
❤️ الجزء الرابع ❤️
وقف سيف قدام الدكتور، والقلق باين على ملامحه، وقال باستغراب:
ـ إزاي يا دكتور؟! أحمد عمره ما كان شكله واحد بيتعاطى مخدرات!
تنهد الدكتور وقال بهدوء:
ـ أنا بقول اللي شوفته قدامي. ادّيته كمية بنج المفروض كانت تكفي، لكنه تقريبًا ما اتأثرش بيها، وده خلاني أشك إنه بيتعاطى نوع قوي من المخدرات. علشان كده لازم نعمل له تحليل، وساعتها هنعرف الحقيقة.
فضل سيف ساكت، وهو مش مستوعب الكلام.
خرج من عند الدكتور، ورجع للفيلا، وكانت كل العيلة مستنياه بلهفة.
أول ما دخل، سأله الجد:
ـ طمّنا يا ابني... أحمد أخباره إيه؟
رد سيف وهو بيبص لهايدي:
ـ الدكتور شاكك إنه مدمن مخدرات... ولازم التحاليل تثبت.
في اللحظة دي...
انهارت هايدي من العياط، وقالت وهي بتترعش:
ـ الدكتور عنده حق... أحمد فعلًا مدمن.
بص لها الجميع بصدمة.
قالت هيام بسرعة:
ـ إنتِ كنتِ عارفة وساكتة؟!
هايدي هزت رأسها وهي بتبكي وقالت:
ـ عرفت من كام يوم بس... ولما واجهته بالحقيقة، ضربني وبهدلني.
وسكتت لحظة، وبعدين قالت بصوت كله وجع:
ـ والأصعب من كده...
إن سبب إدمانه هو كمان سبب إن جوازنا لحد النهارده ما اكتملش.
أنا... لسه بنت بنوت.
الكلمات نزلت على الكل كالصاعقة.
فضلت هايدي تبكي بحرقة، وقالت:
ـ كنت بحبه أكتر من نفسي... واستحملت كتير علشان خاطره.
لكن بعد اللي عرفته... وبعد الضرب والإهانة...
كل حاجة جوايا ماتت.
أنا خلاص... مش عايزة أكمل معاه.
قامت هيام بسرعة، وحضنت أختها بقوة، وهي بتمسح دموعها.
وقالت بحنان:
ـ خلاص يا حبيبتي... اهدي.
ربنا هيعوضك خير.
إنتِ استحملتي فوق طاقتك، وربنا مش هيضيع حقك.
اتصلت هيام بخالتها، اللي كانت مسافرة عند جوزها.
وقالت لها كل اللي حصل.
أول ما سمعت الخبر، صوتها اتكسر من البكاء، وقالت:
ـ أنا جاية... أول طيارة أنا وأبوه.
وبالفعل، وصلوا في أسرع وقت.
وأول سؤال سألوه:
ـ فين أحمد؟
أخدهم سيف وهيام على المستشفى.
دخلوا أوضة أحمد...
ولقوه بيصرخ بعصبية شديدة.
ـ أنا عايز أخرج... افتحوا الباب... سيبوني أمشي!
دخل الدكتور بسرعة، وأداله حقنة مهدئة، وبعد دقائق بدأ يهدأ وينام.
بص الدكتور للأب وقال بحدة:
ـ حضرتك والده؟
قال: ـ أيوه.
وأشار على والدته وقال: ـ ودي أمه... ودول مراته وأهله.
بص لهم الدكتور بنظرة كلها لوم، وقال:
ـ كنتوا فين لما ابنكم وصل للمرحلة دي؟
إهمال الأب والأم هو اللي بيضيع أولاد كتير.
الأب نزل رأسه وقال بصوت مكسور:
ـ أنا كنت شغال بره مصر... علشان أوفر له مستقبل كويس.
قاطعه الدكتور وقال:
ـ المستقبل مش فلوس وبس.
الابن محتاج أب زي ما هو محتاج أم.
وجودك جنبه كان أهم من أي شغل.
ثم سأله:
ـ عندك أولاد غيره؟
رد الأب: ـ لا... هو ابني الوحيد.
هز الدكتور رأسه بحزن وقال:
ـ يبقى كان أولى بيك تعيش معاه.
الفلوس ممكن تتعوض...
لكن العمر لو ضاع، عمره ما بيرجع.
وسابهم وخرج.
الأب قعد على الكرسي، وحط إيده على وشه، وفضل يبكي.
أما الأم، فكانت منهارة.
وقالت وهي بتعيط:
ـ والله ما قصرت في تربيته.
كنت كل يوم أقوله بلاش السهر، وبلاش الصحبة دي.
وأكلم أبوه ييجي يقعد معاه.
لكنه كان دايمًا يقول لي:
"سيبي الولد يعيش شبابه."
وبصت لجوزها، وقالت بحرقة:
ـ إنت السبب.
إنت اللي ضيعت ابني.
كنت فاكر إن الفلوس هتعوض غيابك.
لكن الفلوس عمرها ما كانت بديل عن حضن الأب.
فضل الأب يبكي، ومقدرش يرد.
راح سيف وهيام للدكتور علشان يطمنوا على أحمد.
قال لهم الدكتور بصوت هادئ:
ـ للأسف... الحالة صعبة جدًا.
والتحاليل أثبتت إنه مدمن في مرحلة متأخرة.
وكمان...
اكتشفنا إصابته بمرض الإيدز.
هيام شهقت من الصدمة.
أما سيف ففضل واقف، مش قادر ينطق.
قال الدكتور:
ـ لازم يتنقل فورًا لمستشفى الأمراض النفسية والعصبية، علشان يبدأ العلاج المناسب، لكن للأسف...
حالته متأخرة جدًا.
رجعوا بالخبر لأهله.
أول ما الأم عرفت...
صرخت صرخة هزت المستشفى كلها.
وقعت على الأرض، وهي بتقول:
ـ يا رب... ابني الوحيد!
ليه يا ابني عملت في نفسك كده؟
كانت بتبكي بطريقة تقطع القلب.
حتى الأب، اللي كان طول عمره قوي، انهار لأول مرة.
قال بصوت مخنوق:
ـ سامحني يا ابني...
أنا قصرت في حقك.
لكن الندم جه متأخر.
نفذوا تعليمات الدكتور، ونقلوا أحمد إلى مستشفى الأمراض النفسية والعصبية.
وهناك، قابلهم الطبيب المسؤول.
قال لهم بجدية:
ـ حالته في الأيام الأخيرة.
ولازم تعرفوا إن الزيارة هتكون من خلف الزجاج فقط.
وممنوع أي احتكاك مباشر بيه.
الأم انهارت من جديد.
وقالت وهي بتبكي:
ـ حتى مش هعرف أحضنه؟!
رد الطبيب بحزن:
ـ دي التعليمات الطبية...
وربنا يكون في عونكم.
خرجت الأم وهي سندها الوحيد دموعها.
وكانت بتبص لابنها من وراء الزجاج، وقلبها بيتقطع عليه.
أما هايدي...
فكانت واقفة بعيد، ودموعها بتنزل في صمت.
رغم كل اللي عمله فيها...
لكنها كانت بتدعي له من قلبها:
"يارب... ارحمه وخفف عنه."