رواية جثه علي شاطئ المعموره الفصل السادس6 بقلم ملكة الحكايات والروايات

رواية جثه علي شاطئ المعموره الفصل السادس6 بقلم ملكة الحكايات والروايات
​تلاشت الابتسامة الباردة عن وجه العقيد المتقاعد ممدوح
 كمال للمرة الأولى منذ سنوات. نظراته التي كانت تبث الرعب في قلوب أعدائه تحولت إلى نظرات حائرة، وعيناه تترنحان بين مسدس النقيب ياسر فؤاد الموجه إلى رأسه، وبين الجملة الأخيرة التي ألقاها ياسر في أذنه كالقنبلة الموقوتة: "السر مش في الدفتر الأسود.. السر في مكان أنت عمرك ما هتتوقعه!"
​التفت ممدوح ببطء نحو ابن أخته "خالد" الذي كان يقبع خلف عجلة القيادة. كان خالد يرتجف، وعرقه يتصبب بغزارة مريضة، يداه القابضتان على المقود كانت تشي بانهيار وشيك. لم يكن توتراً عادياً من كمين شرطة، بل كان رعبَ مَن كُشف قناعه فجأة!
​ياسر (بصوت جهوري هادر): "انزل أنت وهو.. وارفعوا إيديكم لفوق! القوة تحرز العربية بالكامل، ومش عايز عود كبريت يتحرك من مكانه!"
​في مديرية أمن الإسكندرية | الساعة 2:00 ظهراً
​كانت المكاتب تغلي صخباً، لكن داخل غرفة التحقيق الرئيسية، ساد صمت يشبه صمت القبور قبل العاصفة.
جلس ممدوح كمال على الكرسي الحديدي، وعلى بعد خطوات منه جلس ابن أخته ومخزنه السري خالد المنياوي. قُيدت أيديهما معاً، بينما وقف ياسر فؤاد أمامهما، يمسك بملف أزرق، وعيناه تلتمعان بنصرٍ مرير، نصرٍ ممتزج بمرارة دماء المقدم كريم الشربيني التي لم تجف بعد على رمال ستانلي.
​رمى ياسر على الطاولة تقريراً جنائياً حديثاً، ونظر إلى ممدوح:
ياسر: "كنت فاكر نفسك ذكي يا ممدوح.. خططت لكل حاجة من 2017. استخدمت غضب الصحفية سلوى عشان تراقب شوكت، واستغليت خوف نادية.. ولما جه وقت قطف الثمار، قتلت شوكت ورامي، وكنت فاكر إنك هتهرب بالمليارات مع ابن أختك وولاءه الأعمى ليك.. بس أنت نسيت قاعدة مهمة في عالم الإجرام يا كابتن م.. الخيانة ملهاش أمان، واللي بيقرب من الأفاعي، لازم يتلدع!"
​التفت ياسر فجأة نحو خالد، الذي انكمش على نفسه:
ياسر: "خالد المنياوي.. السواق المطرود من سنتين، واللي رجع لفيلا شوكت قبل الحادثة بيومين بس كبديل مؤقت بتدبير من خالك ممدوح.. تحب تقول أنت ولا أقول أنا؟"
​خالد (بصوت متحشرج وباكٍ): "أنا ماليش دعوة يا بيه! خالي ممدوح هو اللي قالي اعمل كل ده! هو اللي قالي حط السم لرامي في الشقة، وهو اللي قالي اقف بالعربية الجيب فوق كوبري ستانلي عشان يخلص من المقدم كريم.. أنا كنت بنفذ أوامره بس!"
ممدوح (انتفض من مكانه والشرر يتطاير من عينيه، وصرخ كالمجنون رغم القيود): "أنت بتقول إيه يا ابن الكلب؟! أنا اللي قتلت كريم؟! أنت اللي كنت فوق الكوبري ومعاك السلاح! أنت اللي ضحكت عليا!"
​ياسر (يضرب الطاولة بعنف): "بسسس! اقعد أنت وهو!"
جلس ممدوح وهو يلهث، بينما تابع ياسر بابتسامة ساخرة:
ياسر: "خالك ممدوح فعلاً هو اللي خطط.. بس هو ميعرفش إنك كنت بتلعب لحساب حد تاني خالص يا خالد! ممدوح افتكر إنه لما ساب اللابتوب مفتوح الفجر في فيلته في العجمي وحول الفلوس لسويسرا باسم مستعار إنه كده أمن نفسه.. لكن الخبراء بتوعنا في تكنولوجيا المعلومات اكتشفوا حاجة تانية.. التحويل لسويسرا اتلغى في نفس الدقيقة! في 'فيروس' خبيث كان مزروع في اللابتوب، نقل الفلوس كلها -المليارات- لحساب مشفر في جزر الكايمان.. والتحويل ده اتعمل من تليفونك أنت يا خالد!"
​اتسعت عينا ممدوح كمال وصعق تماماً، نظر إلى ابن أخته بذهول قاتل: "أنت؟ أنت تسرقني أنا يا خالد؟ أنا خالك اللي عملتك بني آدم؟!"
​خالد (وقد تحولت ملامحه فجأة من الخوف إلى برود مرعب، واعتدل ظهره): "خالي؟ أنت عمرك ما اعتبرتني ابن أختك يا ممدوح.. أنت كنت شايفني مجرد ديل، سواق، آلة بتنفذ قذارتك وتقتل وتسمم عشان أنت تاخد المليارات وترميلي الفتافيت! بس الباشا الكبير اللي مشغلني عشانك أنت بالذات.. دفع أكتر!"
​خيوط اللعبة تتشابك | من هو الباشا الكبير؟
​شعر ياسر بأن الأنفاس حُبست في الغرفة. اقترب من خالد وعيناه تضيقان: "مين الباشا الكبير يا خالد؟ مين اللي حركك تسرق خالك وتقتله بالبطيء؟"
​خالد (بابتسامة خبيثة): "مش هقول حاجة يا ياسر بيه.. أنا لو اتكلمت هموت قبل ما اطلع من الأوضة دي.. الباشا ده عينيه في كل مكان.. حتى هنا في المديرية!"
​في تلك اللحظة، فُتح باب الغرفة فجأة ودخل المساعد، وكان يمسك بظرف مغلق أصفر اللون، ووجهه خالٍ من التعبير بشكل مريب. اقترب من ياسر وهمس في أذنه: "يا فندم.. رئيس النيابة طالب الملف ده فوراً، وفي أمر صدر حالا بنقل المتهمين لسجن برج العرب تحت حراسة خاصة تابعة لجهة سيادية.. التحقيق مش تبعنا من اللحظة دي!"
​أحس ياسر بنغزة في قلبه. تذكر كلمات رامي الأخيرة قبل موته، وتذكر التسجيل الصوتي الذي لم يكن يملك غيره كدليل قاطع. نظر إلى المساعد، ثم إلى ممدوح الذي بدأ يستعيد بعضاً من ملامحه الشامتة رغم صدمة خيانة ابن أخته له.
​ممدوح (بهمس خبيث): "قولتلك يا ياسر.. البحر مابيتكلمش، والكلاب الكبيرة مابتسيبش عضمها للشرطة الصغيرة اللي زيك.. اللعبة انتهت، وأنت خسرت!"
​طريق المكس المعزول | الساعة 4:30 عصراً
​بعيداً عن المديرية، وفي منطقة المكس حيث تتداخل بيوت الصيادين بالبحر المالح، كانت تقف سيارة سوداء فارهة معتمة الزجاج تماماً.***************
انفتحت البوابة الحديدية لأحد المخازن القديمة المهجورة المطلة على الماء، ودخلت السيارة بهدوء.
​ترجل من المقعد الخلفي رجل يرتدي حُلة أنيقة جداً، ملامحه صارمة وشديدة الهيبة، يمسك في يده سيجارة فاخرة. تقدم نحو طاولة خشبية قديمة كان يجلس عليها شخص آخر يرتدي ملابس رثة ويبدو عليه الإرهاق.. لقد كان السائق الأصلي لفيلا شوكت عزام!! 
​السائق الأصلي (بخوف): "يا باشا.. أنا عملت كل اللي قولتلي عليه، واختفيت من الفيلا وسيبت خالد المنياوي يدخل مكاني ويلبس ملابسي.. الفلوس بتاعتي جاهزة؟"
​الرجل الأنيق (ينفث دخان سيجارته ببرود): "جاهزة وزيادة.. بس في أمانة صغيرة لازم تروح لصاحبها الأول."
​أخرج الرجل الأنيق من جيبه هاتفه المحمول، وضغط على زر التشغيل لتظهر رسالة تأكيد بوصول مبلغ خيالي إلى الحساب السري في جزر الكايمان.. نفس الحساب الذي سرقه خالد من خاله ممدوح!
****************
​التفت الرجل الأنيق نحو البحر، وظهرت على وجهه ابتسامة انتصار مرعبة، ثم التفت إلى رجاله الواقفين في الظل وقال: "خالد وممدوح خلاص دورهم انتهى في السجن، وياسر فؤاد هيلبس قضية إهمال بسبب موت كريم الشربيني.. دلوقتي الإسكندرية كلها بقت بتاعتنا!"
تعليقات



<>