رواية جثه علي شاطئ المعموره الفصل الرابع4 بقلم ملكة الحكايات والروايات

رواية جثه علي شاطئ المعموره الفصل الرابع4 بقلم ملكة الحكايات والروايات
لم تهتم ناديةلكلامه!!؟؟ 
​ ثم ابتسمت ابتسامة مريرة باردة وقالت: "رامي؟ رامي كان مجرد كلب وفي لشوكت، ومستحيل يسرقه أو يقتله... رامي كان بيخاف من ظل شوكت... والكلام اللي مكتوب في الورقة دي مش كلام رامي... ده كلام 'الكابتن م'... العقيد ممدوح كمال!".
​صعق ياسر من الاسم للمرة الثانية في بضع ساعات، واقترب منها خطوة إضافية حتى أصبح يفصل بينهما سنتيمترات قليلة: "ممدوح كمال؟ الضابط اللي قفل قضية داليا هانم في 2017؟ شوكت شطب على اسمه في الدفتر الأسود وقال 'انتهى'... إيه علاقة ممدوح كمال بيكي وباللي حصل امبارح؟".
​أخذت نادية نفساً عميقاً، ونظرت نحو النافذة الكبيرة التي تطل على البحيرة وقالت: "ممدوح كمال ما طلعش معاش عشان السن يا سيادة النقيب... ممدوح كمال طلع معاش لأن شوكت عزام هدده بفضيحة تدمر عيلته وتدخله السجن لو ما قفلش قضية قتل داليا على إنها غرق... وممدوح من يومها وهو عايش ميت، بيدور على اللحظة اللي ينتقم فيها من شوكت... وممدوح مش لوحده... في شبكة كاملة من الناس اللي شوكت دمر حياتهم وقرروا الليلة دي ينهوا اللعبة... وأنا... أنا كنت عيونهم جوه البيت ده!".

​شعر ياسر بأن الأرض تميد من تحته، فالقضية التي بدأت بجريمة قتل على الشاطئ تحولت إلى حرب تصفية حسابات بين أباطرة فساد وضباط سابقين ورجال أعمال. تذكر ياسر الدفتر الأسود الصغير الذي حرقه شوكت في مكتبه بالفيلا قبل موته، فترك نادية تحت حراسة مشددة وتوجه مسرعاً نحو مكتب شوكت الخاص في الطابق الأرضي.
​كان المكتب كما هو، بارداً ومغلقاً، واللوحة الفنية المعلقة على الجدار كانت منزاحة قليلاً لتكشف عن الخزنة الحديدية المفتوحة. اقترب ياسر من الطفاية الكريستالية الكبيرة على المكتب، كان هناك رماد أسود ثقيل لورقة محروقة، وبقايا زاوية صغيرة من الصفحة لم تلتهمها النار بالكامل بفعل رطوبة الجو العالية في الإسكندرية.
​التقط ياسر قطعة الورق الصغيرة المتبقية بحذر شديد باستخدام ملقطه، واستخدم كشاف هاتفه ليقرأ الحروف المتفحمة التي نجت من الحريق... كانت هناك كلمات مكتوبة بخط شوكت عزام قبل ساعات من مقتله: (المقدم كريم... خطير جداً... رفض الشيك.. عرف إن داليا..) وتوقفت الكلمات هنا لأن النار التهمت الباقي.
​اتسعت عينا ياسر وهو يقرأ الاسم: "المقدم كريم!"، ضابط الميناء النظيف الذي ذكره رامي لشوكت في بداية الحكاية وقال عنه إنه لا يشتري ولا يبيع... هل كان المقدم كريم يعرف داليا الشربيني؟ وما هي العلاقة التي تربط ضابط جمارك بامرأة قتلت منذ سبع سنوات في ظروف غامضة؟
​التقط ياسر جهازه اللاسلكي وتحدث بنبرة آمرة وقاطعة: "عمليات المديرية... هاتوا لي الملف الشخصي الكامل للمقدم كريم ضابط جمارك ميناء الإسكندرية، وأريد تحديد موقعه الحالي عبر شبكات المحمول فوراً... والتحفظ على العقيد المتقاعد ممدوح كمال في منزله بالعجمي... اللعبة بتكبر والبحر شكله مش هيسكت إلا لما يغرقنا كلنا!".
​جاءه الرد عبر اللاسلكي بعد دقيقتين من الصمت المشحون بالتوتر، لكن الرد لم يكن ما يتوقعه ياسر بل كان صدمة ثالثة تضاف إلى سجل هذه الليلة المشؤومة: "يا فندم... المقدم كريم مش في الميناء ومش في بيته... وإشارات تليفونه الأخيرة تم التقاطها من نص ساعة بالظبط... في منطقة صخور ستانلي... نفس مسرح الجريمة!".
​مسرح الجريمة – شاطئ ستانلي | الساعة 8:15 صباحاً
​انطلقت سيارة النقيب ياسر فؤاد كقذيفة تخترق طريق الكورنيش، كانت إطارات السيارة تصرخ مع كل منحنى، وعيناه مثبتتان على الأفق حيث يمتزج لون البحر الأزرق الداكن برصاصي السماء الغائمة. الصدمات تتوالى وكلما ظن أنه أمسك بطرف الخيط، اكتشف أنه يمسك بأفعى تلتف حول عنقه. المقدم كريم، الضابط المشهود له بنظافة اليد، المتواجد في الميناء والذي رفض ملايين شوكت عزام، ما الذي يفعله الآن في مسرح الجريمة؟ هل جاء ليمحو دليلاً فاته في عتمة الليل، أم أنه جاء ليُسلم نفسه، أم أن هناك من استدرجه إلى هناك ليلحقه بشوكت ورامي؟
​وصل ياسر إلى محيط كوبري ستانلي، كانت الشمس قد ارتفعت قليلاً لكن غيوم أغسطس الثقيلة حجبت ضوءها، مما أضفى على المكان مسحة من الكآبة والغموض. ترجل من سيارته مسرعاً، يده تتحسس مسدسه الميري القابع في جرابه عند خصره. الشاطئ كان يبدو هادئاً، والشريط الأصفر ما زال يرفرف مع نسمات البحر الرطبة، لكن الكشافات الجنائية كانت قد أُطفئت وصار مسرح الجريمة خاوياً إلا من صوت ارتطام الأمواج بالصخور السوداء.
​نزل ياسر السلالم الحجرية المؤدية إلى الشاطئ ببطء، وعيناه تمسحان المكان بدقة. على بعد أمتار قليلة من الصخرة الكبيرة التي شهدت نهاية شوكت عزام، لمح خيالاً رجالياً يرتدي معطفاً خفيفاً، واقفاً بثبات يواجه البحر، يديه في جيبيه، وظهره لياسر. كان هدوء هذا الرجل يستفز سكون المكان المحيط به.!! 
​اقترب ياسر بحذر، ووضع يده على مقبض مسدسه وهتف بصوت جهوري قاطع: "المقدم كريم! ارفع إيدك الإثنين واثبت مكانك.. المكان كله محاصر!".
​التفت الرجل ببطء شديد، ولم يكن على وجهه أي علامة من علامات المفاجأة أو الذعر. كانت ملامحه حادة، وعيناه تحملان نظرة حزن عميق وغضب دفين تم كبته لسنوات. نظر إلى ياسر، ثم أخرج يده اليمنى من جيبه ببطء شديد، ولم يكن يحمل سلاحاً، بل كان يمسك بقلادة ذهبية صغيرة متدلية، يتوسطها دلاية على شكل موجة بحر، مطابقة تماماً للندبة التي على رقبة سلوى نصار وللخربوشة التي وُجدت على جثة شوكت ورامي.
​كريم (بصوت رخيم هادئ): "نزّل سلاحك يا ياسر.. لو كنت عايز أهرب ما كنتش جيت هنا في النور، ولو كنت عايز أقتلك كنت عملتها من وراك قبل ما تحس بوجودي.. أنا مش جاي أهرب، أنا جاي أسلّم الأمانة للبحر اللي بدأ يرجع حقوق أصحابها".
​ياسر (موجهاً سلاحه بدقة ولم يخفضه): "أمانة إيه يا كريم بيه؟ أنت متهم رسمي في قضية قتل شوكت عزام، وإشارات تليفونك وموقعك بيثبتوا إنك كنت هنا بالليل والصبح.. ورسالة شوكت المحروقة في مكتبه بتأكد إنك كنت بتهدده.. والآن رامي مات مسموم واعترافه مزور.. إيه حكايتك مع داليا الشربيني؟".
​تحرك كريم خطوتين نحو الصخرة، ونظر إلى بقع الدماء الجافة التي ما زالت تصبغ الحجر الداكن، ثم التفت إلى ياسر وابتسامة ساخرة ممتزجة بالمرارة ترتسم على شفتيه: "داليا الشربيني؟ داليا ما كانتش مجرد اسم في ملف قضية مقفولة يا ياسر.. داليا كانت أختي الصغيرة.. أختي الوحيدة اللي شوكت عزام اتجوزها عشان يغسل بفلوس عيلتها قذارته، ولما عرفت حقيقته وحاولت تبلّغ عنه وعن عمليات تهريب الآثار اللي كان بيعملها من ورا الميناء، قفل عليها باب مكتبه وخنقها بإيديه دي.. ورامي ساعده يشيل الجثة ويرميها هنا في ستانلي عشان تبان حادثة غرق.. والعقيد ممدوح كمال قبض التمن وقفل المحضر ضد مجهول.. سبع سنين يا ياسر وأنا عايش في جهنم.. سبع سنين وأنا مستني اللحظة دي.. اللحظة اللي ينطق فيها البحر".
​شعر ياسر بصدمة هزت كيانه، السلاح في يده بدأ يثقل، لكن واجبه كضابط شرطة أعاده لثباته: "يعني أنت اللي قتلت شوكت الليلة اللي فاتت؟ أنت وسلوى وممدوح كمال ونادية؟ عملتوا شبكة عشان تنتقموا منه؟".
​ضحك كريم ضحكة قصيرة خالية من المرح وقال: "أنا؟ أنا جيت الليلة اللي فاتت فعلاً يا ياسر.. جيت بناءً على مكالمة جاتلي من رقم مجهول بتقولي إن قاتل أختك هيكون هنا الساعة 2 الصبح عشان ياخد جزاءه.. ولما وصلت، لقيت شوكت جثة هامدة على الصخرة دي.. لقيت الورقة المبلولة في جيبه 'البحر مش بيخبي أسراره كتير'.. أنا ما لمستش شوكت يا ياسر.. أنا لما وصلت كان شوكت خلاص قابل وجه كريم.. القاتل الحقيقي مش أنا.. ولا سلوى.. ولا نادية".
​ياسر (باندهاش): "أومال مين؟ مين اللي يملك مصلحة في موت شوكت ورامي في نفس الليلة ويمسح الكاميرات ويزور خط رامي وهو ميت؟".
​اقترب كريم من ياسر حتى أصبح أمامه مباشرة، ومد يده بالقلادة الذهبية ووضعها في يد ياسر وقال بصوت منخفض كأنه يهمس بسر خطير: "القاتل هو الشخص اللي بعت لشوكت صورته وهو مقتول قبل ما يتقتل بخمس ساعات.. الشخص اللي كان عارف تفاصيل الجريمة بالثانية.. القاتل هو 'الكابتن م'.. العقيد ممدوح كمال يا ياسر.. ممدوح ما كانش ضحية لشوكت زي ما نادية فاكرة.. ممدوح كمال كان شريك شوكت في كل صفقات الآثار، ولما شوكت قرر يحول كل الفلوس لسويسرا باسمه وباسم نادية ويشطب على اسم ممدوح من الدفتر الأسود ويطرده برا اللعبة، ممدوح قرر يحرقه ويحرق رامي وياخد الفلوس لنفسه.. واستغل قضية داليا القديمة واستغلنا كلنا.. استغل غضبي، واستغل رغبة سلوى في الصحافة، واستغل خوف نادية، عشان يعمل الجريمة دي على إنها 'انتقام شبحي' من الماضي.. عشان الشرطة تدور حولين داليا والماضي، وهو يهرب بمليارات سويسرا!".
​اتسعت عينا ياسر وهو يربط الخيوط ببعضها.. نعم! الشوشرة على الكاميرات لمدة عشر دقائق شغل رجل أمن محترف يعرف ثغرات النظام.. ورسالة الاعتراف المكتوبة بخط رامي على ورق مكتب شوكت وتحت تأثير مخدر، ممدوح هو الوحيد الذي يملك الخبرة الجنائية الفائقة لتزوير مسرح جريمة بهذا الشكل وضبط التوقيتات!
​وفي تلك اللحظة بالذات، وقبل أن ينطق ياسر بكلمة واحدة، دَوّى صوت إطلاق رصاصة قوية من أعلى كوبري ستانلي.. رصاصة اخترقت الهواء واستقرت مباشرة في صدر المقدم كريم!
​ترنح كريم إلى الخلف، وعيناه متسعتان، وسقط على رمال الشاطئ المبللة بينما بدأت دماؤه تتدفق وتختلط بماء البحر. رفع كريم رأسه بسرع خذ حقي وحق داليا من ممدوح 
ولفظ انفاسه الاخيره بين يدي الضابط ياسر 

تعليقات



<>