رواية ما استرده القلب الفصل الثالث3 بقلم ريهام ناجي
_ماما.
_تعالي أنا هنا يا رُهام.
دخلت الصالون ولسه هتكلم لقيت حرباية قاعدة مع ماما،
اتنهدت بضيق لما شوفتها، البجحة ياما نفسي أجيبها من شعرها،
إزاي جالها عين تيجي هنا، وتقعد عادي كدا،
وبكل أريحية ولا كأن كل اللي حصل لنا دا بسببهم؟
عجايب ناس مبتختشيش.
_اقعدي يا رُهام ياحبيبتي.
بصيت لماما بضيق، وسألتها بعيني بإزاي سمحتلها تدخل البيت اللي هي وابنها هدوا بجشعهم كدا عادي.
أما هي، فابتسمتلي الابتسامة المصطنعة اللي عمري ما ارتحتلها،
وقالت بنبرة كلها تصنع:
_يا مرحب يا رُهام... بقالنا كتير مشوفنكيش.
رديت ببرود وأنا واقفة مكاني:
_ومين قال إني عايزة أشوفك أصلًا.
بصلتي بغضب وأنا فضلت ساكتة، لا قعدت ولا حتى بصيتلها تاني.
بصت لماما وقالت:
_إيه يا أم رُهام، بنتك لسه زعلانة مننا؟
ضحكت ضحكة قصيرة من غير أي هزار.
_زعلانة؟
وبعدين بصيتلها لأول مرة.
_هو اللي حصل يتزعل منه بس؟
اختفت الابتسامة من على وشها ثانية، لكن رجعتها بسرعة.
_يا بنتي، اللي حصل نصيب... والفلوس دي أرزاق، وربنا هو اللي بيعوض.
حسيت الدم غلي في عروقي.
_آه... وربنا كمان شايف مين ظلم، ومين اتظلم.
قلعت شنطتي من كتفي ورميتها بغضب على الكرسي وربعت إيدي وقولت:
_وبعدين أنتِ جاية تهببي أيه هنا،
أيه اللي فكرك بينا.
اتوتر الجو فجأة.
ماما بصتلي بنظرة ترجوني أهدى، وأنا فهمت قصدها، فسكت، لكن عيني متفارقتش عن تث تث دي، وأنا متأكدة إنها جاية تبخ سمها.
عدلت قعدتها وقالت وهي بتحاول تغير الكلام:
_أنا جيت النهارده عشان نفتح صفحة جديدة، إحنا في الآخر أهل.
ضحكت بسخرية.
_أهل؟
وهي لو كانت كلمة "أهل" كفاية زي ما بتقولي، كان بابا مات وهو مكسور بالشكل ده؟
ساد الصمت في المكان.
ماما غمضت عينيها بألم، وأنا أول ما افتكرت بابا حسيت قلبي اتقبض.
لكن اللي صدمني بجد...
إن الحرباية دي مبانش عليها ذرة ندم.
بالعكس...
كانت لسه باصة ليا بنفس الهدوء، كأنها جاية تنفذ غرض معين، ولسه مقالتهوش.
وده اللي خلاني أحس إن الزيارة دي... وراها مصيبة.
واتأكدت لما اتكلمت:
_المهم أنا كنت جاية وأجدد طلب ابني نقاوة عينيا تاني، لسه متمسك بكِ وعايز يتجوزك، وبعتني أطلبك بالأصول.
_وهو أنتِ ونقاوة عينك تعرفوا حاجة عن الأصول بردو يا مرات عمي، قولي كلام يتعقل.
وقولت وأنا ببص في عينيها بكل ذرة غضب وكره جوايا للست دي وابنها:
_قولي لابنك نقاوة عينك، إن نجوم السما أقربله، ويبقى يوريني وشه لما أخد حقي وحق بابا من حباب عينيكم.
وقربت منها بغضب وأنا بشاور على الباب:
_وقومي امشي من هنا، عشان متبقاش دي آخر ثواني في حياتك.
خافت وكشت وخدت شنطتها، وقامت تمشي وهي بتقول:
_على العموم أنتِ الخسرانة، كنتِ هتتستتي في البيت بدل مرمطتك في الشغل عند الناس، وهنسترك.
ضحكتلها بسخرية وأنا بقول:
_أيوة أيوة... كنت هتستت بفلوس ابنك الحرامي.
وشاورت على الباب.
_البيت ده صاحبه مات مقهور بسببكم، فمتجيش تقولي ستر ونعيم وبتاع،
إحنا لو جعنا، عمرنا ما هناكل لقمة فيها شبهة حق حد، حتى لو الحق والحد دول أبويا.
احمر وشها وقالت بعصبية:
_حاسبي على كلامك يا بنت أخو جوزي.
ضحكت ضحكة خفيفة، بس كانت طالعة من قلب مليان قهر.
_أنا بحاسب على كل كلمة بقولها... يا مرات عمي، ويوم الحساب الحقيقي، كل واحد هيشيل اللي عمله.
اتنهدت ماما وهي بتحاول تهدي الجو.
_خلاص يا جماعة... كفاية
وأنتِ امشي من هنا وابعدي عنا أنتِ وابنك.
لكن الست كانت فقدت أعصابها.
عدلت طرحتها وقالت وهي متجهة ناحية الباب:
_هتندمي... وهتعرفي إن الفرصة دي مش هتتعوض.
رديت من غير حتى ما أبصلها:
_أنا ندمت مرة واحدة... يوم ما وثقت فيكم،
إنما لو على الجواز من ابنك؟ دي عمرها ما كانت فرصة.
وقفت لحظة عند الباب، وبصتلي بنظرة كلها غل.
_حق أبوكي مش هيرجع دا حقنا.
رفعت راسي بثبات، وابتسمت لأول مرة.
_بل هيرجع... حتى لو آخر يوم في عمري هرجعه.
فتحت الباب بعنف وخرجت، وقفلته وراها وهي بتتمتم بكلام مش مفهوم.
ساد البيت صمت تقيل.
فضلت واقفة مكاني، وإيدي بتترعش من كتر الغضب.
ماما قربت مني وحطت إيديها على كتفي.
_اهدي يا رُهام.
لفيتلها، ودموعي كانت محبوسة بالعافية.
_أهدي إزاي يا ماما؟ كل مرة أشوف حد فيهم بحس إن بابا لسه واقع قدامي من الصدمة... وكأن اللي حصل كان إمبارح.
حضنتني ماما، وهي بتحاول تمنع دموعها هي كمان.
_ربنا كبير يا بنتي... ومش بيضيع حق حد.
غمضت عيني وأنا بتنفس بالعافية.
_وأنا واثقة في ربنا... وواثقة إن حق بابا هيرجع، مهما طال الزمن، والله لهرجعه.
سيبت ماما ودخلت أوضتي، ورميت نفسي على السرير وأنا بحاول أهدى وأفكر.
وبالفعل شوية وهديت، قومت غيرت هدومي الخروج، ولبست بيچامة مريحة، وقعدت على سريري، ومسكت التليفون، أقلب فيه وأنا بحاول ألهي نفسي عن اللي حصل، فتحت الفيس ونزلت بوست جديد، وقفلته تاني ونمت.
ـــــــــ
رجعت البيت متأخر.
العربية دخلت من البوابة الإلكترونية، وركنتها قدام الفيلا من جوا.
نزلت وأنا سرحان، ولسه دماغي معلقة عند رُهام.
أول ما دخلت، لقيت ماما وبابا قاعدين في الصالون، وأصوات التلفزيون وريحة القهوة مالية المكان.
أول ما شافتني ماما قالت:
_الله!
أخيرًا افتكرت إن ليك بيت يا أستاذ.
ابتسمت وأنا ببوس راسها.
_حقك عليا يا ست الكل.
بابا بصلي من فوق الكتاب اللي في إيده وقال:
_كنت بتصيع فين؟
ضحكت وقعدت قدامهم.
_كنت بتمشى شوية بس والله.
بصلي بابا وهو مضيق عينيه.
_من امتى وأنت بتحب تتمشى بالعربية ساعتين من غير هدف؟
اتوترت ثانية، لكن لحقت نفسي وقولت:
_يعني... كنت بفصل دماغي شوية.
ماما قامت وصبتلي فنجان قهوة، وحطته قدامي.
_واضح إن في حاجة شاغلاك.
مسكت الفنجان وأنا بهرب بعيني.
_لا... مفيش عادي.
ابتسم بابا ابتسامة خفيفة.
_أنا قاريك يا يونس... وعارف وشك لما تكون مخبي حاجة ارغي.
ضحكت وأنا بهز راسي.
_والله يا جماعة مفيش حاجة تستاهل.
غير بابا الموضوع وهو بيقول:
_بالمناسبة، بكرة عندنا اجتماع مع مجلس إدارة الشركة الساعة عشرة، متتأخرش.
هزيت راسي.
_حاضر.
سكت شوية، لكن عقلي رجع يسرح تاني.
من غير ما أحس، طلعت الموبايل من جيبي.
أول حاجة عملتها...
فتحت الفيس، دخلت على أكونت رُهام.
فضلت أبص لصورة البروفايل ثواني
ابتسمت، وبعدين قلبت لقيتها نزلت بوست جديد
"اللهم ارزقنا القلوب التي إذا انكسرت، ردتها إليك وإلينا أجمل مما كانت."
فضلت باصص للكلام
مش عارف ليه...
حسيت إنه مكتوب ليا أنا،
ابتسمت من غير ما أحس.
لاحظت ماما ابتسامتي، فقالت وهي بتبص لبابا:
_شايف!
بابا رفع حاجبه باستغراب.
_شايف إيه؟
قالت وهي بتضحك:
_ابنك بيبتسم وهو باصص في الموبايل.
رفعت عيني بسرعة.
_يا ماما!
ضحكت أكتر.
_خير يا ابني... في واحدة دخلت حياتك وإحنا آخر من يعلم؟
كتمت ضحكتي بالعافية.
_هو التحقيق بدأ؟
بابا حط الكتاب على الترابيزة وقلع النضارة، وقال وهو بيبتسم:
_لو فيه بنت تستاهل... عرفنا عليها.
هزيت راسي وأنا بقوم.
_لما يبقى فيه حاجة... هتعرفوا أول ناس.
طلعت أوضتي، وقفلت الباب ورايا.
رميت نفسي على السرير، ومسكت الموبايل تاني.
كان الآدد لسه "مُعلق".
ابتسمت وأنا ببص للشاشة.
_يلا يا رُهام... اقبليه بقى.
ومن غير ما أحس...
فضلت مستني نوتفيكشن صغير يقول إنها قبلت الآد...
وكأنه أهم إشعار استنيته في حياتي!
______
صحيت تاني يوم الصبح، وأنا بحاول اتناسى ومفكرش في أي حاجة حصلت إمبارح، قومت وعملت روتيني اليوم.
وبعد ما خلصت خرجت برا لماما، اللي كانت في المطبخ بتحضر الفطار، ساعدتها
وبعد ما خلصنا قعدنا وفطرنا.
لاحظت إن ماما كانت سرحانة، من غير ما تاكل، بصيتلها باستغراب.
_مالك يا ماما؟
ابتسمت ابتسامة باهتة وهي بتحاول تبان طبيعية.
_مفيش يا حبيبتي.
سيبت الآكل من إيدي.
_لأ... في، أنا عارفاكي.
اتنهدت وقالت بهدوء:
_بس كنت بفكر في اللي حصل إمبارح... وخايفة تكون زعلتي.
ابتسمت وأنا بمسك إيدها.
_اللي زي دول ميعرفوش يزعلوني يا ماما... يعرفوا يعصبوني آه، لكن يزعلوني؟ لأ.
سكت لحظة، وبعدين كملت:
_أنا زعلت على بابا... كل مرة بفتكره بحس إننا لسه في أول يوم بعد اللي حصل.
نزلت ماما عينيها.
_الله يرحمه.
_آمين.
فضلنا ساكتين شوية، وبعدها قومت من على السفرة.
_أنا هطلع أجهز، عندي شغل النهاردة.
وقبل ما أتحرك، ماما نادت عليا.
_رُهام.
لفيتلها.
_اوعي تيأسي يا بنتي.
ابتسمت بثقة، رغم الوجع اللي جوايا.
_أنا لو يئست، يبقى بابا مات مرتين... وأنا مستحيل أسمح بده،
هجيب حقه يا ماما... حتى لو أخد مني العمر كله.
ربتت على كتفي وهي بتدعيلي.
_ربنا يقويكي وينصرك.
ابتسمتلها، ودخلت أوضتي أجهز نفسي للشغل،
وأنا بلبس، وقعت عيني على صورة بابا اللي متعلقة جنب المراية،
وقفت قدامها ثواني.
ابتسمتله ابتسامة صغيرة، وقلت بهمس:
_اطمن يا بابا... أنا وعدتك، ووعدي عمري ما هخونه.
أخدت شنطتي، ونزلت من البيت وأنا حاسة إن يوم جديد بدأ... بس معاه معركة جديدة بردو، يلا استعنا على الشقا بالله.
