
رواية هوس الريان الفصل الثالث والعشرون23 بقلم ساره الحلفاوي
كان يسير بخطوات تكاد تشُق الأرضية من أسفلُه، يسير و غضب العالم أجمع تجمع به، دلف لغُرفتها .. لم يعاير إهتمام لجلوسها على فراشها ممسكة بهاتفها بثياب قصيرة .. جل ما شغل باله من أين سيبدأ تعنيفها .. أي جزء في خصلاتها سيجذبه بقسوةٍ أولًا!
و بدون مقدمات و دون أن تعي هي دلوفه كان يجذب خصلاتها القصيرة و يصفعها هادرًا بها بقسوة:
– ده أنا إن ما علمتك الأدب مبقاش أنا يا بنت الكلب!
صرخت به إسراء تحاول تفادي صفعاته:
– إبـعـد عني يـا أبـيـه فـي إيـه! آآآه
شدد على خصلاتها يرفع وجهها له يقول و هو يطل عليها ببنتيه القوية:
– بتدخلي جناحي يا بت؟! عايزة تحرقي مراتي يا زبالة!
توترت محياها فـ علم فورًا أنها الفاعلة، أسقطها أرضًا يُثني ركبتيه و يقبل عليها و هي أسفله بين يداه يكاد يفصل عنقها عن باقي جسدها و هو محاوطه بكفه، يقول و قد برزت عيناه من شدة غضبه:
– بس مجاتش فيها بردو يا روح أمك .. و طول م فيا النفس مش هتعرفي تلمسيها!
كالمعتوهة نظرت له مصدومة، تمسك بذراعه تقول غير آبهة بأنه يكاد يق*تلها:
– يعني .. يعني إنت اللي .. إتحرقت!
– إنتِ هبلة يا بت ولا شكلك كدا؟!
هتف و هو ينفي برأسه لا يصدق هذه المريضة، أبعدت كفه تجلس على ركبتيها أمامه تحاوط وجنتيه تقول و هي تتفقده بعيناها بهوسٍ و أناملها تسير على رقبته و على وجهه:
– فين .. فين يا حبيبي!
– يا شيخة جتك القرف بقى!
قال و هو يزيح كفيها من عليه يغمغم بقسوةٍ و قد تشنجت مِحياه بإشمئزاز منها، كاد أن ينهض لكنها منعته تقول بأسف و قد تساقطت عيناها:
– أنا مكنش قصدي إنت والله يا ريان .. أنا كنت عايزة أحرقها هي!
قطب حاجبيه و أمسك بها من ثيابها يرفعها و يدفعها للحائط يقول بأعين تنبعث منها شظايا نارية:
– ده أنا أحرق أهلك كلهم .. عملتلك إيه يا بت عشان الغل ده كله!
أمسكت بتلابيب قميصه تقول بحُرقة:
– خدتك مني .. و طول عمرها كانت واخداك مني .. حتى محاولاتي إني أكرهك فيها كلها فشَلت!
قطب حاجبيه أكثر و من ثم إبتسم لإعترافها يهتف:
– آآه قولي كدا بقى .. الصور اللي كنتي بتبعتيهالي كلها كانت مقصودة .. و مش بعيد تكوني كنتي بتوِزي أخوكي يعمل معاها الحركات الزبالة دي و هي حبيبتي غلبانة فاكراه زي أخوها!
و كأنا قد عُميت .. و دون أن تدرك هتفت بغلٍ:
– أيوا يا ريان .. و أنا اللي قولت لـ سيف يدخل أوضتها يومها و يغتصبها كمان .. عارف ليه! عشان تيجي تلاقيها ف حضنه هو حتى لو كنت فهمت إنه كان غصب عنها .. بردو مكنتش هتتجوزها .. أنا عارفة إن ريان الشافعي مستحيل يتجوز بواقي حد!!
عاد للخلف مصدومًا، بينما هي أدركت ما قالته، فـ إنهارت ترتمي بجسدها بأحضانه تتشبث في رقبته كما لو أنه أبيها دافنة رأسها في رقبته تقول بألمٍ:
– أنا عملت كل ده عشانك .. عشان تتجوزني أنا .. و تفكر فيا أنا .. ليه عملت فيا كدا؟
كان لازال يستوعب ما ألقته في وجهه، إذًا هو ظلم تلك البريئة بمُخططٍ قذر من هذه الفتاة، لا يعلم ماذا حدث بعد هذه الثوان .. دلفت ليل .. رأتها تحتضنه و هو واضع يداه جانبه و كأنه مستسلم لما تفعل، ليتها فقط تحتضنه بل كانت تقبل عنقه و لم يعي كليهما دلوف ليل التي أطلقت شهقة بكاء جعلت ذلك الذي كان شاردًا يستفيق! نبذ عنه تلك الملتصقه به و من قوة الدفعة إرتطمت بالحائط، رفع سبابته في وجهها و هتف بحدةٍ:
– أنا مش عابز أشوف وشكوا في البيت ده تاني .. بكرة مش عايز أشوفكوا في البيت و إلا هفضحك ف العيلة كلها!
ذهب و تركها و وجد معشوقته تسير إلى جناحهم بخطوات سريعة منتفضة لتغلق باب غرفتهم خلفها بالمفتاح، كل هذا حد قبل أن يصل لها فـ ضرب على الجناح يقول بغضبٍ من نفسه أكثر من غضبه منها هي:
– ليل إفتحي الزفت ده .. اللي بتعمليه ده شغل عيال، إفتحي إنتِ مش فاهمة حاجة!
وصل له شهقات بكائها التي فشلت فشلًا ذريعًا في إخفاءها، فـ إنقبض قلبه أكثر، يطرق بحدة أكبر .. لم يجد سوى اللين مفرًا، فـ قال برفقٍ و كأنه يهدهد طفلتهُ:
– ليل .. حبيبتي إفتحي نتكلم
وجد شهقاتها تهدأ .. و بكائها يخفُت، فـ أسرع ينتهز تلك الفرصة و يهتف بلُطفٍ:
– إفتحي يا ليل .. متسيبيش واقف كدا و أنا ضهري تاعبني أصلًا
ضغط على وترٍ حساس لديها .. لم تمر ثوانٍ سوى و هي تفتح الباب و تعود لداخل الغرفة جالسة على الفراش تخفي وجهها في كفيها مستندة بمرفقيها على ركبتيها .. مغمضة عيناها تحاول أن تتناسى ما رأت حتى لا تُصاب بذبحةٍ، إتجه هو لها بعدما أغلق الباب، وقف قليلًا في المنتصف يلملم شتاته و يستعيد إدراكهُ أن تلك الفتاة هدمت بشتّى الطرق علاقتهما، ولا يعلم كيف هو بذاته ريان الشافعي يخُر أمامها و يستند على ركبتيه محاوطًا جانبي فخذيها، يُقبل رأسها بقبلةٍ حنونةٍ جعلتها تتسمر للحظات، وجدته يأخذ كفيها .. يُقبل باطنهما و يُغمغم بحنوٍ إختلط بالندم:
– حقك عليا يا حبيبتي
أخذت إعتذاره على محمل آخر .. ظنت أنه إستسلم لها قاصدًا .. و أن بطريقةٍ أو بأخرى قبلات إسراء ثد أثّرت به و جعلته يقف مكتف الذراعين، فـ إنهارت أكثر و إنتابتها حالة من البكاء الهيستيري تقول و هي تواجهه بعيناها:
– حقي عليك! حقي عليك إنك وقفت قدامها وسايبها تحضنك و تبوسك في رقبتك!
قطب حاجبيه و كاد أن ينطق لكنها قاطعته تقول و هي لازالت مصدومة:
– إنت للدرجة دي بتجري ورا شهواتك! هو إنت وحش أوي كدا!
لم تكن تسبهُ .. كانت تتسائل بأعين متسعة و صدمة حقيقية و كأن من أمامها ليس بمن أحبّت، ترى صدمته فـ تُصدم أكثر من قدرته الباهرة على التزييف و التمثيل، صمت للحظات قبل أن يسألها بجدية:
– إنتِ إتجننتي؟
إنفلت عيار الصبر التي كانت تحكُم القبض عليه .. و نهضت من أمامه تصرخ بإنهيارٍ بل و تلقي بكل ما كان فوق المزينة من عطور تخصه و تخصها و ساعته المفضلة التي نسى تمامًا أن يضعها بعلبتها جوار رفيقاتها .. ألقت بكل شيء و هي تصرخ به:
– أنـــا زهــقــت .. قـــرفــت بـقى مـنـك و مـن الـعـيـشـة مـعـاك!
جـبت أخـري يـا ريـان!
نهض ينظر لتلك الثورة البركانية التي نبعت منها، نظر لفعلتها و الأهلم أن أذنيه إلتقطت كلماتها .. تلك الحروف التي تجمعت لتكوّن نصل وراء الآخر غُرز بـ فؤاده، لاذ بالصمت و ما تلبسهُ من تفكير الآن .. كم أن الظُلم قاسٍ .. و كم عانت هي معه ظلماتٍ متتابعة، نظر لها صامتًا .. قبل أن يقول و هو يأخذ مفتاح سيارته و هاتفه و يقول:
– مافيش مشكلة .. أنا هريّحك مني خالص!
سقط قلبها أرضًا من جملته، و هربت الدماء من جسدها خلفُه .. خرج من الغرفة لتتابعه بعيناها التي إهتزت، نظفت حلقها و لم تعاير شظايا الزجاج أسفلها إنتباهًا و سارت فوقهما على أمل أن تصل إلى الترّاس و تراه .. تقسم أنها حتى لم تشعر أنها للتو قد سارت على قطع زجاجية كادت تخترق الطبقة الأولى من جلدها إن لم تفعل، إرتجف بدنها و هي تراه يقود سيارته بسرعةٍ عالية، قطبت حاجبيها و جلست على المقعد تعاني ألم قلبها و قدميها الآن، جلست تبكي و هي تنزع قطع الزجاج من قدميها .. تلك القطع المُلطّخة بالدماء بالضبط كـ شظايا قلبها المنثورة، نهضت تتحامل على قدميها و تسير دون تآزر، تأخذ هاتفها لكي تهاتفه مرة تلو الأخرى بجنونٍ .. لم يجيبها و كأنه قاصدًا إبصالها لمرحلة جنونية بالفعل، هاتفته مرة أخيرة قبل أن يغلق هاتفه تمامًا يلقيه على المقعد جواره و وجهه شديد الإحمرار غضبًا بل و قهرًا .. لم يقهره الظلم بقدر ما آلمته كلماتها .. كيف للكلمات أن تترك ذلك الأثر البغيض على الروح! كيف لحروفٍ تجعل من يسمعها يسير تائه كحاله الآن، أهي بغضته بالفعل .. إبتسم ساخرًا .. كيف لها ألا تفعل و هو قد فعل بها الأفاعيل، هو لا يتسائل الآن سوى عن قسوة شعورها عندما ظلمها و لم يُعطيها الفرصة للحديث، لا يعلم أيغضب منها .. أم يغضب من ذاته لأنه من جعلها تصِل لتلك المرحلة.
عندما أغلق هاتفه .. ألقت هي بالهاتفه أجهشت بالبكاء تضع كفها على صدرها لعلّ الأنفاس تعود لها، بحثت في حقيبتها على بخاخ الربو حتى وجدته بعد عناء، نثرث محتواه داخل فمها مرة تلو الأخرى بجنونٍ، كانت كمن يخنق ذاته بدلًا من أن يُعيد الأكسجين لرئتيه، ألقت بها و جلست جوار الفراش ملتصقة به و هي تبكي .. تلملم ثيابها عليها كأنها تعانق نفسها بنفسها، حتى وجدت من يقتحم عليها باب الجناح و منه الغرفة .. رفعت رأسها فـ وجدتها تلك الحيّة كما أسمتها، تقف في منتصف الغرفة بتبجح و تقول و هي تناظرها بشماتةٍ:
– شوفتي جالي في الآخر إزاي؟ شوفتي إنه مهما يروح وييجي بردو هجيبه لحد عندي!
كانت تلقي كلماتها لكي تزيد تيران نيرانها المنبعثة، كانت الأخيرة بحالة ضعفٍ جم .. هشة و لا تستطيع تقبل كلمة واحدة، لم ترفق بها الأخيرة، بل لجلست أمامها و قالت و كم راق له المنظر:
– طب إنتِ عارفة إني متوقعتش يضعف في حضني كدا .. قولت ده هيزقني ولا هيضربني زي م كان بيكابر! شوفي بقى إنتِ مش مكفياه ولا إيه!
نظرت لها ليل دون حديث، كانت صامتة تنظر لها فقط، أربكتها نظراتها من أن تكتشف كذبها، فـ ألقت القنبلة الأخيرة تقول بكيدٍ أنثوي:
– النهاردة شوفتبه ف حضني .. بكرة هتشوفيه معايا .. على سريري .. بس هنبقى متجوزين، حلالُه يعني!
طالعتها الأخيرة دون تعبير، حتى نهضت إسراء بعدما إمتعضت طريقتها .. تُمصمص شفتيها و تقول بحنق:
– خليكي قاعدة كدا واكلة سد الحنك .. اللهي تتخرسي كمان و كمان!
ثم غادرت .. تاركة ليل تطالع قدميها أمامها بأعين تنزف بالدمعات
*********
دلف لشقةٍ يملُكها في المعادي، أغلق الباب خلفه و جلس على أول مقعد قابله، أمسك بهاتفه و فتحه، يضعه في كفه و يسنده على أذنه و بكفه الآخر يشعل سيجارته و ينفث دخانها بشراهةٍ، حتى أتاه صوت أمه تقول بقلبٍ ملتاع:
– ريان!! إنت فين يابني! كدا يا ريان تسيبني أنده عليك و متردش عليا؟
هتف ريان و هو يمسح على وجهه:
– حقك عليا يا روح قلبي .. والله كنت مدايق أوي يا أمي!
– إيه اللي حصل طيب!
قالت بلهفةٍ، فـ قال بعد تنهيدة:
– خناقة بسيطة بيني و بين ليل
ثم تابع بهدوء:
– المهم دلوقتي يا أمي .. عايز تطلعيلها الجناح .. و تشوفي عاملة إيه و تقوليلي، أنا في شقة المعادي و مش عايز أرجع دلوقتي .. و يمكن مرجعش بكرة، خدي بالك عليها كويس أوي يا أمي لو سمحتِ، و حاولي تخليها تاكل عشان مكالتش حاجة من الصبح!
قالت دليلة بحزن على حالهما:
– حاضر يا حبيبي .. في عينيا إنت عارف غلاوتها عندي، بس هي بتحبك أوي .. متخليهاش تستناك كتير يا ريان
صمت .. وتنهد يقول و هو ممسك برأسه:
– حاضر .. شوفيها و كلميني طيب .. بس مش قدامها
– حاضر يا حبيبي .. بالسلامة
– سلام
أغلق معها و نهض ممسكًا بهاتفه يقف في الشرفة، يحادث نفسه بإستنكار:
– أنا مش عارف أنا بعاقبها ولا بعاقب نفسي .. مش عارف ليه وصلنا للنقطة دي
ظل واقفًا لدقائق، حتى أتاه إتصال من والدته، فتح مسرعًا يقول بلهفة:
– ها يا أمي
هتفت دليلة بحزن:
– البنت متدمرة يا ريان .. هو إيه اللي حصل أنا مش فاهمة حاجة، دي مبتنطقش، و رجليها متعورة تقريبًا من الإزاز اللي ف الأرض! شكلها مكانتش خناقة بسيطة خالص!
تشنج وجهه و ضرب على درابزين الشرفة يقول:
– رجليها متعورة إزاي يعني؟! يعني مشيت ع الإزاز؟
– شكلها كدا
– ومبتتكلمش؟
– لا .. منطقتش حرف واحد
– وطبعًا مرضيتش تاكل!
– خالص رافضة الأكل تمامًا
– طب أنا جاي يا أمي .. سلام
أغلق معها و دون تردد تحرك من الشقة
صفّ سيارته .. و في غضون دقيقتان كان يثب أمام الجناح، فتحه بتهملٍ، فـ وجد الأنوار كما تركها، لكن باب الغرفة مُغلق .. دنى و لا يعلم كيف إنقبض قلبه لتلك الدرجة .. حتى أنه شعر ببرودةٍ تُغمر جسدُه .. مما جعله يفتح الباب و لم يستوعب ما رأى..