
لعنة المقبرة
الحلقة السابعه
قربان غباشي"
الطريق للجعافرة - الفجر
العربية الجيب كانت بتاكل الطريق راجعة للكُفر. ياسين سايق وإيده بتترعش على الدركسيون، مش من الخوف... من الغضب. جنبه أبو عمار ماسك الفاس، ونبوية حاضنة برديس اللي وشها أصفر زي الليمونة.
برديس من ساعة ما الريشة السودا وقعت في الأوضة وهي مش بتنطق. بس عينيها... عينيها كل شوية تزرق ثانية وترجع سودا. كأن اتنين بيتخانقوا جواها.
"هنلحق يا دكتور؟" نبوية همست.
ياسين بص في المراية، شاف الأفق ناحية الجعافرة منور أزرق باهت. "اللعنة سبقتنا يا ست نبوية. بس لسه فيه أمل... لو لقينا جثة غباشي".
المنظر عند في مدخل وادي الجبل كان كابوس. النخل ميت، وورقه الأسود مالي الأرض. الترعة ناشفة وريحتها عفونة. والبيوت... البيوت ساكتة سكوت الموت. مفيش صوت ديك، مفيش صوت عيل بيعيط. حتى الكلاب اختفت.
في نص الساحة، كان التعبان الأسود اللي عينيه زرقا ملفوف حوالين بير الكُفر الناشف. كل ما واحد من أهل الكُفر يقرب عشان يشوف لو فيه نقطة مية، التعبان يرفع راسه، والعينين الزرقا تنور، والراجل يقع مكانه سخن وبيتشنج.
الشيخ عطية كان قاعد على عتبة الجامع، لحيته البيضا بقت رمادي من التراب. شاف العربية داخلة، قام جري عليها كأنه شاف النبي.
"لحقتونا... يا دكتور... إلحقنا... الكفر بيخلص".
ياسين نزل وبص للتعبان. التعبان بص له. لحظة صمت قاتلة. وبعدين التعبان فتح بقه، وطلع منه صوت مش فحيح... طلع منه صوت بني آدم، صوت خع-إم-واست: "رجعت يا حارس؟ جبت لي بنتي؟"
كل اللي واقف اتسمر. ياسين بلع ريقه وقال بالهيروغليفي: _"ما-إني-ك إنك-سِت... إنك-سا-إت إن-سوت"_
"لم آتِ بها... أتيت بابنة الملك".
أبو عمار شد ياسين: "فين غباشي يا دكتور؟ جثته فين؟".
الشيخ عطية ضرب كف على كف: "يا ندامتي... بعد ما وقع في الشق، افتكرناه مات. بعتنا عيال يشوفوه تاني يوم، ملقوش جثة. الشق كان مقفول تاني زي ما يكون ما اتفتحش أصلاً".
برديس نزلت من العربية. أول ما رجلها لمست تراب الكُفر، التعبان رفع راسه وبص لها. والعلامة على كتفها نورت من تحت الجلابية.
وبدون ما حد يلمسها، مشيت خطوة... والتعبان رجع خطوة لورا.
"هو خايف مني" همست برديس بصوت مش صوتها. "أو... خايف من اللي جوايا".
قربت من التعبان، والناس شهقت. نبوية كانت هتصرخ، بس ياسين مسكها.
برديس وقفت قدام التعبان وقالت بالهيروغليفي كلمة واحدة علمهالها ياسين: _"دي-ك"_
"اعطني".مافي بطنك!!
التعبان اتشنج، ولف حوالين نفسه، وبعدين فتح بقه ورمى حاجة على الأرض.
كانت صرة من قماش مبلول... وريحتها موت.
أبو عمار فتحها بعصاية. جواها... كف إيد. كف إيد راجل، ناشف ومحروق، وفي نص الكف وشم أزرق.
"كف غباشي" الشيخ عطية شهق. "التعبان أكله، وساب كفه بس!".
ياسين ركع جنب الكف: "مأكلوش. آبيب حبسه. الكف ده فيه('الكا' يعني القوه بتاعته بالفرعوني).. روح. آبيب بيخزن الأرواح اللي بتسقط في المقبرة عشان يبقى أقوى".
طقس القربان
ياسين بص لبرديس: "الوقت جه. لازم نعمل المقايضة. هنديله الكا بتاعة غباشي، وهو هيسيب الكُفر 40 يوم. 40 يوم ندور فيها على اسمك الحقيقي".
"وإزاي؟" سأل أبو عمار.
"لازم الوريثة هي اللي تقدم القربان. ولازم تقوله بلغته".
لموا حطب وعملوا دايرة قدام بير الكُفر. حطوا كف غباشي في النص. ياسين رسم حوالين الدايرة رموز بالطباشير الأزرق اللي جابه من البندر.
"قولي ورايا يا برديس: _حِتِب دي نِسوت... إن كا إن غُباشي... إن آبيب... إسفتِر-ك"_
"قربان يقدمه الملك... هذه كا غباشي... لآبيب... فـ ارحل".
برديس وقفت في الدايرة. النار مكنتش والعة، بس أول ما بدأت تتكلم، الطباشير الأزرق ولع لوحده. لهب أزرق من غير دخان.
"حِتِب... دي... نِسوت... إن كا... إن غُباشي... إن آبيب... إسفتِر-ك!"
صرخت بالكلمة الأخيرة. وكف غباشي اللي في النص... اتفحم، وطلع منه دخان أسود لف ولف، وبعدين اتشفط في بق التعبان.
التعبان اتنفض، وجسمه كله نور أزرق، وبعدين... صرخ. صرخة كسرت قزاز الشبابيك اللي لسه سليمة في الكُفر. وبعد الصرخة، غاص في الأرض. التراب بلعه في ثانية، كأنه ما كانش موجود. حدث سكون"
وبعدين... صوت مية.
البير الناشف بدأ يطلع فقاقيع. والمية السودا بقت صافية. والنخل الميت... ورقة خضرا صغيرة طلعت في قلب السواد.
العيال السخنة اللي في البيوت، حرارتهم نزلت مرة واحدة. والعلامة الزرقا اللي على رقبتهم... اختفت.
الكُفر كله كان بيبص لبرديس برهبة. محدش قرب، محدش شتم. بس محدش شكر كمان. الخوف كان أكبر من الامتنان.
أم عويس كانت واقفة ورا الكل، بصت لبرديس وقالت بصوت سمعه الكل: "أجلتِ الموت أربعين يوم. وبعد الأربعين... هياخد مين؟".
برديس لفت لها، وعينيها لسه زرقا، وقالت: "بعد الأربعين... هياخد اللي يستاهل".
ليلة الحساب
بالليل، ياسين جمع أبو عمار ونبوية والشيخ عطية في بيت العمدة.
"قدامنا 40 يوم. في الـ 40 يوم دول، لازم نفتح المقبرة، وننزل للتابوت، ونقرا الاسم الحقيقي لبرديس من على جدار 'غرفة الأسماء' قبل ما خع-إم-واست يصحى كامل".
"وإنت عرفت كل ده منين يا دكتور؟" سأل الشيخ عطية.
ياسين سكت شوية، وبعدين قلع السلسلة اللي في رقبته. كان فيها مفتاح دهب صغير عليه نفس علامة الكف.
"عشان جدي... هو اللي قفل الباب ده من 90 سنة. ومات وهو بيحاول يمنع بعثة كارنارفون. المفتاح ده... هو اللي هيفتح التابوت. وأنا آخر حارس من سلالة الحراس".
نبوية بصت لبرديس اللي نايمة على الكنبة: "وبنتي؟ هتفضل كده؟"
ياسين هز راسه: "كل يوم هيصحى جواها أكتر. بعد 20 يوم، مش هتعرف تفرق بين صوتها وصوته. بعد 30 يوم، هو اللي هيصحى وهي اللي هتنام. لازم نلاقي الاسم قبل اليوم الـ 30".
آخر مشهد
تحت الأرض، في المقبرة، التابوت الدهب كان بيتهز. والهيكل العظمي اللي لابس التاج فتح بقه. مفيش صوت طلع، بس على الحيطة، الظل بتاع التعبان كبر... وبقى له راسين.
وفوق، على باب المقبرة اللي اتفتح، ظهرت كتابة بالنار الزرقا:
"40"
وكل يوم الرقم هينقص واحد
معاهم 40 يوم بس قبل ما آبيب يرجع جعان أكتر. والمقبرة لازم تتفتح، واسم برديس الحقيقي لازم يتلقي. بس مين هينزل معاهم؟ والكُفر اللي أنقذوه... هيساعدهم ولا هيبيعهم لما الخوف يرجع؟