رواية جثه علي شاطئ المعموره الفصل الثالث3 بقلم ملكة الحكايات والروايات

رواية جثه علي شاطئ المعموره الفصل الثالث3 بقلم ملكة الحكايات والروايات
​مديرية أمن الإسكندرية – الساعة 4:15 صباحاً
​ألجمت الصدمة لسان النقيب ياسر فؤاد لعدة ثوانٍ وهو يمسك بسماعة الهاتف التي ينبعث منها ذلك الصوت الأنثوي البارد كصقيع كانون، والمليء بملوحة بحر الإسكندرية في ليلة شتوية عاصفة. كان الصوت يحمل نبرة تهكمية واثقة لا تصدر إلا عن شخص يرى مسرح الأحداث بأكمله من شرفة علوية بينما يتخبط الجميع في الظلام بالأسفل. أغلق الخط فجأة تاركاً خلفه رنيناً متقطعاً يشبه دقات ساعة تنازلية للموت. التفت ياسر إلى المساعد سلامة الذي كان ينظر إليه بترقب وعرق بارد يتصبب على جبينه رغم برودة التكييف في المكتب، بينما كانت سلوى نصار تجلس على المقعد الجلدي وقد تيبست أطرافها وشحب وجهها كأنما رأت طيف داليا الشربيني يعبر من جدار الغرفة.
​وضع ياسر الهاتف على المكتب ببطء شديد وقال بصوت منخفض حاد يشبه فحيح الأفعى: "سلامة... خذ الأستاذة سلوى على غرفة التحفيظ، تحفظ عليها كامرأة تحت ذمة التحقيق وليس كمتهمة... احموها، لا أريد أن يلمسها أحد أو يقترب منها مخلوق حتى تنجلي هذه الليلة، والآن اجمع لي قوة من المباحث وخلال عشر دقائق نكون أمام شقة رامي في سموحة... أريد فريقاً كاملاً من الأدلة الجنائية يعيد مسح الشقة شبراً بشبر، فالجثة التي تقتل بعد موتها بثلاث ساعات ليست جثة... هذه أحجية من الجحيم".
​انطلقت سيارات الشرطة تخترق شوارع الإسكندرية التي بدأت تستيقظ على خيوط الفجر الأولى، كانت الأضواء الزرقاء والحمراء تنعكس على واجهات المحلات المغلقة وزجاج السيارات، وكان ياسر يقود سيارته بسرعة جنونية وعقله يغلي بالأفكار والتناقضات. كيف يمكن لرامي، الذراع الأيمن لشوكت عزام، ذلك الشاب الحذر ذو العيون الميتة الذي لا يخطو خطوة دون حساب، أن يموت بجرعة زائدة من المخدرات في الساعة الحادية عشرة ليلاً، ثم تظهر رسالة اعتراف بخطه يزعم فيها أنه قتل شوكت في الساعة الثانية صباحاً؟ هذا يعني شيئاً واحداً لا ثاني له: القاتل الحقيقي كان يملك رامي حياً، وأجبره على كتابة رسالة الاعتراف بالتعذيب أو التهديد، ثم حقنه بالجرعة القاتلة ليموت قبل الجريمة الأصلية، مما يمنح القاتل الحقيقي غطاءً زمنياً كاملاً ويغلق القضية ضد مجهول انتحر أو مات بجرعته. ولكن، كيف علم القاتل بالوقت الدقيق الذي سيموت فيه شوكت على الشاطئ ليوائم خطته؟
​شقة رامي – حي سموحة | الساعة 5:00 صباحاً
​كانت الشقة تقع في برج سكني فاخر يطل على حدائق أنطونيادس، باب الشقة كان مفتوحاً ورجال المباحث يطوقون المكان بالشريط الأصفر الشهير. في الصالة الفسيحة ذات الأثاث المودرن الغامق، كان رامي مستلقياً على أريكة جلدية سوداء، عيناه مفتوحتان ومحدقتان في السقف بنظرة رعب وتفاجؤ لم تفارقه حتى بعد الموت، يده اليمنى كانت متدلية على الأرض وبجانبها سرنجة طبية فارغة، وعلى الطاولة الخشبية أمام الأريكة كانت تقبع ورقة بيضاء مكتوبة بخط اليد وقلم حبر جاف أزرق.
​جثا ياسر على ركبتيه أمام الجثة وتأمل وجه رامي بعناية، لم تكن هناك علامات مقاومة واضحة، لكن عندما رفع يد رامي اليسرى لاحظ شيئاً جعل قلبه يقفز... كانت هناك خربوشة صغيرة رفيعة مطابقة تماماً لتلك التي رآها على رقبة شوكت عزام وعلى رقبة سلوى نصار، كأنها ختم أو توقيع لجهة واحدة. التفت ياسر إلى طبيب الأدلة الجنائية الذي كان يجمع البصمات وسأله بلهفة: "هل عثرتم على أي أثر لشخص آخر هنا؟ بصمات على الكوب؟ خصلة شعر؟ أي شيء؟".
​أجاب الطبيب وهو يهز رأسه أسفاً: "المكان ممسوح بعناية فائقة يا فندم، القاتل كان يرتدي قفازات طبية ولم يترك خلفه حتى ذرة غبار، لكن هناك تفصيلة غريبة... رسالة الاعتراف المكتوبة بخط يد رامي، الورق المستخدم فيها هو ورق رسمي من دفاتر مكتب شوكت عزام في سموحة، والحبر هو نفس نوع الحبر الذي يفضله شوكت... والتحليل المبدئي للخط يقول إن رامي كتبها وهو تحت تأثير مهدئ قوي جداً، يده كانت ترتعش كأن أحداً كان يوجهها أو يملي عليه الكلمات تحت تهديد السلاح".
​التقط ياسر ورقة الاعتراف بملقط حديدي وقرأ كلماتها بعناية: (أنا رامي.. أنا اللي قتلت شوكت.. طمعت في فلوس سويسرا ونادية كانت معايا في كل حاجة.. هي اللي خططت وهي اللي قالت لي إنه رايح ستانلي عشان يقابل سلوى.. أنا خلصت عليه بالحجر وهربت.. مش قادر أعيش بالذنب ده والجرعة دي هي نهايتي).
​همس ياسر لنفسه وهو يضيق عينيه: "نادية... الزوجة الثانية... الضحية الخائفة في جنينة كينج مريوط... هل كنتِ تمثلين دور الحمل الوديع يا نادية وأنتِ الذئب الذي يحرك قطع الشطرنج؟".
​فيلا كينج مريوط – الساعة 7:30 صباحاً
​الضباب الصباحي كان يلف بحيرة مريوط والفيلا الشاسعة لشوكت عزام تبدو كقصر مهجور يسكنه الصمت والترقب. حاصرت سيارات الشرطة الفيلا، وتقدم ياسر ومعه ثلاثة من رجال المباحث الأشداء نحو الباب الرئيسي. طرق الباب بقوة، وبعد لحظات فتحت خادمة آسيوية تبدو عليها علامات الفزع والنوم، ولم تكد تتكلم حتى دفعها ياسر بلطف ودخل إلى الردهة الشاسعة وهو يصيح بصوت جهوري: "نادية هانم! نادية الشربيني! اخرجي فوراً بموجب أمر ضبط وإحضار من النيابة العامة!".
​من أعلى السلم الرخامي الدائري، ظهرت نادية. كانت ترتدي ثوباً أسوداً طويلاً كأنها كانت تعلم بنبأ الوفاة قبل أن يصلها بلاغ رسمي، وجهها كان شاحباً كالمرمر وعيناها منتفختان من البكاء أو السهر، نزلت السلالم ببطء شديد وتماسك غريب لا يناسب امرأة داهمت الشرطة بيتها في الصباح الباكر لاتهامها بقتل زوجها وعشيقه المفترض.
​وقفت أمام ياسر ونظرت في عينيه مباشرة وقالت بصوت هادئ ومستسلم: "كنت عارفاك هتيجي يا ياسر بيه... الشغل ده هيموته... أنا قلت له كده امبارح في الجنينة... شوكت مات عشان افتكر نفسه أقوى من البحر، وافتكر إن الفلوس تقدر تشتري الأرواح اللي زهقها".
​ياسر (يخرج ورقة اعتراف رامي ويضعها أمام وجهها): "ورامي يا نادية هانم؟ رامي اللي مات بجرعة زيادة وسايب وراه اعتراف بيقول إنك شريكته في القتل وفي التخطيط وفي سرقة حسابات سويسرا؟ هتقولي إيه عنه؟".
​لم تهتز نادية، بل نظرت إلى الورقة وقالت!!؟؟ 
تعليقات



<>