
عاهرة.. ابنة من الحرام
تهديده ظل يتردد بذهنها طوال الليل، ربما بعض الخوف تسرب لقلبها لكن بانشغالها بأيلا تركت مخاوفها بعيدا
اندهشت عندما فتحت باب الشقة ورأته باليوم التالي يقف أمامها.. هو لن يستسلم
ابتسامة جافة اعتلت فمه، نظرة تقييم جالت على جسدها وسمعته يقول "هل سأقف كثيرا هكذا؟"
استوعبت ما يحدث وهي لم تظن أنه سيعود هكذا بسرعة، على الأقل يحل مشكلته مع نارا
تحركت وهو يتقدم للداخل فأغلقت وظلت قليلا قبل أن تلتفت له وهو يقول "كيف حالها اليوم؟"
جلس مواجها لها، رفضها للزواج جعل العناد يرتفع داخله وهو أنذرها ألا تتحداه
تحركت له وهي تقول "أفضل كثيرا"
نظر لساعته، كانت العاشرة تقريبا فعاد لها وقال "مسلم اتفق مع فتاة جيدة مثل سهيلة لتحل محلها حتى تعود"
حدقت به، هي لم تفكر بذلك، أخذت اجازة ثلاثة أيام من العمل ولم تفكر فيما بعد، لاحت نظرة ارتياح على وجهه عندما أدرك أنها لم تجد بديل
"أخبرتك أني باق بحياتكم"
وهي لم تظن أنه سيتراجع لكن دخوله هكذا جعلها مهتزة لا تملك قدرة على التركيز بابنتها وبحربها معه رغم أنه هو الحل الأمثل لابنته بغيابها
جلست بلا قدرة على الوقوف "بحياتها هي فقط"
ظل يحدق بها ثم قال "هل يمكنني رؤيتها؟"
للحظة ظلت صامتة وبالنهاية قالت "نائمة"
دقات الباب أوقفتهم ولكن هو من نهض بلا كلمات ولا فرصة لها لتفعل شيء
مسلم هو من واجه رئيسه "الآنسة هاجر"
هز رأسه وتراجع للفتاة التي كانت بنفس عمر سهيلة تقريبا، أكثر جمالا وأناقة وتحركت للداخل فنهضت مهرة لها وأغلق هو الباب "مدام مهرة، وأيلا بغرفتها، مهرة هذه هاجر ستبقى معك حتى عودة سهيلة، هي مربية جيدة وخبرتها بأعمال المنزل أيضا جيدة"
هزت رأسها للفتاة التي لمعت عيونها على مهرة، نظرة الإعجاب بدت واضحة ومهرة أيضا أعجبتها الفتاة فقد كانت جميلة حقا
قالت "أهلا هاجر، المطبخ هناك، هذه غرفتي وهذه غرفة أيلا وهي بالفراش فقد كانت مريضة وما زالت"
قالت الفتاة "نعم سيد مسلم أخبرني، ألف سلامة عليها مدام"
حاولت الخروج من حالة الذهول "شكرا"
رائحة السجائر تحركت لها وصوته يقول "أرغب بقهوة مضبوطة هاجر"
هزت رأسها "اسمحوا لي، لا مدام سأرى كل شيء بنفسي، لا تقلقي"
التفتت له، منحها ظهره وهو يعبث بهاتفه، نارا أشعلت النيران بينهم بجدال لا ينتهي وهو كان حاد وصارم
لم يمنحها موعد جديد للزواج..
والدها كان ثائر بشكل لم يراه من قبل ومع ذلك ضرب بالجميع عرض الحائط ولم يهتم
والدته عادت البيت ولم ترحل مع أخته التي لم يراها سوى دقائق وأمه تلح عليه بالعودة للقاهرة لكنه لن يفعل حتى ينتهي أمر ابنته
تحركت ووقفت خلفه وقالت "رحيم توقف عن أفعالك هذه"
التفت، التقى بالبنفسجية الممتلئة بالغضب، كم تعجبه، تثير به كل مشاعر الماضي.. ما زال يريدها وكأن ما مات عاد للحياة فجأة
"وإن لم أفعل؟ ستهربين لبلد جديد؟"
أشاحت بيداها ولم ترفع صوتها "أنا لم أهرب رحيم، أنت من منحني الطلاق وأنا ابتعدت حتى لا تظن أني أطاردك لتعيدني ولكنك لم تنظر مرة خلفك"
وتراجعت.. ندمت على الكلمة
التفتت لتفر تلك المرة بحق ولكنه كان أسرع، قبض على ذراعها فأغمضت عيونها والألم تمكن منها وصوته تبدل للضعف
"أردت أن أفعل مهرة"
ظلت جامدة، لم تبعد قبضته ولم تلتفت له وهو اقترب خلفها وانحنى لتصل كلماته لأذنها "لكنك كنتِ عنيدة، رفضتِ الاستماع لكلماتي، أثرتِ جنوني"
ظلت تتألم بلا رد وهو لفها لتواجه نظراته بعيون تحمل ألم الماضي وضياع الحاضر وغموض المستقبل وما زالت رأسه تنزل لها
"عدنان كان بيننا، جنونك، جموحك.. لم تكوني تسمعي لأي عقل"
لم تثور.. لم ترفع نبرتها "حاولت رحيم، حاولت إخبارك أنني لم أفعل شيء مما اتهمتني به لكنك أنت من لم يسمع، صدقت كل من حولك ولم تصدقني أنا"
ظل واجما..
تلك الفترة امتلأت بالجنون، الظنون والشكوك وهو بالفعل لم يسمعها.. ظن أنها كاذبة و.. "القهوة يا فندم"
ترك ذراعها بالحال وهي تراجعت مهتزة، من داخلها و.. خارجها
تحرك وسمعت صوت قداحته والدخان يلحق به وصوته يعود "شكرا هاجر، المدام ستخبرك بمواعيد الطعام"
ما أن رحلت حتى التفت لها وقال "لدي عمل جديد بالغردقة، فكرت أن تكونوا معي ربما أستعيد علاقتي بأيلا"
حدقت به وهو يدخن سيجارته ويتناول القهوة وهي تواجه نظراته القوية وكأنه يتحداها أن ترفض "لدي عمل رحيم وأنت تعلم"
وبلحظة نست فحوصاتها ومرضها وموعد الطبيب بنهاية الاسبوع، نست حتى مرض أيلا
تناول القهوة بهدوء وقال "وأنا صاحب العمل مهرة، سنرحل غدا مساء من مطار القاهرة، سأمر عليكِ"
تحركت له، تحاول إيقاف جنونه وتهوره "رحيم هل تعي ما تقول؟ أنت رجل معروف ولو لاحقتك الصحافة وأنت معنا فذلك.."
رفع إصبعه ليوقفها "ذلك شأني أنا.. "
هتفت وهو يفقدها عقلها بكلماته "وشأني أنا أيضا رحيم، أنت لا تعي ما تفعل، أنا لا يمكنني الوقوف ومشاهدة الجميع يتحدثون عنا"
كان يقترب منها حتى وقف أمامها وقال بنفس الهدوء "إذن وافقي على الزواج وتنتهي كل تلك الصراعات"
تراجعت وهو يعيدها لنفس النقطة..
رنين جرس الباب جمدهم وهاجر تخرج لتفتح والجمود تحول للهيب كاد ينفجر بهما وهما يواجهان نارا تقف عند الباب ونظراتها تسقط عليهما
كيف لم يخبره مسلم بوصولها؟
رفع رأسه وهي تقول "من الرائع وجودكما معا"
تراجعت هاجر بلا فهم ونارا تتحرك للداخل ولا أحد يوقفها
أغلقت الفتاة الباب وتحركت للداخل والوجوه تجهمت واعتلاها الذهول من المفاجأة
كانت نارا أول من تحدث أيضا "كنت أعلم أنك هنا، بالطبع فتلك الأشكال تعرف كيف تجذب الرجال"
اسود وجهها وانتفضت من داخلها..
هي لم ولن تكون كذلك..
هو من فعل بها ذلك لذا هو من تحدث "لا تنطقي بكلمات قد تندمي عليها فيما بعد نارا"
التفتت له والجنون ظهر واضحا على وجهها، جنون الغيرة، الحقد، الكره، كل مشاعرها تجاه مهرة تجسدت على وجهها الآن
حتى صوتها خرج حادا لاذعا "أنا نادمة على شيء واحد فقط رحيم، حبي لك"
لم تتبدل ملامحه، الأمر لم يمثل له أي شيء، الحب سلعة لا مكان لها بحياته "أوقفي جنونك هذا، لا مكان له هنا"
لكنها لم تتوقف، لم تأتي لتصمت "بل هنا هو المكان الأنسب رحيم، هنا هو ما لابد أن أدهسه بأقدامي كي تفيق من الغيبوبة التي أصابتك منذ ظهورها"
صوته كان قويا، حادا "توقفي نارا، توقفي قبل فوات الأوان"
جنونها لا حدود له ولا يمكن إيقافه "لا تأمرني بشيء رحيم، لن أخرج ولن أصمت إلا عندما تخبرها أن تختفي من حياتك كما ظهرت وإلا ستندم"
وهي لم ترد، ما زالت بحالة من الذهول، لا تعي ولا تعرف كيف تتصرف
فقط نارا من تلف الحبل حول رقبتها وهو أيضا من أجاب "هذا تهديد لمن بالضبط نارا؟"
الجنون لا حدود له والحب يدفع له خاصة عند انكسار قلب صاحبه "لها رحيم، هي لا تفعل شيء سوى تخريب حياتي لذا أنا لن أرحمها"
شحب وجه مهرة أكثر، هي لا ترغب بحرب مع أحد، لديها ما يكفيها من المشاكل ونارا وحش لن يرحمها "لا شأن لكِ بها، هو أنا من لدى الحق بالتحدث معه فقط"
التفتت له، عيونها تلمع ببريق شيطاني والعقل لا مكان له هنا.. توارى وراء سطوة شيطان الغيرة والكره "وكيف وهي تأخذ عقلك، تلك العاهرة تعرف كيف تأكل عقول الرجال"
صوته هز المكان "كفى"
مهرة رفعت وجهها لنارا تستنكر الاتهام والإهانة ولا تصدق أنها تتهمها بتلك الكلمات البذيئة..
انفتح الباب وخرج الصوت الملائكي "مامي.."
انتفض قلبها.. سقط كل العالم من حولها وهي ترحل لابنتها، تنزل لها وتحيطها بيداها "حبيبتي لماذا نهضتِ من الفراش؟"
وانتبه هو للفتاة، أطفأ السيجارة..
نارا من تجمدت مكانها.. عيونها ثابتة على الصغيرة التي حازت كل اهتمام مهرة وكأنهم اختفوا من حولها..
أسئلة لا حصر لها انطلقت لعقلها وتوقفت على شفتيها..
هو ابتعد، لم يرغب بأن ترى الفتاة ملامحه الغاضبة، مهرة حملت ابنتها وعادت بها الغرفة "مامي، هل بائع اللعب غاضب منكِ مرة أخرى؟"
وضعتها بالفراش وتجنبت النظر لها "لا حبيبتي، هو فقط غاضب للعمل، المرأة بالخارج من العمل وأخطأت"
الفتاة لا تتوقف "لماذا يصرخ هكذا دائما مامي؟ أنا أخاف منه"
وضعت قبلة على وجنتها وهي تربت عليها بحنان "لا حبيبتي لا تفعلي فهو لا يخيف أحد، العمل يحتاج بعض الشدة، هيا نامي كي لا أتركهم وحدهم"
الجمود ظل يكتنف الاثنان، نارا حاولت تفهم ما يحدث فتحركت له "من تلك الفتاة رحيم؟"
لم يلتفت لها، لم يجد ما يقوله، الأمر لا يخصها "نارا هل تذهبي؟ وجودك لا معنى له"
تحركت لتقف أمامه، تواجه نظراته الزائغة بقوة غريبة داخلها نابعة من جنون سكن نبضها "لن أذهب إلا عندما أفهم"
مال رأسه تجاها "تفهمين ماذا؟ الأمر كله لا يخصك، وجودك هنا ليس من حقك، فقط اذهبي"
ولكنها لم تكن لتتراجع "ووجودك أنت هنا حقك؟ هل عدت لها رحيم؟ هل أعدتها لك لذا تركت زفافنا؟"
لم يتحرك من أمامها "أنا تعبت من استجواباتك هذه ومللت من طريقتك"
وتفاداها مبتعدا ليتوقف ومهرة تخرج من حجرة ابنتها ونظراتها تتوقف عليه "هل هي بخير؟"
سؤاله خرج من قلبه، كل مرة يكون لقائه بابنته وحشي، لن تراه سوى شيطان
قبل أن تجيبه كانت نارا تلقي نيرانها بوجوههم "أنت تهتم بها ولا تهتم بي؟"
التفت وقد بدأ يفقد السيطرة من ضغطها المتواصل "أنتِ تصمتين"
لكنها لم تفعل ومهرة جامدة مكانها، فقط ابتعدت عن غرفة ابنتها، لا ترغب بتلك الحرب أمام ابنتها
نارا لا تتراجع "أنا أصمت؟ لا رحيم لن أفعل قبل أن تخبرني ماذا يدور هنا؟ من تلك الفتاة؟ هل اكتشفت أن زوجتك السابقة كانت عاهرة ولديها ابنة من الحرام؟"
الصفعة كانت قوية، جعلتها تترنح حتى كادت تسقط من قوتها
مهرة رفعت يدها على فمها والكلمات ضاعت منها، لا تعرف هل تدفع عن نفسها الاتهام أم توقف حرب رحيم ونارا؟
صوته لم يرتفع، من أجل ابنته، لكن الصوت حمل غضب نابض "كلمة أخرى ولن أكتفي بصفعة واحدة"
والتفت لمهرة والتقى بالدموع المتلألئة بعينيها وقال "أنا أعتذر عن كل ما حدث وقيل مهرة"
وعاد لنارا التي كانت تحاول لملمة نفسها ويدها على وجنتها والدموع لا تتراجع ويده تقبض على ذراعها ودفعها أمامه للخارج ولكنها هتفت بجنون الغضب
"لا تظن أن تلك الصفعة ستجعلني أتوقف رحيم، ما بدأ الليلة لن ينتهي هكذا، أنا لابد أن أعرف كل شيء ووقتها الحساب سيكون غالي جدا"
ونظراتها استقرت على مهرة… نظرة حملت وعدًا صريحًا بالحرب
ولم يمنحها فرصة أخرى، جذبها للخارج وأغلق الباب خلفه، وكأنّه يحاول إيقاف عاصفة… لن تهدأ
وانهارت مهرة، فاقدة أي قدرة على التنفس وصدرها ضاق بها وهي تجر أقدامها لأي مقعد
الدموع تساقطت.. الهواء أحرق صدرها والألم ينازعه، الاتهام مزقها.. نارا جحيم بهيئة إنسان ستحرقها بلا رحمة وهي لا قدرة لديها على مواجهتها
****
دفع نارا داخل السيارة بعنف مكبوت وتحرك لمقعد القيادة، أشار للسائق الذي تراجع فورًا بينما تحرك مسلم بالسيارة الأخرى خلفهم
ملامحه كانت قاسية، جامدة، والغضب واضح في كل تفصيله وهو يضغط على دواسة البنزين بقوة جعلت الإطارات تصرخ تحتهم
شهقت نارا وهي تتماسك بالمقعد، تمسح دموعها بحدة وتهتف بغضب "هل تظن أنك ستوقفني بتلك الطريقة؟"
لم يلتفت لها.. عيونه على الطريق، فكه مشدود، وصوته خرج منخفضا لكنه حاد كالسيف
"أنتِ لم تري طريقتي لإيقافك بعد نارا، حتى الآن أنا أوقف نفسي عنكِ فلا تدفعيني لم لا يعجبك"
التفتت له بجنون، الغيرة تلتهم عقلها، وصوتها خرج مرتعشا بين الغضب والانكسار "ليس قبل أن تخبرني الحقيقة رحيم، تلك الفتاة.. ابنتك؟"
قبضت يده على المقود بقوة حتى برزت عروقه، ومرت لحظة صمت ثقيلة.. لحظة كأن الزمن توقف فيها، ثم قال دون أن ينظر لها "الحقيقة التي ترغبين بها قد لا تعجبك نارا"
التفتت له بحدة، أنفاسها تتسارع، وقلبها بدأ يدق بعنف وكأنها سمعت الاعتراف دون أن يُقال صراحة "ماذا تعني رحيم؟ أجبني"
لكنه لم يجيب..
فقط ضغط أكثر على السرعة، السيارة اندفعت بجنون في الطريق، بينما الصمت بينهما أصبح أثقل من الكلمات..
يد نارا ارتجفت فوق فستانها، عقلها بدأ يربط كل شيء.. كل نظرة.. كل تصرف وهمست داخلها "لا.. لا يمكن"
لسانها لم ينطق بشيء لكن داخلها .. كانت الحقيقة قد بدأت تتشكل
*****
لم تهدأ العاصفة برحيله وإنما ظلت النيران مشتعلة، نارا لم يعجبها صمته، ومن داخلها عرفت أنها ستعرف الحقيقة وحدها..
مهرة عادت لابنتها.. رقدت بجوارها على الفراش، دموعها لم تغسل الإهانة، هي لم تكن ضعيفة عندما لم ترد على نارا لكن صفعته أوقفتها..
أغمضت عيونها والألم ينحرها.. كان عليها إيقافه لكن للأسف لن يمكنها خاصة الآن وهو يرغب بابنته..
ليس من حقها منعه عنها..
صوت رنين الهاتف جذبها من نوم ثقيل..
التعب والبكاء أسقطوها بالنوم بجوار أيلا وعندما اعتدلت لتجيب كان الظلام قد حل من حولهم
صوته العميق جعلها تتنهد بتعب "نائمة؟"
حدقت بالظلام ويد أيلا على جسدها وهي تجيبه "نعم"
كان يخرج من مكتبه ومسلم يتبعه "كيف حال أيلا؟"
تحركت خارجة من الغرفة وهي تجيبه "نائمة هي الأخرى، رحيم.. "
كادت تطلب منه التوقف عن مقابلاتهم كي يعود لحياته لكنه قاطعها "كنت أرغب بتأكيد موعدنا، لا تتأخري"
هتفت "رحيم هذا خطأ، نارا.. "
قاطعها وهو يدخل السيارة والسائق يدخل بدوره ليقود "نارا لن تزعجنا مرة أخرى، أحتاج لفرصة مع أيلا مهرة فلا تقفي بطريقي"
صمتت.. هي لن تقف أبدا بطريقه لابنتهم، ليس لأنها رغبته بل لأنه أمل ابنتها من بعدها
أبعد وجهه للنافذة وصمتها يجعله يتساءل، أيلا طريقه ومهرة أيضا طريقه..
لكن.. مهرة امرأته.. مهرته ولن تكون لسواه
ناداها بصوت منخفض، لا يحمل إلا معنى لو كانا بوقت زواجهم لطارت من الفرح له، لكن الآن أصبح الخوف هو كل ما يسيطر عليها
"مهرة.. لنوقف تلك الحرب، لم أعد أرغب بها"
أغمضت عيونها، هي أيضا لا ترغب بها، ولا ترغب بطريق قد تندم عليه مرة ثانية، لا ترغب بأن تتألم نفس الألم مرة ثانية
"رحيم أنا لا أريد السقوط بالفشل مرة أخرى"
عبث بعينيه من الإرهاق وتحدث برجاء لم يبديه "لن نتعجل الأمور تلك المرة مهرة، ربما نتعارف أولا وبعدها نقرر"
فتحت عيونها وهو يدفعها بلا لحظة للتراجع وهي تشعر بقلبها يدفعها هو الآخر ولا يسمح لعقلها بالتدخل
****
مسلم أخبره بوصول والدته فما كان منه إلا أن اتجه لغرفته بالفندق ليجدها بانتظاره..
نارا لا تضيع الوقت..
نظرات والدته حملت الغضب، انفجارها به بالهاتف بعد فشل الزفاف لم يوقفه ولم يبدل شيء والآن هي هنا بنفسها..
دخل ليراها جالسة بانتظاره "مساء الخير"
اخترقت نظراتها دواخله لكنها لم تكشف منه أي شيء، ابنها ظلام دامس لم ترى خلاله شيء حتى وهو يقف أمامها
"مفاجأة رائعة ماما"
وانحنى ووضع قبلة على وجنتها ثم اعتدل ونزع جاكته وربطة العنق وهو يتحرك للبار ليجد المشروب بعد اليوم الطويل الذي دفعه للرغبة بأن يكون وحده
وليس أمه بانتظاره
تابعته بأنظارها "لا أرى أنها كذلك، تبدو وكأنك ندمت على عودتك هنا"
تناول المشروب جرعة واحدة ثم سكب البعض مرة أخرى وتحرك بالكوب قبل أن يجيبها "هل نتحدث مباشرة ماما؟ تعلمين أني لا أهوى اللف بحلقات مفرغة"
جلس أمامها فتنهدت وقالت "مهرة"
ضاقت الرمادية، سكن الضباب داخلها واحتل الغموض مكان نظرات الابن "ماذا عنها؟"
ظلت ملامحها هادئة، تظهر أكثر مما تخفي، تعلم خبايا ابنها التي يخفيها بمهارة "هذا سؤال أسأله أنا رحيم، ماذا تفعل معها؟ أنت تركت زفافك لأجلها"
تناول رشفة من المشروب ونظراته تلمع عليه وكأن به السكينة وليس الضرر "من قال أني تركت الزفاف لأجلها؟"
تعصبت، لم تذهب للظلام الذي يقودها له "الكل يعلم رحيم، لا تلعب لعبة الذكاء معي فأنت ابني"
ظل صامتا.. لا يعجبه طريقتها، هو بالأساس يرفض أن يستجوبه أحد ولكن والدته لها مكانتها عنده
نهض ترك الكوب واستبدله بالسيجارة قبل أن يمنحها ظهره وقال "وهذا يعني أنكِ تعرفيني جيدا" واستدار لها "لا أحب تلك الطريقة"
هتفت "أي طريقة رحيم؟ فقط اجلس وأخبرني ما الذي تخطط له من وراء علاقتك بتلك الفتاة؟"
نفخ الدخان وتحول لضباب يسبق المطر "هي امرأة ماما وليست فتاة، امرأة كانت زوجتي بيوم ما ولولا أسباب وقتها كانت تستحق لظلت زوجتي وأم أولادي"
تجهم وجهها..
نهضت وتحركت لتقف أمامه..
تتحدى نظراته القاتمة..
ترفض ما قال "هل تدرك عن ماذا تتحدث رحيم؟ هي لا شيء بجوار عائلتنا، فتاة من الشارع لا هوية لها وأنت تعيد كل شيء من جديد وترغب بأن أظل صامتة؟"
السيجارة أضاءت من احتراقها وهو طرد الدخان بقوة غضبه "أنا لم أمنعك من أي شيء ماما كما أنني لا أقبل أن يمنعني أحد مما أرغب به، مهرة قد تكون ابنة رجل ليس من عائلة معروفة لكن هو رجل له اسم بعالم الجياد، هي نفسها صنعت اسمها بعالم الاعلانات ولا شيء يعيبها"
أشاحت بيدها "حتى لو، لن تقارن بنارا، نارا تحبك وتنتظرك منذ كانت طفلة وأنت.. "
قاطعها "أنا لست ملزم بأن أبادلها الحب وأتزوجها لمجرد أنها هي تحبني.. أنا حاولت ولم أستطع"
توقفت وهو لا يبتعد من مواجهتها.. لا يهرب من النقاش بل كان جاد، حاسم، قوي وحازم
الصمت مر ثقيل والأم تتفحص ابنها أو تستوعب ما قاله وتبحث عن نقطة ضعيفة ربما تخترقها لكنه ثابت كالجبل "واستطعت مع مهرة؟ أحببتها؟"
ابتسامة قصيرة مرت على فمه وهو لا يسمعها "أي حب ماما؟ هل تصدقين هذا الهراء؟ كل ما في الأمر هو أنني لم أستطع تقبل نارا كزوجة"
وابتعد عائدا للسيجارة ومن خلف الدخان أظلمت عيناه، كلمة الحب مرت عبر ممرات عقله وربما اصطدمت بقلبه..
أغلق الممرات لكن..
واحد ضيق ومضيء بنور باهت ومض ببريق خافت ولكنه لم يرغب برؤيته..
تلاشاه.. متعمدا
لم تلتفت له وعاد لنفسه وأفكاره تتطاير بلا هوية والغريب أنها كلها حول نفس المرأة
مهرة
الصمت سقط حيرة.. تساؤلات لا إجابات لها
التفتت أمه "هذا يعني أنك لن تعيد زواجك من نارا"
نفخ الدخان مع تصريحه بقراره "لا، لن أفعل"
تجهمت..
انتصر جنونه..
هل كان جنون؟
هو العقل لكن متأخرًا
عادت تتحرك له حتى وقفت أمامه وهو لم يحاول النظر لها وقالت "حتى لو رفضت أنا ذلك؟"
أحنى رأسه عليها، واجه نظرة أمل أخيرة داخل مقلتيها وانخفض صوته كعادته لكن لم ترحل منه نبرة الحزم "لا أتمنى ذلك ماما، لأنك تعرفين رأيي بذلك"
واهتزت من داخلها.. يذكرها بمرتها الأولى، تحدته بأنها لن تأتي ولن تقبل بها وستقاطعه إن تزوج
وتزوج..
ضرب بكل شيء عرض الحائط
واجهته بلا تراجع "أرغب برؤيتها"
جمد..
للحظة الجملة لفت حوله حتى استقرت داخل عقله..
هز أكتافه ورد ببساطة "كما تشائين"
وتحرك ليبتعد لكنه توقف فجأة، ظهره لها وكأنه استوعب كلماتها متأخرا
رفع يده وهو يستدير ببطء وواجه نظراتها "لكن لا تفكري بإهانتها بأي شكل ماما"
رفعت وجهها.. شفاها ارتجفت من كلماته التحذيرية "أنت تهددني رحيم"
ارتد لها.. بكل هدوء أجاب "لا ماما، أنا أخبرك أن مهرة تخصني ولن أسمح لأحد بإهانتها"
رفعت وجهها والإصرار على رؤية تلك الفت.. المرأة، أصبح هوس
****
تحسنت أيلا بالطبع من الدواء والراحة وعناية أمها..
أيلا لم تمس الألعاب التي أحضرها لها رحيم بالمشفى، مهرة وضعتهم لها بغرفتها لكنها تغاضت عنها..
أحيانا تظن أن ابنتها ليست ثلاثة أعوام فقط، بل أكثر
ما أن مر الظهر حتى تعبت من اللعب ونامت على كتف مهرة التي كانت تعمل بجوارها فحملتها ووضعتها بالفراش
هاجر تولت تجهيز الحقائب وهي انكبت على العمل لتنهي أكبر قدر منه قبل رحيلها
انتبهت لجرس الباب وهاجر تتحرك لتفتح وهي لا تنظر، ربما رجل السوبر ماركت لكن صوت هاجر منحها صدمة
"مدام، امرأة ترغب برؤيتك"
رفعت وجهها لتصطدم بها.. عنان الشربيني، زوجة علي العزايزي و..
والدة رحيم..
من الذي لا يعرفها؟
جمدت مكانها.. قدماها رفضت منحها القدرة على النهوض ومواجهة المرأة.. هل يمكن أن تكون بحلم؟
المرأة تقف أمامها.. تنبض بالحياة.. الأناقة، الأصل
وهي ماذا؟ لا شيء..
صوت المرأة هادئ، أنيق مثلها يليق بامرأة معروفة النسب "عنان الشربيني، للأسف لم أملك طريقة لإخبارك برغبتي بالحضور"
واستجمعت قوتها وشجاعتها.. نهضت..
حاسوبها كاد يسقط لولا أنها أنقذته بآخر لحظة والارتباك ظهر عليها
الأم ظلت واقفة حتى استجمعت مهرة نفسها وقالت بصوت مبحوح "أهلا.. حضرتك.. أقصد.. من هنا"
أشارت لها لمكان الضيوف والمرأة التفتت حولها لترى الشقة التي بالنسبة لمهرة فاخرة لكن لعنان..؟
وقفت بمنتصف المكان، نظراتها لا تقف حتى واجهت وجه مهرة الشاحب فقالت بكبرياء "الشقة.. مناسبة أكثر مما تخيلت"
كلماتها كانت تحمل تقليل واضح ومهرة كانت تفيق من الصدمة "حقا لم أتوقع الزيارة.. حضرتك تحبين المفاجآت.. ربما مثل.. رحيم"
رفعت عنان رأسها، منعت الغضب من الظهور على وجهها فهي من بدأ المعركة
ظلت عيناها تتجول على المهرة الجامحة.. المهرة التي أطاحت بكل المتسابقين من حولها وتصدرت السباق ونالت الجائزة
رحيم العزايزي..
الجمود ظل هو السلطان للحظة حتى قطعته المرأة "تتساءلين عن سبب وجودي هنا؟"
المهرة استعادت شجاعة الفارسة الموجودة داخلها.. يداها استقرت بجوارها وهي تقول "لنقل إنه بسبب فشل زفاف رحيم ونارا؟ أو.. ربما لوجوده هنا بدلا من وجوده معها؟"
تعصبت عنان.. مهرة لم تتخذ الضعف طريق فقد اكتفت من أن تكون ضحية.. حتى ولو كانت على بعد خطوات من الموت.. وابنتها ستكون وحيدة
لم تعجب عنان كلمات مهرة "ماذا تريدين من رحيم؟ لماذا عدت لحياته؟"
رسمت ابتسامة واهنة لنفسها، قوية لعنان، على شفتاها "أخطأتِ الشخص مدام، هو رحيم من عليكِ سؤاله ماذا يفعل بحياتي؟"
كبرياء أحمق ارتسم على وجه مهرة، مخادع، ومن داخلها ألم لا يراه أحد
"هل تخبريني أنكِ لم تطاردي ابني لتعيديه لكِ؟"
تحركت مهرة بأي اتجاه بعيدا عن نظرات عنان التي تفحصت المرأة الجميلة حقا وربما من داخلها رأت سبب استحواذها على رأس ابنها..
لكنها كابنها، لم ترى مهرة الحقيقية
"لكنت ظللت زوجته أسهل من مطاردته بعد ثلاث سنوات وهو على وشك الزواج من الأميرة نارا؟"
السخرية بنبرتها استفزت عنان.. ومع ذلك جعلتها تدرك أنها ليست بخصم سهل "هو أدرك وقتها أنكِ لستِ ممن يليق به"
التفتت لها بهدوء "والآن ماذا؟"
صمت حل بينهم حتى تحركت مهرة.. تبدلت ملامحها للطبيعة الحقيقية لها وقالت "مدام عنان أنا حقا ليس لدي أي كلمات أدفع بها نظرات الاحتقار هذه من عيونك، ولا شيء يمكن أن أقوله أو أفعله لتغيير صورتي لديكِ فمن فضلك لا داعي لأي تجريح.. لأني لن أقبل به"
سكون هبط عليهما.. عنان أدركت أن مهرة على حق لذا قالت "ابتعدي عن رحيم مهرة، كلاكم غير مناسب للآخر، لن يمكنكِ الوصول لمستواه بأي يوم"
لم تغضب من كلمات عنان، هي أم وترغب بالأفضل لابنها الوحيد
هزت رأسها بطريقة تدل على الحيرة ثم ابتعدت من أمامها وهي لا تعرف كيف تخبرها أن هناك ما يربطهم غصبا عنها ولو حاولت هي إبعاده فهو لن يترك ابنته
عندما لم تجيبها تحركت عنان لها ونبع صوتها من قلبها كأم "كم تريدين؟"
التفتت..
الغضب ارتفع لأقصى درجاته..
عيناها لمعت ببريق غريب جعل عنان ترتد قليلا بلا وعي وصوت مهرة كصهيل الخيل.. لا يهتم بمن ينزعج منه
"أظن أن زيارتك انتهت مدام"
رفعت المرأة وجهها بكبرياء، هل تطردها؟
ارتفع صوتها "كيف جرأتِ على قول ذلك؟"
هتفت بثبات لم يهتز من الإهانة "وكيف جرأتِ على قول ما قلتِ؟ أنا لست كما تظنين ولا يهمني ما برأسك عني لكني لن أسمح لكِ بإهانتي ببيتي، لقد انتهيت من آل عزايزي كلهم ولم يعد لدي كلمات لكِ"
رنين جرس الباب قطع الشجار المحتدم بينهما وحركة هاجر للباب فصلت نظراتهم..
المفاجأة كانت من نصيب عنان وهي ترى ابنها يتحرك للداخل.. مسلم أخبره بزيارة والدته التي كان يتوقعها..
لم يكن ليدع تلك الفقرة تفوته "مساء الخير"
ثبتت نظرات المرأة على وجه ابنها الجامد وهو يقف أمامهما بثبات وقالت "أنت لن تتوقف رحيم، تتعمد إغضابي ووضع العناد بيننا"
تحرك للداخل حتى وقف أمامها ولم يوجه أي نظرة لمهرة فقد استكفى برؤية وجهها عندما دخل
نظرتها مشبعة بالغضب وهي بالفعل كانت كذلك بل وتمنت خروج المرأة من بيتها وسؤالها، كم تريدين يشعل النيران داخلها..
مال على والدته وقال "بل هو أنتِ ماما من ترغبين بذلك، أخبرتك رأيي بالأمر وأنتِ لم تأخذيه بجدية"
أشاحت بيدها والعصبية تفوق الهدوء "أي رأي؟"
لم يتراجع من أمامها "قراراتي لي وحدي"
تحركت عيناها على عينيه والتحدي هو كل ما ظهر داخل رماديته "رحيم تلك المرأة ليست مثلنا.. كل ما ترغب به هو المال، لتمنحها أموال، عقار، مجوهرات وستجدها اختفت من حياتك"
رفع إصبعه بحركة تحذير مدركا كلمات أمه ووقعها على مهرة ولكنه لم يرتد لمهرة وهو يقول
"ولا كلمة أخرى ماما، أخبرتك أني لن أسمح بأي إهانة لها"
هتفت بلا كبح لغضبها "لماذا تقف بمواجهتي لأجلها؟ لماذا؟"
لم يتردد أو حتى يعيد التفكير وهو يجيبها "لأنها ستكون زوجتي ماما، وزوجة رحيم العزايزي لا تُهان"
شهقت مهرة.. تجمدت…
الكلمات ارتطمت بأذنيها كصفعة أخرى… لكن هذه المرة من نوع مختلف
رفعت عيونها إليه… نظرة مليئة بالصدمة والرفض معًا
زوجته؟
هي لم توافق… لم تقبل… لم تمنحه هذا الحق
بينما تراجعت عنان ووجها يفقد كل الدماء..
وهو رأى نظرات أمه فالتفت ليصطدم بنظرات مهرة وهزة رأسها الرافضة ولكن عيونه حذرتها من التدخل
عنان كان أول من قطع الصمت "لو فعلت انس أن لك أم"
ابتعد بلا رد.. أخبرها ألا تتخذ تلك الطريقة معه فهي لا تؤثر عليه..
ارتفع رأس المرأة بكبرياء ورفضت الدموع وسقطت نظراتها على مهرة التي ابتلعت الصدمة لسانها وعقلها وقالت بغضب واضح
"سيرميكِ مرة أخرى عندما يرتد له عقله، ووقتها لا تلومي إلا نفسك"
وتحركت خارجة بلا أي كلمات والنيران لا تنطفئ
صوت القداحة دق بأذنها.. عقلها.. وعيها.. وارتد بها لماضي مؤلم لا يمنحها أي راحة
سقوط الدموع جعلها تقفز فوق كل معاناتها الحالية ورفعت نظراتها له وهو يمنحها ظهره "اذهب خلفها"
الدخان لفه.. لم يواجها ولم يرد
تحركت لتقف أمامه بلا اعتبار بدموعها ولا ملامحها المتألمة، فقط واجهته بما تبقى لديها من قوة
"اذهب خلف والدتك وأخبرها أن لا شيء مما قلته سيحدث"
واجه نظراتها.. العناد لا يهزمه ضعف ولا تراجع "القرار ليس لكِ وحدك"
أشاحت بيداها والغضب هزها "بل هو كذلك رحيم، أنا لن أتزوجك، لن ألقي بنفسي بالجحيم مرة أخرى، لن أواجه تلك الإهانات من جديد وأقف مشاهدة، لن أفعل هل تسمعني؟ لن أفعل"
وهو كان يعلم ذلك، ليس من كلماتها بل من إدراكه لمهرة الجديدة التي عرفها مؤخرا.. مهرة التي صارعت وحدها بالحياة رغما عن كل ما واجهته من صعوبات
السيجارة لا تمنحه أي راحة.. فقط امتص منها نفس عميق ونظراتهم متصلة ثم أخرج الزفير بالدخان
"هل تهدئي؟ لن يجرؤ أحد على إهانتك بعد الآن"
ضحكت ساخرة، عيونها زائغة وصوتها مهزوز "حقا؟ نارا فعلت أمامك، والدتك فعلتها مرة واثنان وأيضا أمامك فما بالك وأنت غائب؟ رحيم هذا الطريق ليس لنا، أنا لا أريده"
رفع يداه على ذراعيها والتقى بوجهها المتعب والمتألم وانحنى لها وصوته خرج مريحا، محاولا منحها بعض الراحة
"فقط دعينا نأخذ فرصة أخرى بعيدا عن أي ضغوط وإن لم ننجح أعدك أن أبتعد"
الدموع لا تتوقف، تجرف معها أحزان مكتومة داخلها، يداه ارتفعت لوجنتيها لمسح الدموع
"أيلا بحاجة لنا نحن الاثنان مهرة، أنا أرغب بأن أكون معها، مع ابنتي، هذا حقي، وحقها، أن تنال أب وأم وأسرة مستقرة"
يداه دافئة، منحت جسدها دفء غريب، راحة نستها منذ كانت زوجته.. قلبها عاد للحياة.. دقاته ارتفعت.. أعلنت عن أن ذلك الرجل ما زال يسكن داخلها
خائفة.. تائهة.. فاقدة لأي عقل "لا تفعل بي ذلك رحيم، أرجوك"
تألم للألم الواضح على وجهها، قرب وجهه منها وصوته خرج هامسا كي لا يجرح رقتها "لن نتعجل الأمور مهرتي"
وهبط على شفتيها بقبلة انتظرها كثيرا بلا وعي أو تفكير..
كان كالعطشان الذي وجد الماء وسط الصحراء.. نهل من شفتيها بلا تفكير...
وجهها ثابت بيديه وشفتاها لا ترفضه.. انفرجت له.. منحته مذاقها ونالت مذاقه الذي افتقدته من سنوات
ولكن..
شيء ما تبدل..
القبلة مختلفة.. حملت معاني مختلفة..
لكنها لم تمنحه الفرصة ليحاول أن يفهم نفسه
ارتجف جسدها فجأة وكأنها أفاقت من غفلة.. خيانة نفسها.
الاستسلام لمن كان سبب بجراحها
أنفاسها تعالت بينهما.. قلبها يخبط بعنف داخل صدرها
دفعت صدره بضعف في البداية.. ثم بقوة أكبر وهي تبتعد عنه خطوة.. ثم أخرى وكأنها تهرب من نفسها قبل أن تهرب منه
عيونها كانت معه.. ممتلئة بالدموع.. لكن ما زال بها خوف و.. إدراك
"لا.. لا.. هذا خطأ"
تجمد..
مهرة تبدلت حقا.. من أمامه تخاف.. ترفض كل ذلك وللأسف..
هو السبب
لذا ظل واقف مكانه.. أنفاسه لم تهدأ بعد.. عيناه عليها فقط.. لم يحاول الاقتراب.. لكنه أيضا لم يتراجع
همسها كاد لا يُسمع "نحن لن نرتد لنفس النقطة رحيم.. نفس الوجع"
كان يسمع أنين الألم بنبرة صوتها لكن لم يمكنه تبديل أي شيء.. الغريب أنه كان هو الآخر
يتألم..
كانت ترى ماضيها معه ومن بعده، وحياتها وحدها بابنتها والألم يزداد "أنا تعبت رحيم.. تعبت، تعبت من ضعفي أمامك ومن أن تضع أمل أمامي بأن شيء قد يتبدل"
كان يعلم أن أي إجبار سيكون ثمنه غالي.. هدأت نبرته حتى خرج صوته هامسا "وأنا لن أسمح لكِ بأن تهربي من جديد"
ضحكت بسخرية مرة أخرى.. تبتعد من أمامه
الضحكة كانت خفيفة، هزيلة، موجوعة "أهرب؟ أنا لا أفعل رحيم.. أنا أرفض تسلطك وأوامرك وأخبرك أني لن أقول سمعًا وطاعة كما كنت أفعل"
والتفتت له مرة أخرى "أنا لم أعد تلك الفتاة الحالمة"
كان يعلم.. لم يجادل ولم يحاول الدخول بصراع يعلم أنه سيكون الخاسر به وهي ما زالت تكمل "لن أعود رحيم، حتى لو ضعفت لحظة أمامك.. لن أعود"
الصمت سقط بينهم ثقيل.. خانق
نظراته ثبتت عليها.. فيها شيء مظلم.. عناد.. إصرار
ومع ذلك هو لا يستسلم، صوته خرج ثابتا.. قويا ومحذرا "وما الذي جعلكِ متأكدة أن لديكِ اختيار من الأساس؟"
تراجعت بلا وعي.. الصدمة عادت لعينيها ولكنه لم يهتم وهو يكمل "تلك المرة لن أدعك تخرجين من حياتي"
الكلمات نزلت عليها كقيد غير مرئي.. شد أنفاسها قبل خطواتها
قبل أن ترد
خرج الصوت الصغير الناعم والمتعب ليوقف كل الصراع الدائر هنا
"مامي"
التفت كلاهم للطفلة.. كانت تفرك عيناها من النعاس العالق بهما وأثر المرض السابق ما زال واضح عليها..
تحركت لطفلتها على الفور.. نزلت لها والحنان هو كل ما اعتلى وجهها لابنتها الوحيدة "نعم حبيبة قلب مامي"
الفتاة تعشق أمها كما هي الأم التي أحاطت ابنتها بيداها بحنان وأيلا تقول "أنتِ تبكين؟"
حاولت نفي الحزن بأي طريقة "لا، لا حبيبتي أنا بخير، هل أنتِ بخير؟"
رفعت الصغيرة عيونها له.. كان جامدا.. لا يتحرك..
عيونه ثابتة على من تشبهه والقلق واضحا عليه "نعم، مامي لماذا يأتي كثيرا عندنا؟ بائع اللعب"
لم تنظر له، بحثت عن إجابة لكن هو من تولى الأمر "جئت أخبر مامي أن هناك رحلة لمكان به بحر وألعاب مائية لأجلك وسنذهب بعد قليل"
لفت وجهها له.. تستنكر ما يفعله.. هو يضعها أمام الأمر الواقع
أيلا استعادت وعيها التام وهي تسأل "مامي هل ما يقوله صحيح؟ هل يمكننا الذهاب لمكان كهذا؟ بحر وألعاب مائية؟"
تدخل مرة أخرى وهي فرصته لاستعادة شيء مما فقده مع ابنته.. وأمها
"وربما نرى الاسماك بقاع البحر ونصعد على متن يخت ويسبح بنا عبر البحر"
التفتت له وهتفت بقوة وغضب "كفى"
لمعت نظراته عليها.. الغضب ارتفع داخله هو الآخر من نبرتها الآمرة لكن..
رحيم العزايزي وجد نفسه يتراجع أمامها لأول مرة
وهي ارتدت لأيلا "حبيبتي أنتِ ما زلتِ متعبة و.. "
لكن.. أيلا كان لها رأي آخر "أنا شفيت مامي، من فضلك أنا أرغب بالذهاب لهذا المكان.. نحن لم نفعل بأي وقت.. ولا نذهب سوى للحديقة، أرجوكِ مامي لا تخبريني أن العمل أهم"
قلبها يرق لابنتها بلا جدال.. هي بالفعل لم تأخذها لأي مكان كهذا من قبل و..
كلمات الصغيرة مزقها "لا تحزني مامي، لو لا ترغبي بالذهاب فلن أفعل لأجلك"
سقطت دموعها غزيرة.. جذبت الفتاة لأحضانها.. لماذا يرغب القدر بحرمانها من ابنتها؟ لماذا اختارها هي وترك الملايين من حولها يستمتعون مع أولادهم؟
لماذا كل حياتها جملة من المآسي؟
لا أحد يستطيع مراجعة القدر..
****
السفر كان سهل وممتع للصغيرة.. لأول مرة تصعد طائرة وتراها تحلق بالسماء ومع تلك المتعة لانت ملامحها لبائع اللعب
تقبلت العصير منه..
الجلوس بالدرجة الأولى، لعدم توفر طائرته الخاصة للصيانة، كان شيء ممتع والمعاملة كانت مختلفة..
وكأنها عادت زوجته والكل يرفع لها القبعة..
تلك الأيام تكرها..
وقت كان عليها التقيد بالمظاهر الاجتماعية وهي كانت صغيرة ولديها طموحات وأحلام ولم تعرف تلك الحياة
لم تكن حقا تليق برجل مثله وما زالت
لم يتحدثا نهائيا وكأن كلاهم كان يخشى المواجهة وكل ما فعله هو، وضع رأسه بجهازه المحمول وركز بالعمل..
هكذا جعلها تظن لكن عقله كان بعطرها القوي الذي لف رأسه.. ملابسها الأنيقة لمصمم أزياء مصري يعرفه مما أغضبه
كيف لا ترتدي من ملابسه هو وهي امرأته؟
ليست كذلك يا عزايزي..
بالسيارة نامت أيلا بين ذراعيها وهو التفت لها وفك الصمت أخيرا "كلاكم بحاجة للراحة ومن الصباح سنبدأ البرنامج"
لفت وجهها له.. نظراته التقت بها.. لم يتركها بعد أن اتخذت أيلا القرار بالرحيل وانتظر حتى جهزتا ورحلا معا
كأنهم أسرة حقا وليس بنيانا تهدم يحاولان إعادة بنائه
لم تجادل "نبدأ؟ أخبرتني أن لديك عمل"
أبعد وجهه وهو يجيب "سأنتهي منه عندما يحين موعده" وعاد لها "فقط دعينا لا نجعل وجودنا هنا خليط من الشجار والغضب والرفض"
تألم قلبها للكلمات.. كم تمنت تلك المحاولة منذ سنوات.. حلمت بأن تفتح الباب وتراه أمامها يجذبها لأحضانه ولكن..
أبعدت وجهها تفر منه "أنا لم أرغب بهم بأي وقت لكن الآن.. "
قاطعها "مهرة كلانا أسقط ذلك الزواج"
لفت وجهها له وكأنها ترفض ما يقول لكن نظراته أوقفتها.. هو على حق.. هي لم تعرف كيف تكون زوجة لرجل مثله..
مال عليها وقال "فقط لنجعل المحاولة حقيقية، لأجل أيلا"
ومن داخله كان يهمس لنفسه "ولأجلنا.. ما زلت أريدك مهرة ولكن رفضك يوقفني"
هزت رأسها بالموافقة ولم ترفض.. ستحاول لأجل ابنته فوالدها هو البديل الوحيد والصواب من بعد رحيلها
غرفتها كانت بفراشين منفصلين وهو وضع أيلا بواحد منهما وتراجع وهي تدفع الغطاء عليها واعتدلت واقفة لتراه ينحني ويضع قبلة على وجنة الفتاة ويده تمر على شعرها بحنان
انقبض قلبها من رؤيته هكذا..
اعتدل وتحرك للخارج وهي تبعته وعلى الباب التفت لها وواجه نظراتها "من حقها أن تعرف من أنا"
هزت رأسها وقالت بلا جدال "نعم، وجودك هنا معها سيجعلها تنسى ما علق بذهنها تجاهك، أيلا تحب كل الناس"
بلا مقدمات لمس وجنتها مبتسما وقال "كوالدتها"
وتحرك مبتعدا دون منحها فرصة للرد "طابت ليلتك أراكِ بالثامنة"
جامدة بمكانها لم تعرف ماذا تفعل أو تقول لكن سرعان ما ارتدت للداخل
****
خروجه عن الزي الرسمي لرجل الأعمال ذكرها بأسبوعين العسل عندما كان رجل آخر عشقته ولم ترغب بأن يرحل عنها أبدا
هو من قاد السيارة خارج المنتجع لزيارة جراند أكواريوم (المتحف المائي) وهو عالم مبهر تحت الماء، صرح مائي رائع بأكثر من اثنين وعشرين حوضًا زجاجيًا تضم مئات من الكائنات البحرية المذهلة التي تعيش في بيئة تحاكي الواقع تماما
واستمتعوا حقا بعروض الغواصين أثناء إطعام القروش، والتي تقام كل ساعتين، حيث رأوا التفاعل بين الإنسان والمخلوقات البحرية
مشاهدة وادي الحيتان أخذ عقلهم ولم تعترض وهو يضع ذراعه على كتفها ليدفعها بعيدا عن الزحام بتملك ولا عندما حمل أيلا لترى الحياة البرية من الأعلى بتلك الحيوانات والطيور من خلال برج معلق يمنح رؤية بانوراميه فريدة
العودة للمنتجع منح أيلا فرصة لطلب السباحة لكن الغداء انتظرهم أولا..
هاتفه لا يتوقف لكن هو يختار ما يجيبه كي لا يفسد متعتهم والضحك على تعليقات أيلا وكلماتها الجميلة سلبت عقله
بغرفتها استبدلت أيلا ملابسها وجذبت والدتها لحمام السباحة والألعاب الخاصة بالأطفال ولم تجده لكن الحراسة لم تتركها وهي تتخذ مائدة لتجلس أمام فتاتها المستمتعة
صوته جعلها تفزع "أراها مستمتعة؟"
رفعت رأسها لقامته التي غطت شمس العصر عنها ثم جلس وهي تقول "جدا، هي حتى لا ترغب بالراحة"
كان يتأملها بالملابس الحرة.. بيضاء.. تمنحها بريق ملفت.. شعرها ثابت داخل القبعة التي ارتدتها لتمنع الشمس عنها
جميلة.. تزداد جمالا يوما بعد يوم.. "تفضلين ملابس أشرف مختار"
عادت له وما زالت ثابتة بمكانها قبل أن تجيبه "قدمت له فكرة لحملة إعلانية منذ عام ونصف ونالت الحملة نجاح جيد فمنحني كارت مشتريات مفتوح كمقابل"
لم تتبدل نظرته الجدية لها وجالت على جسدها الممشوق ولا أفضل عارضة أزياء "ولم تفكري بأزيائي بأي يوم؟"
أبعدت وجهها إلى حيث أيلا.. ولا تعلم هل تخبره أنها منعت نفسها عن أي شيء يمكن أن يضعه بحياتها
"لا"
اختصار الإجابة أثار غضبه.. القهوة وُضعت أمامه وعصير لم تطلبه أمامها فرفعت عيونها له ودخانه لف حوله
قال بهدوء "رأيت فكرتك التي منحتيها لهمت عن شركتي"
منحته اهتمامها، انتظرت النقد والتعديل حتى تسحب كل ما قدمته، لكنه قال "فكرة جديدة.."
حدقت به،، تحاول استنتاج كلماته التالية وقالت "أنا لم أفكر أن تأخذ الفكرة، أنت.."
قاطعها "همت عرضتها بشكل عابر وهي أعجبتني وطلبت البدء بالتنفيذ"
ثبتت نظراتها عليه.. لم تتنفس فهي لا تصدق ما قال..
رحيم لم يوافق على أي جرة قلم لها من قبل "مهرة هل تسمعيني؟"
رمشت عيونها.. تسترجع نفسها.. تستبعد أفكارها هو حتى لم يخبرها ماذا فعل بحملتها الأخيرة!؟
خرج صوتها ضعيفا "تنفيذ ماذا؟"
جذب النيكوتين بطريقة نمت عن غضبه لكن من نفسه.. هو من فعل كل ذلك "فكرتك مهرة، الطريقة بها شيء مختلف ومن خبرتي أعلم أنها ستشد المتفرج لرؤية السلعة بالواقع"
كانت تحاول تصديق ما يقول.. تناول القهوة وهي تنفست بعمق وقالت "أنت تعلم أني أحب متابعة التصوير بنفسي؟"
هز رأسه بالموافقة وابتلع القهوة وعيونه ترتد لها من بين الدخان "نعم، لن يبدأ شيء إلا بعودتك، فقط سيتم تجهيز كل شيء"
كانت تحاول التصديق فأكملت "والعارضة؟"
ظل ساكنا لحظة قبل أن ينهي سيجارته ويقول "لدي واحدة جيدة.. من قامت بآخر إعلان لأزياء الخريف"
ارتدت بالمقعد وقالت "لا"
ضاقت عيونه بلا فهم فأكملت "سلعة الشركة لدينا مختلفة رحيم، فتاتك تليق بالأزياء التي تظهر جسدها لكن نحن نحتاج لامرأة أكبر عمرا، لديها لمسة أم وابتسامة امرأة خبيرة بما تستعمله وفتاتك لا تعرف شيء عن ذلك"
اقترب من طرف المائدة وقال بنبرة حازمة "هي ليست فتاتي فليس لدي فتيات، وكلماتك صحيحة وسأمنحك الحرية باختيار المناسب"
هجومها كان غريب "أنت تعي ما تقول؟ أنا لا أعمل لصالح شركاتك أنا أعمل.."
قاطعها بهدوء كعادته "أنتِ تعملين معي وليس لي، بالتأكيد والد ابنتك يستحق اهتمامك"
تراجعت "رحيم هل تبتزني؟"
ابتسم وغمز لها وهو يرد "نعم"
تنفست بقوة وهو يعلم تأثير كلماته فأبعدت وجهها لكنه لم يتركها "ألا تبتسمين مهرة؟"
لفت وجهها له.. لا.. هي نست كيف تكون الابتسامة
صوت أيلا جذبهم "مامي تلك اللعبة مرتفعة ولا أصل لها"
نهض بلا فرصة لأن ترد "أنا لدي قامة تجعلك تصلي لها بسهولة، دعينا نجرب"
وهو استعاد جزء من علاقته بالصغيرة والتي بدأت تثق به وهو يرفعها بين ذراعيه ويعود بها إلى حيث أشارت
انتهى وقت السباحة والألعاب وعندما عاد الاثنان كانت ملابسه قد ابتلت والفتاة تتحدث معه بسعادة وهو يحملها بلا تضرر
"مامي أبيه يقول أننا سنعود غدا، الألعاب رائعة"
لفتها بالمنشفة ثم روب السباحة خاصتها وقالت "وأنتِ سعيدة، مع أبيه؟"
كانت تجيب وهي تستجيب لوالدتها بارتداء الروب "نعم، هو طويل وقوي، هناك امرأة ظنت أنه بابا وهو لم يعترض"
رفعت وجهها المتورد له..
واجه نظراتها ولم تفهم ما رأته على وجهه ولكنها عادت لأيلا التي لم تكف عن التحدث
نامت أيلا بمجرد الانتهاء من الحمام وتناول الطعام
الهاتف رن فأجابت وهي تعرف أنه هو "نامت؟"
تحركت للشرفة والظلام اختفى من الأنوار المضيئة بكل مكان "نعم"
كان ينهي ملابسه وقال "فتاة ستأتي لتبقى معها ونحن لدينا سهرة أتمنى أن تعجبك"
رفعت وجهها "لكن أنا سأنام"
تحرك خارجا "سأنتهي من لقاء عمل وألقاكِ على حمام السباحة الثاني بعد ساعة، رجالي سترشدك للمكان"
وأغلق وهي لا تصدق أنه لم يمنحها فرصة للرد..
هل ترفض العشاء والنزول له؟
لفت حول نفسها وهي لا تعرف ماذا تفعل.. قلبها يدق بقوة.. أنفاسها ارتفعت بلا سبب..
هل حقا يمكن أن ينالوا فرصة أخرى؟
دقات على الباب أفزعتها ولكنها تجاوزت وهي تتحرك للباب لترى خدمة الغرف وبيد الرجل كيس كبير وهو يقول باحترام
"مساء الخير مدام، سيد عزايزي طلب منا توصيل هذا لحضرتك"
ودفع الكيس الكبير لها.. تعرف أنه خاص بالملابس وقلبها يخبرها عن هويته
منحت الرجل بقشيش وتحركت للداخل ووضعت الكيس على فراشها وظلت واقفة أمامه بلا حركة..
للحظة لم تعرف ماذا تفعل؟
الهاتف أفزعها ورسالة تصل لها "أحب رؤيتك بزي من تصميمي"
ارتجفت يدها التي تمسك بالهاتف.. تصميمه؟
حتى وقت زواجهم لم يفعلها.. لم يحاول مرة إهداءها واحدا من أزيائه فهل يفعل الآن؟
مدت يدها ببطء.. كأنها تلمس شيء ممنوع.. سحبته
القماش انسدل بين أصابعها بنعومة أربكتها.. هي تعلم أنواع الأقمشة التي يتعامل بها العزايزي جروب.. من الأنواع العالمية..
لا تصدق أنه يمنحها واحد من أعماله.. قلبها خبط بعنف..
ذكريات قديمة عادت تمر أمامها.. ورجل لم يمنحها حتى نظرة إعجاب وقتها
لكن الآن..
الأمر اختلف تماما..
رسالة أخرى هزت هاتفها بيدها "أنتظرك"
هل يعلم بالتردد الساكن داخلها؟ هل يدرك كم تتألم الآن؟
أغمضت عيونها.. تحارب نفسها.. ترفض..
تضعف..
وتعود لترفض.. لكن بقرار غير مكتمل.. غير مؤكد
وسقطت عيونها مرة أخرى على الفستان وما زالت لا تعرف ماذا تفعل..
هل ترتديه؟