
🔥 الجزء الأخير 🔥 🔥 🔥 🔥
كانت رحلة الهروب أصعب مما كنت أتخيل.
أنا والدكتور كمال كنا بنتنقل من مدينة لمدينة، ومن محطة لمحطة، وكل مرة نغير مكان إقامتنا قبل ما حد يوصل لنا. كنا عارفين إن أي غلطة بسيطة ممكن تضيع تعب سنين، وممكن البحث يقع في إيد ناس همهم الوحيد الفلوس.
في كل ليلة كنت ببص لصورة إسلام وأولادي، ودموعي تنزل من غير ما أحس.
كنت هموت وأسمع صوتهم... لكن كلام الدكتور كمال كان بيرن في ودني:
ـ "ممنوع تفتحي تليفونك... لو عرفوا مكانك، كل اللي عملناه هيضيع."
كنت بدعي ربنا في كل صلاة: "يا رب... نجّيني، ورجعني لبلدي ولأهلي سالمة."
...
أما عند إسلام...
كان القلق بياكله.
عدى يوم... واتنين... وعشرين يوم كاملين، وهو ما يعرفش عني أي حاجة.
كان كل شوية يبص في تليفونه، يمكن يلاقي مكالمة أو رسالة، لكن مفيش.
الحاجة إيمان كانت بتحاول تهديه.
قالت: ـ يا ابني... يمكن في ظروف، وربنا هيطمن قلبك.
رد وهو دموعه في عينيه: ـ يا أمي... سمر عمرها ما اتأخرت عليا يوم واحد. أنا عارفها كويس... أكيد في حاجة حصلت.
وفجأة...
رن تليفونه.
فتح بسرعة وهو فاكر إني أنا.
لكن اتفاجئ بصوت أمجد.
ـ عامل إيه يا إسلام؟
رد عليه ببرود: ـ الحمد لله.
قال أمجد: ـ مال صوتك؟ شكلك تعبان.
قال إسلام: ـ سمر بقالها أكتر من عشرين يوم مختفية... ومفيش أي خبر عنها.
ابتسم أمجد في خبث، لأنه عرف إني لسه ما رجعتش مصر.
قفل المكالمة، وبدأ يدور عليا من جديد هو والباحثين، لكن كل محاولاتهم كانت بتفشل.
كل ما يوصلوا مدينة... نكون إحنا سافرنا لمدينة تانية.
وكأن ربنا بنفسه كان بيحمينا.
...
أما في مصر...
عبد الرحمن وزوجته كانوا عايشين أصعب أيام عمرهم.
ميرفت وسيد نقلوا يقعدوا معاهم في الفيلا، علشان يخففوا عنهم.
كل يوم كانوا يدعوا ربنا ويرفعوا إيديهم للسما:
"يا رب... رجع بنتنا بالسلامة."
...
وأخيرًا...
بعد رحلة طويلة، قدرنا نحجز تذاكر العودة.
وأول ما الطيارة هبطت في مطار القاهرة...
حسيت إن روحي رجعتلي.
أول حاجة عملتها إني فتحت التليفون، واتصلت بإسلام.
أول ما سمع صوتي...
سكت.
وكأنه مش مصدق.
وبعدين قال وهو بيبكي:
ـ سمر... إنتِ بجد؟!
قلت وأنا بضحك ودموعي نازلة: ـ أيوه يا حبيبي... أنا في مطار القاهرة.
قال: ـ استنيني... أنا جاي حالًا.
...
قبل ما نمشي، بصلي الدكتور كمال وقال:
ـ حمد لله على سلامتك يا دكتورة... مصر هتفتخر بيكي.
ابتسمت وقلت: ـ الفضل لله... ثم لحضرتك. لو ما كنتش وقفت جنبي، ما كنتش رجعت.
صافحني وقال: ـ ميعادنا بكرة... هنقدم البحث.
...
بعد دقائق...
وصل إسلام.
أول ما شوفته...
جريت عليه.
حضنته حضن طويل، وكأن السنين كلها اتجمعت في اللحظة دي.
وبعدها حضنت أولادي، وقعدت أبوس فيهم وأنا ببكي من الفرحة.
قال إسلام وهو بيبصلي بقلق:
ـ إيه يا سمر؟ خسيتِ كده ليه؟
ضحكت وقلت: ـ من كتر التعب... بقالي عشرين يوم تقريبًا ما نمتش نوم طبيعي.
قال وهو ماسك إيدي: ـ المهم إنك رجعتي... والباقي كله يهون.
...
رجعنا البيت.
الحاجة إيمان وأخته كانوا مستنييني بالأكل.
سلموا عليا بالأحضان والدموع.
وبعد الغدا قلت:
ـ معلش... سامحوني. أنا محتاجة أنام.
نمت أكتر من اتناشر ساعة متواصلة.
ولما صحيت...
حسيت إني اتولدت من جديد.
...
في الصبح، حضرت الفطار بإيدي.
وبعد شوية...
لقيت باب الشقة بيخبط.
فتحت...
ولقيت بابا وماما، وأحمد، ومحمود، وسيد، وميرفت... كلهم واقفين.
أول ما شافوني...
حضنوني واحد واحد.
عبد الرحمن قال وهو بيبكي:
ـ الحمد لله... ربنا رجعك لينا يا بنتي.
بست إيده وقلت:
ـ سامحني يا بابا إني قلقتكم.
قال: ـ المهم إنك بخير.
...
بعد الفطار...
حكيت لهم كل حاجة.
من أول يوم سافرت فيه...
لحد رحلة الهروب...
ولحد ما رجعت مصر.
ولما خلصت...
أخت إسلام قالت وهي منهارة:
ـ أنا استحملت جوزي كتير علشان أولادي... لكن بعد اللي عمله ده، مستحيل أكمل معاه.
الحاجة إيمان حضنتها وقالت:
ـ ربنا يعوضك خير يا بنتي.
...
بعد أيام...
أنا والدكتور كمال قدمنا البحث رسميًا.
ولأن البحث كان إنجازًا طبيًا كبيرًا...
تم اعتماده.
واتعمل لنا مؤتمر عالمي ضخم.
وكان فيه علماء وباحثون من دول كتير.
وأعلنوا نجاح العلاج، بعد التجارب العلمية.
وفي وسط تصفيق الجميع...
نادوا على اسمي.
وقالوا:
"الدكتورة سمر... الفائزة بجائزة نوبل."
وقفت مكاني، ودموعي نزلت.
افتكرت كل لحظة تعب...
وكل دمعة...
وكل حد قال إن البنت ما تقدرش.
طلعت استلمت الجائزة، وقلت:
"أنا عملت النجاح ده علشان أوصل رسالة لكل بنت... إن النجاح مالوش علاقة بكونك بنت أو ولد. بالإرادة والإيمان بالله، الإنسان يقدر يحقق المستحيل."
وقف الحضور كلهم يصفقوا.
وكان إسلام واقف وسطهم، وعينيه مليانة فخر.
...
رجعنا مصر وسط استقبال كبير.
كل أهلي كانوا فرحانين.
ومحمود قال وهو بيضحك:
ـ الحمد لله... حققتي حلمك يا سمر.
وقال أحمد: ـ ويلا بقى... جه دوري. عايزين نروح نخطب فاطمة.
ضحكنا كلنا.
وبالفعل...
تم عقد قران محمود على إيمان، وفي نفس اليوم لبس أحمد الشبكة لفاطمة، وتحول البيت كله إلى فرحة كبيرة، مليانة ضحك ودعوات وفرحة بعد كل التعب اللي شافوه.
وقفت أبص لأهلي، وحمدت ربنا.
عرفت وقتها إن السعادة الحقيقية مش في الشهرة ولا الجوائز...
السعادة إنك ترجع تلاقي حضن أهلك، ودعواتهم، وناس بتحبك بصدق.
وهنا... أسدل الستار على حكاية سمر، البنت اللي أثبتت إن الإيمان، والعلم، والإصرار يقدروا يهزموا أي خوف، وإن النجاح الحقيقي بيبدأ لما الإنسان يتمسك بمبادئه مهما كانت الإغراءات.
تمت بحمد الله