رواية لعنة المقبرة الفصل الرابع4 بقلم مليكة الروايات والحكايات

رواية لعنة المقبرة الفصل الرابع4 بقلم مليكة الروايات والحكايات
الحلقه الرابعه
لعنه المقبره 
لم ينم أحد في الكُفر تلك الليلة. صرخة غباشي وهي بتتبلع في "شق التعبان" صحّت الموتى قبل الأحياء. النبابيت والفوانيس كانت ترتعش في إيدين الرجالة وهم واقفين قدام باب المقبرة المشقوق. النور الأزرق الباهت طالع من الشق اللي في الحجر الجرانيت، رفيع زي الخيط، لكنه بيكسر عتمة الجبل كلها.  

الشيخ عطية، عمدة الكفر، راجل سبعيني لحيته بيضا ووشه محفور بتجاعيد الصبر. قرّب من الحجر ومرر إيده على الشق. صباعه اتلسع كأنه لمس تلج مولع. سحبه بسرعة: "أعوذ بالله... الحجر بيتنفس".  

فعلاً، لو ركزت ودنك، تسمع شهيق وزفير طالع من جوه... كأن فيه حاجة نايمة من 3000 سنة ولسه صاحية بتاخد نفسها الأول.  

أبو عمار كان ماسك فاسه وبيترعش: "نقفله يا شيخ عطية. نردم الباب ده بحجار الجبل كله".  
ضحك الشيخ عطية ضحكة مرة: "تقفل إيه يا أبو عمار؟ ده مش باب أوضة. ده بوابة. والبوابة لما تتفتح سنة، الهوا بتاعها يسمّ بلد بحالها".  
في بيت نبوية
رجعوا البيت مع أول خيط نور. نبوية كانت مهدودة، كأنها كبرت عشرين سنة في ليلة. برديس ما نطقتش كلمة واحدة من ساعة ما شافت النور الأزرق. بس كانت حاسة بحاجة غريبة... علامة الكف على كتفها ما بقتش بتحرقها. بالعكس، بقت دافية... بتدفّي ضهرها كله كأن حد حاطط كفه عليها بيطبطب.  

قامت نبوية تغسل وشها في الطشت، وبصت في المراية المشروخة. شهقت. شعرها اللي كان أسود، لقت فيه خصل بيضا ظهرت في سواد الليل. خصلة واحدة عريضة فوق ودنها اليمين.  
"يمّا شعرك..." همست برديس.  
نبوية لمست الخصلة البيضا: "الجبل بياخد ضريبة يا برديس. وأنا دفعت أول قسط".
قبل الضهر، خبط الباب. كان الواد "فرج" ابن الغفير. وشه مخطوف: "يا ست نبوية... يا أبو عمار... البهايم".  
"مالها البهايم؟"  
"كلها ماتت. الغنم، والمعيز، حتى جاموستكم. كلهم ميتين في الزريبة، وناشفين زي ما يكونوا ماتوا من شهر، وعلى كل واحدة فيهم... علامة كف زرقا على رقبتها". 
الكُفر كله اتقلب. الرجالة جريوا على الزرايب. المنظر كان يشيب. البهايم ممدة على جنبها، عينيها مفتوحة، وجسمها فاضي... كأن حاجة شفطت الروح منها. والعلامة الزرقا، نفس شكل الكف اللي على كتف برديس، بس على رقبة كل بهيمة.  
أم عويس، كبيرة الحريم، صرخت في وسط الخلايق: "قلت لكم البت دي نحس! غباشي راح، بس ساب عفريته عليها! الجبل عايزها، وهيموتنا كلنا لحد ما ياخدها!".  

الحريم بدأوا يولولوا، والعيال تبكي. وبعض الرجالة مسكوا نبابيت وبصوا لبيت نبوية بشر.  
الشيخ عطية وقف بينهم وبين البيت: "استغفروا الله يا بهايم. حد عاقل يقتل البت اللي اللعنة مرتبطة بيها؟ افرض موتناها... مين يوقف اللي جاي؟ يمكن هي الوحيدة اللي تقدر تسده".  
"يبقى نقدمها قربان يا شيخ!" زعق واحد من ورا. "نرميها في الشق، والجبل يشبع ويسيبنا".  
برديس سمعت الجملة دي وهي واقفة ورا الشباك. ما عيطتش. بس حست بالكف على كتفها يسخن... لا، المرة دي ما سخن، ده نبض. كأنه قلب تاني بيدق تحت جلدها 

على العصر، دخل الكفر عربية جيب قديمة، عليها تراب السفر. نزل منها راجل خمسيني، لابس قميص وبنطلون، وعلى كتفه شنطة جلد، وفي إيده دفتر كبير. بشرته قمحية، ونضارة طبية، ودقن خفيفة.  

"السلام عليكم. أنا الدكتور ياسين فؤاد، أستاذ مساعد آثاريات، جامعة جنوب الوادي". قالها وهو بيبص على تجمهر الناس.  
العمدة قرب "أهلاً يا دكتور. بس جيت في وقت مش وقت زيارات".  
"أنا هنا بسببك يا شيخ. مكالمة حضرتك للمديرية إمبارح بليل وصلتني. بلاغ عن "تحرك صخري غير طبيعي" و"انبعاث ضوئي من مقبرة غير مسجلة".  

طلع ياسين صورة من شنطته. صورة أبيض وأسود، قديمة. فيها نفس الجبل، ونفس باب المقبرة، وقدامه واقف خواجات بخوذ.  
"الصورة دي سنة 1934. بعثة إنجليزية اسمها بعثة كارنارفون. فتحوا المقبرة دي... وماتوا كلهم في 3 أيام. السجلات بتقول "حمى غامضة". بس المذكرات الشخصية بتاع اللورد كارنارفون اللي لقيتها في الأرشيف بتقول كلام تاني".  

فتح الدفتر وقرأ: _"العلامة الزرقاء ظهرت على أعناقنا. والكاهن خع-إم-واست لا ينام. إنه ينتظر الكف. كف ابنته التي لم تولد بعد. أغلقوا الباب بحياتكم... فالدم لا يرويه إلا الدم"_.  

كل العيون بصت على برديس اللي كانت واقفة ورا أمها.  
ياسين شافها، وشاف الرعب في عيون الناس. قرّب منها بهدوء: "انتِ برديس؟". هزت راسها. "ممكن أشوف كتفك اليمين؟".  

نبوية كانت هترفض، بس الشيخ عطية هز راسه: "وريه يا نبوية. خلينا نفهم".  
نبوية نزلت كم الجلابية من على كتف برديس. العلامة كانت واضحة. كف طفل مفتوح، لونه وردي، وحوله هالة زرقا خفيفة بتلمع في الشمس.  

الدكتور ياسين شهق ووقع الدفتر من إيده: "يا ساتر يا رب... ختم خع-إم-واست. العلامة الملكية. البت دي... مش قربان".  
"أمال إيه؟" صرخ أبو عمار.  
ياسين بلع ريقه: "حسب البرديات... الكاهن ده كان عقيم. ولما عرف إنه هيموت من غير وريث، عمل طقس محرم. قدم روحه للـ "آبيب" ثعبان الظلام، مقابل إنه يخلف وريث يحرس مقبرته وكنزه للأبد. الوريث ده... ما يتولدش إلا لما النجوم ترجع لوضعها الأول. كل 3000 سنة".  

سكت وبص لبرديس برهبة: "بنتك يا ست نبوية... مش بنتك. بنتك هي بنت الكاهن. وريثة اللعنة... ووريثة الكنز".

الليل دخل، والنور الأزرق اللي طالع من الشق بقى أقوى. بقى عامل عمود نور طالع من الجبل للسما. أهل الكفر البعيدة شافوه وقالوا "الجعافرة فيها فرح".  
لكن في الجعافرة، كان فيه مأتم. البهايم ماتت، والبير اللي بيسقي الزرع نشف، والنخل بدأ ورقه يصفر ويقع. الجبل بيشرب روح الكفر.  
نبوية قاعدة في الأوضة الضلمة، وبرديس نايمة في حضنها. بس برديس ما كانتش نايمة. كانت مغمضة، وسامعة صوت... صوت جاي من بعيد، من تحت الأرض، بينده عليها باسمها.  
"برديس... يا برديس... يا جنة... يا خلود... تعالي يا بت أبوكي".  
فتحت عينيها. الأوضة ضلمة، بس كتفها منور. العلامة الزرقا بقت منورة زي القمر. قامت من غير حس، وعدت من جنب أمها النايمة من التعب. فتحت الباب وخرجت.  

رجلها كانت ماشية لوحدها. مش هي اللي بتمشي. كأن الجبل بيناديها بخيط سحري. عدت من وسط الزرايب، والكلاب اللي صاحية ما هوهوتش عليها... بالعكس، نامت على الأرض وحطت راسها بين رجليها.  

وصلت لباب المقبرة. الشق الرفيع بقى أوسع شوية. يقدر يعدي كف إيد. حطت كفها الصغير على الشق.  
فجأة... النور الأزرق اتشفط لجوه، والجبل كله سكت. حتى صوت الريح وقف. والشق... اتفتح شوية كمان. بطلع صوت حجر بيحك في حجر.  

ومن جوه الضلمة، إيد خرجت. إيد زرقا، شفافة، مرسوم عليها نفس النقشة... كف مفتوح. والإيد دي... طبطبت على شعر برديس.  

"أخيراً يا بنتي... أخيراً رجعتي". الصوت كان جاي من كل حتة. 
نبوية صحيت مفزوعة. "برديس!" جريت على الباب لقيته مفتوح. صرخت. أبو عمار والدكتور ياسين والشيخ عطية صحيوا على صراخها. جريوا كلهم ناحية الجبل.  

لقوا برديس واقفة قدام الباب المشقوق، ومدية ضهرها ليهم. والنور الأزرق بقى هالة حواليها.  
"برديس... ارجعي يا بنتي" صرخت نبوية.  
برديس لفت وشها ببطء. عينيها... عينيها ما بقتش سودا. بقت زرقا، منورة بنفس نور المقبرة. وبصت لأمها وقالت بصوت مش صوتها. صوت راجل عجوز، حكيم، جاي من قاع الزمن:  
"أنا مش بنتك يا نبوية... أنا بنت الجبل. والمقبرة اتفتحت. والخلود... ابتدى".  
ومن وراها، حجر باب المقبرة الجرانيت... اتشق نصين ووقع، عامل دويّ هز الكفر كلها. والباب... اتفتح على ضلمة لا آخر لها.  
إيه اللي مستني جوّا المقبرة؟ وهل برديس بقت مسحورة ولا دي حقيقتها فعلاً؟ والدكتور ياسين... هيقف معاها ولا ضدها؟ والكُفر اللي بيموت... مين يقدر ينقذه دلوقتي؟  
تعليقات



<>