رواية النغم الحزين الفصل الحادي والثلاثون31 بقلم فاطيما يوسف

رواية النغم الحزين بقلم فاطيما يوسف
رواية النغم الحزين الفصل الحادي والثلاثون31 بقلم فاطيما يوسف
سمع الفويس أكتر من مرة وهو حاسس بوجع مالي قلبه وعقله وكل كيانه، الدنيا بقت وتدور بيه وبقى حاسس إنه كل حياته معاها وهم وسراب، الحب والعشق اللي بينهم بقى شاكك فيه ونطق لسانه بخذلان:
ـ يااااه يا "نغم"  الكلمة طلعت منك زي الخنجر اللي اتغرس في نص قلبي وقطّع شرايينه! أني اللي كنت فاكر إني بنيت لك العوض والأمان، طلعت في نظرك مجرد كابوس تاني اتغصبتِ عليه؟ دي أني شيلتك في عيني وحميتك بعمري، ووقفت قصاد الدنيا وأخوي وأمي علشان أشوف بس  ضحكتك، تقوم تطلع منك الكلمة داي  'غصبانية'؟! الجرح مش بس في رجولتي، الجرح في كل لحظة مرت بيناتنا ياترى كانت طالعة من قلبك ولا كانت مجرد مجاملة أو تأدية واجب، قلبي مقهور ومقادرش يستوعب إن كل الحب دي كان بالنسبة لك قيد جديد وانكتب عليكي بالعافية! قلبي بيلومني على كل قرار أخدته علشان فاكر إني اكده بضمن لك الأمان، على كل خطوة مشيتها عشان أكيّف دنيتك على مزاجك، وهسأل حالي؛ هو أني كنت أناني للدرجة داي  وأني مهحسش بغصباميتك؟ الوجع هاددني ومعارفش أواجهك وأشوف الخوف في عينيكي، ولا أهرب بوجعي وأسيبك للحرية اللي شكلي حرمتك منها وأني فاكر إني بصلح حياتك.
وبعد عتاب كبير ما بين قلبه وعقله ركن حزنه وزعله من كلامها، قرر يعمل الصح الأول اللي لازمن يتعمل، ويروح يجيب لها حقها من اللي سبوها وأذوها بكلامهم البشع، عرف إنها لسه مرجعتش من المقابر وراح على شقتهم وأول ما وصل نادى على "جليلة" بصوت عالي هز أركان البيت :
ـ "جليلة"... إنتي يا "جليلة"... خدي اهنه وسيبي اللي في يدك.
"جليلة" اترعبت من صوته العالي وحست انه عرف حاجة عن اللي حصل في السوق ومسحت ايديها المليانة صابون بالفوطة وخرجت له وهي بتسأله بلسان بيتلجلج من هيئته الغضبانة:
ـ نعم يا سي "سند"  بيه أعمل لك قهوة ولا شاي؟
زمجر بغضب وهو بيقرب منها وسألها بحدة:
ـ خدي اهنه يا بت، هو أني ممنبهش عليكي وانتي خارجة مع "نغم" تخلي بالك منيها ومحدش يمسها بسوء واصل؟
وعلى صوته وهو بيسألها:
ـ ايه اللي حُصل في السوق ومين الستات اللي بهدلوها وقالوا لها إيه بالظبط؟
انكمشت من غضبه وصاح فيها:
ـ انُطقي يا سخامة إنتي .
حكت له على كل حاجة حصلت من أول الكلام الموجع اللي "نغم" سمعته لحد النهاية وكملت :
ـ والله يا سي "سند"  بيه كنت واقفة بينها وبين الحريم المهزقين دول وكنت هضرُبهم كمان على كلامهم العفش دي وسبهم للست "نغم" هانم وهي اللي منعتني ووقفت على جنب تبكي بكا يوجع القلب بعد ما كسروا بخاطرها اللي ينشكوا في قلوبهم دول .
جز على أسنانه بغضب وهو بيسألها:
ـ حريم مين في البلد دول يا واكلة ناسك إنتي؟
جمعت في دماغها وهي بتفكر هتعرفه عليهم ازاي لحد ما جاوبته:
ـ آه الاتنين خوات متجوَزين اتنين خوات برده في دار البرعي، اجوازتهم أصحاب محلات الأعلاف الكبيرة قوي اللي في الناحية الشرقية، اسمهم على وعبد الرحيم البرعي كمان يا سي "سند" بيه، والستات دول هيتفرعنوا علشان هما متجوَزين من كبارات البلد.
وهزت راسها لقدام وهي بتضرب كف بكف وكملت بغيظ من الستات دول وكبرهم:
ـ وأني كمان عرفتهم وأكدت عليهم ان الست "نغم" هانم تُبقى مرتك وقلت لهم عيب وهما طالعين بمناخيرهم السما وشكلهم ما هيهابوش حد واصل.
قطب جبينه بسخرية:
ـ كبارات البلد آه؟
طب انزلي قدامي دلوك هنروح مشوار لحد العمدة واياكي "دعاء" ولا الحاجة "رابحة" يعرِفوا حاجة عن اللي حُصل دي منك، يمين بعظيم هقـ.ــطع لك لسانك .
زمت باعتراض وهي بترد عليه:
ـ وه يا سي "سند" بيه هو انت مفكِر إنهم لحد دلوك معرفوش؟
دي اللي حُصل كان في السوق وفي لمح البصر البلد كلاتها عرفت، امال ايه خناقات الحريم داي هتُبقى اشهر من النـ.ــار على العلن، وزمانتها الست "رابحة" عرفت علشان متلاقيهاش عارفة وتاجي تجيب الطين على راسي وتقول "جليلة" قالت و "جليلة" عادت ها .
برق لها بغضب:
ـ اكتمي يابت وامشي قدامي بطلي كلام كَتير.
وأخدها ومشي راح على العمدة اللي استأذنه بالتليفون وهو في الطريق ليه إنه عايزه في أمر مهم، وأول لما راح لقى العمدة في انتظاره، فسأله بقلق لما شاف ملامحه المتوجمة:
ـ مالك يا ابو "مازن" شكلك ما يبشرش بالخير واصل اقعد اشرب قهوتك وهات ما عندك ؟
رد عليه "سند" بجدية:
ـ اللي حُصل يا عمدة ما كانش ينفع يُحصل أبداً، من ميتى وحريمنا هيتهزقوا ويتسبوا في البلد في الأسواق عادي اكده؟
استغرب العمدة وهو بيسأله:
ـ طب اهدى يا ولدي واحكي لي إيه اللي حُصل؟ كلمة سب داي كبيرة قوي ومن زمان ما حصلش الحاجات داي، أو هتلاقيك فهمت غلط؟
نادى "سند" على "جليلة" اللي كانت واقفة في مكان جانبي وهو بيطلب منها:
ـ تعالي اهنه يا "جليلة" واحكي للعمدة إيه اللي حُصل بالتفصيل.
قربت "جليلة" منهم وحكت كل اللي حصل كانت مرات العمدة قاعدة جنبه وموطية راسها بخزي من اللي سمعته وبعد ما خلصت "جليلة" اتكلمت:
ـ الكلام دي حُصل فعلاً يا عمدة، لساتها البت اللي هتساعدنا في شغل البيت حكيالي اللي النسوان دول عملوه لدرجة إنهم خلوا البنية تبكي من شدة كلامهم اللي زودوه عن اللازم.
"سند" بقى قاعد يغـ.ــلي وما بقاش طايق نفسه وخصوصاً لما سمع مرات العمدة قالت الكلام ده:
ـ طب يا "سند" يا ولدي اهدى واني هجيب لك حقك بالواجب والأصول طالما في شهود، والكلام اللي اتقال كَبير، على بالليل نعمل قعدة ونجيب فيها شيخ البلد والكبار وكل واحد يحكي اللي عِنده ولو مرتك ليها حق هخليهم يحبوا على راسها كمان.
حرك "سند" راسه برفض وهو بيبلغ العمدة بتصميم:
ـ دلوك يا عمدة،  ما هستناش ولا دقيقة واحدة لبالليل هتبعت لهم وتبعت لشيخ البلد وكباراتها ياجو دلوك هتلاقيهم قاعدين في محلاتهم متلقحين وسايبين حريمهم يدوسوا على خلق الله.
اتنهد العمدة بغلب وبعت غفير لشيخ البلد وغفير تاني لتلات رجالة بيقعدوا معاه دايماً في القعدات العرفية وبعت كمان لأولاد البرعي علشان المشكلة تتحل وبعد نص ساعة كان كله موجود وطبعاً مش فاهمين حاجة فبدأ العمدة يحكي اللي حصل، فالأخ الكبير نطق بذهول وهو بينفي اللي حصل من الستات بتاعتهم بطريقة غشيمة:
ـ كيف الكلام اللي هتقوله دي يا عمدة؟ هو إحنا متجوَزين ستات أي كلام دول ولاد ناس والعيبة عمرها ما تطلع منيهم، وليه ما يكونش هما اللي هيفتروا عليهم وهيقولوا كلام باطل.
رد "سند" بحدة ونظرات غضب بعد ما بص للعمدة باستئذان:
ـ ما تآخذنيش في الكلام يعني؛ هو أنتم حريمكم ولاد ناس وإحنا حريمنا ولاد كلب مثلاً...
الموضوع فيه شهود والكلام الكبير اللي اتقال من حريمكم كان على مرأى ومسمع من اللي موجودين في السوق كلياتهم ولازمن كيف ما أهانوها قدام الناس يعتذروا لها بندم قدام الناس.
رد الأخ الصغير وهو بيبص لـ"سند" من فوق لتحته بنفس الغشم:
ـ وه يا أبو عمو هتتفرد وتتني على إيه كأنك ما تعرِفش إنت هتتحدت ويا مين عاد؟ إذا كنت إنت "سند الناجي"  فإحنا ولاد
"محمود البرعي"  أكبر تاجر أعلاف في الصعيد كلاتها وحريمنا ما هتعتذرش لحد واصل.
وكمل بنفس الطريقة الحادة وهو بيبص لـ"سند" الند بالند:
ـ ولو طلع دي حُصل منهم يا ترضى إن إحنا نتفاهم وندفع فلوس قصاد اللي حُصل ونفضها سيرة يا خلاص كل واحد يروح لحاله دي خناقات حريم عادية ملهاش عازة نكبروها المواضيع التافهة داي.
كان "سند" بيبص له من فوق لتحته بتقليل من شأنه ورد العمدة قبل ما يرد "سند":
ـ ومن ميتى حد هيحكم في المجالس غير كباراتها يا ولاد البرعي كانكم ما هتعتبروش للعمدة وضيوفه  اعتبار واصل؟
إحنا اللي هنحكم باللي شايفينه صُح واللي هيرضي ربنا عاد.
وبص العمدة للرجالة اللي قاعدين في المجلس وسألهم عن رأيهم بعد طبعاً ما سمعوا شهادة "جليلة" وكمان البنت اللي هتخدم عند العمدة والاتنين كلامهم واحد، وكلهم كانوا نفس الرأي إنهم يعتذروا لها قدام الناس وطبعاً الحكم ده ما عجبهمش فرد الأخ الكبير برفض تام:
ـ معلش انتم كبار وعلى راسنا من فوق بس حريمنا ما هتوطيش راسها في الأرض وتعتذر لحد، إحنا هنأدبهم بمعرفتنا وهنمنعهم إنهم يتعرضوا لمرتك مرة تانية لكن ما هيعتذروش لحد واصل مهما حُصل.
ضـ.ــرب العمدة بعصايتة في الأرض وهو بيبص لهم بغضب:
ـ وه هتكسروا كلام وحكم العمدة اعملوا حسابكم إني ما احضرلكوش مجالس تاني تخصكم وانتم مشاكلكم كتير يا ولاد البرعي ودي أول هام، تاني هام على رأي المثل هما هيضربوهم في حارة وهيصالحوهم في خندق حريمكم غلط والغلط لازم يتصلح ومش عيب إن اللي غلط في حق حد يعتذر له ويحب على راسَه كمان.
فضلوا مصممين على رأيهم لحد ما "سند" نطق باللي صدمهم:
ـ تمام طالما ما رضيتوش بحكم الكبار يُبقى انتم اللي بديتوها، اني كان ممكن آخد حق مرتي منكم بالطريقة اللي تخليها راضية عن حقها من غير ما أرجع لكباراتنا لكن شكلكم ما هتفهموش في الأصول وطالما مش هنمشيها بالأصول يُبقى دي اختياركم وكل واحد يتحمَل نتيجة اختياره، اكده عداني العيب يا عمدة ولا إيه عاد؟
بص لهم العمدة بغضب وهو بيرد على "سند":
ـ طول عمرك أصيل وواد أصول وهتفهم الصُح زين يا ولدي وعنديك حق في كل كلمة هتقولها.
قام "سند" من مكانه وهو بيبلغهم:
ـ اعملوا حسابكم ما فيش حباية تقاوي لأي محصول هتخرج ليكم تاني واللي مهتعرفهوش إن اني الوحيد في الصعيد كلاتها اللي معاي توكيل الأسمدة والتقاوي لكل المحاصيل، والتقاوي اللي أخدتوها بالأجل من شهرين هتدفعوا حسابها ايا كانت الملايين اللي عليكم، ودي أول هام لرد الاعتبار، تاني هام وهو الأهم هرفع على حريمكم قضية سب وقذف وما هسيبهمش إلا هما بايتين في الحجز الليلة وكيف ما شنعوا بسمعة مرتي في البلد كلاتها هيتشنع بسمعتهم في البلد كلاتها وهطلعكم عرر قدام الناس وما هخليكمش تبيعوا ولو شيكارة علف واحدة، وبلاغ محترم للضرائب اللي انتم هتتهربوا منها والبلد كلاتها على علم بالموضوع دي، طالما الأصول ما هتنفعش معاكم واصل.
الأخين انصدموا ما كانوش عارفين إن "سند" هو اللي معاه توكيل التقاوي والأسمدة والمبيدات اللي بيزرعوا بيها أراضيهم وبيستخدموها في صنع الأعلاف، ولما جاب سيرة الأجل اتأكدوا إن هو صاحب التوكيل فعلاً، وبدأوا يتراجعوا واحدة واحدة ونطق الأخ الكبير بعد ما بص لأخوه وهو بيحاول يتذاكى ويركب الرجالة الغلط:
ـ ومن ميتى الشغل هيتدخل في خناقات الحريم هي دي الأصول يا عمدة اللي هتتحدت عنيها؟! هو خراب البيوت علشان خناقات الحريم التافهة داي واتفاقات الرجالة في الشغل على الأجل بيدخل في القعدات يا كبار البلد؟
رد العمدة عليهم باللي خلى لا مفر من إن حريمهم تعتذر عن اللي حصل:
ـ ماليش دعوة بالكبارات إنت من الأول ما سمعتش حكمهم ولا رضيت بيه لأنه حكم الحق اللي غلط يتحاسب ويعتذر ويبين ندمه كمان علشان يحرم يغلط تاني وطالما ما اعتبرتش حكم الكبارات يبقى اللي "سند" هيقولوا وهيعمله محدش هيقدر يغلطوا فيه.
رد شيخ البلد بحكمة:
ـ اني شايف إن الاعتذار ما فيهوش حاجة هتقلل من قيمة حريمكم واصل وانتم اللي مكبِرين الموضوع، بدل ما تقضوها محاكم وخصوصاً إن اللي حُصل كان في السوق وفيه شهود كَتير وكمان الكاميرات هتجيب حريمكم وهما الباديين.
لقوا إن ما فيش مفر فقرروا إنهم يماطلوا في الموضوع وفي نفس الوقت ما يكسبوش عداوة "سند" اللي هم في غنى عنها وخصوصاً إنهم بيحبوا المال جداً وبيكرهوا الخسارة:
ـ طيب ادونا مهلة نفكر في الموضوع لأن الحريم ما هترضاش بالاعتذار علطول اكده حتى لو هنضـ.ـــربوهم بالنـ.ـــار، وسبوع اكده ونحل المشكلة.
رد "سند" بتصميم أذهلهم:
ـ هي ساعة واحدة من دلوك قبل ما ينفض السوق حريمكم تاجي تعتذر، يا إما يمين بالله العظيم لا هيكونوا بايتين في القسم النهاردة ومش بعيد أخلي صورهم تنور على صفحة وزارة الداخلية واني حبايبي ومعارفي في الحَكومة مالهمش أول من آخر، اني طول عمري راجل كافي خيري شري ولا هأذي حد ولا هتعالى على حد لكن نابي مر في اللي هياجي على أو على اللي مني.
"سند" رعبهم بكلامه وبتهديداته وخافوا من الفضايح وشافوا إن الاعتذار أقل الفضايح اللي هتحصل وخرجوا الإتنين على اتفاق إنهم بعد ساعة هيتجمعوا في السوق علشان يعتذروا عن اللي حصل،
خرج "سند" وأخد "جليلة" معاه وطلب من العمدة واللي كانوا حاضرين القعدة إنهم يحضروا اللي هيحصل، وهما راكبين في العربية طلب من "جليلة":
ـ اسمعي اللي هقول لك عليه يا "جليلة"،  عايزك بذكاوة اكده تعرِفي الحريم اللي تبعك عن اللي هيُحصل في السوق وعن الاعتذار اللي هيتم للست "نغم" بطريقة الحريم بتاعتكم داي، رايد حريم البلد كلاتها يشوفوا اللي هيحصل وهما هيعتذروا لها علشان ما فيش واحدة فيهم تفكِر تعمل عملتهم داي تاني، ويعرفوا إن حريم "سند" الناجي خط أحمر.
كانت "جليلة" متنحة له من اللي بيقولوا وردت عليه بفكاهة لا تناسب الموقف:
ـ وه يا سي "سند" بيه دي اللي ياجي عليك ولا على حد يخصك تبقى أمه داعية عليه في ليلة قدر، دي الرجالة كانت هتموت من الخوف لما وقفت لهم وقفتك داي الله أكبر عليك ربنا يحميك من العين.
بص لها "سند" نظرة أخرستها وهو بيقول لها:
ـ هو ده وقت هزار يا واكلة ناسك انتِ، بالك انتِ يا "جليلة" لو حد جه عليكِ وانتِ هتشتِغلي في دوار "سند" الناجي هجيب لك حقك لحد عِندك وداي أصول ومحدش يحيد عنيها أبداً، واللي غلط في قانون "سند" الناجي لازمن يتحاسب.
أما عند "نغم" كانت قاعدة حاطة إيديها على وشها المحمر من الخوف لما شافت رسالتها وسمعتها وعرفت كمان إن "سند" استلمها وعمل لها إيموشن لايك باليد ومن وقتها وهي مرعوبة، لحد ما وصل البيت وأول ما سمعت صوته قلبها فضل يدق وخصوصاً إنها عارفة "سند" رجولته وكبرياؤه مش هيخلوه يعدي اللي سمعه بسهولة منها، وأول ما دخل قال لها بنبرة جادة:
ـ محدش يعزيكِ يا حرمنا المصون، قومي غيري خلجاتك داي والبسي عباية زينة واظبطي حجابك علشان ورانا مشوار ضروري.
قربت منه وعيونها بتبص للأرض ومش قادرة تواجه عيونه وهي بتعتذر:
ـ حقك علي والله الكلام اللي سمعته في الرسالة ما كنتش هقصدك إنت بيه، إنت خابر زين غلاوتك في قلبي، إني اتعرضت لموقف...
ولسه هتكمل كلامها اعترض بإيديه وهو بيأمرها باختصار:
ـ مش وقته الكلام دي عاد، يالا ورانا مشوار ضروري.
سألته بملامح مرتجفة وعيون زايفة:
ـ طب هنروح فين عاد؟
رد باقتضاب:
ـ هنروح السوق ومتسأليش كَتير.
أول لما عرفت المشوار اللي رايحينه اتأكدت على طول إنه دري باللي حصل من "جليلة" وقالت:
ـ هنروح نعمل إيه إني ما رايداش مشاكل ولا رايدة ألفت الانتباه ليا ولا الناس تجيب في سيرتي أكتر من اكده، اني اشتكيتهم لربنا وحسبنت عليهم وما هسامحهمش ليوم الدين، وما عايزاكش ياجي لك مشاكل ولا وجع راسي من وراي أكتر من اكده.
بص في ساعته وهو بيطلب منها باستعجال كأنه مش سامع هي بتقول إيه:
ـ ما فيش وقت نفذي اللي قلت لك عليه كلامك دي ملهش عازة عاد.
اتحركت من قدامه لما لقت منه تصميم وقلبها بيدق من اللي جاي وبقت خايفة لكن أكتر حاجة مخوفاها مواجهته من الكلام اللي قالته عند المقابر وخصوصاً إنها لما سمعته انصدمت من نفسها وما كانتش متخيلة إنها ممكن تتكلم عنه بالشكل ده لكن هي كانت في حالة غير وعي من الحزن والقهر اللي كانت فيه،
ساعات الإنسان لما بيكون مجروح من حاجة ويدخل في حالة حزن أو اكتئاب شديدة ما بيعرفش هو بيقول إيه ممكن يغلط ممكن يرجع يندم عن غلطه وممكن كمان ما يصدقش نفسه إنه عمل حاجة زي دي،
أما عند دار ولاد البرعي كل واحد ماسك مراته إداها علقة موت وهما بيزعقوا لهم:
ـ تك خابط في نافوخك منك ليها جرستونا وفضحتونا في البلد وخليتوا اللي يسوا واللي ما يسووش يتأمروا علينا ويؤمرونا بحاجات هتوطي راسنا في الأرض علشان لسانك وفضيانك منك ليها.
ردت واحدة فيهم من بين دموعها:
ـ إني ما هعتذرش لبت "حناوي" الخمورجي اللي أمها كانت هتشتغل خدامة حدا أبوي مهما موتوني ما هخرجش من باب الدار ولا هعمل العملة داي.
جوزها ضـ.ــربها بالقلم على وشها قلم شديد:
ـ كأنك مفكرة إنها لساتها بت "حناوي" الخمورجي، ولا بت الخدامة يا واكلة ناسك، بيتنا هيتخرب وشغلنا هيتدمر بسبب لسانكم اللي هينطُق بالباطل ليل ونهار، ما أنتم فاضيين ما وراكوش لا شغلة ولا مشغلة غير إنكم تجيبوا سيرة الخلايق، أهي اللي أنتِ هتقولي عنها بت خدامة داي متجوزة راجل من كبارات البلد اللي كنا هنعمل راسنا براسهم ودلوك وطيتوا راسنا في الأرض بسبب عمايلكم الهباب.
ردت التانية من بين دموعها:
ـ كنتوا ادفعوا لهم فلوس ولا إنكم تصغرونا وتصغروا حالكم ونعتذر للبت داي، حرام عليكم الموت أهون علينا من إننا نحني راسنا عاد قدام بت "حناوي" الخمورجي.
شاور لهم الأخ الكبير بإيديه وبزهق شديد:
ـ شوفي بقى منك ليها اللي مش هتخرج فيكم ويانا تحق نفسها على اللي عِملته واللي قالته تروح على دار أبوها وتُبقى طالقة.
واكد اخوه التاني على كلامه:
ـ ومش بس اكده يا أخوي جوز الست اللي انتم شتمتوها وسبتوها هيبيتكم النهاردة في الحجز واسمكم هينور على صفحة وزارة الداخلية وهتطلعوا على النت وبدل ما هتبقوا مفضوحين في الشوارع اللي حواليكم هتتفضحوا في مصر كلاتها وأهاليكم هتتبري منكم وعيالكم كمان.
وبعد شوية كانوا كلهم متجمعين في السوق "سند" واقف جنب "نغم" اللي منبه عليها تقف رافعة راسها وتبص في عينيهم بعين قوية وهم واقفين موطيين راسهم قدامها، وأول ما وصلوا كلهم كان السوق مليان ستات ورجالة أشكال وألوان علشان يتفرجوا على حريم البرعي وهما بيعتذروا لـ"نغم" اللي غلطوا فيها،
قربت الستات من "نغم" وقبل ما يتكلموا قال لهم "سند" وهو بيبص للناس وصوته عالي:
ـ الناس داي غلطت في حق مرتي وهم جايين دلوك يحقوا نفسهم ليها ويعتذروا عن كلامهم ليها وهيحبوا على راسها وهي يا تسامحهم يا ما تسامحهمش هي حرة عاد محدش يقدر يغصب مرت "سند" الناجي على حاجة واصل.
وطلب منهم إنهم يعتذروا بصوت عالي على مرأى ومسمع من الناس، كل واحدة فيهم جوزها بيبرق لها بغضب إنهم ينجزوا ويعتذروا علشان المولد ده ينفض وكفاية عليهم خزي ونظرات اشمئزاز من أهل البلد الموجودين في المكان، وقربت الستات منها ونطقت الأولى بصوت عالي لكن بتبص لها بقرف:
ـ حقك علي يا "نغم" وهاتي راسك أبوسها.
وقربت منها وباست راسها وهي مجبرة ومن جواها حاسة بنـ.ــار قايدة في ضلوعها وقربت التانية بنفس الشكل ونفس الكلام ونفس الطريقة واعتذرت من "نغم"، وهنا بص "سند" للناس وقال بشموخ:
ـ داي مرت "سند" الناجي اللي هيفكِر بس يأذيها بالكلام ما يلومش إلا حاله وإحنا المرة دي رضينا بالاعتذار المرة الجاية محدش عارف إيه اللي هيُحصل، اني راجل في حالي وكافي خيري شري وهحترم الصغير قبل الكَبير وهي كمان ست الناس وست الستات محترمة وهتعرف حدودها زين وقبل ما هتحترم الراجل اللي متجوزاه هتحترم حالها والكبير والصغير هيحسدها على أخلاقها.
وحضنها "سند" من كتفها وهو بيبص لهم بكبرياء لأول مرة ومشيوا وهي كانت ماشية جنبه متحاوطة بحنانه وكبريائه وكل البلد بقت تحسدها على إنها متجوزة راجل زي "سند" الناجي، وأول ما ركبوا العربية شكرته بامتنان:
ـ شكراً يا أجدع وأحن راجل في الدنيا، ربنا يخليك لي ويبارك في عمرك.
ما بصلهاش ولا رد عليها ولا كان بيتجاوب معاها في الكلام وطول الوقت صامت لحد ما وصلوا البيت نزلها وطلعت على شقتها وهو مشي بالعربية ومن جواه حاسس باختناق شديد من اللي حصل النهاردة منها وفي دماغه ألف قرار وقرار وقلبه بيعاند عقله لكن في النهاية هينفذ اللي في دماغه وعقله هينتصر على قلبه لأول مرة معاها.
                  *******
كانت "مهرة" قاعدة في المطعم الراقي الهادي، باصة في طبقها وسرحانة بشوكتها من غير ما تاكل لقمة واحدة، وشها باين عليه التعب والهم من كتر التفكير، بقاله شهرين غايب عنها ومختفى تماماً، لا حس ولا خبر ولا حتى مكالمة تطمن قلبها المكتوي بنار الشوق والخوف واللهفة عليه،
"مريم" كانت قاعدة قدامها، بتراقب حزنها وبتحاول تلطف الجو بضحكتها وهزارها اللي ما بيفصلش:
ـ يا بنتي ارحمي نفسك وارحمي الأكل اللي قدامك ده! الشوكة اشتكت منك والله! بعدين يا "مهرة"  هو "يونس"  أول مرة يغيب؟ ما أنتِ عارفة طبيعة شغله، فكي بقى ما تبقيش كئيبة كده مش متعودة أشوفك بالحزن ده يا بنتي.
ردت "مهرة"  بنبرة حزينة وملامحها مكتئبة وكأنها زادت ميت سنة على عمرها:
ـ هزري يا "مريم"  براحتك إنتي مهتحسيش بالنار اللي هتكوي قلبي،  شهرين كَتير قوي يا "مريم" ، شهرين لا صوت ولا كلمة ولا همسة ولا حتى رسالة تطمني إنه بخير! قلبي مقسوم نصين والله ومكسور من الخوف عليه، كل يوم أقول النهاردة هيتصل، النهاردة هسمع صوته، وما بلقاش غير السكوت اللي بيقتـ.ـــلني بالبطيء.
ضحكت "مريم"  وهي بتمثل الزعل:
ـ يا ستي طب وأنا أعمل إيه في ذنبي ده؟ عزماكي في أروق مكان في القاهرة عشان أفكك من مود الكآبة، تقوم تحرميني حتى من إنك تبتسمي لي؟ اضحكي يا "مهرة"  يهديكي ربنا، وبعدين مين عارف يمكن الدعوة اللي دعيتيها في سرك من شوية تكون مستجابة دلوقتي بالظبط!
"مهرة"  حركت رأسها بيأس وقالت:
ـ هدعي له يرجع لي بالسلامة، دي كل اللي حيلتي واللي أقدِر عليه، مكنتش أعرِف إني يوم ما هحب هتبهدل اكده، كنت مفكِرة حالي قوية ومفيش حاجة تهزني .
في اللحظة دي، وهي بتهز رأسها وبتبص للناحية التانية، حست بخطوات تقيلة وراهـا، وهوا دافي بيقرب من ودانها، وصوت رجولي بحة الشوق فيه تهز الجبال،  قرب منها وقال قال بهمس واطي وماليه الشوق:
ـ يا أهلاً بفتاة القمر اللي وحشت ابن النعمان وكان هيموت على إنه بس يشوفها.
الزمن وقف بالنسبة لـ "مهرة"، عيونها وسعت، قلبها دق دقة جامدة لدرجة حست إن صدرها هينفـ.ــجر، ودماغها وقفت عن التفكير، الصوت ده مش غريب، الصوت ده اللي كانت بتسمعه في أحلامها كل ليلة!
لفت رأسها بسرعة، قامت وقفت من مكانها وهي مش مصدقة عيونها، دموعها سبقتها ونزلت على خدودها وهي شايفاه واقف قدامها بطلته اللي خطـ.ـفت أنفاسها، بس ملامحه باين عليها إرهاق السفر والمهمة الصعبة، وقبل ما تسأله أو تنطق حرف، عيونها نزلت على دراعه الشيمال ولقته متجبس ومربوط في رقبته!
"يونس"  بص لها بابتسامة حنونة مليانة عشق وشوق سنين، وفتح لها دراعه اليمين السليم على آخره وقال بنبرة مليانة دفء:
ـ مش هتيجي في حضني ولا هتعملي مش مصدقة؟ او مكسوفة مثلاً يا مهرتي؟ كل حاجة فيكي وحشتني.
من غير ما تفكر في المكان، ولا الناس اللي قاعدين، ولا أي حاجة في الدنيا، "مهرة"  اندفعت ونطت جوة حضنه اليمين، حضنته بقوة وكأنها بتستخبى جوة أضلعه من العالم كله، "يونس"  قفل عليها بدراعه السليم وضغط عليها بقوة، ودفن وشه في شعرها وبيشم ريحتها اللي كانت وحشاه زي الهواء اللي بيتطلعه النفس، وشالها بدراع واحد وبقي يلف بيها المكان وهو أصلا بينسى نفسه والناس في وجودها وكأنها هي لوحدها اللي موجوده في الكون،
كانت بتبكي بصوت مسموع، ودموعها بللت قميصه، رفعت رأسها بلهفة وقلق شديد وبصت لوشه المجهد ولدراعه المتجبس وقالت بصوت مرتعش:
ـ "يونس" ! انت زين؟ إيه دي؟! دراعك ماله؟! حُصل لك إيه في المهمة الشوم داي يا "يونس" ؟ قلبي كان حاسس والله، اتأذيت كيف وإيه اللي جرالك؟
"يونس"  ابتسم بهدوء ومسح دموعها بإبهام إيده السليمة وقال بحنية:
ـ اهدى يا قلبي، اهدي يا "مهرة"  أنا قدامك أهو زي الفل وبخير، شوية خدوش ودراعي كلها اسبوع وافك الجبس، المهم عندي إني رجعت وشفت العيون اللي كنت هموت عشان أشوفها.
وقرصها من خدها بخفة وقال بمرح علشان يخفف عنها وهو بيبص لدراعه:
ـ وبعدين احمدي ربنا اني ما جيتلكيش بايد مقطوعه ولا رجل مقطوعه، ولا عين طايرة، ده احنا بنشوف أهوال يابنتي وكله فداء امنا حبيبتنا مصر.
شهقت برعب من كلامه:
ـ يا حزني! اخص عليك يا "يونس" وقعت قلبي، انت لازم تسيب الشغلانة داي وتشتغل حاجة تانية خالص، أني اكده هموت من الرعب والخوف عليك.
شدد على حضنها وهو بيطمنها وبيغمز لها بشقاوة، في الوقت ده، "مريم"  وقفت وضحكت بصوت عالي وهي بتبص لأخوها وتقول:
ـ أظن أنا كده عملت الواجب وزيادة يا سي "يونس" ! التخطيط والتمثيلية دي تمنها عزومة تانية لوحدي بقى!
"مهرة"  بصت لـ"مريم"  باستغراب وهي بتمسح دموعها:
ـ انتِ كنتِ عارفة يا "مريم" إنه جاي؟!
"مريم"  غمزت لها وقالت:
ـ طبعاً يا بنتي! الباشا كلمني أول ما نزل مصر وقال لي إياكِ تنطقي بحرف، وعملنا الخطة دي عشان نعمل لكِ أحلى مفاجأة وتشوفيه قدامك على طول، هسيبكم أنا بقى تعيشوا اللحظة وأستأذن أنا عشان عندي مشوار، باي يا أحلى عرسان!
"مريم"  انسحبت  وسابتهم، و"يونس"  مسك إيد "مهرة"  ودخلها الكنبة اللي جوة الفاصل الزجاجي في المطعم عشان ياخدوا راحتهم، وقعدوا قبال بعض، وإيده السليمة ما سابتش إيدها ثانية واحدة،
"مهرة"  بصت  له بعتاب وعيون محمرة من البكا:
ـ بقى اكده يا "يوني"  تقطع قلبي شهرين كاملين؟ كنت بموت في اليوم ألف مرة وأني معارفاش أنت بخير ولا جرى لك حاجة؟
ولما نتجوَز هتسيبني المدة داي كلاتها وتروح مهماتك واني هقعد مرعوبة عليك؟!
ما هقدرش أتحمَل الموضوع دي ولازمن تشوف لك صرفه فيه عاد.
"يونس"  مسك إيدها وباس باطن كفها بوسة طويلة، وبص لها بعيون مليانة شغف ورجولة وقال:
ـ وحياة كل لحظة وجع عشتيها بعيد عني، ما كان بإيدي يا "مهرة"  المهمة كانت في منطقة مقطوعة ومعفيين من أي وسائل اتصالات، بس صدقيني، مكانش بيمر عليا دقيقة إلا وطيفك قدام عيني، كنت لما أحس بالتعب أو الخطر، أغمض عيني وأفتكر ريحتك وصوتك، ألاقي القوة جت لي من وسع، انتِ كنتِ طوق النجاة بتاعي يا بنت قلبي، وكمان شغلي ده بعمله بحب وحماس مهما كانت المخاطر اللي فيه الا اني ما اقدرش غير اكون حضرة الرائد "يونس النعمان".
"مهرة"  وشها احمر من الخجل والنبرة الدافية اللي بيكلمها بيها، بس قلقها غلبها وقالت وهي بتبص لدراعه المتجبس:
ـ قل لي دراعك دي يوجعك قوي صُح؟ احكي لي إيه اللي حُصل بالضبط، طمني عليك.
"يونس"  ضحك بصوت واطي وجاوبها بشغب:
ـ إصابة ملاعب يا ستي! اشتباك صغير كده والحمد لله جت في السليم وربنا ستر، الدكتور قال لي أسبوع كمان والدراع يفك ويرجع زي الحديد، بس سيبك بقى من دراعي ومن المهمة ومن الدنيا كلها، إنتِ عاملة إيه؟ ليه حاسس إنك خسيتي ووشك دبلان كده؟ مش أنا قايل لك تخلي بالك من نفسك عشان لما أرجع ألاقيكِ عروسة بتنور؟
"مهرة"  ابتسمت بكسوف من تلميحاته وقالت:
ـ ونفسي هتفتح كيف للأكل وأنت بَعيد عني؟ البيت كأنه ضلمة والأيام كانت تقيلة قوي يا "يونس"  أنت مش مجرد زوج ولا حبيب، انت السند اللي بقوى بيه.
"يونس"  قرب منها أكتر، وبص في عيونها بنظرة شوق مليانة حب صريح وقال:
ـ عشان كده أنا مش هستنى يوم واحد زيادة تاني! كفاية لحد كده قوي، شهرين البعد دول أثبتوا لي إن أنا اللي ماليش وجود من غيرك، الشقة جاهزة، وكل الترتيبات خلصت، والفرش كمل على أكمل وجه وانتِ بنفسك اخترتي كل تفصيلة فيها.
"مهرة"  رفعت عيونها فيه بذهول وفرحة خفية:
ـ تقصد إيه يا "يونس" ؟
"يونس"  قال بثبات ونبرة رجولية قاطعة:
ـ أقصد إن جوازنا هيكون بعد أسبوعين بالظبط من النهاردة! أول ما أفك الجبس ده، هنعمل الاشهار ونتمم الفرح، مش هسيبك تبعدي عن عيني تاني ولا ليلة واحدة يا "مهرة".
"مهرة" قلبت الفكرة في دماغها، دقات قلبها تسارعت من الفرحة والخجل، ردت وقالت:
ـ أسبوعين قليل قوي يا "يونس" ! هنلحق نرتب أمورنا كيف؟
"يونس" ابتسم وقال:
ـ كل حاجة جاهزة، الشقة متوضبة على أرقى مستوى ومستنية صاحبتها تنورها، انتِ مش محتاجة تجهيز حاجة غير نفسك وبس، وأنا مش هسمح لأي تأخير تاني، انتِ خلاص دخلت جوه قبضة ابن النعمان مش هقدر استنى أكتر من كده.
"مهرة"  سكتت شوية، وبعدين ابتسمت برقة وقالت وهي بتبص له بكل حنية:
ـ ماشي يا "يونس"  اللي تشوفه، بس ليا طلب عندك وياريت توافق.
"يونس"  بص لها باهتمام وقال:
ـ انتِ تؤمري يا "مهرة" من العين دي قبل دي ، طلب إيه؟
ردت بصوت  دافي ومليان أصالة:
ـ عايزه أرجع البلد عند أهلي أعمل حنتي هناك وسط ناسي وخواتي والبنات اصحابي،الحنة الصعيدي ليها طعم تاني، وعايزة أفرح في بلدي قبل ما أجي معاك على القاهرة ونعمل فرحنا اهنه في أي قاعة نحجزها، ووقتها تكون إنت بيتي وسكني.
"يونس" ضحك بسعادة، وعيونه لمعت بالإعجاب بفكرتها وأصالتها، وقال بحماس:
ـ ومين قال إن ابن النعمان يرفض طلب لقمر الصعيد؟ من حقك تفرحي وتعملي أحلى حنة في الصعيد كله، وأنا بنفسي هاجي أخدك من وسط أهلك وبلدك بعزوة وفرح يكسر الدنيا! أسبوعين وتكوني هناك بتجهزي حنتك، وأنا هفك الجبس وراكي على طول وأجي لك بالطبل البلدي كمان لو تحبي .
"مهرة"  ابتسمت بفرحة كبيرة وقالت:
ـ ربنا يخليك ليا وما يحرمنيش منك أبداً يا "يونس" انت فعلاً عوضي الحلو في الدنيا.
"يونس"  مسك إيدها ورجع باسها تاني، وقال بنبرة هادية ورومانسية تسحر القلب:
ـ وانتِ روحي ونور عيني يا "مهرة" جوازنا ده مش مجرد حفلة وفرح، ده بداية الحياة الحقيقية لـ " يونس النعمان" .
                *******
كان قاعد على كرسي في الأوضة وساند راسه وعيونه مغمضة ومعالم الحزن مرسومة ببراعة على ملامحه، الأوضة جانبية في الشقة اللي بتجمعهم ببعض لكن مش أوضتهم، كانت بتدور عليه في الشقة كلها لحد ما وصلت الأوضة اللي موجود فيها واستغربت وجوده لأنها مقفولة للضيوف، قربت منه وقعدت قدامه ولمست كفوفه وهي بتندهه بصوت مرتعش:
ـ انت هتهرب مني ليه عاد؟
رد عليها باختصار وعيونه مغمضة زي ماهو :
ـ محتاجة حاجة؟
بلعت ريقها بصعوبة وجاوبته وهي بتحاول تفتح كلام معاه:
ـ جاية أشكرك على اللي انت عِملته معاي وجبت لي حقي من اللي أذوني بكلامهم، انت رفعت راسي .
رد عليها بنفس كلامه المختصر:
ـ الشكر لله .
اتجننت من طريقته وتجاهله ليها وخرجت اللي في قلبها ورجعت تاني لضعفها:
ـ أني قلت لك والله اني ما كنتش اقصد ولا اللي وصل لك دي كان نيتي، أني كنت موجوعة من سهامهم اللي رشقت في قلبي وهما هيتهموني إني ببدل بين الأخ وأخوه والله اتقهرت من كلامهم يا "سند" .
فتح عيونه وبص لها بخذلان ورد عليها باللي صدمها:
ـ وأني مرضلكيش الوجع يا بت الناس، وعلشان كلامك انك عمرك ما اختارتي أي حاجة ولا حتى الراجل اللي هيسكن حضنك واتغصبتي مرتين فــانتِ طالق يا "نغم".
الكلمة وقعت على قلبها زي الصاعقة قسمته نصين، كانت مصدومة ولسانها اتلجم من الذهول، بالرغم من إنها سمعت الكلمة دي تلت مرات قبل كده إلا إنها كأنها كانت بتسمعها لأول مرة ، انقبض قلبها وهي واقفة قدامه بتدمع بصمت وانهيار من جواها، ونفس حالتها متقلش عن حالته هو كمان كان واقف من جواه نار زي البركان عايزة تبلع كل اللي حواليهم واللي مش مخلينهم متهنيين ببعض، ملقاش منها غير البكا، فقرب منها ومسك كتافها بإيديه وهو بيعبر لها عن وجعه:
ـ شوفي يابت الناس اسمعيني زين وافهمي كلامي، احنا اه انجبرنا على جوازنا من بعض ويمكن كمان القدر مكانش هيخلي لينا نصيب احنا التنين، اني خابر زين إنك معشتيش حياتك طبيعية زيك زي أي بنت في سنك، خابر زين إن أحلامك انك تُبقى حاجة كيف خواتك اتبخرت وانتي لساتك زهرة صغيرة، وأعرِف كمان انك رضيتي باللي فات من عمرك واللي قضتيه وياي علشان دي غصبانية كيف ما قلتي وأني سمعت.
وكمل وهو موجوع من كلمتها اللي دبـ.ــحته بسكـ.ــــينة تلمة وهو راجل حر ميقبلهاش على نفسه:
ـ كلمتك انك انغصبتي على جوازك الاولاني والتاني ومكانش عِندك حرية اختيار شريك حياتك علمت في قلبي ، كوتني لدرجة متتخيلهاش، مكانش ينفع تحطيني في مقارنة واحدة مع كل الرجالة اللي ظلموكي.
نطقت من بين دموعها:
ـ بس انت خابر زين إنك مش شبههم ولا كنت ولا عمرك هتكون في مكانتهم الدنيئة جوة قلبي، انت خابر زين إني مهقدرش استغنى عنك يا "سند" ومهعرفش أعيش من غيرك، وانك حاجة تانية .
سألها بوجع:
ـ أني بالنسبة لك ايه يا "نغم" ؟
جاوبته بتيهة وألم:
ـ انت الحاجة الحلوة الوحيدة اللي في حياتي يا "سند"، إنت أماني.
ابتسم بألم ورد عليها:
ـ أمانك! اهنه مربط الفرس، اهنه عند الكلمة داي بالذات كل الحكاية، أني وجودي في حياتك وفي قلبك مجرد أمان وبس، لو كان ردك إني بالنسبة حبك وعشقك وروحك وكل كيانك كان الموضوع اختلف إنما أني بالنسبة لك مجرد أمان مقدرش يتبدل لعشق بيا يزلزل كيانك.
بعد عنها وادالها ضهره ووقف قدام الشباك يبص على السما وليلها والقمر الساطع اللي منورها وكمل:
ـ أني لما اتجوَزتك جوازنا الغير طبيعي واللي مكانش على البال ولا النية كان شعوري تجاهك أخوي كيف شعورك تجاهي بالظبط، بالرغم من إني كنت في احتياج لوجود حب حقيقي في حياتي إلا إني كنت شايفك أخت، لحد ما ربنا حللك ليا وزينك في عيني وقتها قلت أقرب بالراحة وأشوف معنى الإحساس اللي اتولد جواي دي ايه، يوم ورا يوم لقيت ربنا وضع عشقك في قلبي ووقتها أصريت إنك تكوني مرتي قولا وفعلاً، علشان أني لو كنت رايد واحدة لمتعتي كنت انتهزت الفرصة من أول يوم اتجوَزتك فيه ومكنتش قعدت بدل الشهر تلاتة علشان بس أقرب من حلالي بالهداوة، لكن عشقتك ومن جواي اتزلزلت بقربك وجربت وياكي وفي حضنك احساس مجربتهوش ومعشتهوش في حياتي، فبدأت أبقى سندك وأمانك وأني عارف زين انتي بالنسبة لي ايه.
ورجع بص جوة عيونها وكمل:
ـ ودلوك اتوَكدت إني مجرد حامي وأمان ليكي لكن انتي محبتنيش ومن جواكي لحد دلوك، إحساس انك انجبرتي علي مسيطر عليكي ، من جواكي خايفه درع السند والحماية اللي بمثله لك يتشال عنك والخوف جواكي انك ترجعي لسرداب الماضي تاني، مش هو دي إحساسك الصادق اللي طلع من قلبك لما بقيتي وحدك في القبر وطلعتي الحقيقة اللي جواكي؟
تاهت في كلامه مبقتش عارفة تحدد احساسها ولا شعورها، وعند ما قال لها إنها هترجع للماضي اترعبت ، اتزلزلت من جواها والخوف اتمكن منها تاني، وسألته بوجع :
ـ هتسيبني ليهم تاني يا "سند" ؟
هتسيبني أرجع لجلادي من جديد هنت عليك تنطقها؟
للدرجة دي مفرقتش معاك، للدرجة زهقت مني ومبقتش قادر تتحمَلني وطاقة الصبر اللي عِندك خلصت وكأن الدنيا رافضة تفتح لي دراعات الفرح ومصرة على إني أتوجع؟
كانت في اللحظة دي  زي اللي واقفة في نص بحر غريق ملوش قاع، الموج بيشدها من كل ناحية ومش عارفة هي بتغرق ولا بتتعلم العوم لأول مرة في حياتها، كلماته نزلت عليها شلت أفكارها، الخوف أكل قلبها، بس الخوف المرة دي مكنش بس من سمير ولا من الناس وقسوتهم، الخوف الأكبر كان من نفسها، من التيهة اللي مسكوبة جوة روحها من يوم ما اتولدت،
قرب منها "سند" بخطوات بطيئة، كانت ملامحه شايلة حزن الدنيا، لكن عينيه كان فيها حنية جارفة مليانة بكسرة راجل بيعشق لدرجة إنه يضحي برجولته وكبريائه علشان اللي بيحبها تكمل، مسك إيديها المرعوبين بين كفوفه الدافية، وشد على إيدها ببراعة الراجل اللي حابب يطمنها حتى وهو مدبـ.ــوح منها، وقال بصوت خفيض ومرتعش:
ـ أني مسبتكش ولا عمر السند اللي اتسندتي عليه يميل بيكي يا "نغم"، اطمَني أني مهسيبكيش للجلادين، ولا حد في الدنيا داي كلها هيعرف إني قطعت كل اللي بيناتنا وطلقتك! يمين الله ما حد هيسمع بالحوار دي ولا مخلوق هيعرف إننا اتفارقنا، هتفضلي اهنه في دارك أني كتبتها باسمك ومعاكي فيزا فيها ما يكفيكي ويفيض العمر كلاته، وهتفضل عزتك من عزتي وكرامتك من كرامتي، محدش يقدر يمس منك شعرة ولا ينطق في حقك كلمة تانية، أني واخدك في طوعي وحاميكي بروحي ليوم الدين، لكن كان لازم أفك القيد دي عن رقبتك علشان أني مرضاش أكون السجان اللي فكرتي إنك اتغصبتي عليه.
نزلت دموعها سخنة على كفوفه الممسوكة فيها، ولسانها عاجز إنه يفسر الوجع اللي جوة صدرها، التيهة كانت بتاكلها، هل هي بتحبه بجد؟ ولا وجوده في حياتها كان مجرد طوق نجاة اتشبثت بيه لما كانت بتغرق؟ هل مشاعرها ناحيته دقات قلب عاشق، ولا نبضات خايفة من الرجوع للظلم؟
"سند"  شاف في عيونها التايهة ضياع، وكان وشها قدامه زي الكتاب المفتوح، قاري كل اللخبطة والعقد اللي اتزرعت فيها من صغرها؛ من أبوها اللي قسي وما رحمهاش، لـ"سمير"  اللي كسر كبريائها وأهان إنسانيتها، لغاية ما جات هي في المحطة دي ومش عارفة تفرق بين العرفان بالجميل وبين العشق الحقيقي،
مسح دموعها بإبهامه بحنان موجوع وكمل وهو بيحاول يغالب العبرة اللي خنقته:
ـ أني يا "نغم" عشقتك.. عشقتك عشق مكنتش فاكر إنه موجود في الدنيا، مكنتيش بالنسبة لي مجرد ست بتكمل نقص أو بتديني اللي محروم منه، أني شفت فيكي روحي، وشفتك شريكة أيامي وأحلامي، بس الكلمة اللي طلعت منك عند قبر أبوكي، كلمة "والتاني غصبانية"، داي مكنتش مجرد كلمة، داي كانت خنجر اتغرس في نص قلبي! حسستني إني كأني كملت على الباقي من كسر احساس الفرض اللي فيكي، خليتيني أشوفني إني بقيت ظالم تاني انفرض عليكي علشان مفيش قدامك غيره.
قاطعه صوتها المكسور وهي بتبص له بتوسل:
ـ والله ما كان قصدي أكسرك يا "سند".. أني كنت بتحدت ويا أبوي، بفرغ القهر اللي كتمته سنين في صدري، كنت بتلوى من كلام الحريم في السوق ورميهم للتهم في وشي، كنت حاسة إني عريانة قدامهم ومحدش حاسس بالنـ.ــار اللي طالعة من جوفي! أني مش عايزاك تبعد،  أني كيف الهوا اللي بتنفسه معاك، هروح فين وأني مقدرش أخطوة خطوة برة حماك؟
"سند"  ابتسم بألم ومرارة، وهز رأسه بالنفي وهو بيطبطب على كتفها:
ـ أهي داي المشكلة يا بت الناس.. انك لحد دلوك مهتفرقيش بين الحماية وبين الحب! انك عايشة معاي علشان مفيش مفر تاني، علشان خايفة ترجعي للضلمة، أني مهسيبكيش للضلمة، أني هفضل ضهرك، بس هسيبك حرة.. حرة بجد ولأول مرة في حياتك! مش هضغط عليكِ ولا هطالبك بمهام زوجية ولا هقرب منك كراجل ومرته لحد ما أنتي تقعدي ويا نفسك وتصفي حساباتك، تاكلي اللي هتحبيه، تلبسي اللي هيعجبك، تنامي وقت ما تحبي، تصحي وقت ما تريدي، تكمَلي علامك كمان لو حابة.
وقف وانسحب خطوة لورا، ساب إيدها اللي كانت بتترعش، وبص لها بعيون مليانة خذلان صامت ورجولة مجروحة:
ـ الموقف دي هو امتحاناتنا إحنا التنين.. أني اختبرت حبي ليكي وطلعت بعشقك وخابر حالي زين ، ودلوك دورك انتي.. محتاجة تفوقي من الكتمان اللي جواكي، تفتحي قلبك وتقرري هتعيشي معاي علشان "سند" الراجل اللي اختارته روحك وعشقته حريتك، ولا علشان "سند" الجدار اللي بتستخبي وراه من قسوة الدنيا؟ انتي دلوك حرة يا "نغم".. مفهاش غصب تاني، ولا فيها رد جميل، حريتك في إيدك وهتفضلي اهنه معززة مكرمة ومحدش في البلد كلاتها هيعرف كلمة عن اللي دار بيناتنا ولا أم ولا أخ ولا أب لحد ما انتي تجاوبي على سؤالك بنفسك وتعرِفي انتي رايدة إيه بجد.
سابها وقام خرج من الأوضة بهدوء قاتل، وقفل الباب وراه براحة، وسابها واقفة في نص الأوضة تتخبط في التيهة.. بتلوم نفسها، وبتبكي على الجرح اللي علم في قلب أكتر بني آدم حماها وأكرمها، وفي نفس الوقت بتواجه لأول مرة في عمرها أصعب سؤال؛ هل هي ملكت حرية الاختيار، ولا لسه للنهاردة مجرد ضحية لمجموعة ظروف رمتها في حضن الأمان وهتفضل طول عمرها في دوامة التوهان؟ وبالرغم من إنها وجعته إلا إنه فِضل راجل معاها وراقي بأخلاقه وفضل ضامن لها الأمان والاستقرار والحماية حتى لو هو طلقها ومش تحت رعايته قولاً وفعلاً...
بس السؤال الأهم والأكيد هل هي بتحبه فعلاً ولا هو مجرد صورة راجل كانت بتتمنى إنه هو يكون الأول والأخير في حياتها؟
هل هترجع بإرادتها ليه ولا هتتنفس "نغم" طعم الحرية لأول مرة في حياتها ؟
أسئلة كتيرة قوي جوة قلوب ضايعة والمواقف والأيام هي اللي هتجاوب عليها في ملحمة النغم الحزين
تعليقات



<>