رواية اسيرة كبير الاحفاد الفصل السادس6 بقلم هاجر سلامة

رواية اسيرة كبير الاحفاد الفصل السادس6 بقلم هاجر سلامة
السادس
لم ينم قصر الحاج عبد الرحيم تلك الليلة؛ فقد كانت جدرانه تهتز تحت وطأة الفضيحة التي فجّرها همّام في الجناح السفلي. 
لم يكن الأمر مجرد خلاف عائلي، بل كان طعنة في قيم الشرف والأمانة التي طالما تفاخر بها الشيخ الكبير بين قبائل الصعيد.

 في المندرة الواسعة، جلس الجد وعيناه تشتعلان غضباً، وأمامه جثى منصور وصفاء وابنتهما فهيمة، بينما كانت شذى تجلس في زاوية مظلمة وهي تنتحب برعب حقيقي بعد أن تبرأت خالتها منها.
ضرب الحاج عبد الرحيم الأرض بعصاه ضربة كادت تكسر الخشب الفاخر، وزعق بصوت هز أرجاء المكان:"يا جِلة الحيا والأصل! عمايل الحريم العفشة دي تتعمل في داري تلطخوا عرض بت صالح لجل خاطر غلكم وحقدكم ورب العزة، منصور وولاده مالهومش قعاد في الدار الكبيرة عاد، والأرض اللي كنت هكتبها باسمك يا منصور، هترجع لخوك صالح وبنته!"

وقع الحكم كالصاعقة على منصور وزوجته، بينما التفت الجد إلى عامر (والد همام) وقال بحسم:"والبت شذى دي، تلم هدومها ومن النجمة تترمي برة البلد وتعاود للبندر، ومسمعش اسمها في الدار دي واصل ليوم الدين!"
وفي الطابق العلوي، كان الجناح الخاص بهمام ولِيال يغرق في صمت مطبق وأجواء مشحونة بثقل الندم والقهر. 
لم يغادر همّام الغرفة؛ جلس على الأريكة البعيدة يتأمل لِيال التي رفضت تماماً التحرك من ركنها، وظلت عيناها الملونتان تحدقان في الفراغ ببرود قسري جعل قلبه ينقبض بشكل لم يعهده من قبل. الكبرياء الصعيدي الذي كان يقوده بعمى تحول الآن إلى غصة مريرة في حلقه.
تحرك همّام ببطء، وخطى نحوها بخطوات خفيطة خالية من جبروته المعتاد، وقف على مسافة قصيرة منها، ونزل لمستواها وجلس على ركبتيه أمامها وبصوت متحشرج:"لِيال.. أنا خابر إن الظلم واعر، وخابر إن الحديث اللي عاد اتقال في حقك يقطع الرقبة، بس أنا جيبتلك حقك ونضفت اسمك قدام جدي والعيلة كلها، وشذى وفهيمة هيطردوا برة القصر من النجمة."
لم تلتفت إليه لِيال، وظلت ملامحها كصنم من رخام، وقالت بنبرة هادئة تقطر بروداً قاتلاً :"حقّي؟ عن أي حق تتحدث يا ولد عمي؟ هل تظن أن طرد الأفاعي سيعيد لي كرامتي التي دستها بأقدامك؟ اسمي كان نظيفاً دائماً، لكنك أنت من اخترت أن تلوثه بشكك الضعيف. أنا لم أعد أهتم بطردهم أو بقائهم؛ أنا كل ما أهتم به الآن هو كيف سأنفد بجلدي من هذا السجن ومن وجهك القاسي."
انتفض همّام واقفاً، وشعر بضربة عنيفة لرجولته، لكنها هذه المرة لم تكن ضربة كبرياء بل كانت وجعاً حقيقياً من صدودها. 
حاول أن يعيد نبرته الشديدة ليداري ارتباكه:"سجن إيه وحديث ماسخ إيه عادأنتِ بقيتي مراتي خلاص، وكتب كتابنا تم قدام ربنا والخلج كلها العناد ده مش هيجيب واصل فايدة، الحكاية خلصت والبينات بانت، ولازم عاد نعيش ونمشي دنيتنا صوح!"
وقفت لِيال وواجهته بطولها، ونظرت في عينيه السوداوين بتحدٍّ جعل أنفاسه تتسارع، وقالت بنبرة الشديدة:"مش صوح يا همّام! الحكاية لساتها بادية! إنت اتجوزتني بالغصب عشان تكسر خشمي وتداري على كسرتك من شذى، ولما جاتلك الفرصة حبستني وظلمتني. أنا مش مرأتك انت افهم، الورقة دي بلوها واشربوا ميتها، ومن الليلة دي الأوضة دي هتقسمها الحيطان.. إنت في ناحية وأنا في ناحية، وإياك عاد يدك تلمسني واصل، وإلا ورب العزة هفضحك قدام جدك وأقولهم إنك عتغصبني على حاجة مش عيزاها!"
صك همّام على أسنانه، وعروق رقبته برزت من الغيظ، لكنه لأول مرة تراجع خطوة للخلف ولم يمد يده عليها؛ فشئ ما في عينيها المنكسرتين والمتحديتين في آن واحد لجم قوته. 
نظر إليها بنظرة غامضة مليئة بالوعيد الصامت، ثم استدار وأخذ شاله وخرج إلى الشرفة الكبيرة، ليقضي ليلته هناك يدخن بشراهة والنيران تأكل صدره وهو يفكر كيف تحولت هذه الفتاة المتمردة من مجرد قيد فُرض عليه إلى عاصفة تزلزل كيانه.

أشرقت شمس اليوم التالي، ونفذت عقوبة الحاج عبد الرحيم بكل حسم. طُردت شذى وحقائبها تجر خلفها ذيل الخيبة والعار، وتم عزل منصور وعائلته في بيت قديم على أطراف البلدة، ليعود الهدوء الظاهري إلى القصر الكبير.بدأت الحياة تأخذ شكلاً جديداً وأكثر قسوة داخل الجناح المغلق. 
تحولت المعاملة بين همّام ولِيال إلى ما يشبه الحرب الباردة. كان همّام يخرج من الفجر لمتابعة الأراضي والمحاصيل، ويعود في الليل ليجد لِيال قد جهزت له طعامه ولبسه بكل دقة وأدب صعيدي فرضته العادات، لكن دون أن تنطق بكلمة واحدة، ودون أن ترفع عينها فيه.
 كان هذا الصمت والبرود يقتله أكثر من الصراخ والعناد؛ فشعور أنه غير موجود في نظرها كان يمزق كبرياءه الصعيدي إرباً.

وفي أحد الأيام، وبينما كانت لِيال تجلس في حديقة القصر الخلفية رفقة زوجة العم الرابع (الست الطيبة الجميلة التي تعاني قهر زوجها العقيم)، كانت لِيال تتحدث بنيرة بحزن :"أنا لا أستطيع العيش هكذا يا طنط.. هذا المكان يخنق أحلامي. أنا مهندسة، مكانى في مواقع العمل والتصميم، وليس في انتظار رجل يرى الستات مجرد جاري تخدم وتصمت."
طبطبت عليها الست الطيبة وقالت :"يا بتي.. همّام مش كيف عمك، همّام واعر صوح، بس عينه عتقول حديث تاني واصل.. أنا شايفاه كيف عيراقبك من بعيد، وكيف دمه عيفور لو شافك زعلانة. الراجل الصعيدي لما يغلط ويكتشف غلطه، بيموت جواته ألف مرة لجل ما يطلب السماح.. اصبري عليه وشوفي آخرتها."
وفي نفس اللحظة، كان همّام يقف خلف إحدى الأشجار الكبيرة، يستمع إلى حديثهما. 
شعر بغصة حارقة عندما قالت لِيال إنها تختنق وإنها لا تراه رجلاً بل مجرد سجان. 
نظر إلى كفي يديه اللتين طالما استخدمهما لجرها وقهرها، وشعر بالندم ينهش قلبه مجدداً. لكن الكبرياء ما زال يمنعه من الاعتراف؛ فهو همّام، كبير أحفاد عبد الرحيم، ومستحيل أن ينحني لحُرمة.

جاء الليل، ودخل همّام إلى الجناح ليجد لِيال ترتدي ثوباً بسيطاً وتصفف شعرها الطويل الأسود الذي كان ينساب على ظهرها كالشلال. تجمد همّام في مكانه، وشعر بدقات قلبه تتسارع بشكل عنيف، فجمالها لم يكن كأي جمال رآه من قبل؛ كان جمالاً يمزج بين رقة نساء بحري وشموخ نساء الصعيد.تنحنح بصوت رجولي جهوري وقال وعالي ليداري توتره:"جهزتِ الهدوم بتاعة بكرة واصل؟ عندي اجتماع مع كبار عائلات المراكز وجدي عايزني أكون في كامل هيبتي."التفتت إليه لِيال ببرودها القاتل، وأشارت إلى المقعد الخشبي حيث وضعت الجلباب الفاخر والشال الأبيض المكوي بعناية، وقالت بنبرة جافة:"كل حاجتك جاهزة يا ولد عمي، تقدر تشوفها عاد.. تصبح على خير."وتوجهت نحو فراشها المعزول في الزاوية، وأدارت ظهرها له.
 وقف همّام مكانه يتنفس بسرعة، وقبضته انغلقت على الشال بعنف، وعقله يصرخ داخله: "ليه عتعملي فيا إكده يا بت صالح؟! ليه واجفة كيف الحيط السد بيني وبينك؟! أنا جيبتلك حقك وطردت اللي ظلموكي، لساتك عتكرهيني واصل؟!". 
لم يكن يعلم أن هذا الغيظ وهذا التوتر هو أولى بذور غيرة وحب سيبدآن في النمو قريباً جداً، ليعلنا أن معركة القلوب في قصر عبد الرحيم قد بدأت تأخذ منحى آخر بالكامل
تعليقات



<>