
رواية اسيرة كبير الاحفاد الفصل الخامس5 بقلم هاجر سلامة
بدأت ساعات السجن الانفرادي تمر على لِيال كأنها دهور ممتدة من القهر البارد.
كانت الغرفة الواسعة التي شهدت أولى معارك عنادها قد تحولت فجأة إلى زنزانة حقيقية؛ النوافذ الخشبية الكبيرة أُغلقت بأوامر صارمة من همّام، ولم يعد ينفذ إلى عتمتها سوى خيوط ضئيلة من ضوء الشمس الصعيدية الحارقة.
طوال ثلاثة أيام، لم تذق لِيال طعماً للنوم، كانت تجلس في زاوية الغرفة المعتمة، تعانق ركبتيها بثوبها الأسود، وعيناها المنتفختان من البكاء تحدقان في الفراغ بجمود مخيف.
كبرياؤها الذي حاربت لأجله طوال سنوات دراستها في إسطنبول كان ينزف بغزارة، ليس لأنها محبوسة، بل لأن شرفها ونقاء سيرتها داسه الحاقدون بأقدامهم أمام العائلة بأكملها، ولأن زوجها الصعيدي الشرس آثر أن يصدق مؤامرة رخيصة على أن يستمع لنداء عقلها وفي الطابق السفلي، كانت الأجواء في القصر مشحونة بالترقب الصامت.
كان الحاج عبد الرحيم يجلس في المندرة عاقداً حاجبيه الكثيفين، تارة ينظر إلى ابنه صالح المنكسر الذي لا يجرؤ على رفع عينه في عين أبيه، وتارة ينظر إلى همّام الذي تحول إلى كتلة متحركة من الغضب الصامت.
لم يكن همّام ينام؛ كان يقضي ليله بطوله يذرع ممرات القصر كذئب جريح، يتنفس الشك الذي بدأ ينخر في عظام كبريائه
دخلت شذى إلى المندرة وهي تحمل صينية القهوة المعتادة، وعلى وجهها مسحة من الوداعة المصطنعة التي تتقنها.
اقتربت من همّام بخطوات متمهلة، وقالت بصوت خفيض ناعم حمل كل معاني الخبث:"اشرب قهوتك يا واد خالي.. خابرة إن جلبك شايل وحزنك واعر، بس الماوسة (المواساة) في إيدك أنت، والبت دي كانت واضحة من أول يوم إنها مش شبهنا ولا تلوق باسمك واصل. احمد ربنا إن الحقيقة بانت عاد بدري قبل ما تفضحنا وسط المراكز والخلج."
التمع الغضب في عيني "صالح" (والد لِيال) ووقف صارخاً بحرقة أب:"إخرسي يا شذى! بنتي لِيال متربية وأشرف من الشرف، والحديث اللي جيبتيه ده وراه إنّ! بنتي متمردة صوح ودماغها ناشفة، بس مستحيل تفرط في عرضها وعرض أبوها! إنتِ اللي عينك من همّام من يوم ما جيتي ورايد الخراب!"
ضرب الجد الحاج عبد الرحيم الأرض بعصاه بقوة جعلت صينية القهوة تهتز في يد شذى، وزعق بصوت جهوري:"اقعد يا صالح! الحديث ده عاد اتقفل، والبت محبوسة فوق بأمري وأمر جوزها لحد ما نشوف صرفة في العار ده. وأنتِ يا شذى، حطي القهوة وغوري على جوة، الحريم ملهومش عاد قعاد وسط مجالس الرجالة!"
خرجت شذى مسرعة والغل يأكل أحشاءها لأن همّام لم ينظر إليها حتى، بل كان يتأمل الفراغ وعروق جبينه بارزة بنبضات متسارعة. تذكر كلمات لِيال الأخيرة وهي تصرخ في وجهه: "الراجل بجد بيحمي مراته ويصدقها، مش بيصدق أول كدبة تتقال عليها عشان يكسرها!".
كان في نبرة صوتها المقهررة طاقة غريبة جعلت الشك في المحادثة يتسلل إلى عقله لأول مرة؛ فلِيال متمردة وعنيدة لدرجة الموت، ومن يملك هذا العناد الواضح لا يحارب في الخفاء أو يهرب كالكلاب الخائفة.
صعد همّام إلى الطابق الثالث بخطوات ثقيلة، وأخرج المفتاح الحديدي الكبير من جيب جلبابه، وفتح قفل الباب بعنف دلف إلى الغرفة وأغلق الباب خلفه كانت العتمة تلف المكان، ولِيال قابعة في ركنها كأنه طيف من الأحزان تقدم نحوها حتى وقف أمامها تماماً، ورما لقمة من الخبز وبعض الطعام على الطاولة الصغيرة وقال بنبرة رجولية جافة تقطر قسوة:"كلي.. أنا مأكلش في بيتي حُرمة تموت من الجوع، وعاد الحساب لساته مخلصش، ولا تفتكري إن السكوت ده هينسيني اللي قريته بيدي!"
لم تتحرك لِيال، ولم ترفع رأسها حتى لتنظر إليه، بل قالت بصوت مبحوح وجاف كأرض الصعيد في الصيف:"أنا مش هاكل من يد سجان ظلمني وصدق عليا كلام رخيص الموت عندي أهون من إني أبص في وشك يا همّام. إنت مش بس سجان.. إنت جبان، لأنك خفت تواجه الحقيقة وخفت تطلع إنت اللي غلطان قدام ناسك وجدك."
انتفض همّام، وانحنى بسرعة البرق ليمسك بياقة ثوبها الأسود ويرفعها إليه بقوة غاشمة حتى أصبحت عيناها الملونتان المنتفختان في مواجهة عينيه السوداوين المشتعلتين بنيران الشك والغضب صك على أسنانه وقال بهسيس مرعب:"أنا جبان يا بت صالح أنا همّام اللي الخلج كلها عتعمل لحسابه ألف حساب تليفونك والرسائل والصور اللي كانت واصلة من الواد المايع بتاع تركيا كدب أنطقي واصل.. الكدب ده مش عيمشي عليا، شذى لقت التليفون واجع من يدك والمحادثة مفتوحة!"
ضحكت لِيال بمرارة، وامتزجت ضحكتها بدمعة حارة سقطت على يده الحديدية القابضة عليها، فقالت بعناد جارف زلزل ثباته:"شذى! ههههه.. وطبعاً شذى الملايكة الطاهرة اللي سابتك لجل الفلوس هي اللي صادقة، ولِيال اللي سابت تركيا وجامعتها ومستقبلها وجت تحت رجليكم لجل تموت مع أمها هي الفا.جرة الخاينة؟! تليفوني أنا مبيفارقش جيب الشنطة بتاعتي، ويومها أنا كنت مع أبويا في أوضة أمي الله يرحمها بجمع لبسها.. تليفوني اتسرق من أوضتي دي يا همّام! المحادثة متفبركة، والرقم اللي مبعوت منه الرسائل ده رقم زميل ليا في الكلية صح، بس هو في تركيا ومعندوش رقم مصري واصل، والمحادثة مكتوبة بلغة صعيدية مخلوطة بالعامية.. هو التركي ده اتعلم الصعيدي في يومين يا ذكي؟!"
نزلت الكلمات الأخيرة على رأس همّام كالمطرقة التي حطمت جدار يقينه تجمدت أصابعه فوق ياقة ثوبها، واتسعت عيناه بذهول وهو يراجع تفاصيل المحادثة في عقله: بالرغم من أن الرسائل كانت تبدو وكأنها من حساب الزميل، إلا أن أسلوب الكتابة وبعض الكلمات كانت تحمل طابعاً محلياً جداً! تذكر كلمة "عأقولك" و"كيف ده" التي كانت محشورة وسط الجمل التركية المترجمة بركاكة!أرخى همّام قبضته ببطء، وتراجع خطوة إلى الوراء وعقله يدور في دوامة عنيفة من الصدمة.
نظرت إليه لِيال باحتقار شديد، وجلست مرة أخرى في ركنها، وأدارت وجهها عنه قائلة بنبرة كسر حقيقية:"اخرج برة.. واقفل الباب وراك بالمفتاح، بس افتكر زين.. إن الشرف اللي دست عليه بيدك ده، أغلى عندي من حياتي ومن قصر جدك كله، ويوم ما تظهر الحقيقة، مش هتقدر تبص في المراية وتشوف وشك!"
خرج همّام من الغرفة كالمجنون، وأغلق الباب لكنه لم يقفله هذه المرة. نزل السلالم بسرعة رهيبة والشك يعميه ويتجه به نحو هدف واحد تذكر أن "فهيمة" و"شذى" كانتا تتهامسان طوال الأيام الماضية في الممر المؤدي لجناحه. اتجه مباشرة نحو الجناح الخلفي حيث تجلس "صفاء" وابنتها فهيمة مع شذى يتناولن الشاي ويضحكن بنصر.وقف همّام خلف الباب المفتوح قليلاً، واستمع إلى صوت فهيمة وهي تقول بضحكة شامتة:"والله وطلعتي واصل أستاذة يا شذى! البت لِيال خلاص جدي هيمشيها برة البلد، وهمّام مش طايق ينطق اسمها، والملعوبة بتاعة الرسائل دي دخلت على عقلهم وعقول الصعايدة كلهم!"
ردت شذى بانتصار وغل:"أمال إيه يا خيتي؟ أنا شذى.. والبت دي كان لازم تتد..فن مكّانها لجل ما تعرف إن همّام بتاعي أنا وبس، ومفيش حتة بت جاية من برة تاخده مني!"
بمجرد أن نطقت شذى بجملتها الأخيرة، دفع همّام الباب الخشبي بكل قوته ليتحطم على الجدار، ودخل كالإعصار الجحيمي الذي اقتحم وكر الأفاعي.
صرخت النساء الثلاث برعب، وانتفضت شذى وتراجعت للخلف وهي ترتجف، بينما تحول وجه فهيمة إلى اللون الأصفر القاتل.تقدم همّام بخطوات مرعبة، وعيونه تقطر دماً وزئيراً رجولياً زلزل أركان الجناح:"ملعوبة صوح يا جِلة الحيا والشرف أنتو اللي عملتوا التمثيلية دي لجل تلطخوا عرض البت وتفضحوني وسط ناسي أنطقوا واصل قبل ما يكون دمكم حلال في الدار دي!"
امسك همّام بشذى من ذراعها بعنف شديد وعصر عظامها وهو يصرخ في وجهها:"التليفون جبتيه منين يا كدابة الرسائل دي اتكتبت كيف والواد في بلاد الترك أنطقي وإلا ورب العزة هقبرك مكّانك الليلة!"
بكت شذى برعب حقيقي وانهارت تحت ضغطه وقالت وهي ترتجف:"سامحني يا واد خالي أنا عملت إكده لجل بحبك البت دي أخدتك مني، وفهيمة هي اللي سرقت التليفون من أوضتها وأنا اللي كلمت الواد في البندر لجل يعمل الحساب الفيس بوك الكداب! سامحني يا همّام!"
التفت همّام إلى فهيمة وأمها صفاء بنظرة احتقار وقتل جعلتهما تقعان على الأرض تبكيان خوفاً من بطشه.
القى بشذى على الأرض بقسوة وقال بصوت يرعد:"أنتو عار على عيلة عبد الرحيم! الحساب معاكم عاد هيكون مع جدي وأبويا، والدار دي ملوكمش قعاد فيها واصل بعد الفضيحة دي!"
استدار همّام وخرج وعقله يغلي بمشاعر متضاربة؛ ندم حارق يعتصر قلبه، وخجل شديد من نفسه لأنه ظلم تلك الفتاة البريئة وكسر شوكتها بناءً على كذبة رخيصة.
صعد الدرج نحو جناح لِيال بخطوات ثقيلة ومترددة لأول مرة في حياته. فتح الباب ودخل، فنظرت إليه لِيال ببرود ومقاومة متوقعة خناقة جديدة.
وقف همّام أمامها، وتلاشت قسوته المعهودة وحلت محلها نظرة انكسار ورجولة جريحة، وقال بصوت منخفض ومتحشرج :"الحقيقة بانت يا لِيال.. شذى وفهيمة هما اللي عملوا الملعوبة، وأنا جيبت الناهية معاهم وهيتطردوا برة القصر."
نظرت إليه لِيال بابتسامة مريرة وبكل برود وقالت:"ومطلوب مني إيه عاد؟ أفرح؟ أزغرد واصل لجل ما ولد عمي الشديد عرف الحقيقة بعد ما داس على كرامتي وحبسني في الضلمة الحقيقة بانت ليك ولنفسك يا همّام، بس الجرح اللي في قلبي مستحيل يطيب، وأنا بكرهك وبكره ظلمك، ومن الليلة دي مفيش جواز بيني وبينك انت فاهم!"
وقف همّام صامتاً، والندم يأكله من الداخل، فهو يعلم أن رحلة كسب ثنائها وغفرانها ستكون أطول وأصعب معركة يخوضها في حياته، وأن عناد لِيال بعد الظلم سيتحول إلى قيد أقوى من الحديد يلف عنقه.