
رواية اسيرة كبير الاحفاد الفصل الرابع4بقلم هاجر سلامة
انقضت ليلتان على تلك المواجهة العاصفة، وكان الهدوء الذي ساد قصر "الحاج عبد الرحيم" هدوءاً زائفاً، يسبق عاصفة هوجاء ستقتلع الأخضر واليابس.
في الجناح السفلي، كانت "فهيمة" وأمها "صفاء" تجلسان مع "شذى" في حلقة شيطانية، تحركهن نيران الغل والحقد المشترك ضد "لِيال".
وقفت فهيمة وهي بتفرك إيديها بشر، وبصت لشذى وقالت بنبرة واطية:"البت لِيال دي واجفة كيف اللقمة في الزور، وعنادها مع همّام مخليه قايد نار، بس الجد عاجبه نشوفيتها صوح.. إحنا عاد لازم نخلص منيها واصل بنصيبة تخلي همّام يطردها بالملابس اللي عليها ويغسل عاره بيده!"
حطت صفاء إيدها على بوقها وبصت لبتها بخبث:"وعندك إيه يا ناصحة يوقع بت صالح الوقعة دي؟ همّام لو شم خبر عابة في شرفها، مش هيرحمها واصل!"
مالت شذى عليهم، والتمع الغدر في عينيها وقالت بهسيس أفعى:"أنا خابرة السكة صوح.. لما كنت في البندر، جالي واد من زمايلها بتوع جامعة تركيا كان عيسأل عليها وعايز يوصلها، ومعايا رقم تليفونه.. إحنا هنعمل ملعوبة ونخلي تليفونها يوصله رسائل وصور تظهر إنها لساتها عتكلمه من ورا همّام، ونوقع الرسائل دي في يد همّام بالصدفة!"
فهيمة ضحكت بانتصار وسقفت براحة إيدها:"يا مري! دي هتبقى ليلة غبرة على دماغها! همّام صعايدي ودمه حامي، والحديث ده هينزل عليه كيف الرصاص، ومش بعيد يدفنها مكانها ويسيب الدار كلها!"
بدأت الخطة الخبيثة تتحرك في الظلام كالأفاعي.
استغلت فهيمة انشغال لِيال بمساعدة والدها في ترتيب أغراض والدتها الراحلة، وتسللت إلى جناحها مستغلة غياب همّام في الأراضي الزراعية.
التقطت هاتف لِيال بحذر، ونقلت الأرقام والبيانات، وبمساعدة شذى والواد الذي في البندر، تم فبركة محادثة إلكترونية كاملة بالصور والكلمات العاطفية بين لِيال وزميلها التركي، تُظهر وكأنها تخطط للهروب إليه مجدداً لأنها لا تطيق العيش مع زوجها الصعيدي "المتخلف".
وفي مساء اليوم التالي، كان همّام يجلس في المندرة برفقة والده وعمه منصور والحاج عبد الرحيم، يتباحثون في شؤون تجارة المحاصيل. دخلت شذى وعلى وجهها علامات الرعب المصطنع، وكانت تمسك بهاتفها وهي ترتجف، وتقدمت نحو عمها عامر (والد همام) وقالت بصوت متهدج سمعه الجميع:"الحقني يا عمي.. أنا كنت عأنظف الممر الفوقاني، ولقيت التليفون ده واجع من يد لِيال وهي عتجري، ولما نور، لقيت فيه كلام واصل ورسائل من بلاد برة.. أنا خايفة ودمي نشف من اللي قريته واصل!"
الجماميع لجمت في المندرة.
انتفض همّام واقفاً كالمارد، وعيونه اسودت تماماً كليلة مظلمة. انتزع الهاتف من يد شذى بعنف كاد يكسر أصابعها، ونظر إلى الشاشة المضيئة.
كانت المحادثة المفبركة واضحة، والرسائل المنسوبة ل لِيال تقول: "أنا بكره همّام ومش طايقة لمسته، ومستنية الفرصة عشان أهرب وأرجعلك يا حبيبي لتركيا ونكمل حياتنا"، ومرفق معها صور قديمة لها في الجامعة.
تجمدت الدماء في عروق همّام، وتحول وجهه إلى قناع من الغضب الجحيمي المرعب. برزت عروق رقبته وجبينه حتى كادت تنفجر، وقفل قبضته على الهاتف حتى تهشم الزجاج تحت ضغط أصابعه القوية الكبرياء الصعيدي، والشرف، والرجولة.. كلها طُعنت في مقتل أمام والده وجده وعمه منصور الذي ابتسم بخبث ومال على الحاج عبد الرحيم قائلاً:"شُفت يا بوي؟ مش قولتلك البت دي جايبة معاها العار من بلاد الترك؟ أهو واد عمها ستر عليها، وهي عتخونه وعايزة تهرب لبلاد برة وعاد تلطخ اسمنا في الطين!"
ضرب الحاج عبد الرحيم الأرض بعصاه وعيونه تشتعل شراراً، وزعق بصوت جهوري:"همّام!! غسيل العار ده عاد في رقبتك أنت! البت دي لو الحديث ده صوح، ملوهاش قعاد في دار عبد الرحيم دقيقة واصل، واعرف كيف تأدبها!"
لم ينطق همّام بحرف واحد. تحرك بخطوات واسعة سريعة كالإعصار المدمر، صاعداً الدرج نحو جناحها، والشرر يتطاير من عينيه، وخلفه كانت شذى وفهيمة تتبادلان نظرات النصر والشماتة.
دفع همّام باب الجناح بقوة هائلة تحطمت معها لسان القفل، وارتطم الجدار بعنف أرعب لِيال التي كانت تجلس تقرأ كتاباً.
انتفضت لِيال من مكانها بذهول، لكنها لم تستوعب ما حدث إلا وهمّام يقف أمامها وعيونه تقطر دماً. قبل أن تنطق بكلمة، امتدت يده الحديدية لتقبض على خصلات شعرها بقسوة غاشمة، وجرها نحو وسط الغرفة وهو يزأر بصوت مرعب زلزل القصر بأكمله:"بتحبيه يا بت صالح؟! لساتك عتفكري فيه وعتخططي تهربي لبلاد برة من ورايا؟! أنا همّام ولد عامر يتعمل فيا إكده يا فاجرة؟! لسانك اللي كان عيطول عليا، كان عيقول له حبيبي وعايزة أرجعلك؟!"
صرخت لِيال من شدة الألم وهي تحاول تخليص شعرها من بين أصابعه القوية، وقالت بدموع حارقة وصدمة:"سيب شعري! إنت اتجننت؟! رسائل إيه وزفت إيه اللي بتتكلم عنه؟! أنا مكلمتش حد!"رماها همّام بقوة على الأرض لتقع عند قدميه، وألقى بالهاتف المهشم أمام وجهها وصاح بفقدان عقل:"اقري يا بشمهندسة! اقري كلامك وعلامك وسفالتك اللي جيباها معاكِ من برة! الصور والرسائل دي إيه؟! أنطقِ عاد قبل ما أدفنك مكّانك وأشرب من دمك!"
نظرت لِيال إلى الشاشة بذهول، واتسعت عيناها بصدمة حقيقية وهي تقرأ الكلمات المنسوبة إليها.
رفعت رأسها ونظرت في عينيه المشتعلة، ورغم الرعب الذي تملّك جسدها، إلا أن كبريائها وشرفها المستهدف أعطاها قوة جبارة، فوقفت على قدميها وصرخت في وجهه بكل قوتها:"دي تمثيلية! دي رسائل متفبركة وكدب! أنا مكلمتش حد، والصور دي قديمة من أيام الكلية وكل زمايلي معاهم الصور دي! إنت أعمى؟ مش شايف إن في حد عايز يوقع بيننا ويخرب البيت؟! أنا لو عايزة أهرب مش هخاف منك ولا من جدك، وكنت هقولها في وشك، أنا مابعملش حاجة في الضلمة يا همّام!"
اقترب منها همّام والغل يعميه، وأمسك بياقة جلبابها وهزها بعنف:"كدابة! واصل كدابة! شذى لقت التليفون واجع منك، والحديث واضح كيف الشمس! إنتِ جيتي هنا لجل تكسري هيبتي ورجولتي وسط ناسي، بس ورب العزة، من الليلة دي مفيش خروج من الأوضة دي واصل، وهعيشك في ذل وعذاب لحد ما تقري بذنبك وتتمنى الموت وماتلاقيهوش!"
بكت لِيال بحرقة وقهر، ونظرت إليه بنظرة احتقار آلمت قلبه دون أن يشعر، وقالت بصوت مخنوق بالدموع:"إنت مش راجل صوح يا همّام.. الراجل بجد بيحمي مراته ويصدقها، مش بيصدق أول كدبة تتقال عليها عشان يكسرها! أنا مظلومة، والزمن هيدور وهيوريك إنك ظلمتني، ويومها مش هسامحك ليوم الدين!"
دفعها همّام بقسوة بالغة نحو الأرض، والتفت وخرج من الغرفة ضارباً الباب خلفه، وقام بقفله بالمفتاح الخارجي عدة مرات، لتصبح لِيال سجينة رسمياً داخل جدران غرفتها، محرومة من رؤية النور أو الحديث مع أي شخص.
انبطحت لِيال على الأرض تبكي بحرقة على شرفها الذي تلوث بحقد الحاقدين، وعلى قسوة هذا الرجل الصعيدي الشرس الذي يرفض الاستماع لعقلها، بينما كان همّام يقف خلف الباب المغلق، يتنفس بصعوبة، وصدره يعلو ويهبط بنيران الغضب والشك، وقلبه ينزف من تلك النظرة المنكسرة التي رآها في عينيها ولم يفهم سبب ألمها إن كانت كاذبة.