
رواية النغم الحزين الفصل السابع والعشرون27 بقلم فاطيما يوسف
طلع "سند" عند "نغم" بقلب موجوع وملامح متعبة، بص لقاها قاعدة على الكنبة ووشها وعيونها منتفخين من الدموع، ومكتفة رجليها بإيديها الاتنين وبتبص له بملامح غير مفهومة، ولأول مرة متقومش من مكانها ولأول مرة متقومش وتجري عليه وتحاوطه وتضمه بين أحضانها وتوزع قبلاتها عليه، ولأول مرة متبينلهوش قد ايه هو واحشها حضنه وريحته وكلامه وضمته ليها، كانت ملامحها بتنطق باللي خايف يسمعه منها، خايف يقرب ويتكلم وينصدم وقلبه ينكوي منها، فضل واقف مكانه وهي قاعدة مكانها لحد ما فجأة خلع عبايته ورماها بزهق وهو كان متعصب بسبب امه وأخوه وجايبين آخره :
ـ يوووه على دي نكد حريم وبكا عمال على بطال، دي انتو تاخدوا لقب كاس العالم في النكد.
عيطت اكتر من زهقه وكلامه وصعب عليها نفسها:
ـ شكلها ليلة مهببة هنقضيها في العياط إن شاء الله، هو انتي ميت لك ميت ولا حاجة يا ست "نغم" هانم علشان وصلة النكد داي؟!
ردت بزهق مماثل وهي بتمسح دموعها الغزيرة بحدة وكانت متنرفزة بشدة :
ـ هو إنت كل اللي في دماغك انك ترجع تلاقيني لابسة ومتشيكة ومستنية جنابك على سنجة عشرة؟!
ما واخدش بالك إن عيالي هيتاخدوا مني خلاص وهيروحوا لاخوك المريض النفسي الشمام دي؟
وفي الآخر ما عايزنيش أبكي، دي ايه الجبروت بتاعكم دي يا رجالة؟
بص لها بغضب شديد على طريقتها وصوتها العالي قدامه وبص لها بعيون حادة ورد عليها بغضب:
ـ آه وماله علي صوتك كمان على جوزك يا هانم، زيديني طرباً من لسانك اللي هينقط سم دي ...
وكمل وهو حاطط ايده على دماغه بيدلكها من الصداع وأمرها:
ـ قومي اكده الاول اعملي لي كوباية قهوة علشان مصدع وارجعي لي علشان نكمل خناق في الليلة اللي مهتفوتش النهاردة داي .
برقت عينيها بصدمة من طلبه وهي في حالة صعبة وردت عليه بحدة جننته:
ـ انت ازاي هتتعامل وياي الموضوع بالبرود دي عاد يا "سند" ؟
هقول لك عيالي هيتاخدو مني ومنهارة وقلبي واجعني وترد علي بكل هدوء اقوم أعمل لك قهوة؟!
انت عايز تفهمني إن دي طبيعي منك ، أني بجد مصدومة فيك، قول بقى انك زهقت مني ومن مشاكلي ومبقتش متحمَلني ومبقاش في دماغك .
حدف المخدة اللي كانت على الركنة جنبها بزهق ورد عليها بصوت عالي رعبها:
ـ آه طبيعي جداً لما واحد يكون منامش بقاله يومين وبياكل من الشارع وجيت اتخانقت ويا أمي وأخوي وبحاول أحل المشكلة اللي أني طمنتك ألف مرة قبل سابق إنهم مهيتاخدوش منك وعمر دي ما هيحصل وبرده هتختاري دور الضعف وهتنكدي على اللي خلفوني .
زادت في عياطها اكتر وكل اللي في دماغها إن عيالها هيضيعو منها وردت عليه من بين شهقاتها :
ـ امك أكدت لي انهم ما هيتنازلوش خالص وكمان حضانتهم مش هتروح لامي لانها ست مريضه جدا، والحضانه هتروح لابوهم وولادي هيضيعوا مني يا "سند" .
ضرب كف على كف بقله حيلة وهو بيفهمها لأنها بالتأكيد مش فاهمة حاجة في المواضيع دي وكمان أول مرة تتعرض لموقف زي ده وراعى إنها مرعوبة على ولادها فحاول يهدي أعصابه وهو بيفهمها لكن بنبرة حادة شوية بسبب طريقتها:
ـ يا سلام على أساس إن أمك مريضة مرض موت لا قدر الله؟
شوفي علشان نقفل الكلام في الموضوع دي خالص، الحضانة تضيع من أم الأم في حالة إنها تعبانة تعب شديد زي القلب، أو الأمراض المعدية أو الأم تكون عندها المرض اللعين أو عندها شلل نصفي فما تقدرش على خدمة العيال وحاجات تانية أمك بَعيدة عنيها خالص دي لو القضية واصل كملت من الأساس.
وكمل وهو بيفهمها اللي خلاها تحس بالارتياح شوية:
ـ أما والدتك بتغسل كلى وكمان حالتها المادية اتحسنت فبتتعالج في مركز زين وكل التقارير هتأكد إن هي عايشة سليمة طالما منتظمة في العلاج اللي خلى صحتها بتزيد تحسن كل يوم عن اليوم اللي قبلَه، غير إن أبوهم ما ينفعش إنه ياخد حضانتهم لأنه كان مسجون وكمان هيشرب وغير أمين على ولاده فبسهولة جداً من أول جلسة هيتحكم إن الحضانة تكون مع أمك مش معاه، ودي برده في حالة إن القضية كملت لكن هو هيتنازَل.
سألته وهي بتمسح دموعها براحة أخيراً:
ـ بجد يا "سند" الكلام اللي هتقوله دي ولا إنت هتهديني علشان أطمن وفجأة ألاقي عيالي اتاخدوا من حضني؟
أكد لها مراراً وتكراراً وبثقة:
ـ يعني من يوم ما اتجوَزتك وبقيتي على اسمي واني عمري خلفت معاكي في أي حاجة ولا وعدتك وعد ما نفذتهوش وما كنتش كده؟
عايزك تثقي فيا شوي، يعني مش معقول هطمنك إن العيال ما هتتاخدش من حضنك كلام وخلاص وإنتي خابراني زين مش بتاع كلام يا "نغم".
سألته ببلاهة:
ـ طب إنت هتقول إنه مش هيكمل القضية وهيتنازل وواثق من اكده كيف يعني وإنت خابر زين أخوك وراسه ناشفة كيف وما هيكبرش لحد واصل؟
نفخ بضيق وجاوبها باختصار:
ـ السؤال دي ما هقدرش أجاوبك عليه أو بمعنى أصح ما لكيش صالح باللي بيني وبين أخوي ولا اللي هيحصل علشان تعرفي هيتنازل كيف، كل اللي ليكي إن عيالك ما يتاخدوش من حضنك ويا ريت ما تفتحيش الموضوع دي تاني واديني عرفتك كل حاجة بالتفصيل علشان يمين بالله يا "نغم" لو رجعت لقيتك بالمنظر دي مرة تانية ما هخليكيش تشوفي وشي تاني.
وطت راسها في الأرض ودموعها غرقت وشها كالعادة شكل ما يكون متحضرين دايماً وهي بترد عليه بضعف كعادتها:
ـ إنت عارف اني ما هعرِفش أي حاجة في المواضيع داي ولا كنت هخرج، ولا اتعلَمت العلام الكافي اللي يخليني أطمَن، غصب عني مرعوبة على ولادي إنهم يضيعوا مني، وعلشان اكده كنت متعصبة وهخرف بأي كلام وإنت المفروض تتحمَلني.
بص لها بغضب وراح ناحية عبايته لبسها وهو بيرد عليها وعلى كلامها:
ـ ما عرِفش والله المفروض مين اللي يتحمل مين في الزمن اللي إحنا فيه دي؟!
الآية اتعكست والله، من شوي كنت هتتهميني بالبرود، جوزك اللي غايب عنك بقاله أربع أيام وكنت في شغل ومتمرمط وقبلها ما كنتش بايت في حضنك كيف ما بتقولي وكلمتك في التليفون وطمنتك إنك تنسي القضية والمحضر اللي جالك وإن كل شيء هيُبقى تمام، لكن كعادتك هتختاري النكد والعياط وتقولي لي كلام ما يصحش وتتعصبي وتعلي صوتك على جوزك يا هانم وعلشا اكده المكان دي ما يساعنيش اني وإنتِ.
وكمل بسخرية وهو بيلبس عبايته:
ـ علشان ما عايزش البرنسيسة تفتكر اني هموت عليها وعلى حضنها وإنها لازمن تكون على سنجة عشرة، على أساس إن كل حياتي معاكي ووجودك فيها للمتعة بس وإني راجل من إياهم اللي غريزته بتتحكم فيه.
ورايح يشيل مفاتيحه وموبايله علشان يسيب لها المكان ويخرج لأنه بجد زعل منها ومن عصبيتها عليه اللي متنفعش إطلاقاً واتهامها ليه، جريت وراه بسرعة ومسكت في دراعه واترجته بندم:
ـ أني أسفة والله مقصدش اللي جه في دماغك يا "سند"، اني منهارة وقلبي واجعني على عيالي وغصب عني والله، تعالي متمشيش وتسيبني بالله عليك.
وقربت منه وارتمت في حضنه واتمسكت بيه جامد وهمست له باحتياج حقيقي لحضنه وللأمان اللي بتحسه وهي في حضنه:
ـ أني محتجاك قوي، محتاجة حضنك ونفسك ويدك اللي هتطبطب علي، أرجوك اعذرني غصب عني والله، أني واحدة لا تفقه شئ في أي حاجة، معرفش غير اللي كنت بشوفه في الأفلام والمسلسلات إن الأم لما تتجوَز طليقها من حقه إنه ياخد عياله مهما حُصل.
وكملت رجائها وهي بتحضن وشه بين إيديها والندم بياكل قلبها قبل ملامحها:
ـ غصب عني خوفي على عيالي مع تهديد أمك ووعيدها ليا خلاني اتجنيت وبرج من نافوخي طار، والله ما اقصدش اللي وصل لك.
غصب عنه لأول مرة ميقبلش اعتذارها لأنه قالت له كلام شديد حتى في عز خوفها على عيالها وضعفها مكانش ينفع إنها تعلي صوتها عليه ولا إنها تجرحه بكلامها ولا هو من نوع الرجالة اللي بتقبل على نفسها طريقة الست اللي في عز غضبها تعلى صوتها على جوزها، وخصوصاً إنه مش مخليها محتاجة لأي حد وكافيها شر أي حد ورد عليها بكلمتين مختصرين وسابها ومشي:
ـ روحي لعيالك خديهم في حضنك ونامي علشان تطمَني إنهم مهيتاخدوش من حضنك.
وسابها ومشي ومن جواه متضايق منها رغم اعتذارها إلا إنه اتخنق من وجوده في المكان بسبب كلامها وراح لولاده يمكن يلاقي معاهم الهدوء ويلاقي في حضنهم السكينة اللي مش لاقيها مع "نغم" ولا "دعاء".
******
كانت قاعدة حاسة بملل شديد وكمان من بقى لها كتير ما كلمتش "نغم" ولا اطمنت عليها اتصلت عليها:
ـ كيفك يا "نغم" والله توحشتك كَتير يا قلب أختك طمنيني عنك وعن أبو "مازن" وعن العيال عاملين كيف؟
طمنتها "نغم" بصوت حزين "سند" بقى له يومين من ساعة اللي حصل ما بيكلمهاش وبيطمن عليها من بعيد لبعيد وهي مقهورة عليه:
ـ الحمد لله زينة؛ طمنيني إنتِ عنك عاملة إيه و"يونس" أخباره إيه.
جاوبتها "مهرة" بحزن:
ـ "يونس" من وقت ما رجعت مصر وهو في مهمة صعبة جداً من بقاله شهرين ما شفتهوش وما كلمتهوش غير مرة واحدة وقلقانة عليه قوي يا "نغم" شغلتهم صعبة قوي والمرة اللي كَلمني فيها كانت ثواني وقفل على طول لأنهم في مهمة صعبة ما ينفعش حد يعرف عنها أي حاجة وأصلاً ما ينفعش يمسك التليفون.
واستها "نغم" وهي بتطمنها:
ـ يا حبيبتي ما تقلقيش عليه إن شاء الله هيبقى زين وهيرجع لك بالسلامة وتفرحوا ببعضكم، ربنا ما يوريكي فيه وحش أبداً يا حبيبتي.
أمنت "مهرة" على كلامها بقلب موجوع وخايف على حبيب عمرها وخصوصاً إن المرة اللي فاتت لما اختفى اتصاب إصابة شديدة ومن وقت ما عرفت إن هو رايح المأمورية وأعصابها تعبانة:
ـ يا رب يا "نغم" قلبي حاسس إن هو مش بخير المرة اللي فاتت اتصاب إصابة شديدة واني قلقانة عليه قوي.
ـ ما تقلقيش يا حبيبتي كله خير بإذن الله ما تقلقيش عاد.
"مهرة" حست إن صوت "نغم" مش طبيعي ومتضايقة لأنها بتحس باخواتها جداً من غير ما يتكلموا، من زمان وهي بتخاف على اخواتها وبتحس بيهم كأنها أمهم مش أختها:
ـ مالك يا "نغم" حاساكي متضايقة وصوتك مش طبيعي؟
أول ما "نغم" اتسألت السؤال ده انهمرت دموعها بشدة لدرجة إن "مهرة" قلقت عليها جداً:
ـ دي دي دي مالك يا خيتي، مالك يا حبيبتي مين اللي مزعلك اوعي تكون وش البوم "رابحة" حماتك؟
يمين بعظيم أجي لها الصبح فوق رأسها أطين عيشتها وعيشة اللي خلفوها، مالك يا "نغم"؟
حاولت "نغم" تتماسك ومسحت دموعها وحكيت لها كل حاجة عن القضية وعن اللي حماتها عملته معاها وعن موقفها هي و"سند" مع بعض:
ـ ومن بقى له يومين ما بيكلمنيش غير برسالة على الواتس يطمَن علي وعلى العيال ولما أطمنه يشوف الرسالة وما يردش، اني زعقت قصاده جامد واتعصبت وهو ما يستحقش مني اكده، وغير كل دي البت "جليلة" حكيت لي عن اللي حصل ما بينه وما بين أخوه وأمه وعرفت اللي عمله واللي حكيت لك عليه علشان يخلي ولادي في حضني ومن وقتها واني موجوعة بسبب اني وجعته، بس اني كان غصب عني خوفي على عيالي خلاني كيف المجنونة وما عارفاش هقول ولا هعمل إيه؟
اتنهدت "مهرة" بغلب من حالة أختها وحياتها اللي مش عارفة تعيشها مستقرة مع جوزها وحبيب عمرها:
ـ بصراحة اكده إنتِ غلطانة يا "نغم" هو طمنك كتير إن عيالك ما هيروحوش من حضنك وهو عمره ما أطمنك بحاجة ولا وعدك وعد وخذلك، المفروض كان غايب عنك بقاله تلت أيام كنتِ استقبلتيه بهدوء وعملتِ الوكل وظبطتِ له قهوته بعد ما يقعد ويستريح تسأليه بهدوء هيعمل إيه علشان يخلي ولادك في حضنك مش يرجع يلاقيكِ بحالتك داي وكمان تقولي له الكلام اللي إنتِ قلتيه إنتِ غلطانة غلط كَبير.
رجعت عيطت تاني بشدة:
ـ والله عارفة اني غلطت بس إنتِ ما تعرِفيش أني كنت خارجة عن وعيي خالص وما تعرِفيش من وقت ما المحضر سلم لي الورقة واني حالتي ما يعلم بيها إلا ربنا، وكمان هو كان غايب ما كانش وياي وطريقة أمه أكدت لي إنها هتاخد عيالي مني وخصوصاً إن أمنا عيانة عيا شديد.
اتغاظت "مهرة" من "رابحة" بشدة وهي بتدعي عليها:
ـ يعني هي كانت قاضي ولا كانت هتفهم إيه "رابحة" داي ست جاهلة ولا هتفهم أي حاجة اللي ربنا ينتقم منها داي وما فهماش لحد دلوك رايدة منك إيه البَعيدة، إلهي "رابحة" يجيكي ويحط عليكي وما تشوفيش يوم حلو في دنيتك إنتِ ولا ولدك العرة "سمير" دي.
وكملت وهي بتطمنها:
ـ ما تقلقيش حتى لو القضية كملت و"سند" ما عرفش ياخد منهم حق ولا باطل ما هخليهاش تكسب القضية وهجيب تقارير إن أمنا زينة وصحتها عال العال وهفسد لها خطتها، وكمان "سمير" ولدها اللي طالعة بيه السما دي ملفه الإجرامي عند الحكومة يعره وهيخليه يخسر القضية من أول جلسة اطمَنِي يا حبيبتي، إن شاء الله أجي البلد يوم الجمعة لـ"رابحة" داي أديها درس ما هخليهاش تاجي ناحيتك تاني البجحة دي ما كفهاش اللي كانت هتعمله فيا.
استغربت "نغم" من كلامها وسألتها عن اللي تقصده فحكت لها "مهرة" كل اللي حصل و"نغم" انصدمت:
ـ واه يا أبوي اللي تتقطع يدها اللي كانت عايزة تمدها عليكي وتكسرك وتكسر فرحتك اللي منها لله، استحلفك بالله لا تبعتي لي الفيديو دي يا "مهرة".
ـ هتعملي بيه إيه يا "نغم" اني ما عايزش مشاكل ما بينك وما بين "سند" بسبب الفيديو دي، داي مهما كانت أمه.
ـ لا والله لا تبعتيه لي "سند" مهما أمه عملت متربي عشرين مرة وما هيعليش صوته عليها أبداً وعمره مهما قالت ولا افترت وظلمته ما زعلها أبداً البَعيدة.
ردت "مهرة" باستغراب:
ـ معرفاش كيف اللي خلَفت "سند" برجولته دي كلاتها خلفت "سمير" العرة دي، الظاهر اكده أبو "مازن" طالع لأبوه و"سمير" دي طالع لها.
وفضلوا يتكلموا مع بعض وكل واحدة فيهم تطمن التانية وتهديها على اللي هي فيه وبعد ما قفلت بعتت "مهرة" الفيديو لـ"نغم" وأول ما وصل لها فتحته وانصدمت من اللي شافته والستات اللي كانت عايزة تعتدي على "مهرة" وازاي قدرت توقفهم عند حدهم بمهارة وهي بتكلم نفسها:
ـ الله أكبر عليكِ يا حبيبتي الله أكبر عليكِ يا "مهرة" ربنا يحميكِ منك لله يا "رابحة" منك لله اللي ينتقم منك ويولـ.ــع فيكِ منك لله، إن ما فضحتك قدام ابنك وقدام البيت كلاته وريتهم قذارتك ووساختك ما بقاش اني "نغم".
******
ـ كيف ياما أبوي يعمل اكده فيا وياكل حقي وورثي ويديه لأخوي على حياة عينه؟
هو أبوي اتجنن في مخه ولا إيه ولا هو رايد العداوة بيني وبين أخوي توصل لقـ.ــتل النفس؟!
كله إلا فلوسي وحقي اللي رايد ياخدهم مني غصبانية ويديهم لابنك.
ردت "رابحة" وهي حاسة بالنار شابة بين ضلوعها ولأول مرة تقف محتارة ومش عارفة ترد تقول لـ"سمير" إيه وما تعرفش ليه جوزها عمل كده:
ـ ما عرفاش يا ولدي كيف أبوك يعمل العملة الهباب داي؟
دي راجل هيخاف ربنا وحافظ كتابه وهيصلي الوقت بوقته، وما عارفاش هو كيف يفكر اكده؟!
انتفض من مكانه والشر مالي عيونه وراح ناحية أوضة أبوه وهو بيرد على أمه:
ـ طب تمام يا حاجة أدخل له وأشوف كيف يعمل العملة الهباب داي وياكل حقي ويديه لأخوي طالما إنتِ ما لكيش عازة عند جوزك ولا تعرفيش حاجة عن اللي هيعمله في ولادك وولاده.
وقبل ما تمسك إيديه علشان تمنعه يدخل عند أبوه كان فتح الباب بغل ودخل لقى أبوه ماسك المصحف وبيقرا الورد بتاعه، صدق السورة اللي كان بيقراها وقفل المصحف وبص على "سمير" وشاف في عيونه شر الدنيا وما فيها وقال له باستنكار:
ـ ياه يا "سمير" عاش من شافك يا ولدي تدخل تطل على أبوك وتسلم عليه وتشوفه وتطمَن على صحته عامل كيف؟
والله الدنيا لسه فيها خير.
وكمل كلامه بسخرية وهو بيبص على "رابحة":
ـ ما هي لو كانت أمك عرفت تربيك زين كانت تعرفك وتوعيك إنك تدخل تطمن على أبوك العاجز اللي ما بيخرجش من أوضته ولا بيهمَل سَريره لكن هنعمل إيه هي اكده "رابحة" مش شاطرة غير إنها تدلعك وتشجعك على الفساد.
بصت له "رابحة" بنظرات قوية وهي بترد على كلامه باعتراض شديد وبنبرة حادة:
ـ في إيه عاد يا أبو "سند" مش كل لما أدخل لك تسمم بدني بالكلام عن ربايتي لعيالي يكون في معلومك ولادي التنين متربيين أحسن تربية وإذا كان على "سمير" وتقصيره في حقك هو كان مرضان وما كانش هيعرِف يروح يمين ولا شمال وإنت خابر زين أخت مرت ابنك اللي تتقـ.ــطع يدها عِملت فيه إيه.
ابتسم بسخرية على كلامها ورد عليها:
ـ أه كان تعبان لدرجة إنه ما يدخلش يشوف أبوه بقاله أكتر من أربع شهور واني سامع حسه وصوته العالي ليل ونهار في الدوار كيف الحمير.
اتكلم "سمير" بغضب من غير ما يعتبر لكلام أبوه أي لازمة وسأله بحدة:
ـ كيف تعمل العملة داي يا أبوي وتكتب حقي وورثي لأخوي إنت اكده هتزيد الحرب ما بيننا مش هيُبقى على مراتي ولادي بس لكن هيبقى على مالي وورثي وحقي وبعملتك داي تُبقى ظالم وما هتراعيش ربنا وهتفرق بين ولادك في حقوقهم وداي عند ربنا كَبيرة وإنت خابر زين.
بص له أبوه نظرة دهشة وسأله:
ـ من ميتة وإنت هتعرف ربنا وهتعرف الحقوق والواجبات في خلقه وإنت أكتر واحد هتأذيهم؟
من ميتة واني فرقت بينك وبين أخوك في الحقوق يا "سمير"؟
اني حر في مالي ومن حكم في ماله ما ظلم وطالما إنت ظالم ورايد تمرمط ولادك وياك وإنت ما ليكش في تربية العيال ولا تعرف عنيهم حاجة من يوم ما اتولدوا.
وكمل وهو بيسأله ومسهم النظر بقوة في عينيه علشان يكسفه قدام نفسه:
ـ قل لي يا "سمير" إنت تعرِف سن ولادك إيه؟ هيحبوا إيه، هيكرهوا إيه، هياكلوا إيه، هيشربوا إيه؟
رد علي، ولادك اللي إنت عايز تاخدهم من أمهم بحكم المحكمة علشان تقهرها تحت رجليك.
جاوبه بعند وجبروت كعادته:
ـ والله اني حر في ولادي اخدهم من أمهم اللي اتجوَزت غير أبوهم وهي ما لهاش صالح بيهم طالما ما رايداش تطلق وترجع لجوزها أبو عيالها؟
زعق له بغضب شديد:
ـ كأنك نسيت إنك من سنتين اكده دخلت لي اهنه وإنت اللي طلبت مني أجوزها لأخوك وعملت لنا مشاكل كَتيرة وسمعت بينا البلد، وكنت هتعتدي عليها في كل مكان علشان توافق تتجوَز أخوك، نسيت ولا إيه يا "سمير" إنت اللي جوزتها له بيدك يا ولدي وإنت اللي فرطت فيها بعمايلك السودا، وانت اللي اتحايَلت عليه كمان وسقت عليه خلق ربنا، دلوك حليت في عينيك.
بص في الأرض بخزي ورد على أبوه:
ـ اني جوزتها له باتفاق ما بيني وما بينه وإنت كنت حاضر الاتفاق إنه هيطلقها بعد سنة علشان ترجع لي تاني لأنها ما كانَتش ينفع ترجع لي غير لما تتجوز وتطلق وهو خالف الاتفاق والعهد اللي بيناتنا يُبقى المفروض هو اللي يتعاقب منك يا أبوي مش اني، ولا هو دايماً اللي ما بيغلطش أبداً وكل كلمة هو يقولها تتنفذ حتى لو كانت هتخلف الوعد والعهد؟
ضـ.ــرب أبوه كف على كف من فكره وكلامه ورد عليه:
ـ عايز تجوزها له بمزاجك وتطلق منه بمزاجك علشان ترجع لك، يُبقى جوازها منيه باطل ورجوعها ليك باطل وحرام؟
تقبلها على نفسك كيف تعيش مع واحدة ما هتطيقش تبص في خلقتك ما عايزاكش يا ولدي!
الرجال مننا لما يلاقي النفور من واحدة ست حتى لو كانت مرته وما طايقاهوش يبعد عنيها، يشوف غيرها ولا إنت ما هتفهمش في أمور الرجالة عاد.
اتعصب من كلام أبوه وعلي صوته بغضب شديد:
ـ وهو ما كانش يعرِف إنه لما يتجوَزها علشان يرجعها لي إن اكده بيعمل حرام؟
طب ما كانش يوافق من الأول ويسيبها وما يعملش فيها البطل الشجاع الهمام وتحلى في عينيه مرت أخوه، كيف هو اللي قِبلها على نفسه يا أبوي إنه يعشق ويتمعشق مرت أخوه؟!
شال "سليمان" عصايته من جنبه وهو بيوجهها في وش "سمير" ورد عليه بغضب:
ـ احترم نفسك يا واد، أخوك عمره ما بص لها وهي على ذمتك غير على إنها أخته وما كانش هيرفع عينه فيها واصل وما كانش في دماغه فكرة إنه يتجوَزها حتى لما إنت طلقتها بالتلاتة وما عادتش تنفع لك، ولما إنت بهدلتها واعتديت عليها في الشوارع وكنت هتدبـ.ـح ولدك بيدك وخطـ.ـفت بتك علشان تجبرها، وكنت هتجيب لها رجالة كل يوم عشان تعرضهم عليها ويتجوزوها بالباطل وترجع لك بالباطل، كنت رايدنا إن إحنا نشوفك وإنت هتعمل البلاوي داي كلاتها وتخلي سمعتنا على كل لسان ويقولوا الحاج "سليمان" الناجي هيفتح بيته لولده اللي رجع مرته في الحرام؟!
لا وألف لا يا "سمير" ما هيحصلش كله إلا الحرام يا ولدي.
رد على أبوه بصدمة وهو بيقرب منه لحد ما بقى واقف جنبه ما يفرقش بينهم غير النفس بس:
ـ يعني إنت وأخوي طبختوها مع بعض وجوزتها له وفي نيتكم إنها ما هتطلقش وما هترجعليش تاني من البداية يا أبوي؟
جاوبه "سليمان" بقوة وصراحة:
ـ ومش بس اكده يا "سمير" اني اللي اتحايلت عليه يتجوَزها ويسترها ويلمها من الشوارع اللي إنت هتبهدلها فيها كل يوم والتاني وأمك المفترية داي هتشجعك على ظلمك ليها، اني اتفقت وياه قبل العقد إنه يتجوَزها حتى لو كان للحماية ولو هي مرايداهوش ما يدخلش عليها لكن ربنا حلل لهم قربهم من بعضهم علشان هم ما هيعملوش حاجة تغضب ربنا.
سأل أبوه بعيون حادة زي الصقر وغضب الدنيا كله اتجمع في عيونه:
ـ وهي كانت تعرِف الاتفاق اللي ما بينك وما بين أخوي قبل ما تتجوزوه؟
جاوبه بنفي:
ـ لاه ما كانَتش تعرِف بس اني اللي شجعتها إنها تنساك وتعيش حياتها ويا جوزها، اني اللي طمنتها من ناحية "سند" وقلت لها دي عوض ربنا ليكي عيشي حياتك يا بتي وتمتعي بجوزك وهو كمان ياخد حلاله منك علشان دي هو الحلال بعينيه، كانت أحسن منك هتسأل عليا يوم بعد يوم كأنها هي اللي بتي مش إنت، وعلشان هي عيلة غلبانة ومكسورة الجناح والدنيا جت عليها لما وقعت تحت يدك كانت تستحق يُبقى "سند" هو اللي جوزها مش إنت يا "سمير".
في اللحظة دي "سمير" غضب الدنيا اتجمع في عيونه وما بقاش شايف قدامه وشياطين الإنس والجن ركبوه وما بقاش عارف هو بيعمل إيه وقرب من أبوه وهو بيحط إيده على رقبته وبيخـ.ــنقه وبيردد بغل:
ـ أه يا شياطين عملتوها واتفقتوا علي؟!
طبختوها ويا بعضكم وعملتوها علشان تكسروا "سمير" الناجي، إنت راجل ظالم وما ينفعش تعيش إنت راجل ظالم ولازم تموت.
قربت "رابحة" منه بسرعة وهي بتشده من على أبوه اللي ممكن يموت في إيديه في لحظة وهي بتصوت:
ـ بعد يدك يا ولدي عن أبوك دي أبوك يا "سمير" بعد يدك يا ولدي أبوك تعبان وما هيتحملش اللي هتعمله فيه بعد يدك، الحقونا يا ناس.
وقدرت "رابحة" إنها تبعده عن أبوه ونزلت على وشه بالقلم وضـ.ــربته لأول مرة وهي بتزعق له بغضب شديد:
ـ قطع يدك يا "سمير" قطع يدك يا ولدي هتمدها على أبوك عايز تموت أبوك يا "سمير" بقى هو دي آخر وقفتي جنبك علشان ما تضعش تقوم تضيع أبوك وتضيع وياه ليه يا ولدي ليه حرام عليكم دي انتم متربيين بفلوس حلال.
وفضلت تلطم على وشها وهي بتبكي بشدة:
ـ يااااارب ولادي وجوزي هيمسكوا في بعضهم يارب، عِملت ايه في دنيتي علشان اشوف السواد دي كله في عيالي وجوزي ؟!
كان "سليمان" بيكح بشدة وهو حاطط إيده على رقبته بيدلكها ومصدوم في ابنه واللي بيعملوا فيه والدار كلها اتجمعت على أصوات "رابحة" "دعاء" و"نغم" والغفر والخدامين اللي في البيت كلهم إلا "سند" ما كانش موجود في الوقت ده وعرفوا اللي "سمير" عملو في أبوه اللي قربوا منه "دعاء" و"نغم" وهم بيطبطبوا عليه وبيحاولوا يهدوه، وأول ما "رابحة" شافت "نغم" شدتها من إيديها وهي بتهزها بعنف:
ـ كله بسببك هخسر عيالي وأبوهم بسببك منك لله غوري بقى من البيت دي غوري بقى ما عايزينش نشوفك تاني ولادي هيضيعوا مني وأبوهم هو كمان بسببك حسبنا الله ونعم الوكيل فيكي يا شيطانة.
اتدخلت "دعاء" ما بينهم لأول مرة وهي بتشد "نغم" من إيدين خالتها:
ـ سيبيها يا خالتي هي عِملت إيه يعني سيبيها أبوس يدك عمي تعبان وما هيتحملش اللي بيحصُل دي كلاته، سيبيها يا خالتي الله يرضى عنك.
وقدرت "دعاء" تفك "نغم" من إيد "رابحة" وقالت لها بتحذير وهي شايفه الغل في عيون "سمير" ناحيتها ونظراته ليها وخافت يمد إيده كمان عليها:
ـ روحي على شقتك بسرعة يا "نغم" ما تخرجيش منها واقفلي على نفسك ومهما يخبط عليكي أي حد ما تفتحيش الباب يلا بسرعة.
ردت عليها "نغم" وهي مهزوزة من الخوف بسبب حماتها و"سمير" وبتبص على حماها اللي وشه محمر من عملة "سمير":
ـ كنت عايزة أطمن على أبوي الحاج.
بصت "دعاء" للغفر وقالت لهم قبل ما ترد عليها:
ـ وصلوا الست "نغم" لحد باب شقتها وما تفوتوهاش إلا لما الباب يتقفل عليها، وإنتِ روحي على شقتك اطمني اني ما هافتهوش.
وفي لمح البصر الغفر مشيوا ورا "نغم" وبينفذوا أوامر "دعاء" كان لسه "سمير" هيتحرك وراها أمه مسكته وهي بتبص لـ"دعاء" ولعملتها باندهاش وراحت لجوزها وطت على وشه تبوس راسه فبعدها بإيديه ومش طايق لمستها:
ـ بعد يدك داي عني وخدي ولدك الفاسد دي من اهنه مرايدش أشوفكم ولا تطلع لخلقتكم داي واصل، منك لله يا "سمير" تنقطع يدك اللي مديتها على أبوك بالأذى، منك لله يا ولدي.
حاولت تسترضيه لكن ما كانش طايقها ولا طايق وجودها ولا وجود "سمير" في الأوضة و"دعاء" قربت منها:
ـ خديه يا خالتي وخرجيه بره الأوضة طول ما عمي شايفه قدامه هيفضل متعصب وصحته هتتدهور.
وشدت هي كمان "سمير" تخرجوا بره الأوضة وهي بتسأله واستنكار شديد:
ـ كيف تعمل في أبوك اكده يا واد خالتي، كيف اتجرأت ومديت يدك على أبوك وكنت عايز تموته إنت اتجنيت يا "سمير"؟
"سمير" حس بالندم وفاق وهو حاطط إيده على دماغه وصداع شديد اتملك منه:
ـ معرفش يا أم "مازن" كيف عملت اكده اني متقل في شرب الهباب دي وغصب عني ما دريتش بحالي لما عرفت اللي عمله هو و"سند" واتفاقهم علي ما شفتش قدامي وكنت عميان عن اللي هعمله.
حذرته وهي بتجز على أسنانها بغضب:
ـ مهما كان دي أبوك ما ينفعش واصل تعمل العملة الهباب اللي إنت عِملتها دي يا ويلك من "سند" لما يعرِف يا ويلك.
أول لما جابت سيرة "سند" اتعصب:
ـ كل حاجة "سند" "سند" طب يوريني هيعمل فيا إيه الظالم المفتري اللي كل ورثي وخد حقي هو السبب في كل اللي أني فيه هو السبب في كل حاجة وحشة اني عملتها وهعملها.
"دعاء" لقيته هيرجع لحالته لغير الطبيعية دي تاني فتدورت لخالتها وطلبت منها:
ـ خديه يا خالتي خليه يروح على أوضته بدل ما النار تزيد أكتر من اكده ومن الأفضل إنه يهمل الدوار خالص ويشوف حتة يقعد فيها سبوع ولا حاجة وتبات نار تصبح رماد.
"رابحة" سمعت كلام "دعاء" وشدته من إيديه وهو مجبر وطلعت لمت له كذا غيار في شنطة وخلته يمشي من البيت كله قبل "سند" ما يرجع علشان مش عايزة ولادها يمسكوا في بعض وكمان عملة "سمير" كبيرة قوي المرة دي و"سند" عمره ما هيسامحه فيها مهما كان.
******
تاني يوم بعد اللي حصل، "رابحة" شافت سما خارجة انتهزت الفرصة وندهت عليها علشان تنفذ اللي في دماغها:
ـ خدي يا "سما" تعالي رايداكي في كلمتين مش هعطلك عن الخروجة بتاعتك عاد.
"سما" من جواها ما بتحبش تقعد مع ستها "رابحة" نهائي لأنها دايماً طريقتها جامدة معاها في الكلام ودايماً شايفاها فاقدة وقليلة التربية وده اللي مخليها بترفض إنها تقعد معاها في أي مكان فبصت في الساعة علشان تعتذر منها:
ـ معلش يا ستي وراي درس لما أرجع ابقي اتحدتي وياي على كيفك.
قامت "رابحة" وشددتها من إيديها وهي بتبتسم لها لأول مرة:
ـ تعالي بس ما هعطلكيش طمنيني على أمك عاملة إيه؟
جاوبتها باختصار:
ـ زينة الحمد لله ارتاحت لما فكت الجبس وبقت تتحرك في البيت واحدة واحدة.
سألتها بخبث:
ـ ايوه أمك ما هتحبش الرقدة في السرير عاد وهتحب شغل البيت وخدمته زي عينيها، قولي لي أبوكي بياجي يبات وياها ولا كل وقته هيقضيه عند الست "نغم"؟
استغربت "سما" من سؤال ستها وردت عليها:
ـ ايوه أبوي هيبات ويانا يوم بعد يوم إيه السؤال الغريب دي يا ستي؟
مطت "رابحة" شفايفها وهي بتمثل إنها خايفة على بنت أختها وبدأت توز لـ"سما" في ودانها:
ـ إنتِ عارفة اني هعز أمك قد إيه ما هي بت أختي يعني بتي وبصراحة كده يا "سما" اني خايفة عليها وعلى مُصلحتها اللي ما تعرفهاش عاد وخايفة عليكم أنتم كمان.
ضيقت "سما" ملامحها وهي مش فاهمة ستها تقصد إيه:
ـ يعني إيه الكلام دي يا ستي أمي زينة وبخير وأبوي كمان زين الحمد لله إيه اللي هيخليكِ تقولي الكلام ده وهتخافي على أمي من إيه عاد؟
قربت منها "رابحة" ومسكت إيديها وهي بتطبطب عليها وبرضه بتمثل الحنية وإنها خايفة عليهم من قلبها:
ـ إنتِ لساتك صغيرة وما هتفهميش في كيد الحريم يا بتي، إنتِ ما هتغيريش على أبوكي وهو في حضن واحدة تانية غير أمك؟
كيف متحمَلة تشوفيه بَعيد عنكم والبَعيدة داي هتاخدوا منكم يوم بعد يوم لحد ما تستحوذ عليه خالص وما تشوفهوش ولا يشوفكم غير صدفة، ومش بَعيد كمان تسيطر عليه وتخليه يطلق أمك اللي نايمة في الغيبوبة داي وما دريناش إن جوزها أبو عيالها هيروح منيها عاد.
"سما" قلبها دق بخوف من طريقة ستها ومن كلامها وبلعت ريقها بصعوبة وهي ترد على ستها بنفي:
ـ كيف الكلام دي عاد يا ستي أبوي حنين وهيحبنا وعمره ما هيقصر ويانا أبداً ولا عمره عملها، هو في في حنية أبوي في الدنيا داي كلاتها دي عمره ما بعد عنينا وهيخاف علينا قد الدنيا كلاتها.
رفعت حاجبها بخبث ولسه مكملة طريقة كلامها الخبيثة وهي بتدس السم في العسل في ودان "سما":
ـ شوفي بقى يا "سما" ما فيش حد أغلى عندي من أمك في نسوان ولادي علشان هي بت أختي قبل ما تكون مرت ولدي الكبير وأم عياله واني كمان اللي مربياها وهخاف عليها كيف ما هخاف على ولادي، إنتِ ما فاهماش حاجة بكرة لما المسخوطة داي تخلف من أبوكي هتشغله بالعيل اللصغير عنكم، مرة تعبان ومرة تاعبها وهتنسيه الدنيا باللي فيها حتى ولاده وهيقول عيل صغير ومحتاج أبوه.
عند اللحظة دي "سما" بدأت تخاف من كلام "رابحة" إن أبوها فعلاً يستغنى عنهم ويطلق أمهم وكمان هي بقت متعلقة بوجود أبوها في حياتها واهتمامه بيها وبكل تفاصيلها وعينيها لمعت بالدموع:
ـ يعني تفتكري يا ستي أبوي ممكن يطلق أمي علشان خاطر خالتي "نغم" أو ممكن خالتي "نغم" تطلب من أبوي إن هو يطلق أمي لأ مش معقول؟
"رابحة" حست إنها وصلت للي هي عايزاه وهي شايفه الخوف في عيون "سما" وزادت في تخويفها لـ"سما":
ـ وإيه اللي خلاه مش معقول يا بتي إنتِ لساتك صغيرة وما هتفهميش في كيد الحريم دي؟
ما هتسمعيش عن الرجالة اللي هتتجوز الجوازة التانية ومراتاتهم تقويهم إنهم يطلقوا أم عيالهم علشان الجو يخلى لهم عاد؟
إنتِ طيبة قوي يا "سما" يا بتي.
اتوترت "سما" من كلام "رابحة" جداً وسألتها بعيون زايغة:
ـ طب ليه ما هتقوليش لأمي إنها تخلي بالها من أبوي وتوعيها وتنصحيها يا ستي علشان ما يُحصلش اللي هتقولي عليه دي؟
مطت "رابحة" شفايفها بأسى مصطنع وهي بتجاوبها:
ـ يوه زهقت يا بتي من أمك ومن كتر الكلام وياها في الموضوع دي وهي ولا في دماغها وما هيهمهاش غيرك إنتِ وأخوك مع إني وجود أبوكي في وسطكم أمان ليكي إنتِ وأخوكِ قبلها، أمك راسها ناشفة وما قادراش عليها عاد.
حطت "سما" إيديها على بقها بتفكير وهي بتسأل "رابحة" بحيرة:
ـ يعني أعمل إيه يا ستي علشان أبوي ميطلقش أمي كله إلا اكده، اني وأخوي هنضيع وهنحب أبوي ميبعدش عننا وفي نفس الوقت هشتاق لأخوي النونو اللصغير اللي هياجي الدنيا وهنستناه بفارغ الصبر، دي أمي ذات نفسها هتستنى النونو دي زينا وأكتر كماني.
رفعت "رابحة" شفايفها باستنكار وردت عليها وهي بتهز راسها ومش عاجبها كلام "سما":
ـ ما هو علشان أمك هبلة وعبيطة، ايوه متبصليش اكده ماهي لو كانت عاقلة وهتخاف على مُصلحتكم مكانتش وافقت إن أبوكي يتجوَز عليها، لكن أمك هبلة وبريالة.
وكملت وهي بتقرب منها وبتبص حواليها علشان ما حدش يكون سامعهم وخصوصاً لما لاقت تأثيرها واضح على معالم "سما" اللي تلون ميت لون:
ـ شوفي يا بتي معلومة ليكي علشان إنتِ هتبقي على ذمة راجل وأم في يوم من الأيام ما ينفعش تسمحي لجوزك إنه يتجوز عليكِ مهما كانت الأسباب، جوزك يُبقى ليكي لوحدك وما فيش مرة تانية تشاركه حضنك غيرك، وعلشان اكده لازمن تصحصحي وياي علشان نشوف هنطير "نغم" داي ازاي من حياة أبوكي ما هو يا هي يا أمك فإنتِ تختاري مين؟
ردت "سما" بسرعة بدون تفكير:
ـ لاه طبعاً هختار كفة أمي قصاد الموازين كلاتها يا ستي طالما هي هتخلي أبوي يطلق أمي تبقى تغور هي ما عايزينهاش في حياتنا وأخوي هيُبقى أخوي برضه.
ابتسمت "رابحة" بانتصار للي وصلت له مع "سما" وطبطبت على ظهرها وشجعتها براحة:
ـ عال قوي إنتِ اكده فهمتي ووعيتي زين مصلحتكم يا "سما" يا بتي هتعملي إيه بقى علشان تطيريها من موازين أبوكِ خالص وتفضل أمك هي الأولى والأخيرة؟
ما هو حكم المثل هيقول إيه القديمة تحلى لو كانت وحلة؟
زمت "سما" شفايفها بقلق:
ـ ما عارفهاش يا ستي أعمل إيه علشان ما اخليش أبوي يطلق أمي ولا يبعد عنينا؟
قربت منها واتكلمت بصوت واطي:
ـ طلعي أمك من الحوار خالص علشان راسها ناشفة وما هتعملش حاجة حتى لو كلمتيها وغنيتي من اهنه للسنة الجاية ما هتستفاديش حاجة من الكلام مع أمك وأخر مرة أنا اتكلمت وياها حُصلت مشكلة كَبيرة ووقعت غصب عني رجلها اتكسرت وكان موال، إنتِ اللي هيُبقى ليكي تأثير على أبوكي إنه يخرجها من حياتكم وما يُبقاش ليها وجود وتزني في الموضوع دي ليل ونهار مرة بالمحايلة ومرة تانية بالضيق والزعل من أبوكي الزن على الودان أمر من السحر وأبوكي أكيد هيختاركم أنتم ومهيختارهاش ما فيش أعز من الولد يا بتي.
وكملت وهي تبخ السم في ودان "سما" بنصايحها الشيطانية:
ـ ودي دورك مع أبوكي وليكي دور كمان مع زفتة الطين اللي اسمها "نغم"، اني من ناحيتي ما سايبهاش في حالها ومطهقاها في عيشتها عشان خاطر أمك وبيت ولدي الكبير ما يتخربش وولاده ما يضعوش، دورك وياها تطهقيها في عيشتها وتبهدليها من غير ما أبوكي يعرف وتحسسيها دايماً بالذنب وإنها خطـ.ــفت أبوكم منكم ومن أمكم، وقدام أبوكي تُبقي تعامليها زين وما تقلقيش هي عمرها ما هتروح تقول لأبوكي على اللي هتعمليه وياها علشان اني خابراها زين هتمثل عليكِ الطيبة والحنية علشان تشدك ناحيتها لكن إنتِ طبعاً فهماها وعارفة هي رايدة توصل لإيه عاد.
وعلى حالتها دي فضلت توسوس زي الشيطان في دماغ "سما" اللي رعبتها على حياتهم وعلى وجود أبوها معاهم بكل الطرق الخبيثة وطبعاً دي لسه عيلة صغيرة وما تستوعبش كيد الحريم ولا تفهم مقصد ستها إيه من الحوار كله و"سما" قامت من جنبها وهي ناوية تنكد على أبوها وتخلي عيشة "نغم" غم وهم.
******
عدى أسبوع على اللي حصل "سمير" هربان من البيت و"سند" كان حاسس بالقهر على أبوه من اللي عمله أخوه فيه ومستنيه يرجع، وبيروح يبات عند "دعاء" ليلة وعند "نغم" ليلة قاعد فيها ساكت ما بيتكلمش من كل الضغوط اللي حواليه وزعله منها وكل ما تحاول تسترضيه يرد عليها باختصار، و"شيماء" استلمت شغلها في الجامعة و"علي" بيحاول بقدر الإمكان ما يضايقهاش قوي لكن بيعرفها إن هو موجود وإنه عايزها في حياته بشدة وإنه مصر عليها، أما عند "مهرة" كانت قلقانة قوي على "يونس" ومهما تسأل أمه وأخته هما كمان مش عارفين عنه حاجة غير إنه في مهمة و"أمينة" بتحاول تسأل القيادات بتاعته ويطمنوها إنهم بخير لكن برضه قلقانين، لحد ما في ليلة كانت "مهرة" قاعدة في شقتها دبلانة وحاسة بالقلق الشديد على "يونس"، فجأة رن جرس الباب وراحت تفتح لاقته واقف قدامها وأول ما شافته قلبها دق بعنـ.ــف وجسمها اهتز من منظره اللي يوجع القلب والأعصاب من الهالات السودا اللي تحت عنيه ودقنه الطويلة وجسمه الهزيل، ومستحملتش ومقدرتش تقاوم إنها تاخده في حضنها وراحت رمت نفسها جواه، وهو كمان مسك في حضنها بإيده وسنانه وراح قافل الباب برجليه،
وهمس لها في ودانها برغبة وشوق واشتياق:
ـ وحشتيني، وحشتيني، وحشتيني، أنا جاي ٢٤ ساعة بس وراجع تاني، مهمة صعبة قوي ادعي لي يا "مهرة" ادعي لي قوي.
وكملت هي بهمس دوبه وهي بتشدد على حضنه جامد:
ـ هنت عليك تغيب عني كل دي، اتوحشتك قوي، حرام عليك المدة داي كلاتها ما تطمنيش عليك كنت هموت من القلق عليك يا "يونس"، هنت عليك تسيب قلبي وروحي بين إيديك وتسبيني على مشارف الموت بترجي لقاك.
وسكتت ومقدرتش غير إنها تشدد من حضنه وكأنها غريق ولقي البحار اللي ينقذه من الغرق،
وفي لحظة قربها جننه وريحتها أسكرته وشكلها وإحساسها وهي في حضنه أغراه وكل ده ميجبش ذرة في اشتياقه ليها من بعدها عنه وفجأة باسها بوسة طويلة واتحولت بوسة الاشتياق لرغبة جامحة،
شد لها حجابها من على راسها وكل ده وهي مستجيبة مغيبة معارضتهوش وبتدعيه يكمل من غير أدنى اعتراض ماهو دخلها دنيته العاشقة ليها ودوبها،
أما هو البوسة أخذت منحنى تاني منحنى خطر وحجابها بس اللي منكشفش،
وراحوا الاتنين لدنيا تانية خالص دنيا .....