رواية غيوم تحجب القمر الفصل السادس والعشرون 26 والسابع والعشرون 27 بقلم مني السيد

         

رواية غيوم تحجب القمر الفصل السادس والعشرون 26 والسابع والعشرون 27 بقلم مني السيد

الفصل السادس والعشرون


فغرت قمر فاهها وهي غير مستوعبة تردد في غير وعي " ملك... ملك أخت... أخت أدهم... ازاي؟؟

وضربت على جبهتها 

" انا من اول ما شوفتها وانا حاسة اني شوفتها قبل كده لاني شوفت صورتها وهي صغيرة في الفيلا بس كانت بشعرها ومراهقة وكده، اكيد ملامحها اتغيرت بس ازاي انا ماخدش بالي من حاجة زي دي؟ انت متأكد يا ماجد؟ دا موضوع كبير اوي؟ يعني هي مامتش؟ ولا مامته كمان؟ لانها بتقول ان مامتها عايشة ويوم عيد ميلادها جبتلها سلسلة عليه اسمها "

التفت ماجد اليها بحدة

" اسمها ايه امها؟ اسمها ايه؟" 

أجابت قمر وهي تتذكر 

" اسمها... ليلى" 

ضرب ماجد رأسه على المقود وهو يردد 

" هي يا قمر هي.. هما يا قمر"

- قمر وهي لا تستطيع التفكير بتعقل

" طب بس اطلع بينا نكمل طريقنا ونقول لأدهم وهو يتأكد بنفسه"

- ماجد " لا يا قمر مينفعش نقول لأدهم قبل ما اشوفها بعنيا واتأكد بنفسي"

- قمر " طيب يا ماجد سيب الموضوع دا عليا وانا هاظبطه بس اطلع دلوقتي خلينا نلحق أدهم" 

- ماجد " احنا لحد ما نوصل هيبقا الوقت اتأخر أوي خلينا الصبح بدري عشان يبقا كمان علي المحامي معانا ولو كده نخرجه معانا لأن بالليل متأخر كده مش هينفع يخرج" 

- قمر بعصبية " يعني انا يبقا معايا دليل براءته واروح انام وارتاح وهو في الحبس انت بتتكلم ازاي يا ماجد انا لازم اشوفه دلوقتي"

- ماجد" تشوفيه دلوقتي ايه؟ طبعا مينفعش" 

توسلت قمر إليه 

" ارجوك يا ماجد انت عرفت تجيبني من صورة بطاقتي مش هاتعرف تشوفلينا واسطة تخليني اشوفه"

زفر ماجد " طيب يا قمر هحاول بس ما اوعدكيش " 

هزت رأسها في أمل وأخرج هاتفه ليقوم ببعض الاتصالات. وعلى بوابة القاهرة كان يغلق الهاتف شاكراً أحدهم، ثم نظر إليها مبتسماً 

" خلاص ياستي هاتشوفيه النهاردة بس خمس دقايق بس عشان متوديناش في داهية" كادت تقفز في مكانها فرحة وهي تشعر بطول الطريق وكأنه تريد أكل الطريق بأسنانها علّها تقصره قليلا. 

دلفت قمر إلى القسم بصحبة ماجد وهي تتلفتت يمينا ويسارا تبحث عنه بعيناها. تحدث ماجد مع أحدهم في خفية ثم وجهها نحو إحدى الغرف قائلا

" انا هاستناكي هنا "

فتحت قمر الباب ودلفت وقلبها يضرب في جنبات صدرها بعنف ورأته من ظهره جالسا على إحدى المقاعد الجلدية منتظرا زائره الغريب. فهو لا يزوره إلا محاميه علي صباحا وماجد ايضا صباحا من عساه يكون هذا الزائر الليلي؟ لم يشعر بالباب وهو ينفتح من تشتت أفكاره، ولكنه اشتم رائحتها ورفّ قلبه لذكرى هذه الرائحة. نهر نفسه ألهذه الدرجة يشتاق إليها ويجتر ذكرياتها؟! تنهد بحسرة ولكنه انتفض حين وجد يدها الناعمة تتمسك بكتفه وكأنها وجدت جزيرة غنّاء تطأها قدماها بعد طول إبحار.نظر إليها غير مصدق. فهب واقفاً ودون ان يفكر أغلق يديه حولها وكأنه يطوقها ولن يخرجها من بين ذراعيه أبدا. لا يصدق انه أخيرا وجدها وأنها بين ذراعيه كما هي بين جنبات قلبه. ظلا متعانقين لوقت لم يعدّانه ولم يحسبانه. ثم ابتعدت عنه قمر ببطء وتعلقت بعض خصلات شعرها الطويل بذقنه غير الحليقة وكأن شعرها يأبى التراجع والابتعاد عنه. أمسك بخصلات شعرها يرجعها مكانها ويريحها خلف أذنها وهو ينظر لداخل عينيها متمتعاً بتلك اللحظات الغالية. بدأت قمر بالكلام 

" انت هاتطلع بكرة بإذن الله"

نظر أدهم لداخل عينيها ولم يعبأ بما تقول وهمس لها 

" وحشتيني"

احمرت وجنتاها وأرخت جفنيها في خجل فوضع أدهم اصبعيه تحت ذقنها رافعا رأسها إليه مجبرا عيناها على النظر إليه

" من هنا ورايح عينك دي متهربش مني انا عاوز اشبع منها ومنك"

دفعته برقة " أدهم... انا بقولك ايه وانت بتقولي ايه !! بقولك هاخرجك وبكرة كمان" أدهم وهو مازال متيما في عينيها " هانت عليكي اوي كده يا قمر تسيبيني وتمشي ومتسأليش عني كل الفترة اللي فاتت دي"

-قمر" أدهم خلينا من اللي فات دلوقتي بقولك هاخرجك من هنا"

-تساءل أدهم"ازاي؟؟ هو علي لقى طريقة" هزت رأسها نافيه وعيناها لا تفارق خاصته

" لا.. انا معايا دليل براءتك؟ عقد أدهم حاجبيه 

" انتي؟ ازاي يعني؟"

- قمر وهي تستند بيديها على صدره "فاكر لما ميرا جت عندك وباتت انا كنت فين؟" -أدهم "ايوة كنتي في الدولاب" 

-قمر " ايوة وساعتها انا لميت كل حاجة تخصني من الأوضة وكان موبايلي ف ايدي ولما لقيتك نمت يعني وهي ب ... بت.. بتقلعك هدومك يعني حسيت انها هاتعمل حاجة غريبة وطلعت موبايلي وصورت كل اللي حصل فيديو وصورتها وهي بتطلع سرنجة فيها دم وبتفضيها ع الملاية وبعدها هي قلعت ونامت جنبك ساعتها علقت الموبايل في الشماعة يكمل تصوير لوحده ونمت لحد ما سمعت صوتك الصبح وانت بتزعق والحمد لله الموبايل مصور كل ده لحد ما صحيت" 

احتضنها أدهم وأخذ يلف بها الحجرة وهي تنهره بلطف 

" بس يا ادهم بدوخ بجد يا أدهم بس" توقف وأنزلها وهي تقف على ساقيها بصعوبة " قولتلك بدوخ"

- أدهم " بعد الشر عليكي من الدوخة انتي فعلا شكلك تعبان اوي، المهم دلوقتي تروحي الفيلا تريحي وتعملي اللي هاقولك عليه وتجيلي بكرة الصبح يا أحلى حاجة حصلت في حياتي كلها" 

احمرت وجنتاها من هذه الكلمات فأمسك وجنتيها بأصبعيه يشدهما 

" يسلمولي انا الخدود اللي بيحمروا دول" قبلها على وجنتيها بقوة وأخذ يتحدث معها بسرعة ثم ودعها قائلا 

" على اد ما انا كنت بتعذب الايام اللي فاتت عشان مش عارف اوصلك ولا اطمن عليكي على أد عذابي النهاردة هيكون أضعاف لأني عارف انك جنبي ومش قادر اكون معاكي" ترقرقت دمعتان من عينيها التي لا تحيد عن خاصته وهي تشعر أن قطعة من قلبها تنخلع مع تفارق ايديهما.

                   ************

في اليوم التالي استيقظت قمر باكرا جدا على اعتبار انها نامت من الأساس، فالحماس يقض مضجعها ولم تستطع الصبر وفعلت كما وصاها أدهم بالأمس، ثم ارتدت ملابسها وخرجت لتجد ماجد ينتظرها وتوجها إلى القسم على موعد مع علي المحامي. دخلت قمر إلى الضابط المسئول وأدلت بأقوالها وسألها الضابط 

" وانتي بقا كنتي بتعملي ايه عنده يا... يا آنسة" 

ولأول مرة وبشجاعة وفخر قالت:

" انا مدام.. مدام أدهم الصاوي" 

وأخرجت له قسيمة زواجهما التي حمدت الله انها مكتوبة بثلاثة شهور سابقة. هز الضابط رأسه"

ولما انتي مراته استخبيتي ليه في الدولاب؟ ولا هو كان ناوي يبتز ميرا بقا وانتي عارفة ومسعداه"

- قمر وهي تشعر بشيء مريب في أسئلة الضابط التي لا تنتهي وكأنه يبحث عن ثغرة ما. فأجابت قمر:

" والله انا حرة في بيتي اقعد في الدولاب اقعد في الحمام براحتي اصل احنا بنحب نلعب استغماية" 

ومطت شفتيها في شبه ابتسامة سمجة 

" اتفضل حضرتك هاتشوف الدليل ولا ايه" وشاهد الضابط الدليل كله ببطء دون أن يسرع المشاهد وكل من قمر وعلي المحامي يزفر بغضب والضابط يشاهد بهدوء وكأنه يشاهد فيلمه المفضل 

"يافندم حضرتك هما هيناموا ويصحوا الصبح حضرتك هاتفضل تتفرج لحد ما يصحوا؟ وبعدين ما الحتة المهمة موجودة في الاول مفيش داعي لكل دا" 

الضابط ببرود " ايوة طبعا هاتفرج عليه كله، هو عشاني دى عشانكم، 😂😂

دا دليل لازم اتأكد بنفسي كويس، وبعدين هيروح للمختصين للتأكد اذا كان أصلا سليم ولا ملعوب فيه" رفعت قمر حاجبيها

" يعني ايه أدهم مش هيخرج النهاردة" وقبل أن تنفلت الكلمات الغاضبة من فم قمر أكثر تدخل علي المحامي

" يافندم انا بطالب بإخراج موكلي بضمان محل إقامته لوجود دليل جديد ممكن يغير مسار القضية كلها"

- الضابط وهو ينظر في الساعة " لا والله النهاردة مش هينفع الوقت اتأخر وانا لازم اتأكد م الفيديو دا مشهد مشهد"

زفرت قمر وهي تكاد تهجم على ذاك الشخص المستفز

- علي "بس يا باشا فيه دليل جديد و..."

- الضابط بحدة "بكرة... قولت بكرة، هو كده كده هيتعرض ع النيابة بكرة"

خرجت قمر وعلي المحامي الذي توقف ليتحدث مع رجل تبدو عليه الهيبة، قصير قليلا، سمين كثيراً. بدأ علي بالحديث

" ياريت بقا يا أستاذ محسن حضرتك تبقا مستعد للدليل الجديد عشان قضيتك هتبقا فشنك وهنرجع للبداية من تاني"

رفع محسن إحدى حاجبيه في عجرفة 

" انت لسه صغير يا علي بس شاطر وعشان انت شاطر هاقولك متفرحش اوي كده انت متعرفش انت بتتعامل مع مين" 

عرفت قمر من خلال الحديث ان هذا هو محامي المدعوة ميرا. وقررت ان تنتظره في الخارج أملا منها في أن تقنعه بالعدول عن تمثيل ميرا في هذه القضية لأنه حسب ما علمت عنه ذئب مكير في عالم المحاماة وأن تقنعه ان بعد هذا الدليل الجديد قد يكون من المسيء إليه وإلي مسيرته  المهنية وسمعته الرنانة أن يستمر في هذه القضية.

- علي " اتفضلي معايا اوصلك يا 'مدام قمر' "

اطربت الكلمة أذنيها فابتسمت وقالت لا انا ورايا مشوار اتفضل حضرتك وانا هابقا اروح. استأذن علي وتركها، توقفت بعيدا تنتظر خروج المحامي. 

انتبهت حين خرج هذا الرجل الدائري وهو يتحدث في الهاتف ويلتقط أنفاسه بصعوبة نظرا لهرولته" ايوة يا أستاذة فيه دليل جديد جه ودليل قوي كمان.... لا مش هينفع الكلام في التيلفون"

ثم نظر إلى ساعته وأردف" خلاص هقابلِك كمان نص ساعة في ال... وذكر اسم مقهى مشهور وشعرت قمر ان هذه فرصتها لتنتف شعر ميرا وهذا ما تمنته منذ أول يوم رأتها فيه. هذه فرصتها لتقصف جبهتها هي ومحاميها علّه يختار الحفاظ على اسمه وسمعته من الاستمرار في هذه المهزلة. تتبعت المحامي الشهير هو بسيارته وهي بإحدى سيارات الأجرة إلى أن وصلت أمام المقهى المشهور وانتظرت قليلا بالخارج حتى يقص المحامي دليل وقاحة ميرا إليها، لتشعر انها حُشرت في الزاوية ولا تستطيع الرد عليها. دقائق قليلة ودلفت قمر إلى المقهى. بحثت بعينيها قليلا وسريعاً ما وجدت المحامي ولكنه لا يجلس مع ميرا ولكن أمامه فتاة محجبة واقتربت قمر قليلا وهي تسمع صوت الفتاة المألوف والمعروف إليها وهي تتساءل"  دليل ايه وفيديو ايه دا اللي بتتكلم عنه، انا بصراحة كنت بفكر نعيد التفكير في الموضوع كله يا استاذ" 

وقفت قمر على رأس الطاولة وكأنها وقفت على رؤوسهم وعيناها وفمها مفتوحان على وسعهما ،وهي تنظر لملك غير مستوعبة أو مصدقة

" انتي؟؟؟ انتي يا مريم ... ولا اقولك يا ملك؟ انتي تعملي كده ف اخوكي" 

ارتبكت ملك وجسدها ينتفض كضربات قلبها " ق...قمر انتي ... انا... افهميني بس.. انا" صرخت قمر ولم تعبأ بالناظرين إليها

" افهم ايييييه ...انتي ايه يا شيخة انتي ايه، انتي مش اكتر من حيوانة غبية، انا عاوزة افهم انتي بتعملي كده ليه ولفيتي علينا وصاحبتينا ليه عشان تعملي كده ف اخوكي؟؟ بتيجي في صف اللي دمروا حياتك وحياة عيلتك كلها قصاد أخوكي" صرخت ملك هي الأخرى

" هو السبب هو اللي دمر حياتنا كان يقدر يقف قصاد بابا وساعتها كان بابا عمره ما هيقدر يعمل اللي عمله، كان ع الاقل يقدر يقف جنبنا ، دا حتى مسألش فينا ولا حتى حاول يدور علينا بعد ما مشينا مع انه عارف ومتأكد اننا أكيد هنروح عند خالي في انجلترا"

انسحب محسن المحامي بخفة لا توافق جسده حين علا الصراخ وأصبح لا يهدأ من الطرفين. انتفخت عروق قمر في رقبتها وهي تصرخ مرة أخرى 

" انتي عبيطة ولا هبلة يدور عليكوا ازاي وهو فاكركم ميتين"

اضطربت نظرات ملك وهي تردد بخفوت " ميتين ؟!! ميتين ازاي يعني؟!!" 

اقتربت قمر وبلهجة آمرة

" انتي هتاخديني عند مامتك دلوقتي عشان لو هي موافقة ع اللي بيحصل دا يبقا فعلا كان الأحسن لو كنتوا موتوا بجد"

نهرتها ملك

" قمر الزمي حدودك انتي أصلا مالك بكل دا، دا موضوع عائلي"

تهدجت انفاس قمر 

"مالي؟؟ ومسألتيش مالي ليه لما دخلتيني انا ونور في لعبتك القذرة دي وع العموم ياستي حتى لو موضوع عائلي انا بردو من العيلة يا ملك انا مرات أدهم اخوكي، ودلوقتي تعالي معايا وديني لمامتك حالا" أمسكتها من ذراعها توجهها نحو سيارتها وملك تُخرج مفاتيح سيارتها بارتباك وارتعاشة يديها تدمر ما تبقى من أعصابها وهي لا تفهم أي شيء. 

وصلتا الفتاتان إلى باب شقة ملك ووالدتها، وملك مازالت ترتعش وهي تفتح الباب وكأنها أرنب مذعور. دلفت قمر بكل ثقة وهي تنتظر ملك حتى تخبر والدتها وحين خرجت ليلى توقفت أنفاس قمر وفكرت انها تشبه الصورة إلى حد كبير بل وتشبه أدهم بشدة كيف ستخبر أدهم عنها وهي نفسها لا تستطيع السيطرة على أعصابها. استجمعت شجاعتها ثم مدت يدها أخيرا بتجهم 

" اهلا وسهلا بحضرتك انا قمر مرات أدهم" اندهشت السيدة ليلى وارتبكت قليلا لدخول قمر الصارم في الموضوع مباشرة، ثم مدت يدها هي الأخرى وبابتسامة بسيطة

" أهلا وسهلا يابنتي، بس انا أعرف ان أدهم اتجوز ميرا من كام يوم وهو دلوقتي في شهر العسل امال اتجوزك انتي ازاي وامتى " نظرت قمر إلى ملك نظرة نارية وقابلتها نظرات ملك المتوسلة وحينها عرفت قمر ان والدتهما لا علم لها بشيء فتحدثت بلهجة محتقرة وهي تنظر إلى ملك

" والله يافندم أدهم مش في شهر عسل ولا حاجة ابنك في الحبس"

ثم أشارت إلى ملك وأردفت

" والفضل في دا يرجع لبنتك " 

انعقد حاجبي ليلى وبيانها وهي تُتأتئ 

" ايه الكلام اللي انتي بتقوليه دا، أدهم في الحبس ليه ايه اللي حصل وملك ايه علاقتها بالموضوع" 

جلس الجميع وقصت قمر على ليلى كل ما حدث وملك تطأطئ رأسها وتفرك يديها في بعضهما وهي لا تستطيع التحدث وتختبيء من نظرات والدتها الحارقة. وحين انتهت قمر من سرد ما حدث وقفت ليلى بعنف وملك تنظر إليها بعينين مرتعبتين وحاولت التحدث " صدقيني يا ماما انا كنت هاخليه يسيب القضية خلاص انا كنت ها ...." 

لم تستطع إكمل جملتها لأن الصفعة القوية على وجنتها أسكتت كلامها ولكن لم تسكت نحيبها الذي علا. وصرخت ليلى 

"يظهر اني معرفتش اربيكي ايه الغل اللي جواكي دا ؟ ايه الكره دا؟ حتى لو كانوا طلعونا من حياتهم واتخلوا عنا فأنا قولتلك ميت مرة انهم بردو هيفضلوا ابوكي واخواتك، متوصلش لدرجة انك تدخلي اخوكي الحبس يا حيوانة" 

هنا تدخلت قمر

" أصلا هنا مربط الفرس فيه سوء تفاهم جامد في الموضوع دا"

التفتت الاثنتان إليها بعيون مستفسرة فأردفت قمر 

" هما يا جماعة فاكربن ان انتو ... انكم يعني اتوفيتم"

انعقد حاجبيهما وانفتحت افواهمها في بلاهة ثم تحدثت ليلى أخيرا

" اتوفينا ازاي يعني ما احنا ادامك اهو " التفتت إليها قمر

" الطيارة اللي طلعتوا ببها وقعت وجالهم الخبر انكم اتوفيتم لأن اساميكم كانت موجودة مع بقية الضحايا اللي كانوا ع الطيارة، وطبعا مفيش جثث اتسلمت ولا حاجة لأن دي حادثة طيارة يعني صعب يلاقوا جثث أصلا " 

وهنا تدخلت ملك من بين دموعها

" ايوة بس احنا مركبناش الطيارة دي انا مش قولتلك ان بعد ما عملنا chech in بابا بعتلنا ناس يمنعونا من السفر عشان انا متمتش ١٨ سنة فمركبناش الطيارة دي ولحسن الحظ كان عيد ميلادي بعد اسبوع او عشر ايام تقريبا كنا مستخبينهم عشان محدش يعرف يوصلنا ويضايقنا تاني، وبعدها خالو بعتلنا تذاكر السفر وسافرنا على طول" هزت قمر رأسها وقد فهمت كل ما حدث ثم تحدثت وهي تحثهم على عجلة 

" طيب ممكن لو سمحتم تتفضلوا معايا" - تساءلت ليلى

" على فين؟" أجابت قمر :

" مشوار صغير حاجات لازم تشوفوها بعنيكم".

ضغطت ملك على نفير السيارة بتردد وهي أمام بوابة منزل طفولتها ومراهقتها. قلبها ينتفض، وأطرافها ترتعد وتتشنج كالجليد. وليلى بجانبها تنحدر دمعتان هاربتان من احمرار عينيها في أسى.

توقف عم عوض وهو يفتح البوابة فاغراً فمه وهو ينظر إلى السيدة ليلى ويردد

" لا إله إلا الله. سلام قولاً من رب رحيم" ترجلت قمر من السيارة تهدئ من روعه

" اهدى يا عم عوض دول هما حقيقي الحمد لله محصلهمش حاجة كانوا مسافرين ورجعوا اهدى" 

انحنى عم عوض على يدي السيدة ليلى يحاول تقبيلها وهو يبكي بحرارة فسحبتها بسرعة وتحدثت بغصة عالقة بحلقها تؤلم من يسمعها أكثر من قائلها 

" انا هنا يا عوض اهو ادامك وحشتنا ياراجل ياطيب"

أنهت جملتها وهي تنظر للمنزل الكبير بمزيج من الألم والحنين. فتحت قمر الباب ولازالت ملك مطأطئة الرأس وكأنها تخشى رفع عينيها واستعادة أجمل ذكريات عمرها، واستعادة تلك المشاعر التي أخفتها في كهف مظلم في إحدى غرف قلبها الأربعة! توجهت قمر إلى غرفة ملك أولا وهي تشير إليهم باتباعها. وليلى وملك يسيرون حرفيا كالموتى الذين عادوا للحياة. فتحت باب الغرفة ودخلت ملك تستنشق هواء غرفتها المحببة، غرفتها الوحيدة التي شعرت انها تنتمي لها. لم تشعر بأي غرفة تنقلت إليها فيما بعد بذات الشعور شعور الانتماء والسكن. وبكل شغف وشجن تحدثت قمر " عارفة يا ملك أدهم كان قافل كل الادوار اللي فوق بجدار خشب وكأنه بيقفل على عذاب ضميره اللي مكانش مخليه عارف يعيش، مكانش قادر يشوف حاجاتكم، وهدومكم، وصوركم. بنى حيطة وهمية يمكن عذاب ضميرة يخف لكن للأسف انتي انتقمتي منه بصورة أبشع م اللي هو كان بيعمله في نفسه وهاتخليه يكره نفسه اكتر مما كان بيكرهها الأول

" ثم التفتت إلى الهدايا الموضوعة بعناية في كل مكان

" عارفة دول ايه يا ملك دول هدايا عيد ميلادك وتخرجك م الثانوي ودخولك الكلية وتخرجك منها، كان بيحسب كل حاجة ويجري يجبلك هدية ويجي يعيط هنا جنبها افتحي يا ملك الهدايا المقفولة اللي محدش شافها افتحي يمكن تحسي ان دا من دمك ولحمك وانه حتى لو عمل حاجة غلط فهو ندم وجلد نفسه سنين بسببها" كانت دموع ملك لا تتوقف عن الهطول كأمطار نوّة سكندرية عاصفة. وتوجهت لإحدى العلب وفتحتها ووجدت مجموعة ألوان كانت دائما ما تتمناها وتحدث أدهم عنها ومعها ورقة صغيرة 《الالوان اللي كان نفسك فيها يا ملوكة جبتهالك يا حبيبتي .. الالوان هنا وانتي مش هنا》 ثم توجهت لصندوق آخر وأخرجت فستان رائع ورقيق ومعه ورقة صغيرة مطوية 《النهاردة كان هيبقا يوم تخرجك كل اللي أدك اتخرجوا صحابك وقرايبنا. واثق انك كنتي هتبقي أحلى منهم كلهم... الفستان هنا وانتي مش هنا يا ملك》 وصندوق آخر وصندوق آخر وكلما فتحت أحدهم انهمرت دموعها وازداد نحيبها وهي تضم الهدايا إلى قلبها والوريقات الصغيرة ااتي تنتهي دائما بنفس الجملة

" انا آسفة انا آسفة يا أدهم سامحني... سامحني"

هزأت قمر وأكملت بكل قسوة كجلاد لا يرحم

" يسامحك على ايه على قهرة قلبه وهو بيعيط على موتك انتي ومامتك ، هنقول أن دي ملكمش يد فيها لكن الله أعلم انتي عملتي فيه ايه بقربك مننا قبل ما توقعيه في المصيبة اللي هو فيها دلوقتي وتعرضي حياته ومستقبله للضياع وهو كان بيتمنى يتمرغ في تراب رجليكم وحتى لما غلط زمان هو للأسف كان واثق في والدكم ومكنش متوقع ان اللي مامتك بتتهمه بيه صحيح غير لما بابكي اتجوز مديحة بالفعل وساعتها هو سابهم وعاش لوحده لأنه مقبلش الوضع دا، يعني لو كان اكتشف قبلها كان وقف جنبكم انتم قصاد والده. ولسه الدور اللي فوق خالص اللي مليان برسوماتكم اللي متأكدة انه رسمها بنفسه ومستغربة من نفسي انا ازاي معرفتكيش رغم الصور دي كلها بس عارفة انا معرفتكيش ليه لأن الغل والكره غيروا ملامحك البريئة الجميلة انا مش عارفة ازاي صاحبتك ومشوفتش دا في عنيكي وتصرفاتك الكدابة"

صرخت ليلى:

" بس كفاية كفاية اسكتي" صرخت قمر بدورها هي الأخرى

" لأ مش كفاية تعالي اتفضلي تعالي" وتوجهت تفتح باب حجرة ليلى لتشاهد هداياها هي الأخرى 

" ادخلي شوفي ابنك كاتبلك ايه كمان يمكن تحسوا انه بني آدم ومن دمكم ولحمكم" استعطفتها ملك بتوسل من بين دموعها

" ارجوكي يا قمر كفاية ماما ملهاش دعوة انا اللي عملت كل دا انا اللي غبية، انا اللي حيوانة، انا ابليس انا... انا ...انا " والتفتت الاثنتان على صوت صدمة قوية بالأرض وصرخت ملك بهلع " مامااااااا"

الفصل السابع والعشرون

جالت قمر بعصبية في أرجاء المشفى بغير هدف وهي تذهب و تعود لنفس المكان الذي بدأت منه مرة أخرى، وهي تفكر انها بقسوتها ستكون السبب في ان يفقد أدهم أمه للمرة الثانية وتلك المرة ستكون حقيقية!! 

ملك تجلس في الزاوية ترتعد وتنتحب وتردد " انا السبب انا السبب متسبنيش يا ماما انا مليش حد غيرك"

توجهت قمر إليها وجلست بجانبها ورغما عنها احتضنتها " 

متخافيش ياملك دلوقتي الدكتور هيطلع ويطمنا متخافيش"

تشبثت بها ملك 

" انا آسفة يا قمر مش هاعمل حاجة وحشة تاني يا قمر، انا آسفة بس قوليلهم ينقذوا ماما ارجوكي يا قمر" 

مع انهيار ملك التام خرج الطبيب يهدئها 

" متقلقيش يا آنسة، ماما بخير دي غيبوبة سكر والحمد لله عدت على خير بس خلو بالكم من نظام أكلها ومن حالتها النفسية وطبعا الدوا، بس كده بسيطة متقلقوش" هتفت ملك:

"يعني ممكن نشوفها يا دكتور" 

- الطبيب " ايوة طبعا اتفضلوا هي فاقت خلاص وهتخلص المحلول وتاخدوها وتمشوا على طول"

تنفست قمر الصعداء وأسرعت ملك إلى الغرفة بلهفة:

" ماما حبيبتي ايه اللي جرالك سامحيني يا ماما انا آسفة سامحيني" 

ربتت ليلى على يد ابنتها تهدئها وتقدمت قمر بخجل :

"انا اتمنى ان حضرتك تسامحيني انا لأن كلامي كان قاسي جدا وياريت تقبلي اعتذاري"

هزت ليلى رأسها بطيبة وحنو ثم تحدثت بصعوبة

" خلاص يا بنات اللي حصل حصل المهم دلوقتي اللي جاي" 

هتفت ملك " اوعدك يا ماما والله ما هاعمل حاجة تانية لأدهم ولا لأي حد وهبعد عنه خالص لو عاوزانا نرجع انجلترا كمان انا موافقة"

تدخلت قمر في الحديث:

" بعد إذنك انا بطلب منكم تسيبوا اللي جاي عليا انا" 

ثم نظرت لملك وأردفت:

" ومفيش حد هيبعد عن حد ولا حد هيرجع انجلترا. آن الأوان بقا تتجمعوا وتتلموا وترجعوا اخوات من تاني، حد يبقا عندو اخوات زي القمر كده ويسبهم، ولا ايه يا طنط" 

هزت ليلى رأسها بابتسامة واهنة

" عندك حق يا قمر عندك حق لازم ملك ترجع لاخواتها وتشوفهم وانا كمان اشوف ولادي نفسي آخدهم في حضني اوي"

ربتت قمر علي يدها :

" ان شاء الله ربنا هايعوضكم كلكم عن كل اللي حصل دا وترجعوا عيلة جميلة من تاني" استأذنت قمر

" بعد اذنكم بقا عشان هاكلم حد يجي يوصلنا عشان الوقت اتأخر وملك مش هتعرف تسوق" 

************ 

" الو ايوة يا ماجد بقولك ايه تعالى دلوقتي احنا في مستشفى (...) - ماجد بحماقة " انتو انتو مين هو انا هالف اجيبك م المستشفيات يا قمر ما تقعدي تستريحي في بيتكو يا بنتي"

-قمر " هو ايه اللي احنا مين انا وملك ومامتها ليلى" 

شعرت قمر بأصوات صدمات على الهاتف فهمت منها انه سقط منه !!" .... الو ... الو يا ماجد انت روحت فين؟؟" 

التقط ماجد الهاتف مرة أخرى وقال بتلعثم

" ايوة ايوة انا اهو. انتي اتأكدتي يعني انهم هما" 

تحدثت قمر بنفاذ صبر:

" ماجد هاتيجي تاخدنا ولا اروحهم في تاكسي"

- ماجد بلهفة " لا لا خلاص انا جاي انا أصلا قريب منكم ١٠ دقايق وهكون عندك" 

دلفت قمر إلى الحجرة مرة أخرى 

" بقولك ايه يا ملك ما تسيبي طنط تستريح شوية وتعالي معايا برا" 

أجابت ملك:

" لا خليني هنا انا هاقعد مع ماما"

أصرت قمر وهي تجز على أسنانها وتغمز لها بإحدى عيناها:

"يابنتي طنط تعبانة ومحتاجة تستريح وانا كنت عاوزة اقولك حاجة مهمة"

فهمت ملك بصعوبة ثم خرجت معها فبدأت قمر الحديث مباشرة "

انا كلمت ماجد يجي يوصلنا"

كادت ملك ان تقع فاستطردت قمر:

" يابنتي امسكي نفسك شوية امال لما يجي هتعملي ايه هايغمى عليكي"

فرحت ملك وتلعثمت " ط.. طب شكلي حلو ؟؟ الطرحة مش مظبوطة صح؟ وشي بايظ من العياط مش كده؟ يعني هو كمان كان فاكرني ميتة ؟ طب هاقوله ايه هاقوله ان انا عايشة ازاي"

ابتسمت قمر بعد ليلة عصيبة " اهدي اهدي بس ادخلي الحمام اغسلي وشك وظبطي نفسك وانا مستنياكي وهو هيعرف انك عايشة لوحده، هو قال ١٠ دقايق وهيوصل تكوني جمعتي الكلام في دماغك"

- ملك " اييييه ١٠ دقايق!! مش هالحق، كده مش هالحق" 

دفعتها قمر نحو دورات المياه 

" يابنتي ادخلي متتعبنيش معاكي"

خرجت ملك بعد قليل وهي خجلة:

" قمر انا بجد مش عارفة اقولك ايه انتي طيبة اوي " 

ابتسمت قمر:

" انا مش طيبة ولا حاجة انا شريرة وشريرة اوي كمان خلي بالك مني بقا احسنلك" ابتسمت ملك:

" لا والله حرمت خلاص"

ولم تكد تكمل جملتها حتى رأته يسير في الرواق باحثا عنها ثم توقف تماما حين رآها. وكأنه يراها طفلته ذات السبعة عشر عاما، وكانها تراه رجلها الذي تربت على يديه. ظلا واقفين ينظران لبعضهما البعض وقد بدأت الدموع تنهمر مرة أخرى من عيني ملك فتدخلت قمر:

" يوووووه انتو هاتضيعولنا اليوم كده هاتفضلوا باصين لبعض وتعيطوا"

اقترب ماجد بشوق السنين وخطوات قدميه تحثه على أن يقترب ليصدق انها أمامه. أن فرحة لُقياها ستطغى على ألم فقدانها لسنوات. ليصدق أن لا دموع بعد اليوم.. لا شوق..لا بُعد ... لا عذاب. 

ويداها المرتجفتان وعيناها التائهتان وقلبها المرفرف يخبرونها بأنه لازال على الوعد. بأنه أوفى إلى حبهما حتى ولو اعتقد انها ليست معه في هذه الدنيا. أي حب سيكفي هذا الرجل؟ وأي عشق يستحقه؟ 

تقدم ببطء وفرت دمعتان من عينيه دون إرادة وبصوت مجهد من الشوق ومفعم بالأمل قال:

" ملك ... حمدا لله على سلامتك.. نورتي دنيتي من تاني" 

انسحبت قمر في هدوء لتترك لهما المجال للالتقاء بعد عذاب السبع العجاف. نظرت له ملك وقد احمر وجهها وعيناها وانفها من البكاء مرة أخرى:

" ماجد.. وحشتني وحشتني اوي" 

أمسك بيديها وكأنه يتأكد من وجودها أمامه حقا ثم قال :

" لو تعرفي انا نفسي اعمل ايه دلوقتي ، لو تعرفي انا كان عندي استعداد اعمل ايه عشان بس اسمع صوتك او اشوفك مرة كمان، بس خلاص مفيش تفكير في اللي فات. عشان كل اللي جاي بتاعنا"

اغمضت ملك عينيها وابتلعت ريقها وابتسمت رغم دموعها وهزت رأسها عدة مرات وهي تكاد تعتصر يديه في يديها من شدة الفرح والشوق والأمل. ولكنها جذبت يدها بسرعة حين انفتح باب حجرة والدتها وخرجت ليلى متعجبة من هذا المشهد. ثم ابتسمت الأخيرة ووجهت كلامها لابنتها 

" عشان كده بقا... هو دا سبب كل اللي عملتيه"

تنحنح ماجد وهو لا يفهم عن ماذا تتحدث ليلى. ثم مد يده يحييها :

" حمدا لله ع السلامة يا مدام ليلى"

مدت ليلى يدها بالمقابل وهي تحاول تذكر اسمه :

" الله يسلمك يا..ماجد مش كده"

- ماجد " ايوة يافندم ماجد" 

تأبطت ليلى ذراعه واستندت عليها :

"طب يالا بقا تعالى وصلنا عشان انا تعبانة دلوقتي وابقو كملوا لقاء السحاب دا بعدين" تلعثم ماجد من صراحة ليلى

" ا..اتفضلي يافندم" وصل الجميع لمنازلهم وكل منهم لديه شوق.. وأمل ..وحلم.. بلقاء من يحب في اليوم التالي.

في النيابة نظرت قمر إلى أدهم نظرات تطمئنه بها انهما سيكونا معا اليوم. وهي تفكر كيف تزف إليه خبر وجود والدته واخته على قيد الحياة.

قاطع افكارها بدء النائب في استعراض احداث القضية من وجهة نظره. وقمر وعلي المحامي ينتظران تتابع الأحداث ليصل النائب إلى الدليل الجديد ولكن لا جدوى فقد انتهى النائب من حديثه ولم يذكر الدليل الجديد لا من بعيد ولا من قريب وهنا تدخل علي:

" احب اعرّف حضرتك اننا لقينا دليل جديد وسلمناه لحضرة الظابط(...) وتم التأكد من صحته بمعرفته يافندم وهو بدوره أرسله للمختصين. تدخل الظابط:

" للأسف يا جماعة الدليل ضاع"

ساد الهرج والمرج في المكان واعترضت قمر: " ضاع !! يعني ايه ضاع ؟ احنا مسلمينه ليك امبارح" 

أدار الضابط وجهه غير عابئا بها وتوجه بحديثه لوكيل النيابة

" امبارح أمين الشرطة اللي أخد الأحراز والأدلة للأسف ضيع الدليل دا وتم اتخاذ اللازم معاه يافندم"

ابتسم محسن المحامي ابتسامة خبيثة لعلي وكانه يقول له لقد حذرتك. زفرت قمر وهي تطلق نظرات نارية تجاه كلا من الضابط والمحامي الذئب ثم تقدمت إلى وكيل النيابة 'بفلاشة ' صغيرة وهي تقول

" الحمد لله أدهم قالي اعمل نسخ كتيره من الدليل وكويس اني سمعت كلامه اتفضل حضرتك نسخة تانية أهي"

ثم نظرت للمحامي البدين:

" وفيه نسخة تالتة ورابعة وخامسة لو حضرتك عاوز، ممكن نوزعها عليكم كمان" تنحنح المحامي ونظر إلى الأرض والضابط ينظر إليه وكأنه يقول 《لقد فعلت كل ما لدي وليس بيدي حيلة 》. 

التقط وكيل النيابة 'الفلاشة' وشاهد المشاهد المهمة وأسرع من باقي المشاهد حتى وصل لاستيقاظهم من النوم وتجادلهم مع بعضهم البعض ثم خروج ميرا غاضبة.

أمر وكيل النيابة بإخلاء سبيل أدهم بضمان محل إقامته، كما أمر بضبط وإحضار المدعوة ميرا. وقمر تكاد تقفز فرحا لانتهاء هذا الكابوس.

وبسرعة هاتفت ملك وهي تختبئ خلف أحد الحوائط :

" الو ايوة يا ملك هو انتي مكلمتيش المحامي المنيل دا عشان يبعد عن القضية؟" شهقت ملك:

" يا خبر انا نسيت خالص مع تعب ماما ومقابلة ماجد وكده نسيت اكلمه امبارح هاكلمه دلوقتي حالا"

- قمر " تكلمي ايه دا كان هيودينا في داهية لولا أدهم قالي اعمل كذا نسخة من الفيديو المهم دلوقتي تكلميه خليه ينسحب خالص، خليهم بقا يلفوا حوالين نفسهم لحد ما يلاقوا محامي تاني وأصلا خلاص القضية تعتبر اتقفلت في صالح أدهم"

-ملك بلهفة:

" بجد!! يعني خلاص أدهم خرج افرح ماما يعني"

- قمر " ايوة يا ملك ادهم خرج وفرحي طنط بس عاوزين نتقابل عشان نشوف هنمهد ليهم موضوع انكم عايشين دا ازاي" أسرعت ملك تقول

" ماشي ماشي ياقمر انا هاروح افرح ماما دلوقتي اهو".

انتهت الإجراءات وخرج كلا من أدهم وقمر وعلي المحامي ليجدوا ماجد وآدم ينتظراهم بالخارج. وهما يشاهدان باستمتاع ادهم وقمر وهما يتيهان في عيني بعضهما البعض بنظرات العشق المتيمة. وأيديهم المتشابكة كعقدة البحار. التفت أدهم على صوت والده وهو يصعد الدرج امام مقر النيابة

" ايه يا أدهم ايه اللي حصل دا؟؟ انت حقيقي كنت محبوس"

- اندهش أدهم " بابا!! انت ايه اللي جابك هنا "

ثم التفت إلى آدم

" انا مش قولتلك تخلي بالك يا آدم ومتخليهوش يعرف ولا يحس بحاجة"

رفع آدم كتفيه وحاول ان يتحدث ولكن قاطعه أكرم 

" لا برافو يا أستاذ آدم أديت دورك على أكمل وجه هو انا عشان تعبت شوية هاتخلوني طيشة وسطيكم ولا ايه؟ ازاي دا يحصل من غير ما اعرف، ازاي؟؟"

- أدهم " اهدى بس يا بابا اهدى وانا هافهمك على كل حاجة بس انا عاوز اعرف انت عرفت منين"

التفت الجميع على صوت مديحة

" انا اللي قولتله عشان ميبقاش نايم على ودانه كتير وعشان يجي يتفرج عليك وانت مترحل ع السجن"

كانت تقول كلماتها بتشفي واضح وميرا تقف بجانبها بعد ان أعادت ترتيب وجهها، وبسرعة وخفة انسحب علي المحامي إلى داخل مقر النيابة. دققت مديحة في يده ولم تجد الأصفاد ففزعت

" ايه دا امال فين الكلبشات هما ازاي يسيبوك كده، هو ايه اللي حصل بالظبط" توجه إليها أدهم بكل غضب الأسبوعيين الماضيين " 

هو المحامي بتاعك مكلمكيش ولا ايه يا... يا طنط" 

تلعثمت مديحة وهي تحاول فهم ما يحدث" يكلمني يقولي ايه؟ هو حصل ايه؟" وتدخلت ميرا في الحديث بغضب وهي تشير لقمر

" ودي ليه ساحبها وراك ان شاء الله ولا هي كانت جاية تعملك ديكور هنا كمان ولا ايه؟؟ ولا انتو..." 

قاطعها أدهم بحدة وفخر في ذات الوقت 

" دي مراتي يا ميرا، مدام أدهم الصاوي الأصلية والحقيقية والوحيدة" 

زمّت ميرا شفتيها وقبل أن تنطق كان علي يخرج بصحبة بعض أفراد الشرطة

" اتفضل يا حضرة الظابط نفذ امر النيابة" وللمرة الثانية وُضِعت الأصفاد في يد ميرا وهي لا تفهم شيء وتنظر لخالتها لنجدتها والأخيرة لا تفهم شيء هي الأخرى وتهمهم بكلمات غير مفهومة. تركها الجميع كلٍ إلى سيارته فنادت مديحة على أكرم 

" أكرم انت هتسيبني" 

اقترب منها أكرم مبتسما وبلطافة قال لها

" معقولة انا اسيبك؟ انا مش هاسيبك بس يا ميمي انا هاطلقك... انتي طالق يا..... يا مديحة !!" 

ثم تركها وغادر بمنتهى الوداعة والتفت التفاتة أخيرة " اااااه واللي اتفقتي عليه مع ادهم ابني ستنفذ وألا بنت اختك هتعفن ف الحبس وبكرة هاجي الفيلا انا والمأذون حضري نفسك"

ثم تركها وركب سيارته وتوجه الجميع إلى البيت الكبير.

على بوابة الفيلا كان عم عوض يهرول إلى السيد أكرم وهو يقول

" حمدا لله ع السلامة يا أكرم بيه، حمدا لله ع السلامة يابشمهندس أدهم، حمدا لله على سلامتكم كلكم يظهر الشمل هيرجع يتلم من تاني والكل يتجمع"

ثم نظر عم عوض إلى قمر التي ظلت تغمز له بعينيها وحاجبيها وهو مازال مسترسلا في حديثه وهو ينظر إليها 

" على ايدك انتي يا وش الخير ووش السعد يا مجمعة الحبايب"

ربت أكرم على كتف عم عوض وهو يتكلم بحسرة واضحة

" تسلم يا عوض تسلم، والله حتى انت وحشتني يا راجل انا بقالي سبع سنين مخطتش الفيلا دي"

أكمل عوض ولم تفلح معه إيماءات قمر نهائيا

" ما هو الخير على قدوم الواردين" 

دلف الجميع إلى الداخل وأدهم يضع يده على كتف قمر وهو يضمها إليه ويهمس في أذنها

" ايه حكاية لم الشمل ومجمعة الحبايب دي؟"

تلعثمت قمر " هه ابدا دا يمكن من فرحته عشان شاف أكرم بيه"

سمعها أكرم تهمس باسمه

" بعد اللي عرفته واللي عملتيه يا قمر من النهاردة انا مش أكرم بيه انا بابا أكرم او بابا بس زي ما تحبي"

ترقرقت دموع الفرح في عينيها فهي لا تذكر تفوهها بتلك الكلمة الحبيبة منذ كانت في التاسعة.

مسح أدهم دمعتيها :

" لا لا احنا قولنا من هنا ورايح مفيش دموع وبعدين انا جعان اوي وعاوز شوربة"

ضربته في كتفه باسمة من بين دموعها ثم التفت لآدم :" آدم بجد انا جعان اوي اطلبلنا وليمة انا حاسس اني عاوز آكل كل حاجة حواليا "

قالها وهو ينظر بلؤم إلى قمر التي همست في أذنه

" اتلم شوية لو سمحت انا معرفش انا ممكن اعمل ايه ادام الناس كده" 

- أدهم " هاتعملي ايه هتأكليني شوربة" نهرته قمر " أدهم عيب اللي انت بتعمله دا" غمز لها بصفاقة " العيب لسه هايحصل"

فرت هاربة من نظراته وإيحاءته

" انا هاروح اعمل عصير لمون لحد ما الاكل يجي".

دلف أدهم إلى المطبخ ورائها خلسة واحتضنها مطبقا يديه على خصرها من الخلف وهو يستنشق رائحة شعرها ويقول من بين أنفاسه التي يأخذها من عبير رقبتها " وحشتيني وحشتيني اوي يا قمر "

نهرته وهي تحاول الفكاك منه

" أدهم عيب كده الناس برا"

- أدهم بغيظ مضحك

" هو انا مسكتني غير ان فيه ناس برا ، بس انا عاوز اسألك سؤال يا قمر" 

التفتت قمر بانتباه منصته لنبرته الجادة 

" لما انتي شوفتي اللي حصل يومها وكمان كان معاكي تسجيل باللي حصل ليه مشيتي؟ ليه مقولتليش في ساعتها؟"

ارتبكت قمر قليلا " بصراحة انا مش عارفة ايه اللي حصلي يومها يمكن مجرد اني شوفتكم على سرير واحد دا جنني، دا غير ان التيلفون اتكسر ومكنتش عارفة هتصدقني من غير دليل ولا لا" 

ثم تحولت نبرتها إلى الحدة وهي تشير إليه بالسكين الذي تقطع به الليمون وعيناها متسعتان في شر:

"وكمان حضرتك كان عندك إصرار غريب على انك تتجوزها رغم كل اللي بيحصل ما بينا فكنت بتغاظ منك واقول طب اشرب بقا، غريزة الانتقام اللي جوايا كانت شغالة حتى معاك انت بردو بس انت اللي انتقمت مني ف الآخر وخليتني احبك

" احتضنها مرة أخرى وهو لا ينوي فك أسرها " ايه انتي قولتي ايه" ضحكت قمر من قلبها ثم رددت بشجاعة وهي تضغط على حروف كلمتها 

" ب.ح.ب.ك" 

قهقه أدهم وهو يحتضنها

" أحلى انتقام دا ولا ايه" 

ضحكت قمر بعد ان نجحت في الابتعاد عنه " طيب يالا بقا عشان تشرب العصير عشان عاوزة اكلمك في حاجة مهمة جدا جدا جدا" - أدهم " يا سلام دا ايه التأكيد دا كله طيب اتفضلي يا ستي"

خرجت قمر تحمل أكواب العصير وقدمتها للجميع وجلست لتطرح فكرتها وهي تشير لماجد لتستمد منه العون في دعمها 

" بص يا أدهم انا عاوزة اعملك حفلة بمناسبة خروجك وهنعزم الناس القريبين واللي بنحبهم بس وانا هاعزم ناس انت بتحبهم اوي وهيبقوا مفاجأة" 

اعترض أدهم

" حفلة خروجي ايه بس يا قمر هو انا خارج من مؤبد" 

نهرته قمر " ايه دا بعد الشر انا بتكلم جد" ونظرت لماجد الذي بدأ بالكلام

" ايوة يا أدهم والله قمر عندها حق احنا اتنكدنا اوي الايام اللي فاتت ومحتاجين نفصل شوية " 

- ادهم وهو يوجه الحديث لقمر :

" ايوة بس انا كنت هاخدك ونسافر شوية" قفزت قمر من مكانها فَرِحة ثم وكأنها تذكرت شيئا فجلست مرة أخرى ولاحظ هو ذلك ورفع حاجباً متعجباً.

تلعثمت قمر قليلا ثم استجمعت نفسها مرة أخرى وقالت 

" طب نأجل السفر شوية عشان تستريح، عشان خاطري يا أدهم انا نفسي اعملك الحفلة دي"

تدخل أكرم " متسيبها تعمل الحفلة يا أخي وبعدين ابقوا سافروا ، خلينا ننبسط شوية" ثم وجه حديثه إلى قمر:

" ها قوليلنا بقا يا قمورتي هاتعمليها فين ومين الناس الحلوين اللي هاتجبيهم دول" اعترض أدهم 

" ايه قمورتي دي يا بابا" 

- أكرم " اتلم يا واد هو انا هبصبص لمرات ابني يعني؟ وبعدين انا حرمت وبطلت بصبصة، ودي بنتي دي قمورتي الحلوة اللي هتعوضني عن..."

وتوقف عن الحديث وساد الحزن في عيون الجميع الا قمر وماجد الذي قال :

" لا مفيش تعويض ولا حاجة" 

نظر إليه الأب وابنه مندهشان فاستدرك

" قصدي يعني مفيش حاجة تعوض يعني.. ال.. "

وكأنما دخل في هوّة ويريد من ينقذه تدخلت قمر بسرعة

" ايه يا استاذ ماجد مش عجباك انا ولا ايه" - ماجد " لا ابدا ابدا مش قصدي. المهم هتعملي الحفلة فين؟" 

- ادهم هو انتو خلاص كلكوا اعتبرتوا اني وافقت على موضوع الحفلة دا؟"

جلست قمر بجانبه وهي تنظر في عينيه كجرو حديث الولادة 

" عشان خاطري يا دودو" 

انطلق الجميع في الضحك مع نظرات أدهم الضائعة في عينيها التي تمثلان البراءة فابتسم هو الآخر مرددا دون ان يحيد عن عينيها

" عيون دودو"

صفقت بيديها ثم طبعت قبلة سريعة على وجنته واندهاشه يزيد من جرأتها تلك وهو يفكر يبدو انها تخلصت من عقدها البغيضة ... ثم ابتسم متفاخراً وهو يفكر ... على يده!!!

تنحنح ماجد كثيرا ليحاول التحدث 

" انا بعد اذنكم يعني كنت عاوز اخد رأيكم في حاجة

" انتبه الجميع له فبدأ الحديث بصعوبة

" هو انا يعني ... كعريس يعني.. لو اتقدمت يعني مثلا مثلا ليكم انتم كعريس تقبلوني؟؟!"

- أكرم " عريس لينا ازاي يعني يا ماجد انت عارف احنا معندناش قرايب بنات أصلا "

- ماجد " يعني لو كان عندكم قرايب وقريبين اوي كمان هتوافقوا عليا" 

- أدهم " انا مش فاهم منك حاجة ما تتكلم بصراحة يا ماجد"

- ماجد متلعثما "منا بتكلم بصراحة اهو ، يعني لو كانت بنت حضرتك عايشة يا أكرم بيه وانا اتقدمتلها دلوقتي حضرتك هتوافق؟" 

كست ملامح الحزن وجه الجميع هذه المرة وتنهد أكرم

" انت شاب كويس اوي يا ماجد وطموح وبتشتغل على نفسك دا غير انك محترم ونعرفك من زمان أكيد كنت هوافق. بس للأسف..." 

لم يستطع إكمال جملته وترقرقت دمعتان من عينيه فأسرعت قمر بالقول: 

" بصوا بقا احنا قولنا عاوزين نفرح مش نزعل ايه رأيكم انا عاوزة اعمل الحفلة في الجنينة بتاعت الفيلا هنا ايه رأيكم كل اللي عنده فكرة حلوة يقولها عشان انا اللي هاشرف على كل اللي يخص الحفلة بنفسي" بدأ الجميع في طرح الافكار محاولين الابتعاد عن هذا الموضوع المؤلم، ثم أتى الطعام وأكل الجميع ثم استأذن ماجد للذهاب فتبعه أدهم وهو يجذب أخيه للخارج حتى يوصل ماجد للبوابة 

" ماجد مالك؟ انت فيك حاجة غريبة مش هتقولي!! " 

- ماجد " حاجة غريبة ايه بس يا ادهم منا زي ما انا اهو"

هز أدهم رأسه غير مقتنع ثم قال:

" طيب براحتك" 

ثم ودّعه ونظر لآدم 

" آدم انا عاوز اعمل مفاجأة لقمر بس مش عارف أبدأ منين وازاي وانت يعني مريت بالحاجات دي فأكيد عندك خبرة "

آدم: " مفاجأة ايه بالظبط وانا اقولك اذا كنت هاقدر اساعدك ولا لا "

- أدهم "تعالى انا هفهمكك بالتفصيل" 

دلف أدهم بعد أن أنهى محادثته مع آدم وودّعه هو الآخر ليجد والده يقول له

" معلش يا أدهم هاتلي هدوم من عندك عشان هبات هنا النهاردة مش قادر اروح الفيلا التانية دي مش طايق"

زم أدهم شفتيه " حاضر يا بابا"

- أكرم " ايه يا واد مش عاجبك اني هبات معاكم هنا ولا ايه متخافش انا هبات تحت هنا في أوضة الضيوف مش هضايقكم" احمرت وجنتا قمر ودلفت إلى المطبخ دون ان تنبس ببنت شفة.

تحدث أدهم : 

" لا ازاي اللي انت بتقوله دا يا بابا انت تنورنا وبعدين اطلع نام في اوضتك فوق دا بيتك يعني أصلا "

هز أكرم رأسه بأسى :

" كان بيتي"

ثم أردف بحزن :

" ومش هاقدر ادخل الأوضة دي تاني يا ادهم، انا هاستريح كده وبكرة ابقا اشوف حد يوديني المزرعة تاني"

دلفت قمر وتدخلت في الحديث " لا لا مزرعة ايه انت هاتقعد معانا هنا "

- أكرم " لا يا قمورتي مش عاوز ازعجكم"

- قمر " ازعاج ايه بس وبعدين دي الحفلة بعد بكرة يعني مفيش داعي تروح وتيجي وكده" وضع أدهم يده على كتف قمر وهو ينظر لها:

" اهو شوفت قمورتك بتقول كلام صح اهو اسمع كلامها بقا" 

هز أكرم رأسه في سعادة

" ربنا يهنيكم يابني يارب" 

****************

في صباح اليوم التالي ذهب أكرم إلى فيلته التي تقطن بها مديحة ومعه المأذون والشهود وما إن دلف حتى وجد مديحة دون أي مستحضرات تجميل ويبدو عليها السهر والإجهاد يبدو أنها كانت تفكر مليا فيما ستفaعله بعده.

-أكرم: " اتفضل يا أستاذنا اتفضل " 

تمتمت مديحة ببرود: 

" ومالك مستعجل اوي كده ليه وجاي من صباحية ربنا" 

-أكرم وهو يأخذها من يدها ويبتعد بها عن مرأى ومسمع المأذون والشهود:

" أنا قولت انتي اكيد هاتكوني مستعجلة اكتر مني عشان تسلميلي أوراق الشركة وتطلعي بنت اختك م اللي هي فيه"

وقفت مديحة بكبر: "انا مش هاسلم لحد حاجة واللي عندكو اعملوه واذا كان على ميرا فنصيبها كده بقا" 

رفع أكرم حاجبيه متعجبا من نفسه أكثر من تعجبه منها. كيف كان يعيش مع تلك الحية دون أن يشعر بقسوتها وشرها حتى على أقرب الناس إليها؟؟ 

" يعني انتي مش ناوية تسلميلي الشركة يا مديحة ؟" 

-مديحة وقد نفرت عروق وجهها وهي تحاول إخفاض صوتها وهي تضغط على أسنانها:

" اسلمك ايه انت اتجننت الشركة دي انت كتبتهالي عشان تأمنلي مستقبلي لما قولتلك انك ممكن تعمل فيا زي ما عملت في المرحومة مراتك.

دي اللي كنت بتموت في دباديبها بهدلتها وكنت السبب في موتها امال انا كنت هاتعمل معايا ايه؟ انت فاكر اني صدقت ولا حسيت للحظة واحدة انك حبتني انا كنت بالنسبة لك تحدي انك تقدر تخرج من دوامة ليلى مش اكتر، لكن انا وانت عارفين انك محبتش غيرها وكنت بسمعك كل ليلة وانت بتناديها في احلامك. 

الشركة دي تأمين وتعويض عن سنين عمري اللي ضيعتها معاك ومش ممكن افرط فيها ابدا." 

ابتسم أكرم:

" ولا حتى عشان خاطر بنت اختك لحمك ودمك!!" 

-مديحة " انا قولتلك قبل كده بنت اختي اللي حصلها دا نصيبها، ونتيجة أفعالها انا مش مجبرة اني ادفع تمن افعالها دي"

ابتسم أكرم مرة أخرى وهو يهز رأسه وهي تنظر له بحيرة كيف يكون بمثل هذا الهدوء رغم كل ما تقوله.

وأخيرا تحدث وهو يجذبها ناحية المأذون والشهود مرة أخرى

" طب اتفضلي اقعدي هنا عشان نتمم إجراءات الطلاق." ثم وجه حديثه المأذون والشهود " اتفضل يا مولانا احنا متفقين على كل حاجة، مش كده يا مديحة" هزت مديحة رأسها وهي تقول بغرور " أيوة اتفقنا على كل حاجة خلاص"

-أكرم "على فكرة يا مديحة انا هاسيبلك الفيلا دي والعقد بتاعها موجود هنا معايا ابقي امضي عليه بعد ما تمضي على ورقة طلاقنا عشان تعرفي انا اد ايه كويس معاكي لآخر لحظة" 

رفعت مديحة حاجبيها دهشة ولكن لمعة الفرح ظهرت في عينيها دون إرادتها ولذلك انكبت تمضي على الأوراق بنهم لتنتهي من هذا الموقف بسرعة وتنظر بلهفة إلى عقد الفيلا بعد أن وقّعت على الكثير من الأوراق وهي تكاد تطلق 'زغرودة' غير عابئة بأنها طُلقت منذ لحظات. 

- أكرم " فرحانة يا مديحة؟!"

انتبهت له مديحة وهي تحاول ان تنزع عينيها عن العقد الذي بيدها بصعوبة 

" هه.. كل شيء قسمة ونصيب يا أكرم واحنا قسمتنا لحد كده، بس انت فعلا راجل محصلتش حتى وانت بتطلقني بتجيبلي هدية زي ما كنت زمان بتشتريني بالهدايا عشان تداري على حبك لمراتك اللي ماتت"! 

قالت كلماتها بقسوة فابتسم أكرم:

"طب ومش هتسألي نفسك انا بداري على ايه المرة دي" 

نظرت له مديحة نظرة مبهمة وكأنها غير مستعدة لفهم أو للنقاش في أي شيء وكأنها ارتاحت أخيرا حين تخلصت منه بإمضائها على بضعة وريقات. 

- أكرم " انتي عارفة انتي مضيتي على ايه جنب ورق الطلاق يا ميمي" 

اتسعت عينا مديحة وكأنها تنتظر خبر موتها. فهز أكرم رأسه:

" أيوة هو اللي انتي بتفكري فيه مضيتي على تنازل عن الشركة وعن الفيلا اللي ورقتها في ايدك دي حالا والشهود شهدوا ومضوا على كده كمان وانتي قولتي بلسانك ادامهم اننا اتفقنا على كل حاجة خلاص" 

هنا رأسها نافية

" لا لا لا انت اكيد بتهزر صح انت بتهزر" أكمل أكرم بلهجة المنتصر المتلذذ بانتصاره: " المأذون اللي طلقنا خرج ومعاه كل الأوراق، والشهود اللي كانوا معاه موظفين ف الشهر العقاري يعني كل حاجة تمت في لمح البصر" واستدار خارجا كالقائد المنتصر بعد هزائم عدة وهي تصرخ قائلة: 

" لا يا أكرم مش ممكن انت مش ممكن تعمل كده"

التفت إليها وتحدث بقوة لم تعهدها فيه "بكرة الفيلا دي تكون فاضية منك ومن كل متعلقاتك وألا هاتطلعي بالقوة الجبرية يا ميمي" وابتسم خارجا وهو يسمع صوت صرخاتها وقهقة ضحكاتها الهستيرية التي تشابكت ببعضهما حتى أصبح لا يستطيع التفريق بين ضحكاتها وصرخاتها التي يبدو أنها لن تتوقف ابدا. 

***************

استيقظت قمر متأخرة ظهرا على أصوات جرس الباب وطرقات لا تهدأ. لم تجد أدهم بجانبها فاستغربت وتساءلت إلى أين ذهب،ونزلت الدرج بسرعة لترى من الذي يطرق الباب بهذا الجنون.

       الفصل الثامن والعشرون والاخير من هنا 

لقراءه باقي الفصول من هنا

تعليقات



<>