
الحلقه الثالثه
ليلي والوحش ❤❤
لم يكد يرتفع ضوء الفجر حتى أدرك غيث أن المنزل لم يعد حصنًا منيعًا، بل أصبح فخًا مكشوفًا. كانت رائحة دماء "الفا" (قائد المجموعة المهاجمة) التي قتلته ليلى وسالت على الأرض، بمثابة إعلان حرب لا يهدأ عوائه!!
كانت ليلى تلملم ما استطاعت من أشياء ضرورية، بينما كان غيث يضمد جراحه بسرعة مذهلة تفوق قدرة البشر. التفت إليها وعيناه تجوبان أركان الغرفة بقلق:
"لن يعودوا فرادى يا ليلى.. القطيع كله الآن في طريقه إلينا. لقد كسرتِ هيبتهم بطعنتكِ تلك، والمستذئبون لا يغفرون لبشرية أن تريق دماءهم."
الهروب في جوف الليل
خرجا من الباب الخلفي للمنزل، والثلوج كانت قد توقفت عن الهطول لكنها غطت الأرض بطبقة بيضاء تجعل من الصعب إخفاء أثرهما. أحكم غيث قبضته على يد ليلى، وكان يشتم الهواء كل بضع ثوانٍ.
"إنهم خلفنا.. أسمع دقات قلوبهم المتسارعة، إنهم يقتربون."
فجأة، من بين الأشجار الكثيفة، بدأت تظهر ظلال سريعة تتحرك بحركات متعرجة. لم تكن ذئابًا عادية، بل كانت أشباحًا تلمع عيونها باللون الأصفر الحاقد. بدأ الحصار يضيق، وكان غيث يجر ليلى خلفه نحو منطقة صخرية وعرة.
وصلوا إلى نهاية الغابة حيث يبدأ جرف صخري عميق. توقف غيث والتفت ليجد ستة ذئاب ضخمة قد قطعت عليهم الطريق. تقدم أكبرها حجمًا، ذئب ذو فراء رمادي محترق، وبدأ يزمجر بصوت يشبه الكلمات البشرية:
"سلمنا البشرية يا غيث.. ودعنا ننهِ لعنتك بسلام، أو مت معها ككلب ضال."
وقف غيث أمام ليلى كالطود العظيم، وبدأ جسده يتضخم مرة أخرى، لكن هذه المرة لم يكن التحول كاملًا، بل كان مزيجًا مرعبًا بين قوة الذئب وعقل الإنسان. صرخ بصوت هز الجبال:
"من يلمس شعرة منها، سيذوق مرارة الجحيم قبل أن يموت!"
اندلعت المعركة. لم يكن غيث يقاتل من أجل نفسه هذه المرة، بل كان يقاتل كدرع بشري. قفز أحد الذئاب نحو ليلى، لكن غيث التقطه في الهواء وهشم جمجمته بضربة واحدة من مخالبه.
في هذه الأثناء، استغلت ليلى ما تعلمته من غريزة البقاء؛ التقطت غصنًا مشتعلًا من بقايا حريق صغير نشب في الأعشاب الجافة أحدثته صاعقة سابقة، وبدأت تلوح به في وجوههم.
القوة المفاجئة: شعرت ليلى بحرارة تسري في عروقها، كانت حواسها تصبح أقوى، وكأن لمسها لدماء الذئب في الليلة السابقة بدأ يغير شيئًا في تكوينها.
عندما حاول ذئبان الالتفاف خلف غيث، صرخت ليلى محذرة إياه، وقذفت الغصن المشتعل نحو أحدهما، مما شتت انتباهه لثانية كانت كافية لغيث ليمزق صدره.
أصيب غيث بعدة نهشات في ساقيه وكتفه، وبدأ التعب يظهر عليه. همس لليلى وهو يلهث:
"خلف هذا الصخر يوجد ممر ضيق لا يسع إلا لشخص واحد.. ادخلي هناك ولا تنظري خلفك، سيقودك إلى قرية الصيادين، هم يحملون الفضة.. سيهابونكِ ولن يجرؤوا على مسكِ."
"وماذا عنك؟" سألت بدموع تحرق وجنتيها.
ابتسم غيث والدم يسيل من فمه:
"سأعطيهم المعركة التي يتمنونها.. اذهبي يا ملكتي، بيتكِ هو حيث تكونين آمنة."
دفعها غيث بقوة نحو الفتحة الصخرية، واستدار ليواجه بقية القطيع بمفرده. كانت ليلى تزحف داخل الممر الضيق، وتسمع خلفها أصوات العظام وهي تتكسر، وعواء غيث الذي كان يملأ الأفق، ليس عواء ألم، بل عواء فخر وتحدٍ.
عندما خرجت ليلى من الجهة الأخرى للممر، وجدت نفسها على مشارف القرية، لكنها لم تتوقف. التفتت للخلف لتجد النيران قد بدأت تلتهم جزءًا من الغابة، وفي وسط الدخان، رأت خيال ذئب ضخم يسقط من فوق الجرف وهو يطبق فكيه على رقبة قائد القطيع.
سقطت ليلى على ركبتيها تصرخ باسمه: "غيثثثثث!"
لكن الغابة لم تجبها سوى بصوت الريح، تاركة إياها وحيدة في مواجهة مصيرها الجديد، وهي تشعر بأظافرها تطول ببطء، وعيناها بدأت تتحول للون البني المحمر.. لقد بدأت اللعنة تسكنها هي الأخرى.
لم يكن الصراخ كافياً لإخماد الحريق الذي استعر في صدر ليلى. وقفت على مشارف قرية الصيادين، لكن قدميها لم تقويا على التقدم خطوة واحدة نحو "الأمان" الذي وعدها به غيث. كيف تكون آمنة وقد تركت قلبها ينهشه الذئاب خلف الممر الصخري؟
تحسست ليلى عنقها، كان النبض هناك يتسارع بشكل غير طبيعي، وصوت دقات قلبها صار يطغى على صوت الريح. نظرت إلى كفيها؛ الأظافر التي كانت قبل قليل ترتجف خوفاً، أصبحت الآن صلبة، حادة، وذات لمعة غريبة تحت ضوء الفجر الخافت.
"الغابة لا تنسى الدماء، والأرض لا تشبع من الدموع."
بدلاً من دخول القرية، استدارت ليلى. رائحة الدخان لم تعد تزعج رئتيها، بل بدأت تميز في وسط الرائحة الكريهة شيئاً مألوفاً.. رائحة غيث. كانت تفوح منه رائحة الغابات والمطر، لكنها الآن ممزوجة برائحة الموت.
لم تعد تمشي كبشرية؛ كانت قفزاتها واسعة، وحواسها ترسم لها خريطة للمكان من خلال الروائح والأصوات. كانت تسمع حفيف أوراق الشجر على بعد أميال، وتسمع أنين الذئاب المصابة التي خلفها غيث وراءه.
عند حافة الجرف
عادت إلى "جرف الصدى". المكان كان عبارة عن ساحة مجزرة. جثث الذئاب ملقاة هنا وهناك، والثلوج البيضاء اصطبغت باللون القاني. تقدمت بخطوات ثقيلة نحو حافة الجرف حيث رأت غيث يسقط.
نظرت للأسفل، كان الضباب يلف القاع، لكن عينيها اللتين تحولتا للون البني المحمر اخترقتا الستار الضبابي. رأت جسد الذئب الرمادي الضخم (القائد) هامداً، وبالقرب منه، كان غيث ملقىً بلا حراك، جسده البشري قد عاد لطبيعته، لكنه كان مغطى بالجروح التي لا يمكن لجسد أن يبرأ منها.
فجأة، خرج من بين الأشجار ثلاثة ذئاب من الناجين. كانوا يترنحون من التعب، لكن عيونهم حين وقعت على ليلى، اشتعلت فيها رغبة الانتقام. زمجر أصغرهم سناً وتقدم نحوها، ظناً منه أنها لا تزال تلك الفريسة الضعيفة.
لكن ليلى لم تتراجع. شعرت ببرودة الثلج تحت قدميها الحافيتين تتحول إلى حرارة غاضبة.
برزت أنيابها، وانطلقت من حنجرتها زمجرة لم تكن تشبه صوتها الرقيق أبداً.
قبل أن يقفز الذئب، كانت هي الأسرع. وبقوة لم تعهدها، غرزت أظافرها في كتفه وقذفت به بعيداً وكأنه ريشة.
تراجع الذئبان الآخران بذهول. لقد أدركا أن القوة التي كانت تسكن غيث لم تمت بسقوطه، بل انتقلت إلى "ملكته".
نزلت ليلى المنحدر بمهارة لم تكن تملكها من قبل. وصلت إلى جسد غيث، وضعت رأسها على صدره.. كان هناك نبض خافت جداً، يكاد لا يُسمع.
همست في أذنه وهي تمسح الدم عن وجهه:
"لقد طلبت مني أن أجد بيتي حيث أكون آمنة.. لكن بيتي كان أنت، والآن، سأجعل هذه الغابة قبراً لكل من حاول هدم هذا البيت."
نظرت ليلى نحو السماء التي بدأت تشرق فيها شمس باردة، وأطلقت عواءً طويلاً مزق سكون الجبال. لم يكن عواء استنجاد، بل كان إعلاناً رسمياً عن ولادة "الفا" جديدة، لا ترحم، ولا تغفر.
ماذا سيحدث في الفصل القادم؟
رحلة العلاج: هل ستتمكن ليلى من نقل غيث إلى قرية الصيادين لطلب المساعدة بالفضة (التي قد تقتله أو تشفيه)؟
التحول الكامل: كيف ستتعامل ليلى مع أول ليلة يكتمل فيها القمر وهي تحمل اللعنة؟
بدأت ليلى قائمة "الاغتيالات" للقطيع الذي خان غيث.