رواية لقاء القدر الفصل الثالث3 بقلم ملكة الروايات والحكايات

رواية لقاء القدر الفصل الثالث3 بقلم ملكة الروايات والحكايات
​أشرقت شمس الصباح على قصر مراد بيه، لكنها لم تكن شمسًا عادية ككل يوم؛ فقد حملت معها لأول مرة منذ عامين رائحة القهوة الممزوجة برائحة الخبز الطازج التي أعدتها والدة حياة، وصوت ركض الطفلة الصغيرة "نور" أخت حياة في الممرات الرخامية الواسعة، كان هذا الضجيج بالنسبة لمراد بمثابة سيمفونية غريبة على أذنيه، سيمفونية لم يعزفها هو، بل عزفتها الحياة التي دبت في أركان بيته المهجور.
​استيقظ مراد في غرفته المظلمة، تحسس بيديه السرير الوثير، لكنه شعر بشيء مختلف، لم يعد يشعر بذلك الثقل الجاثم على صدره، نادى بصوته الجهوري الذي راحت منه بحة الحزن: "حياة.. أنتِ هنا؟". لم تمر ثوانٍ حتى سمع صوت خطواتها الواثقة تقترب، وفتح الباب ليدخل معه عبير الياسمين الذي تفوح به دائمًا. قالت بصوت يملؤه التفاؤل: "صباح الخير يا مراد بيه، أنا هنا، والكل هنا.. الفطار جاهز، وماما أصرت إنك تفطر معانا النهاردة مش لوحدك في الغرفة".
​تردد مراد، كان يخشى أن يرى أحد عجزه وهو يتناول طعامه، لكن حياة شعرت بما يدور في خلده، اقتربت منه ومدت يدها لتمسك بطرف كمه برفق وقالت: "محدش غريب، إحنا بقينا عيلتك، والبيت اللي ملوش كبير ملوش حس، وإنت كبيرنا النهاردة". استسلم لندائها، وخرج معها يقاد بخطواتها، ولأول مرة يجلس على مائدة الطعام الكبيرة التي كانت مرتعًا للغبار، وجد نفسه وسط جو عائلي دافئ، سمع دعوات والدة حياة الصادقة وهي تقول: "نورت بيتك يا ابني، ربنا يبارك في عمرك ويرد لك بصرك وبصيرتك"، كانت كلمات بسيطة لكنها لمست شغاف قلبه الذي جف من الكلمات الطيبة لسنوات.
​بعد الإفطار، انتقلا إلى "المرسم والمكتبة" حيث قرر مراد أن يستكمل سرد مذكراته. جلس على مقعده الهزاز، وأشعل سيجارته كالعادة، لكنه هذه المرة لم يغرق في سحب الدخان بحزن، بل بدأ يتحدث بنبرة أكثر هدوءًا:
"عارفة يا حياة.. الصخب اللي كنت عايش فيه كان بيخليني مش سامع نفسي. لمى كانت الجزء الأجمل في اللوحة، أو هكذا كنت أظن. كانت فنانة تشكيلية، وبتقول إن ألحاني هي اللي بتلهمها ترسم. يوم الحادثة، كنا راجعين من حفلة تكريم ليا، الدنيا كانت بتمطر، والضوء كان ساطع في عيني من العربيات اللي جاية قصادنا.. فجأة كل شيء انطفى. لما فوقت في المستشفى وعرفت إني فقدت بصري، أول اسم نطقته كان اسمها، كنت محتاج إيدها تمسح على راسي، بس هي مكنتش موجودة. بعتت لي رسالة مع واحد من أصحابي بتقول فيها: (أنا مقدرش أعيش مع إنسان مكسور، أنا محتاجة إلهام، والظلام مش بيلهم حد)".
​توقف مراد عن الكلام، وارتجفت شفته السفلى، كانت حياة تدون كل كلمة وقلبها يعتصر ألمًا، لم تكتفِ بالكتابة بل قاطعته قائلة: "لمى كانت بتحب (مراد المشهور)، (مراد الضوء)، لكنها مكنتش تعرف (مراد الإنسان). اللي يسيب صاحبه في نص الطريق وهو غرقان، ميبقاش حبيب يا مراد بيه، يبقى عابر سبيل كان واخد من طريقك مصلحة. والظلام اللي هي بتتكلم عنه، هو اللي بيخلينا نشوف النجوم بوضوح. إنت دلوقتي في مرحلة النجوم، مش مرحلة الشمس الحارقة".
​ابتسم مراد ابتسامة حقيقية لأول مرة، وقال: "كلامك فيه نغم يا حياة، كأنك بتعزفي على أوتار قلبي المقطوعة. قوليلي، إيه اللي في الورقة اللي قدامك دلوقتي؟". بدأت حياة تقرأ له ما كتبته، وصفت مشاعره وانكساره وكبرياءه بأسلوب أدبي رفيع، جعل مراد ينبهر: "إنتِ مش مجرد كاتبة بتنقل كلامي، إنتِ بتكتبي روح الكلام".
​مرت الأيام، وتحول القصر إلى خلية نحل، حياة كانت تقضي ساعات طويلة في القراءة لمراد، تقرأ له روايات عالمية، وتسمعه ألحانًا قديمة، وتحاول أن تعيد ثقته في أصابعه لتعود وتلامس مفاتيح البيانو الأسود الكبير القابع في زاوية الصالون. في ليلة قمرية، كانا يجلسان في الحديقة، قالت له حياة فجأة: "مراد، ليه ملمستش البيانو من يوم ما جيت؟".
رد بحدة: "الموسيقى ضوء، وأنا بقيت في عتمة، إزاي أعزف لدنيا مابقتش شايفها؟".
قامت حياة وأمسكت بيده، وسحبته برفق نحو الداخل، وقفت معه أمام البيانو وقالت بلهجة آمرة ومحبة: "الموسيقى إحساس مش نظر. حط إيدك على المفاتيح، خلي أصابعك هي اللي تشوف. البيانو ده مستنيك، هو كمان وحيد زيك".
​وضع مراد أصابعه المرتجفة على العاج الأبيض البارد، تحسست أنامله المفاتيح، وبدأ بضربات عشوائية، ثم فجأة، خرجت نغمة حزينة، تلتها أخرى أكثر شجنًا، وبدأ يرتجل مقطوعة تعبر عن كل الألم الذي عاشه، عن غدر لمى، عن برودة الجدران، وعن الأمل الذي زرعته حياة. كانت حياة تقف خلفه، والدموع تنساب على وجنتيها فرحًا، فقد عاد الموسيقار للحياة.
​بينما كان يعزف، توقف فجأة وسألها: "حياة.. إنتِ ليه بتعملي كل ده؟ مش خايفة أتعلق بيكي وبعدين الشغل يخلص وتمشي؟".
اقتربت منه حياة حتى شعرت بأنفاسه المضطربة، وقالت بصوت هامس: "القدر اللي جابني هنا، مبيعملش حاجة صدفه. أنا مش بس بكتب مذكراتك، أنا بكتب فصلي الجديد معاك. والوعد اللي وعدتهولك إني مش هسيبك، ده مش عقد شغل، ده عهد قلب".
​في تلك اللحظة، رن جرس الباب بعنف، ودخل أحد الخدم مرتبكًا: "مراد بيه.. فيه واحدة بره بتقول إنها لمى، ومصرة تدخل تقابلك".
تجمدت يد مراد فوق مفاتيح البيانو، واصطبغ وجهه بشحوب الموت، بينما شعرت حياة بطعنة في قلبها، فهل يعود الماضي ليفسد حاضرًا بدأ يزهر؟ التفت مراد نحو صوت حياة وقال بصوت غريب: "خليها تدخل يا حياة.. خليها تشوف إن الظلام اللي هربت منه، بقى فيه نور أقوى منها".
​دخلت لمى، كانت تفيض بالأناقة الزائفة، نظرت إلى حياة باحتقار ثم اتجهت نحو مراد وقالت بصوت متمسكن: "مراد.. حبيبي.. وحشتني قوي،  مقدرتش أبعد أكتر من كده".
لم يتحرك مراد من مكانه، بل ظل ظهره للمرايا ووجهه للفراغ، وقال ببرود لم تعهدها منه: "لمى.. كنت مستني اللحظة دي عشان أقولك حاجة واحدة.. الظلام اللي خفتِ منه، هو اللي عرفني مين اللي يستاهل يمشي معايا في النور. حياة، ممكن تفتحي الباب وتوصلي (الضيفة) لبره؟ لأن مذكراتي مفيهاش مكان لفصول انتهت واتحرقت".
​خرجت لمى وهي تجر أذيال الخيبة، بينما ارتمى مراد في مقعده، منهكًا ولكن منتصرًا. اقتربت منه حياة، فجذبها من يدها لتجلس بجانبه وقال: "دلوقتي بس، نقدر نكتب الفصل الثالث يا ملكة الروايات.. اكتبي: (وفي تلك الليلة، أدرك مراد أن الحب ليس عيونًا تبصر الجمال، بل قلوبًا تبني الأمان)".
​نظرت إليه حياة بعينين لامعتين، وأمسكت قلمها، وبدأت تكتب تحت ضوء المصباح الخافت، بينما بدأ مراد يعزف لحنًا جديدًا، لحنًا لا يشبه الحزن في شيء، بل يشبه "لقاء القدر".
لكن لمي ماتقبل الهزيمه والانكسار فشعرت ان يبن حياه ومراد حب سوف يولد فقررت ان تقتله في رحم القدر قبل ان يولد 
تعليقات



<>