
الحلقه الثانيه
ليلي والوحش ❤❤
دخلت ليلى المنزل وأوصدت الأبواب بجميع الأقفال المتاحة
كانت يداها ترتجفان وهي تحاول نزع معطفها المبتل بالثلج والدماء التي لا تدري أهي دماء ذلك الوحش أم دماء من أنقذها. ارتمت على السرير وتغطت بكل الأغطية الممكنة، لكن برودة الغابة كانت قد تغلغلت في عظامها، وصورة تلك العينين الحمراوين اللتين نظرتا إليها بحنان غريب قبل الاختفاء لم تفارق مخيلتها.
مرت ساعتان كأنهما دهر، وفي تمام الساعة الثالثة فجرًا، سمعت صوت مفتاح يدور في الباب. تجمدت ليلى في مكانها، تظاهرت بالنوم وهي تراقب من تحت جفنيها. دخل غيث، لكنه لم يكن غيث الذي تعرفه؛ كان يترنح، ثيابه ممزقة تمامًا، وصدره العاري يملؤه الخدوش والدماء، ورائحة الغابة والمطر تفوح منه بشكل نفاذ.
حبست أنفاسها وهي تراه يتجه نحو الحمام، لتسمع صوت أنينه المكتوم وهو يغسل جراحه. لم تحتمل الصمت أكثر، نهضت من فراشها ووقفت خلف باب الحمام الذي كان مواربًا.
قالت بصوت متهدج:
"غيث.. لا داعي للاختباء. لقد كنت هناك، رأيت كل شيء."
توقف صوت الماء فجأة. ساد صمت رهيب لم يقطعه سوى صوت قطرات المطر على النافذة. خرج غيث وهو يلف جسده بمنشفة، وكان وجهه شاحبًا كالأموات، وعيناه لا تزالان تحتفظان بلمحة من ذلك اللون الأحمر القاني.
نظر إليها بكسرة لم تره بها من قبل وقال:
"لماذا خرجتِ يا ليلى؟ لقد حذرتكِ ألا تفتحي الباب. الغابة في هذه الليالي ليست للبشر."
صرخت فيه وهي تبكي:
"وأي بشر أنت؟ أنت الذئب الذي أنقذني! أنت من كان يقاتل بالخارج! تلك الأنياب في رقبتك لم تكن من مجنون، بل كانت من فصيلتك! أخبرني يا غيث، هل تزوجت وحشًا؟"
اقترب منها غيث ببطء، وحاول لمس وجهها لكنها تراجعت للخلف خوفًا. أغمض عينيه بألم وقال بصوت جهوري عميق:
"أنا لست وحشًا باختياري يا ليلى. عائلتي تحمل هذه اللعنة منذ قرون. نحن المستذئبون الأحرار، نحمي هذه الأرض من القطعان الضالة التي لا تعرف الرحمة. ذلك الذئب الذي هاجمكِ كان من قطيع "الظل"، وهم يريدون رأسي لأنني اخترت أن أعيش كإنسان، لأنني اخترتُكِ أنتِ."
سقطت ليلى على الأريكة، وعقلها يحاول استيعاب الكلمات. تذكرت الخدوش على جسدها في ليلتها الأولى، وتذكرت حنانه المفرط.
"والندوب التي بجسدي؟ والخرابيش التي كانت عليك؟"
أجابها وهو يجثو على ركبتيه أمامها:
"في ليلتنا الأولى، كانت القوة بداخلي تكاد تنفجر، حاولت السيطرة على ذئبي لكي لا أؤذيكِ، لكن غريزة التملك كانت أقوى. تلك الخدوش كانت ثمن صراعي مع نفسي لأبقى بشريًا بين يديكِ."
بينما كانا يتحدثان، ارتفع صوت عواء جماعي هز أركان المنزل. زجاج النوافذ بدأ يرتجف، واشتدت العاصفة بالخارج بشكل غير طبيعي.
انتفض غيث واقفًا، وتغيرت ملامحه فجأة؛ بدأت عضلاته تتضخم، وعروقه برزت بشكل مخيف، ونمت أظافره لتصبح مخالب حادة في ثوانٍ.
"لقد وجدوا مكاني.. ليلى، اسمعيني جيدًا. ادخلي إلى القبو ولا تخرجي مهما سمعتِ من صراخ. إنهم يريدون استدراجي لكسر العهد وتحويلي بالكامل أمامك."
"لن أتركك يا غيث!" صرخت وهي تمسك بيده التي بدأت يتغطى ظهرها بالفراء الخشن.
نظر إليها بعينين تشتعلان بنار غير آدمية وقال:
"حبي لكِ هو الشيء الوحيد الذي يبقيني بشريًا الآن. اذهبي!"
اندفعت مجموعة من الذئاب السوداء الضخمة، حطمت نوافذ الصالة واقتحمت المكان. تحول غيث بالكامل أمام عيني ليلى إلى ذلك الذئب العملاق الذي رأته في الغابة، لكنه هذه المرة كان يقاتل بشراسة مضاعفة لحماية أنثاه.
كانت ليلى تراقب من خلف باب المطبخ، رأت غيث وهو يمزق رقاب المهاجمين واحدًا تلو الآخر. كانت الدماء تغطي الجدران البيضاء التي اختارت دهانها بنفسها، والشموع التي أشعلتها لتكون ليلة رومانسية سقطت لتشعل نارًا خفيفة في الستائر.
في لحظة غدر، قفز ذئبان على ظهر غيث وغرزا أنيابهما في كتفيه. صرخت ليلى بكل قوتها، وأمسكت بسكين المطبخ الكبير، وبدافع من الحب والجنون، اندفعت نحو الذئب الذي كان يحاول خنق زوجها وطعنته في خاصرته.
تراجع الذئب مصدومًا من جرأة هذه الفتاة النحيلة، مما أعطى غيث الفرصة لينهض ويقضي عليه بضربة واحدة من مخالبه.
انتهت المعركة بهروب من تبقى من القطيع. عاد الهدوء المشوب بالحذر، وكان غيث يقف وسط الغرفة، ينهج بشدة، والدماء تغطيه. بدأ جسده يتقلص ببطء مؤلم، يعود لشكل الإنسان، وهو يئن من الوجع.
ارتمت ليلى فوقه، وضعت رأسه في حجرها وهي تبكي وتمسح وجهه. فتح عينيه اللتين عادتا للونهما البني الجميل، وقال بصوت متقطع:
"لقد.. لقد لمستِ دماءهم.. الآن سيعتبرونكِ واحدة منا.. لقد ربطتِ مصيركِ بمصيري للأبد يا ليلى."
ابتسمت من بين دموعها وقبلت جبينه قائلة:
"لقد هربت من بيت والدي لأجد الأمان، ووجدته في حضن ذئب يحميني. لن أتركك يا غيث، حتى لو صار العالم كله غابة."
استند غيث على كتفها، وقاما معًا وسط حطام منزلهما، يرقبان خيوط الفجر الأولى وهي تشرق على الثلج الأحمر، مدركين أن حياتهما الهادئة قد انتهت، وبدأت أسطورة "ليلى والوحش" الحقيقية.