رواية لعنة المقبرة الفصل الثاني2 بقلم مليكة الروايات والحكايات

رواية لعنة المقبرة الفصل الثاني2 بقلم مليكة الروايات والحكايات
لعنة المقبرة 
 الحلقة الثانية
مرت السنون على قرية "الجبل" في قنا كما يمر النيل.. هادئ في ظاهره، لكنه يخفي تيارات لا يعلم مداها إلا الله. كبرت برديس حتى صارت بنت ثلاثة عشر ربيعاً. ملامحها شربت من جمال الصعيد القاسي: شعر أسود تقيل كليل بلا قمر، وعيون واسعة فيها حزن قديم كأنها وارثة همّ من قبل ما تتولد. كانت ساكتة أغلب الوقت، لكن سكوتها كان يحكي.شئ لا يعلمه احد
نبوية ما بقتش تنام من يوم ما شافت علامة الكف. كل ليلة بعد ما برديس تغمض، تفتح جلابيتها من ورا وتطمن على الكف الصغير اللي على كتفها اليمين. العلامة بتكبر مع البت، وبتغمق، كأنها وشم محفور بنار مش بحبر.  
"بتعملي إيه يمّا؟" همست برديس في ليلة وهي نص نايمة.  
اتخضت نبوية ودارت وشها بسرعة تمسح دموعها: "بغطيكي يا قلب أمك.. الجو برد".  
لكن الجو كان نار، شهر مسرى ولهيبه ما يترحمش.
نبوية بقت تخاف من ضلها. منعت برديس تروح الترعة، منعتها تلعب مع بنات الكُفر، حتى الكُتّاب مرضيتش توديها. "العلم مش هينفعك لو راحت مني" كانت تقولها. أبو عمار، جوز نبوية، راجل طيب على نياته، كان يستغرب: "مالك يا ولية؟ البت هتتعقد من حبستك دي". ترد عليه بعصبية: "انت ما تعرفش حاجة.. 
غباشي حارث القبور . بنى له كوخ طين لازق في صخر الجبل، قدام المقبرة الملعونة بالظبط. الناس بقت تسميه "الممسوس". طول نهاره ينحت طلاسم على الصخر، وبالليل يولع نار قدام باب المقبرة المقفول بحجر جرانيت وزنه قنطار. وعلى إيديه الاتنين وشم كف مفتوح باللون الأحمر.  
الكتاب اللي معاه كان جلده ناشف زي جلد الميتين. صفحاته من جلد معيز، والحبر أسود من رماد عظم. كل صفحة فيها رسمة كف، وتحت منها مكتوب بالهيروغليفي: _"عندما يكتمل القمر الثالث عشر، ويفيض دم العذراء، تُفتح بوابة خع-إم-واست، ويُبعث الذهب لخادمه الأمين"
غباشي حافظ الصفحة دي صم. كان كل ليلة قمرية يذبح دبيحة قدام الباب ويرش دمها ويقول: "اصبري.. قربت. بنت الكف بلغت وأنا حاسس بيها".
الليلة دي كانت حرّ لا يُطاق. الهواء واقف كأنه ميت. برديس صحيت قبل الفجر على مغص قطع بطنها. كتمت صرختها الأول، لكن الوجع كان أقوى منها. "يمّا.. الحقيني".  
نبوية كانت صاحية أصلاً، هي متى نامت؟ جريت عليها، ونورت اللمبة الجاز. أول ما شافت الدم على ملابس البنت، وقع قلبها في رجلها. الدم. العلامة. المقبرة. كلهم اتجمعوا في لحظة واحدة قدام عينيها.  
"لا... لا يا رب مش دلوقتي... مش دلوقتي" بقت تبرطم وهي حاضنة برديس اللي بتبكي من الوجع والخوف.  
"في إيه يمّا؟ أنا هموت؟"  
"بعد الشر عليكي يا جنة.عمري دي اسمها حيضة.. كبرتي وبقيتي عروسة" قالتها وغصة في حلقها، كأنها بتنطق حكم إعدام.

غباشي كان نايم نومة الديب. فجأة فتح عينه على وسعها. شم ريحة الدم في الهواء. بَص للكف المرسوم بالدم على حيطة الكوخ... لقاه بيقطر دم جديد، كأن الجرح اتفتح حالاً. وقف مرة واحدة وعظمه طقطق. ضحك ضحكة رجّت الجبل، ورفع الكتاب لفوق: "أهو الباب نده! البت حاضت! العهد اكتمل يا خع-إم-واست.. العهداكتمل
الشمس يا دوب لسه بتطلع، والديوك بتأذن، سمعت نبوية خبط على الباب. خبط تقيل.. مش خبط حد جايب عيش ولا لبن. قلبها اتقبض. لفت برديس في شال وسحبتها لأوضة الخزين: "مهما حصل، ما تطلعيش حس صوتك يا برديس.. فاهمة؟"  
فتحت الباب لقت غباشي واقف. لابس جلابية سودا متربة، لحيته بيضا لحد صدره، وعينه حمرا من قلة النوم. وريحته.. ريحة تراب مقابر ووجه محروق من لسعه الشمس"  
"صباحية مباركة يا نبوية" قالها وصوته خشن زي حك الحجر.  
"عايز إيه يا غباشي على الصبح؟"  
"سمعت إن القمر بتاعك كبر وبقى عروسة. وأنا راجل مقطوع من شجرة، وجاي أطلب إيد بتك برديس لولدي".  

نبوية شهقت ومسكت في الباب: "ولدك؟! ياراجل اختشي.. ده انت ما دخلتش دنيا أصلاً، ولا اتجوزت!"  

هنا ابتسم غباشي نص ابتسامة، كشفت عن سنان صفرا. وزاح عبايته شوية، بانت يد السكين المحشور في حزامه. سكين عضم، مقبضها على شكل كف مفتوحة.  
"ولدي اللي في بطن الجبل يا نبوية. ولدي اللي مستني من تلات تلاف سنة. المقبرة عايزة عروسة.. والليلة دي ليلة دخلتها".  

ورا باب الأوضة، برديس كانت حاطة إيدها على بقها تكتم شهقتها. وفي نفس اللحظة، حست بصهد نار على كتفها. علامة الكف كانت بتتحرق.. بتسخن كأن حد كواها.  

غباشي قرّب خطوة وقال بصوت واطي يسم البدن: "قدامك ليوم المغرب. يا تجيبيها برضاكي.. يا آجي آخدها بدمك. والكتاب مابيرحمش".  

وسابها واقفة تترعش، ومشي ناحية الجبل. خطوته ثابتة، كأن الأرض بتنحني له.  

نبوية قفلت الباب وجريت على برديس حضنتها. الاتنين بيبكوا من غير صوت.  
على مغرب نفس اليوم، فوق الجبل، باب المقبرة الحجري اتهز هزة خفيفة لأول مرة من 3000 سنة. ووقع من تحته شوية تراب.. كأن اللي جوّا صحي من النوم.

تعليقات



<>