
رواية اسيرة كبير الاحفاد بقلم هاجر سلامة
مرت الأيام على قصر "الحاج عبد الرحيم" ثقيلة وجافة كرمال الصحراء في هجير الصيف. فرغم انقشاع سحابة الزور بطرد شذى وعزل العم منصور، إلا أن الجدران ظلت تشهد على معركة صامتة وعنيفة تدور خلف الأبواب المغلقة لجناح همّام ولِيال.
كانت لِيال قد أتقنت دور "الزوجة الصامتة"؛ تجهز ثيابه، وتعد طعامه، وتلبي طلبات البيت بدقة وهدوء يُشبه هدوء الموتى، لكنها لم تكن تمنحه نظرة واحدة أو كلمة زائدة عن الحاجة.
كان هذا البرود المصطنع ينهش في كبرياء همّام الصعيدي أكثر من أي صراخ أو عناد قد واجهه في حياته
وفي صباح يوم جمعة، تجددت نيران الفتنة بطريقة لم يحسب لها أحد حساباً. كانت العائلة تجلس حول مائدة الإفطار في الحوش الداخلي الواسع، وسط غياب منصور وعائلته، مما أضفى نوعاً من الوجوم على الجلسة.
تحركت العمة "رسمية" (العانس الحاقدة التي لم تتقبل أبداً تبرئة لِيال وعودة حظوة أخاها صالح عند الجد) بخبث وألقت بقنبلة موقوتة وسط المائدة.
نظرت رسمية إلى الحاج عبد الرحيم ثم التفتت إلى لِيال وقالت بنبرة تقطر سماً :"جرى إيه يا بت صالح؟ واه.. شايفاكي قاعدة واكلة شاربة وراسمة الهدوء، بس خابرين زين إن الواد التركي اللي كان معاكي في الجامعة لساته عيبعت مكاتيب ورسائل على مركز البريد في البندر باسمك! الخلج برة عتتكلم، وعيقولوا إن همّام حبسها صوح بس جلبها وعلامها لساته برة بلادنا.
توقف همّام عن الأكل تماماً، وتجمدت يده فوق رغيف الخبز، وارتفعت عروق جبينه بنبضات متسارعة، بينما سقطت الملعقة من يد والدها صالح الذي صرخ بغضب:"إخرسي يا رسمية! جرى إيه عاد؟ مش كفاية النصيبة اللي عملتها شذى وفهيمة؟ لساتك عتفتشي في عرض بنتي لجل خاطر غلك؟!"
لكن لِيال لم تهتز؛ وقفت بكل شموخ، ونظرت إلى عمتها ببرود وقالت بطريقة حادة:"من يبحث في دفاتر الماضي المتسخة لا يجد سوى القذارة يا عمتي. أنا لا أستقبل رسائل من أحد، وإذا كان هناك من يرسل، فالبريد مفتوح والمركز في البندر لا يخفى على أحد. لكن يبدو أنكِ لم تشبعي بعد من طرد منصور وعائلته وتريدين اللحاق بهم!"
ضرب الجد الأرض بعصاه وزعق لينهي النقاش، لكن همّام كان قد وصل إلى ذروة غليانه.
وقف بطوله الفارع، ونظر إلى لِيال بنظرة جحيمية، ثم التفت وخرج من القصر بأكمله تاركاً المائدة تشتعل بالترقب لم يتجه همّام إلى الأراضي الزراعية كما اعتاد؛ بل ركب سيارته الدفع الرباعي وانطلق بسرعة جنونية نحو البندر، وتحديداً إلى مركز البريد الرئيسي.
كان الشك والغيرة وصراع الكبرياء يعميان بصره. دخل إلى مدير المركز وهيبته الصعيدية سبقت خطواته، وبصوت رجولي هادئ لكنه يحمل وعيد الموت قال للموظف:"اسمعني زين يا ولد الناس.. أي جواب أو طرد واصل باسم لِيال صالح عبد الرحيم، يطلع في يدي أنا الأول قبل ما حد يشم خبره، وإلا ورب العزة هقفل المركز ده فوق دماغكم كلكم!"
ارتجف الموظف وأخرج من الأدراج مظروفاً كبيراً واصلاً من إسطنبول منذ يومين ومكتوباً عليه اسم لِيال باللغة الإنجليزية. انتزعه همّام من يده بعنف، وخرج إلى سيارته وقام بفتحه بيدين ترتجفان من الغيظ. كان المظروف يحتوي على أوراق رسمية من جامعتها في تركيا، وشهادة تخرجها الموثقة، ومعه رسالة قصيرة من رفيق دراستها التركي يبارك لها التخرج ويخبرها أنهم يفتقدون ذكاءها في مواقع العمل وأن تصميماتها الهندسية نالت الجائزة الأولى.اشتعلت النيران في صدر همّام؛ فالرسالة بريئة ومحترمة للغاية ولا تحمل أي خيانة، لكن فكرة أن هناك رجلاً آخر في هذا العالم يعرف قيمة ذكاء زوجته، ويخاطبها بتقدير حقيقي محروم هو منه، جعلت الغيرة تنهش قلبه كوحش كاسر. كانت غيرة مختلفة هذه المرة.. لم تكن غيرة على الشرف، بل كانت غيرة رجل بدأ يدرك في أعماقه أنه يمتلك جوهرة ثمينة وعنيدة، لكنها ترفض أن تلمع في يده.
عاد همّام إلى القصر في المساء والشرر يتطاير من عينيه.
صعد إلى الجناح ودفع الباب بعنف، ليجد لِيال تقف أمام المرآة تجمع شعرها الطويل.
تقدم نحوها بخطوات مرعبة، ورما الأوراق والرسالة المفتوحة أمامها على الطاولة، وقال بزئير مكتوم :"أهو الجواب اللي رسمية كانت عتتحدث عنه واصل! واصلك من بلاد برة، من الواد التركي اللي عيقولك بنفتقد ذكائك وتصميماتك!"
نظرت لِيال إلى الأوراق، ثم رفعت عينيها الملونتين إليه بكل برود وثقة، وقالت:"ودلوقتي؟ هتحبسني تاني وتتهمني في شرفي؟ اقرأ الجواب زين يا بشمهندس همّام.. ده جواب من زميل محترم بيبارك لي على شهادتي اللي تعبت فيها سنين، الشهادة اللي إنت وجدك عتبروها عار ومياعة! الجواب ده بيثبت إني مهندسة ناجحة وشاطرة، مش جارية إنت شاريها لجل تكسر خشمها!"
خطى همّام خطوة سريعة وعصر دراعها بقبضته الحديدية لدرجة إنها اتأوهت، وقرب وشه من وشها وهو بيتنفس بسرعة وصوته عيرعد :"إياكِ تنطقي عاد كلمة جارية دي في بيتي! إنتِ مراتي غصب عن عينك وعين الخلج كلها! والجواب ده والشهادة دي ملهومش عيش في الدار دي واصل!"
بسرعة البرق، امتدت يده الأخرى ليلتقط الرسالة والشهادة الرسمية وقام بتمزيقهم إرباً إرباً أمام عينيها ورماهم على الأرض.
صعقت لِيال مما فعل؛ فالشهادة كانت حلم حياتها وشقاء سنين غربتها وتعَب أمها الراحلة التي كانت تنتظر هذه اللحظة.
تلاشت ملامح البرود من وجهها وحل محلها انهيار تام وقهر جارف. صرخت بحرقة وصوت شرخ جدران الغرفة:"لاااااا! قطع الله يدك يا همّام! قطع الله قلبك كيف ما قطعت حلمي وحلم أمي! إنت مش راجل.. إنت مريض ومعقد وعندك نقص! قطعت شهادتي لجل عارف إنك مستحيل تطول ربع علمي ولا شطارتي! بكرهك.. بكرهك ورب العزة بموت في اليوم مية مرة وإنت في وشي!"
وانهارت على الأرض تلم شتات الأوراق الممزقة وتبكي بنحيب حارق ومبكي قطع نياط قلبه دون أن يشعر.
تجمد همّام في مكانه، وسقطت يداه بجانبه وهو يتأمل انهيارها ودموعها التي كانت تسقط فوق الأوراق.
لأول مرة في حياته يشعر بالخوف والصدمة من فعلته؛ فقد ظن أنه يدافع عن كبريائه ورجولته، لكنه رأى في عينيها نظرة كسر حقيقية وقهراً جعله يشعر بأنه مسخ وقاسٍ.
تذكر وصية والدتها الطيبّة وتذكر شموخها؛ فالعناد قد انكسر ليحل محله حزن حقيقي تسبب هو فيه بيده.تراجع همّام خطوتين للخلف وهو ينفث أنفاساً حارقة، وعقله يصرخ داخله: "أنا ليه عملت إكده؟! ليه دمي فار لما شوفت اسم الراجل التاني؟ ليه عيموتني البرود بتاعها ويدفعني للجنون ده؟!".
نظر إليها للمرة الأخيرة وهي تحتضن الأوراق الممزقة وتبكي بحرقة، ثم خرج من الغرفة مسرعاً وأغلق الباب خلفه دون قفل، تاركاً إياها في جحيم حزنها، بينما كان هو يدخل في جحيم أشد خطورة.. جحيم الاعتراف الداخلي بأن هذه الفتاة المتمردة لم تعد مجرد زوجة فرضها الجد، بل أصبحت عاصفة تملّكت عقله وقلبه وسيطرت على كل أنفاسه، لتبدأ من هنا فصول التحول الكبرى في مشاعره التي ستنفجر قريباً جداً.