
لعنة المقبرة
الحلقة الخامسه
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ ؟؟؟؟
صباح اليوم المشؤوم
دويّ سقوط حجر الجرانيت لسه بيرجّ في ودان الكُفر. التراب اللي طار من باب المقبرة غطى الشمس دقايق، ولما انقشع، الناس شافت المشهد: برديس واقفة قدام الضلمة اللي بلعت نص الجبل، وعينيها زرقا بتلمع، وهالة النور الزرقا لسه حواليها زي جلابية من نار باردة.
"بسم الله... بسم الله" أم عويس صرخت وهي بتكح تراب. "البت اتلبست! العفريت ركبها خلاص!".
الشيخ عطية وقع على ركبه من هول المنظر. أبو عمار كان هيجري على بنته، بس الدكتور ياسين مسكه من كتفه: "استنى يا حاج. لو قرّبت دلوقتي ممكن تتحرق".
برديس لفت وشها للناس. وشها كان وش برديس، لكن النظرة... النظرة كانت نظرة واحد عاش 3000 سنة. بصوت تقيل، مش صوتها، قالت: "الباب اتفتح عشان أنا جيت. واللي له دين، هيدفعه. واللي عليه دين، هياخده".
الكلام نزل على الكُفر زي الصاعقة. كلمة "دين" عند الصعايدة معناها تار، ومعناها حساب.
انقلاب الكُفر
أول حجر اترمى كان من الواد "منصور" ابن خالة غباشي. "يا كافرة يا بنت الكافرة! قتلتي سيدي غباشي!". الحجر خبط في كتف برديس، بس وقع على الأرض من غير ما يلمسها، كأن فيه حيطة هوا حواليها.
" ارجموها!"
"النار! هاتوا النار!" واحرقوها
"هي السبب في موت البهايم ونشفان البير!"
في لحظة، الكُفر اللي كان بيخاف منها، بقى عايز دمها. النبابيت اترفعت، والجريد الناشف اتولع. نبوية رمت نفسها قدام بنتها وهي بتصرخ: "على جثتي يا كلاب! اللي هيقرب منها هاكل كبده!".
أبو عمار وقف جنب مراته، ماسك فاسه، وعينه فيها دموع ورعب: "اللي عايز بنتي، يعدي على جثتي الأول".
كانوا تلاتة قصاد كُفر بحاله. والجريد المولع بيقرب.
وسط الهيصة والصراخ، طلع صوت واحد بس، هادي وواثق، قطع كل الأصوات: "بس!".
الدكتور ياسين فؤاد رمى شنطته الجلد على الأرض، وقلع نضارته حطها في جيب قميصه، ووقف بين الناس وبين برديس وأهلها. جسمه مش ضخم، بس وقفته كان فيها هيبة اللي شاف ملوك ميتين وصحّوا.
"اخص عليكم. رجالة بشنبات تهجم على بت وولية؟". بص لمنصور اللي رمى الحجر: "وإنت يا واد، سيدك غباشي كان هيذبحها على الباب ده. نسيت؟".
منصور وطّى وشه في الارض
أم عويس زعقت: "وإنت مالك يا دكتور يا بندري؟ دي أرضنا ومشاكلنا!".
ياسين ضحك بسخرية: "أرضكم؟ دي أرض خع-إم-واست من قبلكم بتلات تلاف سنة. وإنتوا كلكم ضيوف عليها. وأنا الوحيد هنا اللي فاهم لغته".
قرّب من برديس خطوة. الهالة الزرقا لسعته لسعة خفيفة، بس ما تراجعش. بص في عينيها الزرقا مباشرة، ومخافش.
"سامعاني يا برديس؟" قالها بالعربي.
وبعدين قال جملة بالهيروغليفي، بصوت واطي: _"إنك-إم-سا-إت... نِتِس-إيري-حات"_
الترجمة: "أنا في صف الابنة... أنتِ على حق".
أول ما سمعت الجملة، الهالة الزرقا اللي حوالين برديس هديت شوية. العيون الزرقا رعشت، ورجعت سودا ثانية واحدة، قبل ما تزرق تاني. كأن البت بتتخانق مع اللي جواها.
ياسين لف للناس وصرخ: "اللي هيمس شعرة منها، هبلغ عنه شرطة الآثار، والجيش، واليونسكو. المقبرة دي من اللحظة دي موقع أثري تحت حماية الدولة. وأي اعتداء على الوريثة... اعتداء على تاريخ مصر كله!".
كلمة "الحكومة" و"الجيش" خلت نص النبابيت تنزل. الصعايدة يخافوا من التار، بس يخافوا من الحكومة أكتر.
الشيخ عطية استغل صمت الناس وقام وقف جنب ياسين: "الدكتور عنده حق. الدم مش هيحل. عايزين نفهم الأول".
خد ياسين على جنب: "ناوي على إيه يا ولدي؟".
"ناوي أحميها يا شيخ. البت دي مش لعنة. البت دي مفتاح. البرديات بتقول إن وريث خع-إم-واست هو الوحيد اللي يقدر يقفل البوابة تاني قبل ما 'آبيب'ميطلع. ولو قتلتوها... يبقى فتحتوا على نفسكم أبواب جهنم".
"وإنت عرفت الحاجات دي منين؟"
ياسين ابتسم نص ابتسامة: "أنا مش بس دكتور آثار يا شيخ. جدي الكبير كان آخر واحد من 'حراس الديانة'. عيلة وظيفتها من أيام الفراعنة إنها تراقب المقابر اللي زي دي. ومستني الوريثة دي من وأنا عيل".
رجع ياسين لبرديس. نبوية كانت ماسكة فيها وبتترعش.
"يا ست نبوية، سيبيها لي. أنا الوحيد اللي أقدر أساعدها تتكلم مع اللي جواها... من غير ما يبلعها".
نبوية بصت له بعيون غرقانة: "وتضمن لي إنك مش هتاخدها مني؟".
"أضمن لك إنها لو فضلت هنا، هيموتوها. ولو ماتت، الكُفر كله هيموت وراها. خليني احميها واعلمها؟؟!!
قبل المغرب، جمع ياسين أهل الكُفر كلهم عند شفير "شق التعبان". جاب معاه البردية اللي فيها رسمة الكف.
"اسمعوا يا أهل الجبل. من النهاردة، برديس في حمايتي، وفي حماية العلم اللي معايا. اللي هيقرب منها، كأنه بيتحدى الحكومة والتاريخ".
وبص لبرديس: "وإنتِ يا برديس، أو يا بنت خع-إم-واست... أقسمي قدامهم إنك مش هتأذي بريء من الكُفر ده، وإنك هتساعدي نقفل البوابة اللي اتفتحت".
برديس كانت ساكتة. الصراع باين في عينيها. شوية زرقا، شوية سودا. وفجأة، رفعت إيدها اللي عليها علامة الكف، وحطتها على صدرها. وبصوتها الطبيعي، المبحوح من العياط، قالت: "أقسم... بالله... وبالنيل... ما هأذي حد منهم. أنا... عايزة أمي".
الجملة الأخيرة كسرت قلب نبوية. جريت عليها حضنتها، والهالة الزرقا انطفت خالص. برديس غابت عن الوعي في حضن أمها.
ياسين غطاها بجاكتته وقال للشيخ عطية: "من الليلة، هي هتقعد في بيتي اللي في البندر. المكان هناك متحصن. ولازم تبدأ تتعلم. اللي جواها صحي، ولازم نعرف نكلمه قبل ما هو اللي يتكلم لوحده".
أم عويس بصقت على الأرض ومشيت، ومعاها نص الكُفر. والنص التاني واقف خايف، ومرعوب، ومش فاهم.
في قلب المقبرة
في نفس اللحظة اللي برديس أغمى عليها، جوه الضلمة اللي في المقبرة، على عمق سبع طوابق تحت الأرض، كان فيه تابوت من الدهب الخالص. والتابوت... اتفتح لوحده.
ومن جوه، قام هيكل عظمي لابس تاج، وعلى صدره قلادة على شكل كف مفتوح.
وفي ودن الهيكل، صوت همس: _"بنتي رجعت يا آبيب... بس لسه ما صحيتش كاملة. لازم تشرب... لازم تشرب دم عشان تفتكر
الهيكل رفع إيده العضم، وشاور ناحية باب المقبرة المفتوح.
وعلى حيطة المقبرة، ظهر ظل تعبان ضخم، بيلف حوالين المكان كله، ومستني.
ياسين خد برديس البندر عشان يعلمها تسيطر على الكاهن اللي جواها. بس الكُفر لسه غضبان، والبير ناشف، والتعبان "آبيب" صحي في المقبرة وعايز دم.