمة:
"تمام؟!"
بلعت ألمها، كأنها تبتلع نارًا:
"لو ده رأيك... يبقى خلاص."
انزلقت دمعة على خدها... رغماً عنها... دون أن تمسحها.
"أنا هتطلق."
صمت.
ميار انهارت تمامًا، اقتربت منها بسرعة، تمسك ذراعها:
"غزل كفاية... حبيبتي ارجعي في كلامك..."
لكن غزل لم تعد تسمع.
ولا ترى.
استدارت فجأة...
واتجهت نحو الباب.
"رايحة فين؟!"
صرخ سليم، صوته يحمل أمرًا... رجاءً... وغضبًا في آن واحد.
لكنها-
لم ترد.
فتحت الباب...
وخرجت.
ثم-
ركضت.
"غزل!"
صوت ميار انكسر خلفها، وهي تبكي.
لكن غزل لم تتوقف.
لم تلتفت.
في الداخل...
وقف الجميع مصدومين، كأنهم ما زالوا عالقين في اللحظة.
أما دارين...
فكانت تبتسم.
ببطء...
وبشماتة لا تحاول حتى إخفاءها.
"يا خسارة..."
همست بها بسخرية، وكأنها تستمتع بالمشهد.
نظر لها إياد بنظرة حادة، صوته منخفض لكنه قاطع:
"اقفلي بوقك."
لكنها لم ترد.
فقط... ابتسمت أكثر.
في تلك اللحظة-
قال زين بسرعة:
"سليم!"
التفت له الشاب و اردف قائلا
"آه يا بابا؟"
"إلحق بنت عمك!"
لم يتردد.
انطلق فورًا نحو الباب، خطواته سريعة، وكأن شيئًا داخله يعرف أن الوقت لا يسمح بالتأخير.
أما في الخارج...
كانت غزل تركض.
الهواء يضرب وجهها، دموعها تنهمر بلا توقف، تختلط بأنفاسها المتقطعة.
قلبها...
كان ينكسر.
كل خطوة تبعدها عنهم...
كانت تؤلم أكثر.
لكنها لم تتوقف.
لم تسمح لنفسها حتى أن تبطئ.
لأنها اختارت.
اختارت أن تخسر كل شيء...
أن تتحمل الكره...
أن تتحول في عيونهم إلى شيء لا يُغتفر...
فقط-
كي تبقيهم بعيدين عن الخطر.
كي تحميهم...
حتى لو كان الثمن-
أن تحترق وحدها.
**********************************
في فيلا ياسر في لندن...
كان الصباح هادئًا بشكل يثير الشك، ضوء رمادي ناعم يتسلل عبر النوافذ الكبيرة، ينساب فوق طاولة الإفطار المرتبة بعناية، حيث الأكواب الدافئة والصحون البسيطة تصنع مشهدًا عائليًا يبدو طبيعيًا... أكثر مما ينبغي.
جلست ليان تقلب في هاتفها بلا تركيز، بينما كان آدم يأكل بشرود، يرفع الملعقة ويعيدها دون أن يذوق ما فيها حقًا.
ثم-
دخل ياسر.
خطواته ثابتة... محسوبة... حضوره ملأ المكان قبل أن يصل للطاولة. ملامحه هادئة، لكنها جامدة كأنها أغلقت على شيء لا يريد أن يُقرأ.
جلس.
صمت.
رفعت ليان نظرها إليه، ابتسامة خفيفة ظهرت على شفتيها:
"صباح الخير."
"صباح النور."
رد بهدوء... دون أن يبتسم.
الفرق كان واضحًا.
ضيّقت عينيها قليلًا:
"مالك؟"
سكت لحظة... قصيرة... لكنها كافية ليُغيّر كل شيء.
ثم قالها مباشرة:
"إحنا راجعين مصر."
تجمدت ليان، كأن الكلمات لم تصل لعقلها بعد.
"...إيه؟"
أما آدم-
فرفع رأسه بسرعة، الملعقة توقفت في يده:
"نعم؟!"
نظر لهما ياسر بهدوء ثابت:
"هنرجع مصر... نهائي."
وضعت ليان الكوب ببطء شديد، عيناها اتسعتا:
"نهائي؟!"
أومأ.
"يعني إيه نهائي؟"
"يعني هنسيب لندن."
ضحك آدم ضحكة قصيرة، فيها عدم تصديق:
"بابا... إنت بتهزر صح؟"
"لا."
الكلمة خرجت بسيطة... لكنها قاطعة.
سقط الصمت.
"أنا خلاص رتبت كل حاجة."
"رتبت؟!"
قالتها ليان بصدمة حقيقية، "إزاي يعني رتبت؟"
"الشغل هناك جاهز."
"هناك؟!"
"في مصر."
وقفت ليان فجأة، الكرسي تحرك خلفها:
"ياسر... إحنا حياتنا هنا!"
نظر لها بهدوء، لم يتغير شيء في ملامحه:
"وحياتنا هناك برضه."
"بس إحنا سابناها من سنين!"
"ودلوقتي هنرجعلها."
اقتربت منه خطوة، صوتها انخفض، لكنه أصبح أعمق:
"في إيه؟"
صمت.
"إيه اللي حصل؟"
"مفيش حاجة."
ضيّقت عينيها، هذه المرة بثقة:
"أنا مش غبية."
نظر لها نظرة طويلة... هادئة... كأنه يزن ما سيقوله.
"عارفة."
"يبقى قول الحقيقة."
تردد لجزء من الثانية... ثم قال:
"في شغل."
ضحكت بمرارة، ضحكة لا تحمل أي خفة:
"شغل؟!"
"آه."
"الشغل ده يخليك تاخد قرار زي ده فجأة؟!"
لم يرد.
تدخل آدم، صوته يحمل اعتراضًا واضحًا:
"بابا... أنا عندي مدرسة... صحابي... حياتي هنا!"
نظر له ياسر، نظرة ثابتة لا تقبل الجدل:
"وهتعمل حياة هناك."
"مش بسهولة كده!"
"هتتعود."
"أنا مش عايز!"
سكون.
ثم قال ياسر بهدوء... لكنه حاسم:
"هتيجي."
تجمد آدم.
"ده مش اختيار."
الكلمات كانت نهائية.
نظرت ليان إلى ياسر بعمق، وكأنها تحاول أن ترى ما وراء هذا الهدوء.
"إنت ناوي على إيه؟"
لم يرد مباشرة.
"ياسر..."
قالتها بهدوء هذه المرة، أهدأ... أخطر.
"أنا عارفاك."
اقتربت خطوة، عيناها لا تترك عينيه:
"لما بتقرر بالشكل ده... يبقى في حاجة كبيرة."
صمت.
ثم رفعت الاسم... ببطء:
"دارين؟"
في تلك اللحظة-
تصلب جسده لجزء من الثانية.
لحظة صغيرة... لكنها كانت كافية.
لاحظت.
"يبقى هي."
أغمض عينيه للحظة، كأنه يحسم شيئًا داخله... ثم فتحهما.
"خلصت."
قالها ببرود.
"إيه؟"
"اللعبة خلصت."
تجمدت.
"أنا ساكت بقالى سنين..."
رفع نظره لها، وعيناه أصبحتا أعمق، أثقل:
"كفاية."
ساد صمت ثقيل، يحمل تاريخًا لم يُحكَ.
همست ليان، بصوت خافت لكنه واضح:
"إنت ناوي تنتقم."
لم ينكر.
"أنا ناوي أرجع حقي."
نظرت له بقلق صادق:
"وده معناه خطر."
"أنا الخطر."
قالها بنفس الهدوء المرعب... الذي لا يحتاج لرفع صوت.
سكتت.
أما آدم-
فنظر بينهما بارتباك، يشعر أنه خارج دائرة لا يفهمها:
"إنتوا بتتكلموا عن إيه؟"
نظرت له ليان، ثم قالت بهدوء محاولة احتواءه:
"مفيش."
ثم عادت بعينيها إلى ياسر، أكثر تركيزًا:
"ريان؟"
سكون.
"هيكون فين؟"
"في مصر."
"عارف؟"
"لا."
استغربت:
"هتخليه يتفاجئ؟"
"زيكم."
تنهدت ببطء، كأنها تستسلم لفكرة بدأت تتشكل أمامها، وجلست مرة أخرى.
"إنت واخد القرار."
"آه."
"ومفيش رجوع؟"
"مفيش."
صمت.
نظرت له طويلًا... قراءة صامتة... عميقة.
ثم قالت أخيرًا:
"طيب..."
رفع نظره لها، لم يتوقع السهولة.
"هنرجع."
تبادل معها النظرة.
ثم أضافت، بنبرة ثابتة:
"أنا معاك."
سكت.
لكنها لم تنتهِ.
"بس-"
توقفت لحظة، ثم أكملت:
"أوعى تكون داخل حرب لوحدك."
نظرة قصيرة مرت بينهما... لكنها كانت كافية.
قال بهدوء:
"المرة دي... مش لوحدي."
ساد الصمت....لكن هذه المرة لم يكن صمت شك بل صمت بداية وفي تلك اللحظة...كان واضحًا أن الماضي لم يعد مجرد ذكرى بل بابًا فُتح من جديد وأن العودة هذه المرة لن تكون رجوعًا...بل مواجهة والحساب...سيُكتب أخيرًا
في فيلا عائلة غيث، كان الليل جالسًا فوق المكان بثقل غير معتاد، كأن الهواء نفسه صار أبطأ... أثقل.
الإضاءة الخافتة في غرفة المعيشة لم تُضف دفئًا، بل زادت الظلال عمقًا، وجعلت الصمت يبدو وكأنه شيء ملموس، يضغط على الصدر.
جلس غيث على الأريكة، منحنيًا قليلًا للأمام، يداه متشابكتان بقوة حتى ابيضّت مفاصله، ورأسه منخفض. لم يكن غاضبًا... الغضب يحتاج طاقة، وهو لم يعد يملكها. كان مكسورًا، بهدوء قاسٍ.
على الطاولة أمامه، وُضعت زجاجة حليب صغيرة لم تُلمس... دليل صامت على غيابٍ أكبر من مجرد شخص.
ومن الغرفة المجاورة، كان صوت أنفاس ياسين يأتي خافتًا... منتظمًا أخيرًا بعد ساعات طويلة من البكاء، بكاء طفل لم يفهم لماذا اختفى الأمان فجأة.
انفتح الباب، ودخلت شيرلين. ملامحها متجهمة، عيناها حادتان كأنهما تبحثان عن شيء لتفرغ فيه غضبها. وقفت أمام غيث، وحدّقت فيه للحظة قبل أن تقول بنبرة مشدودة:
"نام بالعافية... فضل يعيط بالساعات، مش راضي يهدى، كأنه مستنيها تيجي... كأنه فاهم إنها مش هنا."
لم يرد.
تقدمت خطوة، صوتها ازداد قسوة:
"كان بيدور عليها يا غيث... على أمه. وأمه؟" توقفت لحظة، ثم أضافت بمرارة لاذعة، "مشيت."
رفع غيث رأسه ببطء، كأن الحركة نفسها ثقيلة عليه، ونظر لها. لكن عينيه... لم يكن فيهما رد. كانتا فارغتين بشكل موجع.
"ماما..." قالها بصوت منخفض، متعب، "لو سمحتي..."
لكنها لم تتوقف.
"لا، مش هسكت! إزاي تعمل كده؟ إزاي تسيب ابنها؟ سبع شهور بس يا غيث! ده حتى-"
"ماما!"
قالها هذه المرة بنبرة أعلى قليلًا، حادة بما يكفي لتوقفها.
سكتت، لكنها لم تهدأ. زفرت بغضب، ثم تحركت وجلست بعيدًا، وذراعاها متشابكتان، وعيناها ما زالتا تشتعلان.
في تلك اللحظة، دخل رمزي بهدوء. حضوره كان مختلفًا... لا يقطع الصمت، بل يمر خلاله. نظر أولًا نحو الغرفة المجاورة، ثم إلى غيث، واقترب وجلس بجانبه.
"نام؟"
سأل بهدوء.
"آه."
ردت شيرلين ببرود، دون أن تنظر إليه.
ظل رمزي ينظر إلى ابنه للحظات طويلة، يقرأ ملامحه بصمت، ثم قال أخيرًا:
"حصل إيه يا غيث؟"
سكت غيث، وكأن الكلمات لا تريد أن تخرج، ثم قال بصوت مبحوح، متقطع:
"عايزة تطلق... وعايزة تسيب ياسين."
تجمدت ملامح رمزي للحظة، بينما أدارت شيرلين وجهها بعيدًا بغضب أكبر.
"قالت كده؟"
سأل رمزي بهدوء.
أومأ غيث ببطء.
"و ليه؟"
مرّت لحظة قبل أن يجيب، كأنه يعيد سماع الكلمات داخل رأسه:
"قالت إن الجواز من الأول كان علشان الحماية بس... وإن خلاص... خلص."
ثم نظر للأمام، بلا تركيز، وأضاف بصوت أهدأ، "قالت كده وكأن... ولا حاجة."
ساد صمت ثقيل.
تنهد رمزي ببطء، ثم قال بهدوء ثابت:
"مش كلامها."
رفع غيث عينيه له، نظرة متعبة، شبه منكسرة:
"أنا سمعت..."
"وأنا فاهم."
قاطعه بهدوء، "بس ده مش اللي جواها."
ضحك غيث ضحكة خفيفة... لكنها خرجت مكسورة، بلا حياة:
"واضح إني كنت فاكر كده."
"لا."
قالها رمزي بثبات، ونظر له مباشرة، "إنت
غلطان... غزل مش النوع ده."
صمت غيث لحظة، ثم قال بصوت بدأ يهتز:
"طب إيه اللي حصل؟ ليه تقول كده؟ ليه تبصلي بالشكل ده؟ كأني... كأني ولا حاجة؟"
توقف، بلع كلماته بصعوبة، ثم خفض رأسه، "أنا... أنا مش فاهم حاجة."
مدّ رمزي يده ووضعها على كتف ابنه، ضغط خفيف، ثابت:
"في حاجة غلط... واضحة. بس مش اللي هي قالته. يمكن خايفة، يمكن مضغوطة، يمكن بتحاول تبعدك عن حاجة أكبر."
رفع غيث رأسه فجأة، كأن الفكرة صدمته:
"تبعدني؟ بالطريقة دي؟!"
"الناس لما بتخاف..."
قالها رمزي بهدوء عميق، "بتغلط. بس مش بتبقى حقيقية."
سكت غيث، نظر للأمام، ثم قال بصوت منخفض جدًا:
"بس أنا حسيت... إنها مش عايزاني."
رد رمزي فورًا، بنفس الهدوء:
"لو كانت مش عايزاك، ما كانتش بقت بالشكل ده. إنت شوفت عينيها كويس؟ ولا ركزت بس في الكلام؟"
لم يرد.
لكن عقله... بدأ يرجع.
نظرتها...
ارتعاشها...
الدمعة اللي حاولت تخبيها.
شدّ يده أكثر.
"أنا... مش عارف."
"فكر تاني."
قالها رمزي بهدوء.
وفي الطرف الآخر، لم تتحمل شيرلين أكثر، فقالت بحدة:
"أنا مش شايفة غير واحدة سابت بيتها وابنها!"
نظر لها رمزي بهدوء، لكن كلماته كانت حاسمة:
"وإنتِ شايفة السطح بس."
"وأنا شايفة الحقيقة!"
"لا... الحقيقة أعمق من كده."
سقط الصمت من جديد... لكن هذه المرة، لم يكن فارغًا.
كان مليئًا بأسئلة.
غيث جلس في مكانه، بين صوتين يتصارعان داخله-
صوت غاضب، موجوع، يصرخ: هي سابتك.
وصوت آخر... أهدأ، أبطأ، لكنه أخطر: في حاجة ورا ده.
رفع رأسه ببطء...
وعيناه لم تعودا فقط مكسورتين.
بل بدأت...تفكر
***********************
في مقر جهاز الاستخبارات المصرية...
كان الهدوء هناك مختلفًا، ليس راحةً بل هيبةً تضغط على الصدر، ممرات طويلة تتكرر بلا نهاية، حراسة مشددة، ووجوه جامدة لا تُظهر شيئًا... كأن المكان كله يتنفس حذرًا.
وسط هذا الصمت الثقيل... كانت غزل تسير.
خطواتها لم تكن ثابتة كما اعتادت، بل متعثرة، كأن الأرض نفسها لم تعد مألوفة لها. عيناها محمرتان من البكاء، ووجهها شاحب بطريقة تُقلق أي عين تراها.
توقفت أخيرًا أمام بابٍ مغلق، كُتب عليه:
اللواء جاسر الحديدي.
رفعت يدها... توقفت لثانية، كأنها تجمع ما تبقى منها، ثم طرقت.
"ادخل."
جاءه صوت هادئ من الداخل.
فتحت الباب ببطء، وكأنها تدخل عالمًا آخر. كان جاسر خلف مكتبه، منشغلًا بملف أمامه. رفع عينيه...
وتجمّد.
"...غزل؟"
نهض فورًا، الصدمة واضحة في ملامحه، وعيناه تمرّان على وجهها بسرعة، يلتقطان كل تفصيلة فيها.
"إيه حالتك دي؟!"
لم تجب.
أغلقت الباب خلفها بهدوء، ثم خطت نحوه، خطوة... تليها أخرى... حتى وصلت إليه.
وفي اللحظة التي وقفت أمامه-
انهارت.
"عمو..."
وانفجرت بالبكاء.
لم يكن بكاءً عاديًا، بل بكاء متكسر، ضعيف، كأن كل ما تماسكت به سقط دفعة واحدة.
تجمّد جاسر لجزء من الثانية، ثم تحرك فورًا، فتح ذراعيه واحتضنها بقوة، بحنان أبوي صادق لا يحتاج كلمات.
"اهدي... اهدي يا بنتي... أنا هنا... خلاص..."
كانت تبكي في صدره كطفلة ضائعة، وهو يربت على رأسها بهدوء، صوته منخفض وثابت:
"محدش هيأذيك... أنا معاكِ."
لكنها هزت رأسها بين ذراعيه، تبكي أكثر، كلماتها خرجت متقطعة:
"أنا... أنا اللي هأذيهم..."
تجمّد.
أبعدها قليلًا، أمسك بكتفيها ونظر في عينيها بقلق حقيقي:
"إيه؟ بتقولي إيه؟"
شهقت وهي تحاول أن تتماسك:
"أنا... طلبت الطلاق من غيث."
اتسعت عينا جاسر بذهول صريح:
"عملتي إيه؟!"
"طلبت الطلاق..."
أعادت بصوت مكسور.
"ليه؟!"
صوته خرج حادًا هذه المرة.
انهارت أكثر، دموعها لا تتوقف:
"علشان أحميه... المجهول مش هيوقف... وهو... هو هيتأذي بسببي... وأنا مش هسمح بكده."
سكتت لحظة، ثم همست، كأنها تجرح نفسها بالكلمات:
"وياسين... هيكبر من غيري... بس... هيكون في أمان."
نظر لها جاسر بصدمة، كأن ما يسمعه لا يركب مع ما يعرفه عنها.
"إنتِ بتقولي إيه يا بنتي..."
"دي الطريقة الوحيدة..."
قالتها بإصرار موجوع.
"لا."
قطعها بحزم.
"مش دي الطريقة."
رفعت عينيها له، الألم واضح فيها:
"أنا لو فضلت معاه... هيتأذي! وأنا مش هسمح بكده!"
سكت لحظة، يدرسها، ثم جذبها إليه مرة أخرى واحتضنها بقوة، وكأنه يحاول أن يثبتها في مكانها.
"إنتِ عملتي أكبر غلط."
شهقت بخفوت:
"غلط؟"
أبعدها قليلًا، نظر لعينيها مباشرة، كلماته خرجت ببطء، لكنها كانت حادة:
"إنتِ كده بتسلمي... بتدي اللي بيهددك اللي هو عايزه."
تجمدت.
"عايزك تبعدي؟ بعدتي. عايزك تتكسري؟ اتكسرتي."
ثم أضاف بنبرة أخطر:
"إنتِ كده... ساعدتيه ينتصر."
اهتزت نظرتها، وكأن شيئًا داخلها انكسر من جديد:
"أنا... كنت بحميهم..."
"لا."
قالها بثبات.
"كنتِ بتهربي."
سكتت.
الكلمة أصابتها في مكان عميق.
اقترب منها قليلًا، صوته هدأ لكنه أصبح أثقل:
"الحماية مش إنك تكسري نفسك... ولا إنك تضيعي بيتك... الحماية إنك تقفي، حتى لو إنتِ خايفة."
نظرت له بعينين ضعيفتين:
"أنا مش قادرة..."
ثم همست فجأة، بصوت طفل جريح:
"بابا..."
انكسرت تمامًا:
"قال لي إني مش بنته... قال لي إنه فشل في تربيتي... وإني أنانية... وإني ما استاهلش غيث..."
تجمد جاسر.
بطء... ثم اشتعلت عيناه بغضب مكتوم.
"قال لك كده؟"
أومأت وهي تبكي.
شدّ فكه، صوته خرج حادًا هذه المرة:
"سليم زوّدها... مهما كان اللي حصل، ما يتقالش كده لبنته."
نظرت له بضعف، وكأنها تبحث عن حكم:
"هو عنده حق..."
"لا."
قالها فورًا، بحزم لا يقبل النقاش.
"إنتِ غلطتي... آه. بس مش بالشكل ده، ولا تستاهلي الكلام ده."
ساد صمت ثقيل... قبل أن تقطعه غزل فجأة وهي تضع يدها على بطنها.
"آه..."
انحنت قليلًا، وجهها ازداد شحوبًا.
"غزل!"
أمسكها بسرعة، القلق ظهر بوضوح لأول مرة، "مالك؟!"
"مش... مش عارفة... حاسة إني هرجع..."
لم ينتظر، أمسك بها وساعدها لتجلس على الأريكة بسرعة:
"اقعدي... خدي نفس... ببطء."
كانت أنفاسها متقطعة، غير منتظمة.
"استني."
تحرك بسرعة، أحضر لها ماء، وعاد فورًا، "اشربي."
أمسكت الكوب بيد مرتعشة، شربت قليلًا، وهو يراقبها بعينين لا تخفيان قلقه.
"إنتِ أكلتي؟"
هزت رأسها:
"لا..."
زفر بغضب خفيف:
"طبعًا."
جلس أمامها، انحنى قليلًا ليكون في مستوى عينيها، صوته أصبح حازمًا... لكنه دافئ:
"اسمعي كويس... من هنا ورايح، أنا المسؤول."
رفعت عينيها له.
"وإنتِ مش هتتحركي لوحدك، ولا هتاخدي قرار بالشكل ده تاني."
نظرت له بتردد:
"بس-"
"مفيش بس."
قالها بهدوء قاطع.
سكتت.
ثم قال ببطء، بثقل حقيقي:
"إنتِ مش لوحدك... وأنا مش هسمح لحد، لا المجهول ده ولا حتى سليم، يكسرك بالشكل ده."
سقطت دمعة من عينيها...
لكن هذه المرة لم تكن فقط ألمًا.
كان فيها شيء آخر...
ارتياح خافت، دافئ.
لأول مرة منذ ساعات طويلة...
لم تشعر أنها تواجه كل هذا وحدها
***********************
في مكانٍ ما...
مكان بلا اسم... بلا ملامح... كأنه خارج الخريطة، أو ربما خارج الزمن نفسه.
الغرفة شبه مظلمة، ضوء خافت يتدلى من السقف، يتأرجح ببطء، فيرسم ظلالًا متكسرة على الجدران. كل شيء فيها يوحي بأن هنا... تُصنع الأشياء التي لا تُقال.
على الطاولة أمامه، تناثرت ملفات... صور... هاتف... تفاصيل مبعثرة، لكنها في الحقيقة مرتبة بدقة لا يلاحظها إلا من يعرف اللعبة.
وصوت-
هادئ... بارد... كأنه لا يحتاج أن يرتفع ليُسمع:
"قلت لك."
كان جالسًا على كرسي، ظهره للضوء، ملامحه غارقة في الظل، لا يظهر منها سوى خطوط حادة مبهمة. أمامه وقف رجل، توتره واضح في وقفته، في نظراته التي لا تستقر.
"إنها هتنهار."
قالها الرجل بتردد، كأنه يعيد تأكيد شيء يخشاه.
ابتسامة بطيئة، ثقيلة، ارتسمت على شفتي الجالس.
"وشوفت بنفسك."
سكت الرجل، ثم قال بحذر:
"بس... الوضع خرج عن السيطرة شوية-"
رفع المجهول إصبعه ببطء...
"لا."
الصمت سقط فجأة.
"ده... اسمه سيطرة."
نهض ببطء، حركة محسوبة، ثم بدأ يدور حول الطاولة، كأنها مركز عالمه.
"بنت زي غزل..."
قالها وكأنه يصف لوحة، "متعودة تكسب... تتحب... تتحمى..."
توقف.
ثم التفت قليلًا، ابتسامته اتسعت، لكنها لم تحمل أي دفء:
"تكسرها؟"
لحظة صمت...
"متعة."
ارتجف الرجل، دون أن يقصد.
"وأبوها؟"
سأل بصوت أخفض.
ضحك الجالس بخفوت، ضحكة قصيرة... لكنها مظلمة:
"يضربها قدام الكل... أحلى من كده؟"
سكون ثقيل خيّم على المكان.
"وجوزها؟"
مد يده نحو الطاولة، التقط صورة، رفعها أمام عينيه.
غيث... يحمل ياسين... لحظة دافئة جُمّدت في ورق.
نظر إليها لثوانٍ... طويلة...
ثم قال بهدوء مخيف:
"لسه دوره."
بلع الرجل ريقه، صوته خرج بصعوبة:
"إنت... ناوي تعمل إيه؟"
اقترب منه... ببطء... كل خطوة محسوبة.
"أنا مش بعمل حاجة."
مال برأسه قليلًا، عينيه تلمعان في الظل:
"أنا بخليهم يعملوا كل حاجة لنفسهم."
صمت.
ثم رفع إصبعه، كأن الفكرة كلها تختصر فيه:
"أنا بس... بدفع."
وتسللت ابتسامة مظلمة إلى شفتيه:
"دفعة صغيرة."
ارتعش الرجل:
"بس... لو حد كشفك-"
انفجر ضاحكًا.
ضحكته لم تكن عالية... لكنها كانت كفيلة بقتل أي طمأنينة.
"مين؟"
اقترب أكثر، صوته أصبح أخفض... أخطر:
"جاسر؟ متأخر."
"ريان؟" توقف لحظة... ثم ابتسم، "لسه طفل."
"العيلة؟"
هز رأسه باستهانة:
"مشغولين ببعض."
ثم سكت... قبل أن يقول ببطء، وكأنه يعلن نتيجة مباراة انتهت بالفعل:
"أنا كسبت."
الصمت هذه المرة كان أثقل.
أشار بيده نحو الطاولة:
"هات اللابتوب."
تحرك الرجل بسرعة، فتح الجهاز، وظهر تسجيل.
كاميرا مراقبة.
صورة واضحة-
غزل... داخل مكتب جاسر... تبكي في حضنه.
اتسعت عينا الرجل بصدمة حقيقية:
"إنت... بتراقب-؟!"
"كل حاجة."
قالها ببساطة.
اقترب من الشاشة، انحنى قليلًا، نظر إليها بتركيز عميق، كأنه يدرس عملاً فنّيًا.
"شايف؟"
أشار للصورة:
"ده... الانكسار الحقيقي."
ثم همس، بصوت يكاد يكون إعجابًا:
"وأجمل حاجة فيه... إنه بإيدها."
ضغط زر.
تغيرت الصورة.
خريطة... موقع محدد... نقطة مضيئة-
فيلا عائلة غيث.
تجمد الرجل:
"إنت ناوي-؟!"
قاطعه بهدوء تام:
"لا."
ثم ابتسم... ابتسامة بطيئة، مرعبة:
"مش دلوقتي."
تراجع قليلًا، نظر للخريطة وكأنه يملكها:
"نخليهم يتعذبوا شوية الأول."
ثم فتح درج الطاولة.
وأخرج شيئًا صغيرًا...
خاتم.
نسائي... بسيط... لكن بريقه الخافت كان كافيًا ليحمل قصة كاملة.
نظر إليه طويلًا... وكأنه يرى فيه شيئًا لا يراه غيره.
ثم قال بصوت منخفض جدًا... يحمل ذكرى، وربما جنونًا:
"لسه فاكرة؟"
تجمد الرجل، نظر للخاتم بقلق:
"الخاتم ده...؟"
ابتسم.
ببطء... رفع رأسه قليلًا...
حتى خرج من الظل.
الملامح ظهرت أخيرًا-
حازم.
زوج دارين.
لكن عينيه... لم تكن كما يعرفه أحد. كانت مظلمة، باردة، خالية من أي شيء إنساني تقريبًا.
"اللعبة بدأت من زمان..."
همس بها ببطء، وكأنه يستمتع بكل حرف.
"وهي... كانت أول حركة."
ثم رفع نظره نحو الشاشة، حيث ما زالت غزل تبكي...
وابتسم.
"وآخر حركة..."
توقف لحظة...
ثم قال، بهدوء قاتل:
يتبع