
خرجت لمى من القصر والشرر يتطاير من عينيها، وقفت أمام سيارتها الفارهة تلتفت خلفها نحو الشرفات المضاءة بحنق. كانت تظن أن مراد مجرد آلة موسيقية تعزف لمجرد أن تلمسها هي، ولم تتخيل يومًا أن تجد مكانها "بديلة" تمكنت من ترميم حطامه الذي ظنت هي أنه غير قابل للإصلاح. تمتمت بغل: "بقى الحتة الكاتبة دي هي اللي خلتك تبيعني يا مراد؟ ماشي.. لو كنت قدرت تبني حياتك من تاني، فأنا اللي ههدها على دماغك ودماغها."
في الداخل، كان الصمت يسود المكان بعد تلك المواجهة العاصفة. أحس مراد بضيق في تنفسه رغم انتصاره الظاهري، فجلس على طرف الأريكة ويداه ترتجفان. اقتربت حياة بهدوء، ووضعت يدها على كتفه قائلة: "مراد بيه، أنت كويس؟"
نفض يدها بلطف ولكن بجفاء مفاجئ، وقال بصوت متحشرج: "حياة.. لمى مكنتش مجرد ست في حياتي، كانت ملهمتي لسنين. ووجودها النهاردة وهي بالضعف ده هز فيّ حاجات كنت فاكر إنها ماتت."
شعرت حياة بوخزة في قلبها، فهل كانت كلمات مراد السابقة مجرد رد فعل لحظي؟ وهل ما زال طيف لمى يمتلك تلك السلطة عليه؟ قالت بنبرة حاولَت جعلها متماسكة: "ده طبيعي، الماضي دايمًا بيبقى ليه صدى، المهم الصدى ده هيحركك لقدام ولا هيرجعك لورا؟"
لم تكن لمى من النوع الذي ينسحب بسهولة، بدأت في اليوم التالي تحركاتها الشيطانية. لم تحاول الاتصال بمراد، بل بدأت في ملاحقة أخبار "حياة". ومن خلال علاقاتها المتشعبة، عرفت أن حياة تعيش في القصر مع والدتها وأختها، وأن مراد هو من يتكفل بكل مصاريفهم.
هنا وجدت لمى ثغرتها؛ "كبرياء مراد، وشك حياة".
أرسلت لمى باقة زهور ضخمة إلى القصر، لكنها لم تكن لمراد، بل كانت باسم "حياة"، ومعها بطاقة كتب فيها: "شكرًا يا حياة على دورك العظيم في وقوفك جنب مراد وتعلقه بيكي تقدري تخرجي من حياته علشان ادخل انا واكون جانبه الفلوس اللي طلبتيها عشان تأمني مستقبل أهلك مقابل خروجك من حياته جاهزة.. نتقابل قريب."
عندما وصلت الزهور، كان مراد يجلس في الردهة. سأل بفضول: "الريحة دي ريحة ورد.. مين جابه؟"
الخادمة بجهل: "دي باقة كبيرة أوي يا مراد بيه، ومكتوب عليها اسم الأستاذة حياة."
استغرب مراد: "حياة؟ ومين باعتها؟"
قرأت له الخادمة ما في البطاقة بناءً على طلبه، وساد صمت قاتل. تغيرت ملامح مراد تمامًا، انقبض قلبه وساد سواد في عقله أشد من سواد عينيه. هل كانت حياة مجرد "صفقة"؟ هل استغلت حاجته للأمان لتتاجر به مع حبيبته السابقة؟
في تلك اللحظة دخلت حياة وهي تبتسم، تحمل في يدها بعض الأوراق، لكنها تجمدت مكانها عندما رأت وجه مراد المحتقن بالغضب.
صاح مراد بصوت زلزل أركان القصر: "حياة! قوليلي.. إنتِ هنا عشان تكتبي مذكراتي، ولا عشان تكتبي عقد بيعي للمى؟"
اندهشت حياة وقالت بذهول: "مراد! إنت بتقول إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة!"
أمسك مراد بالبطاقة ورماها في اتجاه صوتها: "اقري دي! لمى باعتالك شكر على (دورك)، وبتقول إن الفلوس اللي طلبتيها جاهزة! يعني كل الحنية دي.. وكل الوعود بإنك مش هتسيبيني، كانت تمنها كام يا حياة؟ قوليلي قبضتي كام عشان تمثلي دور طوق النجاة؟"
سقطت الأوراق من يد حياة، وقرأت الكلمات المسمومة. شعرت بالأرض تدور بها، نظرت إلى مراد الذي كان يلهث من الغضب وقالت بدموع حارقة: "إنت صدقت؟ بالبساطة دي صدقت إني ممكن أبيعك؟ إنت متعرفنيش يا مراد.. أنا كنت مستعدة أعيش عمري كله في ضلمتك بس عشان أشوفك بتضحك، لكن تتهمني في شرفي وأمانتي عشان خاطر واحدة سابتك وأنت في عز محنتك؟"
صرخ مراد بكبرياء جريح: "لمى كدابة وغدارة، بس اللي اتكتب ده لا يمكن يكون من فراغ! إزاي عرفت إنك محتاجة تأمني مستقبل أهلك؟ إزاي عرفت إنك خايفة من الفقر؟"
ردت حياة بقوة ومرارة: "عرفت لأنها شيطانة، ولأنك إنت لسه ضعيف قدامها! إنت محبوس في سجن لمى يا مراد، ومش أنا اللي هحررك منه لو إنت مش عاوز."
لم تنتظر حياة رده، نادت على والدتها وأختها بقلب محطم. لملمت حقائبها البسيطة التي لم يزدد فيها شيء منذ دخلت القصر سوى "الوجع". وقفت أمام مراد للمرة الأخيرة، كان هو واقفًا كتمثال من رخام، لا يتحرك ولكن دموعه بدأت تخونه وتنسل صامتة.
قالت حياة بصوت مخنوق: "أنا ماشية يا مراد بيه. والوعد اللي وعدتهولك إني مش هسيبك، إنت اللي كسرته بالشك. الورد اللي لمى بعتتهولك هدية مسمومة، بس للأسف، السم وصل لقلبك قبل ما يوصل لعيني."
خرجت حياة مع عائلتها من باب القصر، تاركة وراءها صمتًا موحشًا عاد ليخيم على الأرجاء. عاد القصر باردًا كما كان، والبيانو الذي عزف لحن الأمل بالأمس، سكتت أوتاره كأنها ماتت.
أما لمى، فكانت تراقب من بعيد، ابتسمت بانتصار وهي ترى حياة تغادر، واتصلت بهاتف القصر، لكن مراد لم يرد. كان يجلس في الظلام، يحاول استنشاق عبير الياسمين الذي تركته حياة خلفها، لكنه لم يجد سوى رائحة "الخيانة" والوحدة التي عادت لتلتهمه من جديد.