
رواية عذبة النخيل الفصل التاسع9 بقلم حنان أحمد ماهر
في الغرفة، خيم صمت ثقيل، لم يقطعه سوى صوت أنفاس فاطمة المرتجفة.
ظل مصطفى يحدق فيها، وكأنه يقرأ ملامحها قبل كلماتها.
ثم قال بنبرة حادة:
ـ متخافيش... أنا مش جاي أؤذيكي، لكن لو فضلتي ساكتة، يبقى انتي اللي هتضيعي بنتك.
ابتلعت فاطمة ريقها بصعوبة، وارتجفت شفتاها.
ـ أنا... أنا معنديش حاجة أقولها.
ابتسم مصطفى ابتسامة باردة.
ـ غلط... انتى بتغلطى غلط كبير.
اقترب منها خطوة، ثم أخرج هاتفه، وفتح صورة قديمة كانت تجمع عز برجل في منتصف العمر.
رفع الهاتف أمامها.
ـ تعرفي الراجل ده؟
ما إن وقعت عيناها على الصورة حتى شهقت، وتغير لون وجهها، وكادت تسقط أرضًا.
همست وهي ترتجف:
ـ مستحيل...
ضيق مصطفى عينيه.
ـ يعني تعرفيه.
أغمضت فاطمة عينيها بقوة، وكأنها تحاول الهروب من ذكرى دفنتها منذ سنوات.
ـ ده... ده كان السبب في خراب حياتنا كلها.
عقد مصطفى حاجبيه.
ـ مين هو؟
هزت رأسها بعنف.
ـ لا... لو قلت اسمه كلنا هنموت.
في تلك اللحظة، دوى صوت رنين هاتف مصطفى.
نظر إلى الشاشة... فتبدلت ملامحه.
المتصل: سالم.
أجاب سريعًا:
ـ خير؟
جاءه صوت سالم متوترًا:
ـ يا باشا... في مصيبة.
وقف مصطفى فجأة.
ـ مصيبة إيه؟
ـ عز عرف مكان الراجل اللي سلّم الفلاشة... ورجالته مسكوه من عشر دقايق.
اتسعت عينا مصطفى.
ـ إيه؟!
ـ والأخطر... الراجل قبل ما يتمسك بعت رسالة لحد مجهول... شكلها كانت خطة احتياطية.
ضغط مصطفى على أسنانه بعنف.
ـ حاول تعرف الرسالة راحت لمين... حالًا.
ـ حاضر يا باشا.
أغلق الهاتف، بينما كانت نظراته تزداد قلقًا.
ووجه نظره لفاطمة:
ـ ياريت تكلمنى على شان اقدر اساعدك انتى وهمس...
...
وفي مكان آخر...
داخل مخزن مهجور على أطراف المدينة...
كان الرجل الذي سلّم الفلاشة يجلس على كرسي، ويداه مقيدتان، والدم يسيل من جانب فمه.
وقف عز أمامه، وعيناه تشتعلان غضبًا.
قال بصوت منخفض، لكنه كان أشد رعبًا من الصراخ:
ـ مين اللي باعتك؟
بصق الرجل الدم على الأرض، ثم ضحك بسخرية.
ـ حتى لو قتلتني... مش هتعرف.
انحنى عز نحوه، وأمسكه من ياقة قميصه.
ـ آخر مرة هسألك... انت شغال تبع مين وكمل بصرخ مين اللى بعتك ياله؟
ابتسم الرجل رغم ألمه.
ـ انسى يا باشا ... انا كده ميت كده ميت
انطلق صوت طلقة نارية مزقت سكون المكان.
تجمد الجميع.
اتسعت عينا عز وهو يرى الرجل يسقط أمامه غارقًا في دمه.
صرخ أحد الحراس:
ـ قناص... يا باشا!
أُطفئت أنوار المخزن فجأة، وغرق المكان في الظلام، بينما تعالت أصوات إطلاق النار من الخارج، وتحولت اللحظة إلى فوضى عارمة.
أما عز، فقبض على سلاحه وهو يزأر بغضب:
ـ دوروا عليه... محدش يهرب!
وفي الجهة الأخرى...
وقف شخص مجهول فوق سطح مبنى بعيد، يخفض بندقية القنص بهدوء، ثم ابتسم وهو يقول:
ـ آسف يا عز... لسه بدرى أوى على الصوره توضح .
ارتجفت يدا فاطمة وهي تنظر إلى الصورة، وكأنها ترى شبحًا عاد من الماضي.
تقدمت خطوة، ثم أخذت الصورة من يد مصطفى بأصابع مرتعشة، وأخذت تمرر أناملها فوق ملامح الرجل، بينما انهمرت دموعها دون أن تشعر.
خرج صوتها مكسورًا:
ـ الله يرحمك يا محمود...
عقد مصطفى حاجبيه وقال باستغراب:
ـ يبقى تعرفيه.
أغلقت فاطمة عينيها، وأخذت نفسًا طويلًا، وكأنها تستجمع ما تبقى من قوتها.
ثم جلست على طرف السرير، وقالت بصوت أثقله الحزن:
ـ ده... جوزي... وأبو همس.
ساد الصمت داخل الغرفة.
أما مصطفى، فتجمد مكانه، وقد شعر أن الحقيقة التي كان يبحث عنها بدأت تتكشف.
أكملت فاطمة وهي تنظر إلى الفراغ:
ـ محمود... وعز كانوا إخوات... لكن عمرهم ما كانوا شبه بعض.
كان محمود طيب القلب، بيخاف ربنا، عمره ما ظلم حد، وكان شايف إن الرزق بركة، مش أرقام في البنوك اهم حاجة عنده هو بيته وانا وهمس كنا كل دنيته.
أما عز...
فتوقفت لحظة، وكأنها لا تستطيع نطق اسمه.
ـ الطمع كان مالي قلبه... الفلوس والسلطة كانوا بالنسباله أهم من أي دم.
خفضت رأسها، وسقطت دمعة على الصورة.
ـ بعد ما أبوهم مات، كتب معظم الشركة باسم محمود... لأنه كان شايفه الأجدر يديرها، أما عز فاداله نصيبه من الميراث، لكنه عمره ما رضي.
كان كل يوم يبص لأخوه بحقد... وكل نجاح يحققه محمود كان يولع النار جواه أكتر.
حاول يقنعه يبيع نصيبه... ومحمود رفض.
قال له يومها...
"الشركة دي تعب أبويا... ومش هتكون سبب في خرابنا."
ابتسمت فاطمة ابتسامة موجوعة.
ـ يا ريتنا كنا عرفنا إن الجملة دي هتبقى آخر حاجة يقولها.
تنهدت، ثم أردفت:
ـ في ليلة سودا... خرج محمود من البيت بعد ما وصله اتصال، قال إنه رايح يقابل حد مهم بخصوص الشركة... ووعد همس إنه يرجع بسرعة ويجيب لها اللعبة اللي كانت نفسها فيها.
سكتت لحظة، ثم انفجر صوتها بالبكاء.
ـ لكنه... ما رجعش.
وصلنا خبر إن عربيته وقعت من فوق الطريق الجبلي... وقالوا حادث.
لكن... ما كانش حادث.
رفعت عينيها إلى مصطفى، وكانت نظراتها مليئة بالقهر.
ـ عز هو اللي قتله.
اتسعت عينا مصطفى.
ـ إنتِ متأكدة؟
أومأت برأسها وسط دموعها.
ـ سمعته... بإذني.
بعد العزا بكام يوم، دخل عليا وهو فاكرني نايمة.
كان بيتكلم في التليفون... وقال بالحرف:
"خلاص... محمود بقى تحت التراب، والشركة كلها هتبقى بتاعتي."
شهقت وهي تضع يدها على صدرها.
ـ حسيت إن الدنيا وقفت.
لكن لما عرف إني سمعت...
اتحول لوحش.
قال إنه هيبلغ الشرطة إني أنا اللي حرضت على قتل جوزي، وإن معاه أدلة مزورة وشهود هيشهدوا ضدي.
ولو فكرت أتكلم...
همس هتدفع التمن.
من يومها... بقيت سجينة خوفه.
كان يصرف علينا... لكن مش رحمة.
كان بيشترينا بسكوتنا.
كل مرة يبص لهمس... كنت أحس إنه بيأكدلي إن رقبتها في إيده.
ولو اعترضت...
كان يكفي إنه يقول:
"افتكري بنتك."
انفجرت فاطمة في البكاء، وهي تحتضن الصورة إلى صدرها.
ـ كنت كل يوم بموت ألف مرة... وأنا شايفة بنتي بتكبر وهي فاكرة إن أبوها مات في حادث... ومش قادرة أقولها إن اللي قتله هو عمها... أخوه اللي من دمه.
ساد الصمت في الغرفة.
أما مصطفى، فظل واقفًا بلا حركة، وقد تبدلت ملامحه تمامًا.
لم يعد الأمر بالنسبة له مجرد صراع على شركة أو انتقام بين شريكين...
بل اكتشف أنه كان يتعامل مع رجل لم يتردد في قتل شقيقه من أجل المال، ثم عاش سنوات يبني ثروته فوق دم أخيه، ويقيد أرملة أخيه وابنة أخيه بالخوف والابتزاز.
قبض مصطفى على يده بقوة، وتمتم بصوت خافت، لكنه يحمل وعدًا لا رجعة فيه:
ـ لو الكلام ده حقيقي... يبقى نهاية عز قربت... وقربت جدًا.
بعد كلمات مصطفى، خيم صمت ثقيل داخل الغرفة، ولم يعد يُسمع سوى صوت بكاء فاطمة المتقطع.
مسحت دموعها بطرف اديها، ثم قالت بصوت مبحوح:
ـ ولسه الأسوأ... كان كل يوم بيزيد فى ظلمه.
رفع مصطفى رأسه ينظر إليها، فأكملت وهي تشبك أصابعها المرتجفة:
ـ بعد ما استولى على الشركة... ما اكتفاش بده.
بلع مصطفى ريقه وقال:
ـ عمل إيه تاني؟
أغمضت فاطمة عينيها، وكأنها ترى السنوات المريرة تمر أمامها.
ـ حبس همس... حبسها في بيتها.
عقد مصطفى حاجبيه.
ـ يعني إيه؟
قالت بمرارة:
ـ منعها تخرج... منعها تروح الجامعة كانت بتحضر الامتحانات بس ... منعها يكون ليها أصحاب... حتى لو كانت عايزة تنزل تشتري حاجة بسيطة، لازم حد من رجالتُه يراقبها.
أخذت نفسًا مرتجفًا.
ـ كان بيقول إنه بيحافظ عليها... لكن الحقيقة إنه كان خايف الحقيقة توصلها... أو حد يقرب منها ويعرفها مين هو.
ضغط مصطفى على فكه بقوة.
ـ والسبب؟
أجابت وهي تنظر إلى الصورة التي بين يديها:
ـ لأنه كان عارف... لو همس عرفت الحقيقة... عمرها ما هتسامحه ممكن تكون السبب أنها تهدم كل اللى بناه.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم همست فاطمة:
ـ وده اللي حصل.
نظر إليها مصطفى باهتمام.
ـ يعني... همس عرفت؟
انهمرت دموع جديدة من عينيها.
ـ أيوه...
تنهدت بوجع.
ـ في يوم... كنت أنا وعز بنتخانق.
ارتفع صوته وقتها وهو بيهددني كعادته... وأنا مقدرتش أتحمل، وصرخت في وشه لأول مرة.
سكتت لحظة، ثم قالت:
ـ وماكنتش أعرف إن همس كانت واقفة بره الأوضة.
شهق مصطفى.
ـ سمعت كل حاجة؟
أومأت فاطمة برأسها.
ـ سمعت كل كلمة...
سمعتني وأنا بقوله:
"إنت قتلت أخوك... وحرمت بنته من أبوها."
وضعت يدها على فمها وهي تبكي.
ـ أول ما سمعت... سمعنا هبد قدام الباب.
لفّينا نبص... لقيناها وقعه من طولها مغمى عليها.
ولما فاقت وشها كان أبيض... وعينيها مليانين صدمة.
همست وكأنها ما كانتش مصدقة:
"يعني... بابا ما ماتش في حادث؟"
اختنق صوت فاطمة.
ـ جريت عليها... حاولت أضمها... لكنها بعدت عني.
كانت بتبصلي وكأني غريبة.
قالتلي...
"يعني كل السنين دي... كنتِ عارفة؟"
أجهشت فاطمة بالبكاء.
ـ حاولت أشرح لها... والله حاولت.
قلتلها:
"غصب عني يا بنتي... كان مهددني بيكي... كنت خايفة عليكي."
لكنها ما سابتنيش أكمل.
صرخت في وشي وهي بتنهار:
"كنتِ تبلغي الشرطة... كنتِ تعملي أي حاجة... لكن تتستري على قاتل أبويا؟!"
شهقت فاطمة وهي تضم الصورة إلى صدرها.
ـ حاولت أمسك إيدها... لكنها سحبتها بعنف.
وقالت وهي بتبكي:
"أنا مستحيل... مستحيل أعيش يوم واحد تحت سقف قاتل أبويا... ولا مع أم سكتت عن حق جوزها واتسترت على اللى قتله."
أغمضت فاطمة عينيها بقهر.
ـ أطرق مصطفى برأسه، بينما أكملت فاطمة:
ـ بصتلي وقالت... "لو لسه في قلبك ذرة حب لبابا... أو ليا... ساعديني أمشي من هنا."
توقفت لحظة، ثم أجهشت بالبكاء.
ـ قالتلي... "دي الفرصة الوحيدة اللي ممكن أخلي قلبي يحاول يسامحك بيها."
شهق مصطفى بصمت، بينما تابعت فاطمة:
ـ قالت... "أنا مش هقدر أبص في وشك تاني... ولا أعيش في بيت قاتل أبويا... لكن لو ساعدتيني أهرب... يمكن في يوم أعرف أسامحك."
وضعت فاطمة يدها على وجهها وهي تبكي بحرقة.
ـ وقتها حسيت إن ربنا حطني قدام أصعب اختيار في عمري.
يا إما أفضل ساكتة... وأسيب بنتي تعيش سجينة عند عز.
يا إما أخاطر بكل حاجة... ويمكن أموت... بس أنقذها.
تنهدت وهي تضغط على الصورة بين يديها.
ـ وفي الليلة دي... لأول مرة من سنين... قررت أعصي أوامر عز.
رفعت عينيها نحو مصطفى.
ـ استنيت لما نامت الحراسة، وخبيت شوية فلوس كنت بجمعهم من وراه بقالهم سنين.
وفتحت لهمس باب المطبخ الخلفي... الباب اللي عز كان فاكر إنه مقفول من زمان.
ابتسمت ابتسامة باهتة، امتزجت بدموعها.
ـ وهي خارجة... جريت عليا وحضنتني.
افتكرت للحظة إنها سامحتني.
لكنها همست في ودني وقالت...
"أنا لسه موجوعة منك يا ماما... بس يمكن الأيام تخليني أعرف أسامحك."
انكسر صوت فاطمة تمامًا.
ـ وبعدها سابت إيدي... ومشيت.
فضلت واقفة أبص على طيفها وهو بيختفي في آخر الطريق... وأنا بدعي ربنا يحميها.
لكن عز اكتشف هروبها بعدها بساعات.
كان زي الوحش.
كسّر كل حاجة قدامه... واتهمني إني أنا اللي هربتها.
وبصلي وقال بمنتهى البرود:
"لو ما رجعتش همس... أقسم بالله هخليكي تتمني الموت كل يوم."
سقطت دموع فاطمة من جديد، وهمست وهي تنظر إلى مصطفى برجاء:
ـ عشان كده... أرجوك... أنقذ بنتي.
همس ذنبها الوحيد... إنها بنت محمود.
أما عند حمزه، كان بيبص فى الشيك وابتسم لأول مرة منذ أيام، ثم أخرج هاتفه بسرعة، واتصل بآيات.
لم يمر سوى ثوانٍ حتى جاءه صوتها الرقيق:
ـ ألو... حمزة؟
ابتسم دون أن يشعر.
ـ عاملة إيه يا آيات؟
ـ الحمد لله ياحبيبي... إنت كويس؟ صوتك النهارده غير.
ضحك بخفة وقال:
ـ ممكن أشوفك؟ دلوقتي... لو ينفع.
ساد صمت قصير، ثم قالت بخجل:
ـ حاضر... هقول لماما إني خارجة اشترى حاجة وأجيلك.
بعد نصف ساعة...
كانت آيات تقف تحت شجرة الجميز الكبيرة القريبة من الترعة، المكان الذي اعتادا أن يلتقيا فيه منذ سنوات.
كانت ترتدي فستانًا بسيطًا بلون السماوي، وحجاب ابيض ذاد بشرتها البيضاء أكثر جمالاً.
وما إن رأته يقترب حتى لاحظت شيئًا غريبًا...
وجهه كان يفيض بالسعادة.
ابتسمت وهي تقول:
ـ خير يا حمزة؟... وشك منور كده ليه؟
وقف أمامها، وظل ينظر إليها للحظات دون أن يتكلم، وكأنه يريد أن يحفظ ملامحها في قلبه.
ضحكت بخجل، ولوحت بيدها أمام وجهه.
ـ مالك؟ بتبصلي كده ليه؟
قال وهو يبتسم:
ـ أصل كل مرة بشوفك... بحس إنك أحلى من اللي قبلها.
احمر وجهها، وخفضت عينيها إلى الأرض.
ـ يا سلام... بقيت بتعرف تقول كلام حلو يابن الشيخ طه؟
اقترب منها خطوة وقال:
ـ لما يكون قدامي أجمل بنت في الدنيا... الكلام الحلو بيطلع لوحده يانبض قلب حمزه.
ابتسمت وهي تضربه بخفة على ذراعه.
ـ بلاش دلع بقى... قول جبتني ليه؟ قلقتني.
نظر إليها بعينين تلمعان بالفرحة، ثم أمسك يديها بين يديه برفق وقال:
ـ افرحي يا آيات...
رفعت رأسها إليه بسرعة.
ـ خير ياحبيبى؟
قال وعيناه تمتلئان بالأمل:
ـ هبدأ من بكرة أجهز الشقة... وكل اللي كان ناقص هجيبه.
شهقت وهي تنظر إليه بعدم تصديق.
ـ بجد يا حمزه؟!
هز رأسه مبتسمًا.
ـ والله بجد... وإن شاء الله قبل الشهرين ما يخلصوا... هاجي آخدك من بيت أبوكي، وتبقي مراتي... وتنوري بيتي.
امتلأت عيناها بالدموع، لكنها كانت دموع فرح.
وضعت يدها على فمها وهي تهمس:
ـ الحمد لله... الحمد لله يا رب.
ثم نظرت إليه وقالت بصوت مرتجف:
ـ يعني... خلاص؟ مش هنفضل نحلم وبس؟
ابتسم وهو يمسح دمعة هربت من عينها بإبهامه.
ـ لا... المرة دي هنعيش الحلم.
خفضت رأسها بخجل، ثم قالت:
ـ عارف... أنا كل ليلة قبل ما أنام بدعي ربنا يجمعني بيك بالحلال.
ابتسم بحنان وقال:
ـ وأنا كل سجدة بدعي الدعوة دي... وأهو ربنا بدأ يفتحها علينا.
رفعت عينيها إليه وهمست:
ـ أنا بثق فيك يا حمزة... وعُمري ما شكيت لحظة إنك هتسيبني.
اقترب منها قليلًا وقال بصوت دافئ:
ـ أسيبك إزاي؟ ده أنا لما بتغيبي عني ساعة بحس إن الدنيا ضاقت... إنتِ بيتي قبل ما يكون ليا بيت، وراحتي قبل ما تكوني مراتي.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة واسعة، وقالت بخجل:
ـ كل مرة تكلمني كده... قلبي يدق أسرع.
ضحك وهو ينظر إليها بحب.
ـ استحمليه بقى... أصل لسه قدامنا عمر كامل هفضل أقولك كلام أكتر من ده.
ابتسمت وهي تهمس:
ـ وأنا مستعدة أسمعه العمر كله.
مد يده إليها، فترددت لحظة، ثم وضعت يدها في يده بخجل.
ضمها بين كفيه برفق، وقال وهو ينظر في عينيها:
ـ أوعدك يا آيات... هعمل كل اللي أقدر عليه علشان عمرك ما تشوفي مني غير السعادة، وهخلي كل تعب الأيام اللي فاتت يتعوض.
ابتسمت وسط دموعها، وقالت:
ـ وأنا أوعدك... هفضل سندك، وأكون الزوجة اللي تفرح قلبك وتهون عليك أي تعب.
وقفا معًا يتأملان غروب الشمس، وكلٌ منهما يرسم في خياله بيتًا صغيرًا يجمعهما، مليئًا بالمودة والدفء... بينما كان الأمل، لأول مرة منذ زمن، أقرب إلى الحقيقة من أي وقت مضى.
وبينما كانا واقفين يتبادلان النظرات والابتسامات، غارقين في أحلامهما البسيطة، لم ينتبها أبدًا إلى ذلك الشخص الذي كان يقف على مسافة ليست ببعيدة، مختبئًا خلف إحدى الأشجار الكثيفة.
رفع هاتفه بهدوء، وثبت عدسته عليهما.
ثم التقط صورة...
كانت الصور تُظهر حمزة وهو يمسك بيدي آيات، ويبتسم لها بحب، بينما كانت هي تنظر إليه بعينين مليئتين بالخجل والسعادة.
خفض الهاتف ببطء، ونظر إلى الشاشة يتأمل الصور، قبل أن ترتسم على شفتيه ابتسامة ماكرة، لا تحمل أي خير.
همس لنفسه بصوت خافت:
ـ حلو أوي... الصور دي هتعمل شغل كبير. و .