رواية لعنة المقبرة الفصل الثالث3 بقلم مليكة الروايات والحكايات

رواية لعنة المقبرة الفصل الثالث3 بقلم مليكة الروايات والحكايات
لعنة المقبرة 
الحلقة الثالثة
مغرب نفس اليوم
بعد ما غباشي مشي، نبوية قفلت الباب بالترباس الخشب، وسندت ضهرها عليه كأنها بتحاول تمنع الجبل كله من الدخول. جسمها بيترعش، وبرديس حاضنة فيها وبتبكي من غير صوت.  
"هنهرب يمّا؟" همست برديس وهي ماسحة دموعها في كُم جلابيتها.  
نبوية بَصّت للشباك اللي بيطل على الجبل. قرص الشمس الغارق كان أحمر زي الدم، والجبل واقف قدامهم كأنه مارد مستني.  
"نهرب فين يا ضنايا؟ البلد كلها أوضة وصالة، وغباشي يعرف وكر الديب. لو مشينا هيجيبنا من تحت الأرض".
سكتت لحظة، وبعدين مسحت دموعها بعنف، كأنها بتكشط الضعف من على وشها. من يوم ما ماتت سليمة وهي عارفة إن اليوم ده جاي. 13 سنة وهي بتجهز له في دماغها.  
قامت فتحت صندوق خشب قديم تحت السرير. صندوق ريحته عتّان وبخور. طلعت منه قماشة ملفوفة، فتحتها... كان جواها خنجر صغير مقبضه فضة، وعليه نفس النقشة: كف مفتوح. خنجر سليمة، الوحيد اللي غباشي ما يعرفش إنه موجود.  
"اسمعيني يا برديس. من الليلة دي، النوم حرام علينا. لو نمتِ، هصحيكي. ولو أنا نمت، تصحيني".
الخبر انتشر كالنار في القش. "غباشي خطب بت نبوية". الحريم في الترعة، والرجالة على القهوة، والعيال في الحواري. الكل بيتكلم. أم عويس، أكبر واحدة في الكُفر، بصقت على الأرض وقالت: "البت دي من يوم ما اتولدت وشها نحس. أمها ولدتها في ليلة طين، والداية سليمة غارت في نفس الليلة. والنهارده غباشي مش هيسبها! يا حسرة عليكي يا نبوية".
أبو عمار رجع من الغيط على المغربية، لقى الدار مقفولة واللمبة الجاز شغالة. خبط: "افتحي يا نبوية". فتحت له وعينها حمرا. حكت له كل حاجة. الراجل الطيب وشه جاب ألوان.  
"أنا هروح له الكوخ دلوقتي وأدغدغه. مفيش راجل يقول على بنتي كده".  
مسكته نبوية من جلابيته: "هتروح لموتك برجليك. غباشي مش لوحده. معاه اللي تحت الأرض".  
"أمال هتعملي إيه؟ هنستناه لحد ما يجي ياخدها؟"  
نبوية بصت للخنجر اللي في حجرها، وبعدين لبرديس اللي نايمة من التعب على الكنبة. "هنلعبها بدماغه.؟؟ هنسبق الليلة".
الليل نزل تقيل على الجبل. غباشي قاعد قدام نار، بيرمي فيها بخور ريحته تقرف، والكتاب مفتوح على حجره. كان بيقرأ بصوت عالي، كلام ملخبط: "يا خع-إم-واست... يا سيد الدهب والخلود... قربانك جاهز. دم العذراء اللي شايلة علامتك. افتح الباب السابع، وخلي خادمك غباشي يلبس تاجك".  

كل ما يقول سطر، باب المقبرة الحجري يتهز هزة خفيفة، ويوقع تراب. كان ناقص له صرخة البت بس.  

فجأة... سمع صوت  خطوات رجل. خفيفة. طلع بره الكوخ والسکين العضم في إيده. شاف خيال واقف على بعد. خيال بنت شعرها سايح على ضهرها.  
"برديس؟" قالها وهو مش مصدق. "جيتي برجليكي؟"  
الخيال ما ردش. شاور له بإيديه... تعال. وبدأ يمشي ناحية طرف الجبل، ناحية "شق التعبان" مكان منحدر خطر.  

غباشي الغرور عماه. "الكتاب قال: العذراء هتجي لك برجليها". مشي وراها وهو بيضحك: "تعالي يا جنة... تعالي ياجنه الخلود 
الخيال ماكانش برديس. كانت نبوية لابسة توب بنتها، وحاشية شعر مستعار من ليف النخل. كانت عارفة إن غباشي مسحور، وعينه ما تشوفش غير اللي عايز يشوفه.  

لما وصلت لشفير "شق التعبان"، وقفت. غباشي قرّب منها والسكين مرفوع: "دلوقتي دمك يفتح الكنز".  
وهنا نبوية لفت له مرة واحدة. في الضلمة شاف وشها... وش واحدة أربعينية، مش وش بنت 13. اتصدم ثانية، والثانية دي كانت كفاية.  

نبوية زقته بكل حيلها وهي بتصرخ: "روح للي تحت الأرض يا كافر!".  
غباشي صرخ صرخة حيوان، واتكعبل في حجر ووقع. لكن قبل ما يقع في الشق، لحق مسك رجل نبوية. وقعوا هما الاتنين... بس نبوية لحقت تمسك في صخرة بارزة على الحرف، وغباشي متعلق في رجلها، ومتشعلق في الهوا فوق وادي ضلمة.  

يا بنت الـ...كل..ب نادي أهل الكفر ينقذوني، والبت هذبحها غصب عنك" قالها وهو بينهج. هذبحها يعني هذبحها
نبوية بصت له، وبصت لتحت. السواد ما لوش آخر. "عارفة يا غباشي... 13 سنة وأنا شايلة موت سليمة في قلبي. 13 سنة وأنا بموّت كل ليلة وأنا بتخيلك بتدبح بنتي".  
"الكنز... هنقسمه..."  بنا يانبويه"
"الكنز الوحيد هو بنتي".  

ورفعت الخنجر الفضة، وقطعت بيه كُم جلابيتها اللي ماسك فيها غباشي.  

صرخة غباشي وهو بيقع سمعتها الجبال. وقع ومتشعلق في الهوا ثواني، وبعدين صوته غاب في بطن الوادي. مفيش ارتطام... كأن الوادي بلعه.  

بعد ساعة
نبوية رجعت البيت مزحوفة، هدومها مقطعة، وإيديها ورجليها متخربشه  أبو عمار وبرديس كانوا هيموتوا من الرعب. حكت لهم وهي بتكح تراب.  
جريوا التلاتة على بيت العمدة. صحيوا البلد كلها. طلعوا الجبل بفوانيس ونبابيت. وصلوا لشق التعبان... ملقوش جثة. لقوا بس السكين العضم بتاعه مرمي، والكتاب الجلد مفتوح على الصخر.  

ولما بَصّوا على باب المقبرة... لقوا الحجر الجرانيت مشقوق نصين بالطول. شق رفيع زي الشعرة، بس نازل من فوق لتحت. ومن الشق ده... كان طالع نور أزرق باهت، وسامعين صوت... كأنه أنين جاي من تحت الأرض.  

العمدة الشيخ عطية، راجل بركة، قرأ الفاتحة وقفل الكتاب بسرعة: "المكان ده نجس يا ولاد. اللي اتفتح ما يتقفلش غير بدم. والدم اللي سال دلوقتي مش دم العذراء... ده دم غباشي. واللعنة ما تفكتش... اللعنة ابتدت".  
بص لبرديس اللي كانت ماسكة في جلابية أمها، وبص لكتفها. كأنه شايف العلامة من فوق الهدوم.  
"من الليلة دي يا نبوية... بنتك ما بقتش بتك لوحدك. بنتك بقت بنت الجبل. والجبل ما بيسيبش عياله".  
برديس، لأول مرة من يوم ما اتولدت، حست بعلامة الكف... مش بتحرقها. حستها بتدفّى. كأنها بتحضنها.
ياترى الشق اللي في باب المقبرة ده معناه إيه؟ وغباشي مات فعلاً ولا الوادي خده لسبب؟ وليه علامة الكف بطلت تحرق برديس؟ وهل النور الأزرق اللي طالع من المقبرة خير ولا بداية خراب أكبر على الكُفر كلها؟  
تعليقات



<>