
رواية النغم الحزين بقلم فاطيما يوسف
رواية النغم الحزين الفصل الثاني والثلاثون32 بقلم فاطيما يوسف
السكون خيم على الشقة كلها، بس ما كانش هدوء عادي، كان سكات تقيل يخنـ.ـــق، كانت بتتنفس وجع من بعد ما الباب اتخبط ورا خروج "سند"،
"نغم" وقعت على الأرض في نص الأوضة، وقعة واحدة حبل أمانها اتقطع فجأة، الدموع نزلت من عينها زي النـ.ــار، وهي ضاغطة بإيديها الاتنين على صدرها بتحاول تكتم شهقاتها اللي كانت هتقطع نفسها، كلمة طالق كانت بتردد في ودانها بصوت يرعب، ما كانتش مجرد كلمة واتقالت، دي كانت سيف اتقسم بيه عمرها نصين؛ نص كان فيه أمان استكنت له، ونص تاني رجعت تايهة فيه في ضلمة الخوف بتاع زمان،
في اللحظات دي، أفكارها بدأت تاكل في دماغها؛ سألت نفسها وهي باصة للفراغ بعيون زايغة:
ـ هو أني اكده جرحت الراجل الوحيد اللي صاني؟ هو أني كنت أنانية لما طلعت قهر سنين عمري في الفويس دي من غير ما أعمل حساب لقلب كسر الدنيا كلاتها عشاني؟
غاصت جوة نفسها عشان تسأل روحها السؤال الأصعب والأقسى وكملت:
ـ هو وجودي معاه كان مجرد حفظ جميل لراجل نجدني من قرف "سمير" وقسوة أهلي؟ ولا عشقه زرع جذوره في قلبي بجد وأني مهحسش وعقدي القديمة وحياتي الضايعة كانت مغطية عليه؟
" نغم" حست في اللحظة دي إن الحرية اللي رماها في وشها ما كانتش طوق نجاة ولا حاجة، دي كانت أصعب امتحان دخلته في حياتها، امتحان لأول مرة تلافي نفسها فيه مخيرة ومش مسيرة.
على الناحية التانية، كان "سند" سايق عربيته في ليل الصعيد بسرعة جنونية، إيديه ماسكة الدركسيون بقوة خلت عروقه تتصلب، ونـ.ــار صدره بتغـ.ــلي بحيرة مش أقل قسوة، راجل كبرياؤه اتهد وهو في قمة عشقه، ما ندمش إنه جاب لها حقها، ولا إنه وقف زي السد المنيع قدام الكل من يوم ما عرفها، بس مرارة كلمة "غصبانية" كانت بتقطع في رجولته،
كان متلخبط بين قلبه وكبريائه؛ عقله بيأمره إنه يبعد، يفكره إنه راجل حر ما يقبلش ست تكون في حضنه لمجرد رد الجميل أو عشان خايفة من القهر، وقلبه يصـ.ــرخ من الشوق لملامحها، لضحكتها، وللدفا اللي ما داقهوش غير معاها، سأل نفسه بكسرة:
ـ هو أني كنت سجان ليها وأني مواخدش بالي؟ ولا أني الحب عماني وما شفتش الخوف اللي في عينها؟
كان عارف إن قراره بإنها تفضل حرة معاه تحت سقف واحد مجازفة تقطم الضهر، بس كبريائه رفض ياخد منها أي حاجة ما تديهالوش برغبة صافية وعشق خالص من غير أي سلاسل من الماضي،
وبين "نغم" الضايعة في صمت المكان، و"سند" التايه في ضلمة الطريق، كانت العلاقة بينهم كأنها واقفة على شفا حفرة من نـ.ـار؛ حيرة روحين بيموتوا في بعض، بس كبرياء الجرح وعقد السنين رافضين يتراجعوا خطوة واحدة لورا،
*******
ـ هو إنتي علطول اكده هتبكي عمال على بطال يا ست "نغم"، لامؤاخذة يعني اسفوخس عليكي ضيعتي هيبة النسوة واصل ، دي الستات دلوك مفتريين وهيمشوا الرجالة على العجين ما يلخبطوه وإنتي قاعدة تندبي لي طول الوقت، صحوبيتك تجيب اكتئاب الصراحة.
بصت لها "نغم" على طريقتها الفكاهية وكأن المصيبة اللي فيها حاجة عادية بالنسبة لها:
ـ يعني هقول لك "سند" طلقني وانتي عايزاني معيطش وأبقى عادي اكده؟!
كانت بتاكل الرز المعمر وهي بتستلذ بطعمه، رفعت عينيها والمعلقة رايحة ناحية بقها وقفتها وهي بتقرأ نظراتها ليها وابتسمت ببلهاء وظهر صف أسنانها البيضا وهي بتقول لها بمرح:
ـ طبعاً هتقولي في بالك دلوك ايه الست اللي ما حداهاش ريحة الدم داي هتاكل وتتمزك واني قاعدة هبكي .
وكملت باستمتاع وهي بتاكل معلقه الرز المعمر :
ـ بصراحه اكده الرز المعمر بتاعكم غلب بتاع أمي، له طعم مختلف تماما ما عارفاش عامل كيف الإدمان معلقة هتجر عشرة، وأني ضعيفة قدام الرز المعمر بالذات.
وقربت منها وهي بتشاور لها بايديها إنها تيجي ناحيتها وتقرب من وشها وكملت بخفة:
ـ وأزيدك من الشعر بيت كمان بس متزعليش مني؛ المعمر بتاع "رابحة" أحسن رز معمر أكلته في حياتي حتى أحسن من بتاعك، في الرز المعمر بالذات "رابحة" الحرباية داي تكسب.
ابتسمت من بين دموعها أخيرا وهي بتبص لها بنفس الاندهاش وكملت :
ـ أمممم...هتبكي يعني علشان قال لك انتِ طالق؛ عادي الكلمة داي سمعتها قبل اكده نحن السابقون وانتم اللاحقون، ما تقلقيش من خلال تجربتي هقول لك هيرجع لك مسلم ومآمن لو انتِ هتحبيه صُح؟
وعند الكلمة دي اتوقفت عن الكلام وسألتها باستطلاع:
ـ هو إنتِ صحيح هتحبيه ولا لاااه؟
اصل جوازاتكم داي غريبة وما سألتكيش السؤال دي قبل سابق؟
نطقت بشفايف مرتعشة وهي بتسألها بتيهة:
ـ هو كيف أعرِف إني هحبه يا "رحمة"؟
مطت "رحمة" شفايفها بإعجاب لسؤالها وردت عليها:
ـ أمممم... كيف تعرِفي إنك هتحبيه يا "نغم"؟
سؤال في محله و جيه في وَقته لأكتر واحدة هتفيدك.
وحطت "رحمة" المعلقة من إيدها بالراحة، ومسحت شفايفها بطرف منديل وهي بتبص لـ "نغم" بتركيز متقن، واتحول وِشها من الفكاهة والضحك للجدية الساحرة اللي بتخـ.ــطف القلوب، واستبدلت نظرات الخفة اللي في عيونها وحل محلها النضج والنظرة النفسية الثاقبة لست شربت المرارة في عشقها لـ"ماهر" علشان تنول قلبه ومشاعره،
ربعت "رحمة" رجليها على الكنبة قصادها وقربت جسمها لِقدام، وحطت كفوفها تحت دقنها وهي بتبص جوة عيون "نغم" المرعوبة والمشوشة، ونطقت بصوت دافي، هادي، زي نسيم الفجر اللي بيمسح على الجروح:
ـ الحب دي يا "نغم" مش كيميا معقدة ولا هو معجزة بتنزل من السما على عقولنا وقلوبنا، الحب دي حاجة أبسط وأعمق بكَتير من الدوشة اللي في دماغك داي، الحب بيتعرف من الوجع والراحة في نفس اللحظة، يسألك قلبك عن الشخص دي لما يغيب، مش علشان خايفة من أي حد حواليكي هيهدد أمانك لاه، ولا عشان محتاجة يسندك ماديا أو ظروف حياتك صعبة، يسألك قلبك عنه لمجرد إن الهوا من غيره بيبقى تقيل على صدرك، وإن المكان اللي هيجمعكم سوا بيُبقى فاضي وواسع زيادة عن اللزوم كأنه صحرا مالهاش آخر.
سكتت "رحمة" شوية، وشافت لمعة الدموع اللي بتلمع في عيون "نغم" فكملت أسئلتها:
ـ تعالي نسأل روحنا أسئلة صريحة وتجاوبيني عليها بصراحة ومن غير لفلفة، لما جوزك بيُِبقى بَعيد عنك لشغله ولانشغاله مثلا في بيته التاني ويدخل عليكي من الباب، قلبك بيفرح عشان الراجل اللي بيحميكي جه؟ ولا عشان "سند" ذات نفسه جه؟ بصي في عيني يا "نغم" وما تهربيش وجاوبيني بصدق، لما بيلمس يدك أو يطبطب على كتفك، مشاعرك بتتهز حيرة وخوف من الخوف من الماضي؟ ولا بتهدي وتستكيني وكأنك وصلتي لبر الأمان بعد طوفان غرقك سنين؟ لما بتنامي في حضنه على السرير بتفكري في إيه؟
بتفكري إن دي واجب وتقيل عليكي وبتحسبي الدقايق عشان يخلُص؟ ولا بترتاحي في حضنه وتتمني الليل يطول عشان تفضلي سامعة دقات قلبه تحت مسمعك؟
شفايف "نغم" اتنفضت، ونزلت دموعها زي المطر على خدودها، وحطت إيديها الاتنين على وشها وهي بتشهق:
ـ أني.. أني معرفاش يا "رحمة" أني عقلي طاير مني ومعرفاش أفكِر ، دماغي فيها الف فكرة وفكرة عتطحن بعضيها، أني خايفة! خايفة أكون ظلمته، وخايفة أكون بضحك على حالي! أني كبرت في وسط الخوف، من صغري وأبوي حاطط القهر فوق رقبتي، وبعديها "سمير" اللي نهب مني سنين حياتي الحلوة وعزة نفسي ومسح بيا الأرض، أني ما عرفاش يعني إيه اختيار، أني طول عمري مسيرة، طول عمري بتنقل من سجن لسجن، فلما جيت لـ "سند"، حسيته الباب المفتوح، حسيته النور وسط ضلامي، كيف أفرق دلوك بين إن النور دي بهرني عشان كنت في العتمة، وبين إن أني عشقت صاحب النور دي بالذات؟!
ابتسمت "رحمة" بنظرة هادية، وقامت من مكانها وقعدت جنب "نغم" ، مسكت إيديها الاتنين المرعوبين وشدت عليهم بحنية وقوة في نفس الوقت، وقالت لها بصوت مليان شجن وعمق نفسي يزلزل الكيان:
ـ أهي داي العقدة يا "نغم"، دي مربط الفرس اللي مسبكاه عقدتك النفسية ومكتفاكي بيه، انتِ فاكرة إن العشق لازم ينزل عليكي في الفراغ! فاكرة إن الحب الحقيقي دي بيجي لست قاعدة متهنية في بيت أبوها حاطة رجل على رجل مبتشتكيش من حاجة! لاه يا بت الناس كلنا حدانا هموم ولو اطلعتي عليها لحمدتي ربنا على همومك، ربنا لما بيحب يرحم عبده المقهور، مبيبعتلوش حب في الظروف العادية، بيبعت له العوض، والعوض يا "نغم" دي أعظم درجات العشق!
ضيّقت "رحمة" عيونها وبصت جوة عيون "نغم" بقوة وقالت:
ـ "سند" مش مجرد باب مفتوح ولا مجرد نور يا "نغم" جوزك هو اليد اللي اتمدت لك وانتِ في قاع البيرؤ انتِ ليه فاكرة إن العرفان بالجميل ضد الحب؟ مين قال إن لما تعشقي راجل عشان حمى كرامتك، وعوضك عن قسوة الدنيا، وخلاكي تمشي مرفوعة الراس قدام اللي يسوى واللي ما يسواش، إن دي مش حب؟! هو الحب إيه غير إنك تشوفي راجل بمية راجل حنين عليكي في زمن القسوة؟! إنتِ فاكرة إن الحب الحقيقي انك لازمن تعرِفي واحد قبل ما تتجوَزيه ويرسم عليكي خيالات حبه وانتِ تُبقي مختاراه بإرادتك يُبقى دي الحب؟
بنات كَتيرة قوي يا "نغم" وقعت في قصص الحب الرخيصة داي وانتهت حياتها بالطلاق المدمر؟ كلام فاضي يعني، الحب الحقيقي بيتبنى على الوجع اللي بيتمسح بلمسة يد، على الخوف اللي بيمشي لما تلمحي ضله بس بيقرب عليكي.
انكمشت "نغم" في مكانها وقالت وهي بتبكي بمرارة:
ـ بس هو قال لي كلامه دي وعليها براني من حبه! قال لي أني هحميكي وهديكي الأمان وسابني تايهة وضايعة، قال لي الكلمة اللي طلعت منك عند قبر أبوكي داي كانت خنجر اتغرس في نص قلبي! قال لي أني مرايدش أكون سجانك التاني ولا العوض اللي اتفرض عليكي عشان مالكيش ملجأ غيري! قال لي انتِ طالق يا "نغم" بيني وبينك، وروحي دوري على حريتك واعرفي انتِ رايدة إيه بجد! كيف أرجع له بعد ما شفته مكسور بسببي؟ كيف أقرب منه وهو قفل الباب في وشي وقال لي انتِ حرة؟!
ضحكت "رحمة" ضحكة خفيفة مليانة حكمة وغمزت بعينها:
ـ "سند" راجل أصيل يا "نغم"، راجل صعيدي كبريائه يوزن بلد، راجل لما يعشق، بيعشق بعزة نفس وكبرياء، هو ما طردكيش من حضنه علشان كارهك، هو طلعك بره حضنه علشان هيموت فيكي وهيعشقك كمان، هو جرحه مش إنك مهتحبيهوش، جرحه إنه خايف تكوني عايشة معاه تقضية واجب أو خايفة من الرجوع للشارع! كبريائه كراجل اتجرح لما سمع كلمة "غصبانية"، حس إنه بقى كيف "سمير" وكيف أبوكي، سجان جديد واخدك بالحاجة والقلة!
"سند" ادالك أعظم هدية ممكن راجل يديها لست مكسورة، ادالك الحرية علشان لما ترجعي له، ترجعي له وانتِ وافقة على رجليكي، مش زاحفة على ركبتك عشان خايفة!
سكتت "نغم" فجأة، ودموعها اتعطلت في عينها، وبصت لـ"رحمة" بشرود، والكلمات بدأت تدور في عقلها وزي ما تكون بتفك رموز طلاسم كانت مقفولة في دماغها من سنين، "رحمة" كملت وهي بتهز إيد "نغم" بالراحة:
ـ هسألك سؤال نفسي عميق قوي يا "نغم" وسيبك من "سند" ثواني.. لو بكره الصبح صحيتي من النوم، ولقيتي خبر إن "سمير" مات، وأبوكي طبعاً مات الله يرحمه، وأهلك كلهم ماتوا، والبلد كلها نسيت قصتك، وبقيتي معاكي ملايين ومعاكي شهادات وبيت ملكك بَعيد عن كل اللي حواليكي، ومحدش يقدر يمس منك شعرية ولا يهددك واصل، لو بقيتي حرة بنسبة مليون في المية وما ورراكيش أي خطر في الدنيا..
هل في اللحظة داي، وانتِ حرة ومؤمَّنة ومبسوطة، هتحسي إنك ممحتاجاش "سند" في حاجة هتنسيه؟ ولا هتقومي تجري وتدوري عليه وتترمى في حضنه وتقولي له؛ تعالى يا "سند" شاركني حريتي وفرحتي؟
سؤال "رحمة" كان زي الصاعقة اللي نزلت على النقطة المظلمة جوة روح "نغم"،
اتسعت عيونها وقلبها ضـ.ــرب جوة ضلوعها ضـ.ــربة جامدة هزت كيانها كله، اتخيلت المشهد في لحظة؛ اتخيلت إنها حرة، غنية، مفيش "سمير"، مفيش كلام حريم في السوق، مفيش أي قهر، اتخيلت نفسها واقفة في بيتها الواسع لوحدها، وبدأت تدور بوسع عينيها على "سند"، اتخيلت إنها مش قادرة تفرح بلحظة واحدة ولا بطعم الحياة إلا لما يكون "سند" واقف جنبها، ماسك إيدها، بيبتسم لها بضحكته الدافية الحنونة، وبيقول لها إنتي كل اللي ليا،
شهقت "نغم" شهقة طويلة طلعت من قاع جوفها، وحطت إيدها على قلبها اللي كان بيدق بسرعة جنونية:
ـ أني.. أني مهقدرش أتنفس من غيره يا "رحمة" ،أني لو بقيت ملكة العالم كلاته من غير "سند" هحس إني مليش كيان وكأني عريانة في الخلا! أني لما اتخيلت حالي حرة ومحدش بيهددني، أول حاجة جات في بالي إني أروح لحد عنده، وأمسك في جلابيته وأقول له أني اخترتك انت بالذات من بين خلق الله كلاتهم علشان انت حبيبي قبل ما تكون أماني.
ابتسمت "رحمة" بانتصار، وعيونها لمعت بفرحة حقيقية، وطبطبت على ضهر "نغم" بقوة وقالت:
ـ أيوة اكده الله ينور عليكِ يا بت الناس! أهو دي بقى العشق الصافي الخالي من الشوائب! انتِ مكنتيش عارفة تحبي عشان كنتِ مستخبية ورا أوهامك وخوفك القديم، كنتِ فاكرة إن الخوف هو اللي بيحركك، لكن الحقيقة إن العقدة النفسية اللي جوه قلبك اللي أبوكي و"سمير" زرعوها فيكي كانت عامية عينك عن الحقيقة! انتِ بتحبي "سند" من أول يوم حماكي فيه، بس كنتِ خايفة تعترفي لنفسك عشان متتوجعيش تاني لو حُصل ظروف والضربة القاضية من "سمير" تاجي لك في أي وقت وتضيعه منك .
"رحمة" قربت وشها من "نغم" وقالت بنبرة شديدة التفكير والتحليل:
ـ انتِ عارفة عقلك الباطن كان بيعمل إيه يا "نغم" ؟ عقلك كان بيقول لك؛ اوعي تحبيه بجد يا "نغم"، عشان لو حبيتيه وسابك هتموتي! خليكي فاكرة إنه مجرد حماية وأمان علشان لما ياجي يوم ويمشي تُبقى خسارتك قريبة وما تتكسريش زي كل مرة، انتِ كنتِ بتبني سد بينك وبين حب "سند" عشان تحمي نفسك من وجع الفقدان! ولما رحتي عند القبر وتكلمتي في الفويس، طلعت منك الكلمة الغبية دي مش عشان انتِ مغصوبة عليه بجد، لاه عشان انتِ كنتِ بتحاولي تقنعي روحك وقلبك وكل حواسك إنك مش دايبة فيه عشان الخوف كان لسه ماسك في إيديكي.
"نغم" كانت بتسمع كلام "رحمة" وكأنها بتسمع طبيب نفسي بيفكك كل عقدة اتعقدت في حياتها من سنين الطفولة لحد اللحظة دي! كانت حاسة إن حزنها بدا يتقشر، وإن الرؤية أصبحت واضحة زي الشمس في كبد السماء،
سألتها "نغم" بصوت مبحوح ولهفة:
ـ طب والحل يا "رحمة" أني هعمل إيه دلوك؟ "سند" قفل على حاله وكرفني وقال لي انتِ حرة ومفيش بينا إلا كل جدية في التعامل لحد ما تشوفي روحك! كيف أثبت له إن إحساسي دي مش رد جميل ولا تمثيل؟ كيف أخليه يصدق إن "نغم" الحرة هي اللي بتترجاه وتطلب حبه بعشق صافي؟!
قامت "رحمة" ووقفت بثقة، ، وبعدين بصت لـ"نغم" وقالت بابتسامة هادية:
ـ الحل هيبدأ من عندك انتِ.. مش من عنده هو! "سند" ساب لك الملعب، وقال لك العبي يا "نغم" وريني حريتك هتوديكي فين، انتِ بقى ما تقعديش في الأوضة تندبي حظك وتبكي وتندمي! الراجل المجروح في كبرياؤه وكرامته وما بياجيش بالدموع والضعف ، الراجل اللي كيف بياجي بالثبات، بالتحدي، وبالحب الصريح الواضح اللي ميهابش حاجة واصل.
كملت "رحمة" بذكاء وثبات من تجارب الأيام:
ـ أول حاجة تعمليها ترمي توب الضحية دي في الزبالة! خلاص يا "نغم" ، مفيش "نغم" المكسورة المقهورة اللي مستنية حد يحميها! انتِ من النهاردة ست حرة، قوية، واثقة في نفسها، تطلعي من الأوضة داي النهاردة وإنتي إنسانة جَديدة، لما ياجي لك تقفي قدامه بنظرة عين حنونة متخجليش منه ، مش بنظرة باصة في الأرض كيف المذنبة! تحطي له الوكل وانتِ هتبتسمي في وشه، تتعاملي معاه كحبيبة شجاعة وتخليه يشوف تغيرك بعينه.
وقربت "رحمة" منها ووطت صوتها بيهمس مليان دهاء أنثوي راقي:
ـ وواحدة واحدة، لما يلاقيكي اتغيرتي، وما بقيتيش بتخافي من أي ظروف ولا من اي حد وبقيتِ بتتعاملي بحرية كاملة، ولسه متمسكة بيه وموجودة في بيته بملء إرادتك، ساعتها بس كبريائه هيهدى، وجرحه هيلتئم، وهيفهم إن وجودك جنبه دي مش علشان مالكيش مكان تروحيه، لااه دي عشان بيته هو المكان الوحيد في الكون اللي روحك اختارته بحرية كاملة!
"نغم" رفعت رأسها، ولأول مرة من سنين طويل طويلة، تلمع في عينها شرارة أمل وقوة حقيقية، دموعها جفت على خدودها، ونفسها الشديد المتقطع بدأ يهدى ويتضبط، بصت لـ"رحمة" بامتنان عميق لأنها كانت هي طوق النجاة الحقيقي اللي ربنا بعتهولها عشان يفتح عينها على مشاعرها الضايعة،
قامت "نغم" من مكانها، ووقفت بثبات، ومسحت آثار الدموع من على وشها بكفوفها، وقالت بصوت هادي بس مليان تصميم:
ـ عندك حق يا "رحمة" أني طول عمري كنت هظلم حالي وهظلمه معاي علشان كنت خايفة، بس النهاردة الخوف مات! "سند" اداني حريتي، وأني بحريتي داي هحارب علشان أرجع قلبه وكبريائه اللي اتكسر بسببي، مهسيبش سندي ومهسمحش للماضي يسـ.ــرق مني العوض الوحيد اللي ربنا رزقني بيه.
ابتسمت "رحمة" بسعادة حقيقية وأخدت آخر معلقة رز معمر وقالت بمرحها المعتاد:
ـ أيوه اكده هي داي "نغم" يالا بقى قومي ظبطي وشك المليان دموع دي واغسليه ، وروحي اعملي له كوباية شاي بالنعناع تظبط دماغي اللي صدعت بسبب مشاكلك اللي توجع الراس داي ، وفكري في "نغم" الجَديدة الحرة اللي بتعشق جوزها بإرادتها! وسيبيني أني بقى أخلص على بقية طاجن المعمر دي علشان أنزل امسي على ماما الحاجة "رابحة" قبل ما امشي ، وحشتني قوي اللي تنشك قعدتها كانت زينة وضحكتني گتير.
ضحكت "نغم" من قلبها لأول مرة، ضحكة صافية خرجت من أعمق نقطة في روحها، وهي حاسة إنها حطت رجليها لأول مرة في حياتها على أول طريق فهم مشاعرها الحقيقية، وإصلاح اللي انكسر بينها وبين "سند الناجي"، وقالت لـ"رحمة" وهي بتسألها بذهول:
ـ هتعدي عليها صُح ولا هتهزري عاد؟
حركت "رحمة" راسها بتصميم:
ـ اييه آمال اييه دي حبيبتي حبيبتي خمسة حبيبتي، مش أطمَن عليها بردو هي وولدها "سمير" .
ضـ.ـربت "نغم" كف على كف وهي بتتعجب منها:
ـ والله يابنتي إنتي مشكلة وكيادة ودماغك داي سم.
ردت "رحمة" بخفة وهي بتبتسم باتساع وظهرت أسنانها البيضة:
ـ بس قمر وكيوت واتحَب بسرعة والدليل ان "رابحة" الحرباية اللي ما تعرِفش تحب حبتني واتعلقت بيا كمان ولو لمحتني واني خارجة من عِندك وما عديتش عليها هتشك فينا واني كنت مزقوقة عليها، ولو وقعتي في مشكلة معاها بعد اكده ما هتلاقيش اللي هيحلها لك وياها.
رفعت "نغم" ايديها باستسلام وهي بتعترف قدامها:
ـ ياختيي الله اكبر عليكي دماغك ما بتونش من التفكير في اللي جاي واللي راح واللي حُصل واللي هيحصُل ، حاضر اعملي اللي شايفاه صُح، هروح أعمل لك كوباية الشاي علشان رايداكي في موضوع مهم بخصوص إني أكمل علامي.
******
دخلت "سما" الشقة بخطوات بطيئة، عيونها بتلمع بحدّة وغل مكتوم وهي بتراقب الشارع من الشباك الجانبي، لحد ما اتأكدت إن عربية أبوها "سند" اتحركت وبعدت عن الدوار، لفت وشها ناحية بيت "نغم"، وشفايفها اتلوت بابتسامة صفرا بتحكي حكاوي، الكلام اللي بخته "رابحة" في ودانها طول الأيام اللي فاتت كان بيغـ.ــلي في دمها من الخوف والرعب على أمانهم؛ كلام عن إن "نغم" جاية تاخد العز والخير، وإنها الكارت اللي هيقش الكل وتاخد "سند" من ولاده وتدمر بيت أمها "دعاء"، وإن سكوتها وهي شايفة أبوها رايح جاي على "نغم" هيخليها تدفع التمن من كرامتها وحقها في أبوها،
أخدت نفس عميق، ورسمت ملامح غريبة على وشها، وقربت من باب شقة "نغم"، وضربت الجرس،
كانت "نغم" واقفة قصاد المراية بتسرح شعرها وسرحانة بتحاول ترتب أفكارها وتستجمع القوة اللي أخدتها من كلام "رحمة"، لما سمعت الجرس، اتنهدت افتكرت "سند" هو اللي جاي لها، لكن أول ما فتحت الباب، اتفاجأت بـ "سما" واقفة على عتبتها لأول مرة،
"سما" ما استنتش انها تدعيها للدخول وزقت الباب بأطراف صوابعها ودخلت بخطوات واثقة، عينها بتلف في أركان الشقة بتفحص وتقليل، لحد ما وقفت قدام "نغم" ورسمت على وشها ابتسامة انكسار مزيفة، ونطقت بصوت هادي:
ـ إزيك يا... يا "نغم"؟ ولا أقول لك يا مرات أبوي؟ أصل بصراحة مانتيش عارفة الموقع دي لايق عليكِ ولا انتِ اللي فرضتي نفسك عليه بالعافية!
"نغم" اتفاجأت بوجودها وبنبرتها، بس افتكرت عهدها لنفسها؛ مفيش "نغم" المكسورة الخايفة تاني، وقفت بثبات، ورفعت راسها وبصت في عيون "سما" بهدوء وقالت بصوت صريح ورزين:
ـ أهلاً يا " سما" اتفضلي يا بت الغالي المكان مكانك، والبيت بيت أبوكي، بس نبرة الكلام بتاعتك داي غريبة عليّ، ماهو مش معقول تكوني جاية في الوقت دي علشان تسمعيني الكلمتين دول ؟!
"سما" ضحكت ضحكة تبان مكسورة، وحطت إيدها على قلبها وجسدت دور الضحية المظلومة ببراعة، وعيونها اغرورقت بدموع وكأنها مجهزها بلؤم شديد:
ـ جيت عشان أبوي مش موجود يا مرت أبوي! جيت عشان أقدر أكلمك من غير ما أشوف نظرة القسوة في عينه ليا بسببك لما تسمعي الكلام اللي هقوله لك زين، جيت وأني قلبي مقسوم نصين، وجايبة لك رجاي ورجا أمي المسكينة اللي هتموت في اليوم ألف مرة و انتِ واخدة منها جوزها وأبو ولادها، بزياداكي عاد تفرِقي بيناتنا إنتي دلوك ولادك في حضنك وبالقانون ومحدش هيقدر يمسك ، سيبي لنا أبوي احنا اولى بيه من اي حد.
قربت خطوة، ووطت صوتها بنبرة صعابنية :
ـ انتِ مشايفاش حالنا بسببك؟ مهتحسيش بالنار اللي قايدة في دارنا؟ أبوي اللي كان ما بيطيقش يغيب عننا ساعة، بقيت ألمحه كل يوم والتاني جاي لك اهنه، بيجري عشان يشوفك وهو ملهوف على شوفتك، عيونه متعلقة بيكي كأننا ما بقيناش لينا عازة في حياته .
"نغم" سمعت الكلام ده، وحست إن "سما" بتحاول تأنب ضميرها وتلعب على الحتة الضعيفة اللي معروفة بيها وسطهم وهو الخوف والضعف من أي حاجة حواليها ومن أي حد، بس "نغم" المرة دي ما تراجعتش، ولا ركبتها خبطت في بعضها زي كل مرة بمجرد ما حد يواجهها بحاجة أو يغلطها ،
بصت لـ"سما" بتركيز، مشيت خطوتين بهدوء وقعدت على الكرسي، وشاورت لـ"سما" تقعد، ولما "سما" فضلت واقفة بتمثل الزعل، اتكلمت "نغم" بصوت ناضج، عميق، ونبرة ثابتة زي الجبال وصدمتها باللي اكتشفته:
ـ خلصتي حديتك الملخبط دي يا "سما" واللي مش كد سنك واصل؟ فرغتي اللي الحجة "رابحة" بخته في ودانك قبل ما تعتبي الباب اهنه؟
"سما" اتصدمت من هدوء "نغم" وقوتها المفاجأة لأن "رابحة" طمنتها إنها تدوس عليها وميهماش لأنها جبانة، ونظرتها اتغيرت لثانية قبل ما ترجع تلبس توب المظلومة تاني، ونطقت بغضب مكتوم:
ـ "رابحة" ايه وكلام فاضي، ايه دخل ستي بالحوار دي؟
أني بتكلم عن وجع أمي ووجعي! بتكلم عن أبوي اللي اتقلب علينا.
ردت "نغم" بصرامة راقية وحاسمة:
ـ أبوكِ "سند الناجي" ما هيتقلبش عليكم عمره يا "سما" وانتِ خابرة زين إن أبوكِ عمره ما كان راجل قاسي ولا هيفرق في المعاملة، أبوك هيحبك إنتي واخوكي أكتر ناس في الدنيا، وعمر ما حد يقدر يزحزح غلاكم في قلبه سم واحد، اسمعيني زين وافهمي الحديت علشان أني مهكررهوش تاني، أني "سند" يُبقى جوزي وجودي في حياته بقى أمر واقع لا جدال فيه، وكون بقى اللي فهمك اني هفرق بيناتكم وهخليه يطلق امك والكلام الفاضي اللي مالي قلبك وعقلك دي وقلتي هتاجي تأثري علي علشان خاطر اطلب الطلاق من جوزي فدي أبعد ما يكون عن تفكير اللي حطيته في قلبك يا "سما"، وأني واثقة ومتوكدة إن أمك ما هتعرفش حاجة عن الكلام دي، لأني أني وهي معاملتنا زينة مع بعضنا وعمرنا ما اختلفنا على حاجة واصل، ولا هي عمرها جت علي في حاجة ولا إني جيت عليها اني كمان.
ووقفت "نغم" وقربت من سما بثبات، وبصت في عيونها مباشرة وكملت كلامها بثقة:
ـ إنتِ جاية دلوك وفاكرة إن "نغم" لساتها البنية المكسورة اللي هتخضع لأي حد يواجهها ويخليها تتنازل عن حقوقها؟
وتخليني ألم خلجاتي وأهرب؟ لاه يا "سما" اعقلي وافهمي صُح، مخاوفك اللي في قلبك داي، والمواويل اللي بيتغنّى بيها في ودانك عن إني جاية أفرق بينكم وبين أبوكم أو بينه وبين "دعاء" كلاتها كلام باطل وسم ملوش أساس من الصحة!
"سما" لوت شفايفها وسألت بسخرية ومرارة:
ـ باطل كيف؟ وأني شايفاه بعيني رايح جاي عليكي ومستبيع عشانك وهياكل الكل وهو هيدافع عنك حتى أخوه ابن امه وأبوه؟
"نغم" جاوبتها بثقة وعيونها مليانة صدق وأصالة:
ـ باطل لأن " سند الناجي" راجل دماغه توزن بلد ومهتمشيهوش حرمة حتى لو روحه فيها، وعمره ما كان ولا هيكون الراجل اللي يبيع بيته وولاده اللي من صلبه عشان ست تانية! ولا أني الست اللي تقبل على دينها ولا أخلاقها إنها تفرق بين راجل وعياله ولا تهدم بيت أمك، "دعاء" داي أني بشوفها كيف أختي الكبيرة، ورب العباد يعلم إني ما أحملهاش في قلبي غير كل احترام وتقدير، وعمري في يوم ما طلبت من "سند" ولا هطلب منه إنه يقلل منها أو يطلقها أو يجور على حقها وحقكم! جوازتنا داي يا "سما" انتِ خابرة زين إنها ما كانت بيد أبوكِ ولا بيدي ولا عمرنا سعينا لاكده واصل، كلاتنا اتحطينا في أمر واقع، ظروف وقدر انكتب علينا واحنا ملناش فيه يد.
"سما" حسّت إن "نغم" بتسحب البساط من تحت رجلها، فقررت تزيد من جرعة الخبث والهجوم الداخلي عشان تهز ثباتها:
ـ أمر واقع؟ طب وطالما هو أمر واقع وانكتب عليكي، ليه ما تمشيش؟ ليه قابلة تدخلي بين اتنين وتحطي راسك براس أمي؟ ما تسيبيه يا "نغم" طالما بتقولي إنك ما رايداش تظلمينا، سيبيه يرجع لمرته وعياله وماتنغصيش علينا عيشتنا.
"نغم" ابتسمت بمرارة، بس كانت ابتسامة قوة وكبرياء، وقالت بنبرة حادة وواثقة هزت جنبات الشقة:
ـ أسيبه؟! لاه يا "سما" داي بقى اللي مش هيحصُل واصل! أني مهسيبش "سند" ومش علشان أني هخاف من حد لو بعدت عنه، لاه دي علشان أني هعشق جوزي ومش عيب إن الست تعشق راجلها، هعشقه بقلبي وعقلي، الراجل دي حماني يوم ما الدنيا كلها جارت عليّ، صان كرامتي ورفع راسي قدام الكل، وأني عمري مااضيع الراجل اللي اداني كل حاجة حلوة تتمناها أي ست، اخترت إني أكون مرته وعلى ذمته لحد ما اموت.
"سما" وقفت متنحة، مش مصدقة إن "نغم" اللي كانت بتخاف من ضلها واللي ياما شافت بعينيها خوفها وذلها قدام ستها وما كانتش بتنطق واقفة بتقول الكلام ده بمنتهى الشجاعة:
ـ افهمي زين يا "سما" تمسكي بـ"سند" وحبي ليه مش معناه إني هكون حيطة سد بينه وبينك أو بينه وبين أمك، أبوكي لما بياجي اهنه، بياجي لمرته وحلاله، ولما بيمشي بيروح لمرته بردو ولولاده ، واهنه بيته وهناك بيته، هو راجل عادل وبيعرف يتقي ربنا في كل اللي حواليه، وانتِ بدل ما تفتحي صدرك للشر والغل، روحي افهمي أبوكِ صُح، واعرفي إن بنت "سند الناجي" لازمن تكون أعقل وأكبر من إنها تتبخ في ودانها سموم ملهاش عازة وهتدمرك.
"سما" كانت بتتنفس بسرعة، محاصرة بين قوة رد نغم وعمق كلامها ، حاولت تتكلم بضعف وتلملم بضايعها الخايبة:
ـ يعني انتِ فاكرة إن الكلام دي هيدخل عليّ؟ فاكرة إن هصدق إنك مش عايزه تاخديه منا؟
"نغم" قربت منها، وحطت إيدها على كتف "سما" بالراحة، رغم محاولة "سما" للابتعاد، ونطقت بصوت دافي مليان حنان وتحدي في نفس الوقت:
ـ هتصدقي يا "سما"، هتمشي الأيام وهتتوكدي بعينك إن "نغم" عمرها ما كانت ولا هتكون سبب في دمعة تنزل من عينك ولا من عين أمك علشان أني قلبي أبيض، هتتوكدي إن وجودي اهنه مش حرب ولا سباق، دي قدر، وأني صنت القدر دي وحافظت عليه لأنه كان حقي ، هتشوفي إن أبوكِ هيفضل أبوكِ الحنين اللي بيموت فيكِ، ولما تعوزيه هتالقيه قبل ما تنادي عليه.
"سما" بصت لـ"نغم" بذهول صامت؛ كانت جاية تتنمر وتظلم وتلعب دور المظلومة عشان تجبرها بالعافية على الهروب، لقيت قدامها جدار صلب من الفهم والحب والقوة، كلام "نغم" عن أمها "دعاء" وعن احترامها لبيت "سند" الأولاني قطع كل حبال الفتنة اللي "رابحة" دلتها عليه،
بلعت ريقها بصعوبة، وعيونها اللي كانت مليانة غل بدأت تتهرب من نظرات "نغم" الثابتة، مسحت وشها بقلة حيلة وقالت بنبرة مبحوحة فيها هزيمة مكتومة:
ـ ماشي يا "نغم" الأيام بيناتنا، وهنشوف إن كان كلامك دي حقيقة ولا مجرد كلام بتسكتيني بيه!
ردت "نغم" بهدوء وابتسامة راقية:
ـ الأيام بيناتنا يا "سما" والزمن هو اللي هيثبت لك إن بنت الأصول لما تعشق راجل، بتحفظه وتحفظ أهله وبيته، وما بتهدش عمار واصل.
لفت "سما" ضهرها وخرجت من الشقة بخطوات متلخبطة ومهزومة، وقفت برة الباب تاخد نفسها وهي حاسة إن الحرب النفسية اللي أعدتها بذكاء وخبث انقلبت عليها، وإن "نغم" بقت قلعة مقفولة بالحب والقوة مفيش أي سم يقدر يخترقها،
قفلت "نغم" الباب وراها بهدوء، وسندت ضهرها عليه، رفعت راسها للسقف وأخدت نفس عميق مليان راحة ونصر داخلي، لأول مرة تحس إنها مش مجرد ضحية للظروف، بل ست حرة اختارت حبها وحاربت عشان بيتها وحبها بثبات حقيقي.
********
كانت قاعدة في وسط أمها ومرات أخوها اللي اتكلمت بلؤم:
ـ قال هيقولوا يا "دعاء" إن جوزك كان واقف في السوق كيف السبع هيحضن ضرتك وجاب لها حقها قدام الخلايق كأنها هي اللي مرته أم عياله، وهيقولوا كمان الحريم اللي في السوق إنه شكله باين عليه هيعشقها وما عشقش مرة غيرها، ومن يوم اللي حصل ما وراهمش سيرة غير عشق زوجك لضرتك والعيون فضاحة، كيف الكلام دي عاد وانتِ كنتِ هتقولي إنه متجوزها بالاجبار والإتنين ما كانوش رايدين الجوازة داي واصل؟
ردت أمها بحسرة على حالها وهي بتخبطها على رجليها:
ـ ياما قلت لك ونصحتك ما توافقيش على الجوازة داي هتطلعي من المولد بلا حمص وهتطلقي وتاجي تقعدي جاري اهنه، والله يا "دعاء" يا بتي لا هتجيبي لي حسرة في قلبي، وأهي العيلة الصغيرة داي هتشيل الجمل بما حمل وهتجيب له أخ لولادك وانتِ ما هيبقاش ليكي عازة عنديه بسبب إنك هتحطي في بطنك بطيخة صيفي وهتسيبيه ليها وهتلاقي نفسك مطرودة بره حياة جوزك أبو عيالك، وأها حتى الناس خدت بالها وانتِ لساتك نايمة على ودانك عاد.
نفخت "دعاء" بضيق من كلام أمها ومرات أخوها وردت عليهم بثقة:
ـ "سند" راجل وعمره ما يعملها إلا إذا اني طلبت منيه الطلب دي، وحوار هيعشقها أو مش هيعشقها دي ما فارقش وياي في حاجة، هو هيعاملنا زين و"مازن" ولدي بقى تحت طوع أبوه في الرايحة والجاية واتوَدك في الشغل وياه وهيُبقى بعد أبوه الكل في الكل، يعني كلامكم دي ما هيسخنليش ودن عاد.
ردت مرات أخوها وهي مندهشة من برودها:
ـ وه إيه الطريقة الباردة اللي هتتحدتي بيها داي يا بت عمي؟ هو جوزك دي ما هتغيريش عليه ما فارقلكيش؟ هتتحملي كيف يُبقى في حضن مرة غيرك وكمان هيعشقها؟ إيه البرود دي اللي حداكِ؟!
داي الست مننا هتقفل على جوزها جوه ضلوعها بالضبة والمفتاح وهتخاف من إنه يبص بس لمرة غيرها، فما بالك إنه يتجوَز عليها ويعشقها كمان؟!
يا مري عليكِ وعلى قلبك الحجر ودماغك الناشفة هتنقطيني.
بصت لها "دعاء" بعيون حزينة وردت عليها:
ـ يعني عايزاني أعمل إيه يا بت عمي؟ آدي اللي حصل وآدي الله وآدي حكمته.
رفعت شفايفها باستنكار وهي بتجاوبها:
ـ تعملي إيه كيف؟ تدافعي عن حقك في جوزك وتخليه يطلقها، انتِ مرَته أم عياله وترجعيه لحضنك من تاني، اكده انتِ هتُبقي ست طبيعية، ما تزعليش مني انتِ دلوك حديت أهل البلد كلاتها من شرقها لغربها وخصوصي إنك متعلَمة ومتنوَرة ومعاكِ شهادة عالية.
لوت أمها شفايفها بغضب وغيظ شديد:
ـ ما فهماش هتفضلي هبلة لحد ميتى يا بت بطني؟ كيف ترضي بالوضع دي و انتِ كنتِ فاهمة إنه متجوَزها على أساس إنه ما هيعاشرهاش وفي الآخر بقيت حامل وهتخلف منه ومسيرها هتتساوى بيكي وهتبقى أم عياله كيف ما انتِ أم عياله؟ بس هي كفتها اللي هتربح لأنه هيعشقها هي ومتمسك بيها، وانتِ هتتركني على الرف مع السنين والأيام وهتُبقي ماضي ما يتبكيش عليه ولا يتبص له من الأساس.
قامت "دعاء" وهي بتبص لهم بغضب من كلامهم الشديد:
ـ يوه زهقتوني بحديتكم دي، مالكمش صالح بيا واني كيف ما قلتوا متعلمة ومتنورة وحداي شهادة عالية وما هبصش لكلام الناس واصل، وطالما جوزي هيعاملني بما يرضي الله محدش ليه صالح بالموضوع دي، اني زهقت منكم ومن الناس ومن حماتي ومن الدنيا كلاتها، وحتى بتي هتسلخني بكلامها دي ليل ونهار، وما عارفاش أعيش حياتي بدون ما حد يتدخل فيها واصل، ارحموني يرحمكم ربنا.
خلصت كلامها وسابتهم ومشيت، فقربت مرات أخوها من حماتها وهي بتقول لها بذهول:
ـ لااااه ياما لااااه بتك داي هتطير برج من نفوخي، معقول في واحدة هتفرط في جوزها بالسهولة داي؟ على اكده ضرتها هتكسب و"سند" ما هياخدش في يدها غلوة لما تسحبه تحت بساطها وبتك هتطلع من المولد بلا حمص من الميغة اللي حدا جوزها، كلمي أختك خليها تتصرف في الموضوع دي، هي مش داي بت أختها برضه؟ يعني في مقام بتها.
اتحسرت أمها عليها وهي بترد على كلام مرات ابنها:
ـ حماتها غُلبت وياها واني كمان غلبت وياها وأخوها "موسى" اللي مسافر بلاد بره غلب وياها، وكلاتنا هتاخد كلامنا من الودن اليمين تخرجه من الودن الشمال وهنهري في نفسنا وهي ولا فارق لها، هي حرة هي الخسرانة.
*******
دخل البيت ونادى على ولاده:
ـ يا "سما" يا "مازن" انتو فين يا ولاد، تعالو.
الاتنين خرجوا ملهوفين على ابوهم وجريوا على حضنه زي ما معودهم انه اول ما بيدخل البيت بيفتح لهم دراعه بالأحضان، وبعد ما قعدوا سألهم:
ـ طمنوني عاملين ايه وأحوالكم كيف، اتوحشتوني قوي؟
رد "مازن" بحماس:
ـ أني زين قوي يا ابوي وبقيت افهم في انواع التقاوي، وكمان بقيت أفرق بين الأسمد وبعضها، وعمي "علوان" هيبدا يعرِفني كل التجار اللي هنتعامل وياهم واللي دافعين على الترابيزه على طول واللي عليهم أجل، وكلاتها سنة ولا اتنين أني اللي همسك لك الشغل كلاته، بس وقتها هيبقى ليا مرتب وعمولة كبيرة على كل طلبية هتخرج سالكة.
ابتسم "سند" بنفس حماس "مازن" وحضن وشه بين ايديه وهو بيشجعه اكتر:
ـ عفارم عليك يا واد يا "مازن"، اهو اكده الواد لابوه، ما هي كل حاجة في الاخر هتُبقى تحت يدك، انت كبير خواتك وانت اللي هتعلمهم كل حاجة وهتحافظ على مالهم كمان.
ابتسم "مازن" وهو بيشدد على احضان ابوه:
ـ ربنا يديك طولة العمر يا ابوي وانت اللي تفضل حارس مالك، بس برده ما ردتش علي، هيبقى ليا عمولة ومرتب ولا هفضل اشتغل اكده من غير ما اخد فلوس؟
ضحك "سند" على كلام "مازن":
ـ وه عاد يا واد، لسه ما طلعتش من البيضة ورايد يتربط لك ماهية كمان! شكلك هتحب الفلوس وهتعشقها، واللي هيعشق الفلوس هتعشقه وهتمسك فيه بايديها وسنانها، اتشطر واني على قد شطارتك على قد ما هربط لك ماهية زينة، بس تحافظ على فلوسك وتحط القرش على القرش علشان يُبقى ليك شغلك الخصوصي وتوريني بقى شطارتك يا جدع.
ابتسم "مازن" بكبرياء وروعنه لكلام ابوه، اما "سند" بص على "سما" لقاها قاعدة مسهمة وما بتشتركش معاهم في الحوار، فسالها بقلق:
ـ مالك يا "سما" يا بتي، قاعدة ساكتة ليه وما تتدخليش في الحوار ويانا اني واخوكي كيف عادتك وتناغشينا، في حد مزعلك ولا ايه، ولا إنت تعبانة؟
ردت على ابوها بتيهة:
ـ اني زينة يا ابوي، بس امي من ساعة ما جت من عند ستي ام "موسى" وهي حابسة روحها في الاوضة وما اتغديتش لحد دلوك وما عارفاش فيها ايه؟
ردد "سند" اسم "موسى" بسخرية لانه مش ناسي له الموقف اللي حصل منه وانه كان عايز يتجوز مراته، لكن طرد التفكير ده من دماغه وهو بيسأل "سما":
ـ ليه يا بتي مالها، او هتلاقيها دخلت ترتاح من المشوار، انتِ عارفة أمك وقت ما بتخرج من البيت هترجع مفرهدة من الحر وهي اصلا ما هتحبش الخروج؟
بصت "سما" لابوها باستنكار وقالت له باعتراض:
ـ يعني ايه يا ابوي، هي امي دي مش بني ادمة هتزعل وفي حاجات هتضايقها، ومن المفروض عليك تجاهها انك تشوف سبب ضيقتها وتحاول تخرجها من الحزن اللي هي فيه، ولا انت هتعمل اكده مع مرتك التانية وبس؟
برق لها "سند" بغضب على طريقة كلامها:
ـ وه ايه طريقة اللي هتتحدتي بيها ويا أبوكِ داي يا "سما"، من ميتى واني هقصر مع امك ولا هي اشتكيت لك واصل، ولا انتِ من المفروض ما تتدخليش في الكلام دي واصل، وايه حوار مرتك التانية داي، من ميتى وانتِ هتحطي الموضوع دي في دماغك وهتنشغلي بيه كمان؟
اتعصبت "سما" وهي بترد على ابوها:
ـ المفروض يا ابوي ان اني كبرت، والمفروض برده لما اشوف امي زعلانة ومقهورة علشان انت متجوَّز عليها اني اقف صف امي وهدافع عنها، وكمان من حقنا انك تُبقى لينا لوحدنا وتعيش ويانا كل يوم وما تفوتناش لحالنا علشان تروح بيتك التاني، من حقنا عليك انك تكون ويانا كل يوم وما تخليش الناس تتكلم على امي وتقول انك هتحب ضرتها اكتر منها.
انصدم "سند" من كلام بنته وهو بيبرق لها بذهول، وحاول يتحكم في اعصابه وهو بيرد عليها علشان ما يزرعش الحقد جواها لـ "نغم"، وحاول يفهمها بهدوء وهو حاضن كتفها بين ايديه:
ـ ما تخليش الشيطان يدخل في قلبك يا بتي ويخليكي تبصي لحاجات بَعيدة عنك، هل أني قصرت وياكي في حاجة انتِ واخوكي؟ هل جيت في يوم من الايام كنتِ محتاجة لي او مش محتاجة لي حتى وما لقيتكيش صدري هيحضنك وهيطبطب عليكي بأسباب ومن غير أسباب؟ أبوكي ما عملش حاجة حرام ولا عيب ومتجوَز على سنة الله ورسوله وكمان بعلم امك وبموافقتها، وقبل ما اتقدم خطوة واحدة كنت واخد رايها، فبلاش تدخل الشيطان بيناتنا، "نغم" هتبقى ام اخوكي، يعني هتحبيها علشان هيبقى ليكي ضلع هيربطك بيها وهو اخوك اللي خلاص كلها شهر وياجي الدنيا.
اعترضت "سما" وكان ابوها ما قالش حاجة:
ـ يا ابوي الناس كلاتها هتقول انك ما هتحبش امي، ومع الايام هتركنها على الرف وكمان ممكن تطلقها وتستغنى عنها وهيتحدتوا عن قصة عشقك انت و"نغم" هانم؟
بص لها ابوها بنظرات غضب:
ـ ومن ميتى الناس ليها حق تتدخل في حياتنا، ومن ميتي الناس ما هتجيبش في سيرة العاطل والباطل؟ المفروض بقى اني امشي اسمع كلام الناس واخرب حياتي واطلق مرتي علشان الناس ترتاح؟ ما لكيش دعوة بكلام الناس يا "سما"، ومرة تانية ما هحبكيش تتحدتي في الموضوع دي تاني ولا تدخلي ما بيني وما بين امك، احنا الاتنين ما اشتكيناش لحد وهي كمان ما اشتكتلكيش عشان تدخلي بيناتنا، ومش معنى إنك كبرتي انك تحكمي على ابوكي يمشي حياته كيف طالما ما هقصرش وياكم.
لسه هتتكلم وترد عليه وتعترض منعها انها تتدخل في الموضوع، وسابها ودخل عند "دعاء" لقاها قاعدة على السرير مربع ايديها حوالين صدرها ومسهمة في الفراغ، فقرب منها وهو بيسالها:
ـ على اكده كلام "سما" صُح هتقول انك متضايقة من ساعة ما رجعتي من عند دار ابوكي، مالك يا "دعاء" ايه اللي حُصل هناك وخلاكي راجعة مقلوب حالك اكده؟
رفعت "دعاء" انظارها ليه وهي بتقول له:
ـ امي كانت هتديني درس كيف هعيش بقية حياتي لما تطلقني، الناس كلاتها في البلد ما لهمش سيرة غيري بعد اللي حُصل في السوق، هيتريقوا علي وهيقولوا اني هبلة علشان سايبة جوزي لحضن واحدة تانية.
نفخ بضيق من طريقة كلامها وصاح فيها:
ـ اوعي تكوني انتِ اللي قلتي لبتك الكلام دي ودخلتيها في الحوارات داي، لانها تقول نفس كلامك، "سما" ملهاش صالح بالحوارات الكبيرة داي يا "دعاء"، ما ترجعيش تاني لغبائك دي ويا بتك، اني ما صدقت ان حالها اتصلح واتعدلت شوي عن الاول، ايه اللي دخلها في الحوارات دي يا "دعاء" انُطقي؟
اتسعت ملامحها بسخرية من كلام "سند" ليها:
ـ على طول هتظلمني وتطلعني ام فاشلة يا "سند"، وعمرك ما هتغير الصورة اللي في بالك عني، خلاص انطبعت جوة قلبك وعقلك وما هتتزحزحش حتى لو قدمت لك طاعتي على طبق من دهب.
وكملت باللي صدمه:
ـ أمك هي اللي فتحت عيون بتك على الموضوع دي، وهي اللي خلتها تقول لك الكلام دي، بتك مظلومة ومن حقها تغير على امها وابوها وتدافع عن وجودنا واستقرارنا في البيت دي مهما حُصل، يعني أني ما ليش صالح، الناس وامك هم اللي ما هيرحموهاش وخلوها تتحدت وتفكر في الموضوع دي.
نطق "سند" بغضب وهو مش مستوعب اللي سمعه ولا اللي عرفه:
ـ امي... كيف الكلام دي؟ ومن ميتي العيال هيدخلوا في حرب الحريم دي؟
جاوبته "دعاء" بلا مبالاة:
ـ خالتي محدهاش عيال ولا كبار، وهو دي اللي حُصل وانت حر انت وأمك وبتك.
خرج "سند" زي الإعصار ونادى على بنته:
ـ "سما" اخرجي لي دلوك.
خرجت "سما" برعب وهي شايفه غضب ابوها اللي سألها:
ـ هسالك سؤال وتردي علي من غير لف ودوران عشان لو اكتشفت انك هتكذبي علي يا "سما" ما هيحصلكيش طيب عاد، ستك "رابحة" قعدت وياكي واتكلمت في الموضوع دي قبل سابق، وما تكدبيش يا "سما" علي علشان يمين بعظيم اني هعرف منك او من غيرك ووقتها متلوميش إلا حالك؟
انكمشت "سما" وخافت من ابوها وجاوبته:
ـ اه يابوي، قالت لي انك هتطلق امي، ويوم بعد يوم هتبعد عنينا وما هنشوفكش تاني، وهتحب عيال خالتي "نغم" وما هتحبناش وانها لازمن تخرج من حياتك علشان إحنا اللي منخرجش منيها عاد في يوم من الايام.
انصدم "سند" من اللي سمعه من بنته، وخرج من البيت زي الاعصار وراح على امه لقاها بتشرب شاي في الجنينة كالمعتاد، ونادي عليها من بعيد بصياح وغضب خلاها تتعجب:
حاجة "رابحة".....