
رواية هوس الريان الفصل الثالث والثلاثون33 بقلم ساره الحلفاوي
توالت الأيام و التقارب الروحي بين ريان و معشوقته يزاد، فـ هي لم يعد لديها سواه و هو بعد وفاة والدته لم يتبقى له سوى أنفاسها ورائحتها التي شملت جسدُه بعد أن. بات يقضي مُعظم أوقاته معها متشبثًا بها كطفلٍ صغير فقد والدته و بات يبحث عنها في أخرى .. و كانت ليل من أقدر النساء على تحمل تلك المسئولية، كانت تعلم أنه يعاني مرارة الفقدان كما عانت هي عندما كانت صغيرة .. و كما كان جوار طفلة صغيرة فقدت والديها، ظلت هي جواره في كل خطواته بطلبٍ صريح منه هو، حتى أنها باتت تذهب معه للعيادة و تعود معه تشرف على إهتمام الخدم بأبيه و يفعل هو المثل، أُثلج صدره و بَرد قلبه و قلبها عندما سمع بخبر وفاة عمته في الشقة بمفردها بعد أن إمتنعت عن الطعام و الشراب لإكتئاب حاد أُصيبت به بعد خسارتها لإبنها و إبنتها، حزن عصام على شقيقته لفطرته السليمة لكن تجاوز الأمر سريعًا فـ هو قد فقد الأغلى بالفعل.
كانت نائمة على الفراش مستغرقة في نومها، و على عكس العادة في صحوتها من قبله لكي ترتدي ثيابها و تذهب معه للعمل، ها هي نائمة لا تستطيع النهوض تشعر بكامل جسدها يتعبها، حاول جعلها تستفيق يمسح على ظهرها برفق بعدما إرتدى البنطال و ترك القميص مفتوحًا عله يضيع الوقت حتى تنهض هي و ترتدي ثيابها:
- ليل .. مش هتيجي معايا يا حبيبتي؟
قوبل بـ همهمةٍ و تزمجر رقيق رافض تقول و هو يجزم أنها لازالت تغط في سُباتها و لا تعي ما تقول:
- مش قادرة يا ريان والله .. روح إنت
مسح على ذراعها العارٍ لإرتدائها قميص خفيف قصير، يقول و قد راوده القلق عليها:
- مالك؟ إنتِ كويسة؟
قالت و هي تومئ برأسها:
- كويسة .. آه كويسة!
نامت بعدما قالتها على الفور، فـ إبتسم يُقبل وجنتها مغمغمًا:
-- طيب نامي يا حبيبي .. بس خليكِ فاكراها ها!
كان يعلم أنه يحادث نفسهُ، فـ نهض يتابع إرتداء ثيابه حتى إنتهى و غادر، ظلت هي نائمة بعمقٍ لوقتٍ لم تكن تعلم أنها ستنامه، حتى نهضت واضعة كفها على معدتها تشعر بها تؤلمها، ركضت على المرحاض لتقف أمام الحوض تظن أنها ستتقيء لكن لم يحدث، وقفت للحظات تفكر قبل أن تردد بنصف أعين مفتوحة و إبتسامة بلهاء:
- هو أنا حامل؟
أسرعت تنثر المياه على وجهها علها تستفيق و ترتب خصلاتها ترتدي مئزر على قميص النوم و تترجل الدرج تطلب من إحدى الخادمات أن تخرج و تبتاع لها إختبار حمل، و في غضون دقائق كتنت تحمله بكفها و تركض إلى المرحاض، مرت دقائق أخرى كـ ساعات طويلة حتى إبتهج وجهها و إنفرجت أساريره تقول بإبتسامة و إشراقةٍ:
- أنا حامل بجد!
كادت تقفز لكنها أسرعت تحادث نفسها كالمجذوبةٍ:
- لا يا ليل متنطيش إستهدي بالله، مش عايزين نعمل أي مجهود
ثم هتفت ببراءة:
- يعني يادوب هخبط مشوار لحد العيادة بتاعته أفرحُه
أدت فرضها تحمد فيه ربها على رزقها بمولودٍ بعد أن عانت مرارة فقد الأول، وقفت تنظر في خزانتها للحظات قبل أن تنتقي قميص بأكمام طويلة و بنطال فضفاض لم تكن ترتديه منذ زمن، إبتسمت و خرحت من الجناح متجهة إلى غرفة والدته المغلقة منذ أن الحادث حتى أن عصام بات يتجنب المكوث بها، شعرت ببرودة أطرافها فور الدلوف، إتجهت نحو خزانة والدته و أخرجت إيشارب يلي الآخر، أخذت ما ناسب الذي إرتدته ثم خرجت تعود لجناحهما و تلف الإيشارب على وجهها بعشوائية تنظر لنفسها بتفحص، إبتسمت في البداية لكن غمغمت بضيقٍ:
- مش عارفة ألفُه!
عادت تلفه بإحكامٍ تنظر لإشراقة وجهها في المرآة، و أدمعت عيناها رغمًا عنها من تأثير الموقف على روحها، نظرت لنفسها تغمغم بندمٍ:
- ده أنا كنت غبية أوي!
خرجت من الجناح و قابلت عصام في طريقها الذي سرعان ما قال بإبتسامة:
- إبه العسل ده! مبروك يا ليل!
- الله يبارك فيك يا بابا!
قالتها على إستحياء لا تعلم كيف و منذ متى تلبّسها، و من هنا علمت أنها لم تضع فقط الحجاب على خصلاتها بل وضعت معه حجاب على روحها و حديثها بل و نظراتها لأي شخصٍ، غادرت بعد أن أخبرته أنها ذاهبة إلى العيادة، وقفت أمام السيارة التي صعدت بها ينتظرها السائق .. مشهد هزّ قلبها و هي تتذكر ما حدث معها في يوم يشبه هذا، نظرت للسائق و قالت بهدوء:
- معلش هسوق أنا .. متشكرة
و بالفعل تنحى السائق جانبًا و جلست هي في مقعد السائق، خرجت من البيت تحادث نفسها:
- محتاجة أروح أشتري حاجة الأول
ذهبت لأحد المولات الشهيرة، إبتاعت أكثر من إيشارب بالفيزا الخاصة بزوجها، و إبتاعت جوارب شديدة الصِغر فورما رأتها نبض قلبها و بالكاد سيطرت على دمعاتها، إبتاعتها دون تردد تضعهما في عُلبة و معهما كارت كتبت عليه بنفسها "هتوحشني أوي يا بابا لحد م آجي"
ذهبت للعيادة بحماسٍ يشتعل، دلفت فوجدتها كالعادة تكتظ بالنساء اللواتي إما منتفخات البطن أو إما منكسات الرأس يأتونه في إستشارة، إفتربت من مكتب هبة تقول و هي تناظرها بلهفة:
- ريان معاه حد؟
هتفت هبة التي ظهر على وجهها الفضوب:
- مش حضرتك مرات الدكتور؟
- أنا آه
قالتها ليل بإستعجالٍ، فـ هتفت هبة بهدوء:
- هو معاه حالة جوا يا مدام ممكن تستنيه هنا لحد م الـ patient اللي معاه تخرج
- ماشي
قالت ليل بهدوء و جلست جوار إحداهن، في أي موقف آخر لربما كانت ستقتحم عليه الغرفة، لكنها لا تريد أن تسبب له أي حرج و لا تريد إفساد تلك المناسبة السعيدة، إسترقت السمع لإحدى انساء جوارها تقول و هي تضع كفها على كف زميلتها:
- يا بنتي إهدي شوية متخافيش! ده ريان الشافعي يا رحاب ده شاطر جدًا و صيته مسمّع في كل حتة
كانت الإبتسامة تزين ثغر ليل مُعتزة بذلك الإطراء على زوجها و حبيبها، لكن تلاشت إبتسامتها فورًا عندما تابعت تلك السيدة بحرارةٍ إستشعرتها من حروف كلماتها:
- ده كفاية بس تبصيله كدا ولا تقعدي جوا شوية، طب أنا أراهنك إن ما قولتيلي نيجي تاني و تالت و رابع كمان!
إنتفخت أوداج المسكينة تستند بظهرها للخلف كاتمة رغبتها في إقتلاع خصلة خصلة من فروة رأسها علّها تتعظ، ردت صديقتها المدعوة رحاب عليها تقول بإستفسار:
- هو حلو أوي كدا يعني؟
قالت الأخيرة بمكر:
- حلو بس؟ ده مُز يخربيته! والله الواحد بيحقد على مراته و في الآخر هتلاقيها شبه الضُفدعة!
شهقت ليل و لم تستطع كبت غضبها فـ نهضت منتفضة تصرخ بالإثنتين:
- إنتوا الإتنين محتاجين تتربوا والله! أنا صعبان عليا رجالتكوا!
- مالها دي!
نطقت واحدة منهم بحدة، أسرعت هبة تتدخل قائلة بنبرة مهتزة:
- إهدي بس يا مدام ليل .. دي مرات دكتور ريان الشافعي مينفعش حضرتك تتكلمي معاها كدا!
- مراته!
هتفتا مصدومتان، فـ طالعت ليل هبة و قالت بضيق:
- الإتنين دول تلغيلهم الحجز .. مش هيدخلوا!
هتفت هبة بتردد:
- مش هقدر أعمل كدا من نفسي يا مدام ليل .. لازم الدوك اللي يقولي!
قالت تلك التي بدأت الأمر من بدايته بـ فظاظةٍ:
- إيه اللي إنتِ بتقوليه ده .. إحنا حاجزين بفلوسنا يعني مش هتجَبي علينا!
- إنتِ مش محترمة!
قالتها ليل و هي بالكاد تمنع نفسها من الإنقضاض عليها، نهضت الأخيرة على أهُبة الإستعداد أن تنقض عليها فـ قد حمل قلبها ضيقًا منها فورما علمت أنها زوجته، لكن قاطع تلك المصارعة التي أوشكت على البِدء خروج ريان الذي ما إن إنفتح باب الغرفة و خرجت المريضة التي كانت تتابع معه حتى سمع تلك الضجة، مما جعله يخرج و الغضب يتقافز في عيناه لكن تبدل الغضب بـ دهشة عندما تجد زوجته و بدهشة أكبر عندما وجد الحجاب يُخفي خصلاتها، إبتسم و نادى عليها يمد كفُه لها:
- لـيل! تعالي!
نظرت ليل إليها بضيق و أسرع لزوجها تمسك بكفه، حاوط كتفها يضمها له موجهًا حديثه إلى هبة ناطقًا بجدية:
- إيه اللي حصل يا هبة!
هتفت هبة بهدوء:
- المدام و صاحبتها تقريبًا دايقوا مدام ليل فـ قالتلي ألغي الحجز .. لكن أنا يعني مقدرش أعمل كدا من نفسي!
قطبت حاجبيه ينظر للسيدتان قائلًا بذات الجدية:
- تمام .. إعملي اللي مراتي قالتلك عليه!
طالعته ليل بصدمةٍ قد إختلطت ببسمةٍ من عيناها، فـ آنصرفت السيدتان بعدما أخذا أموالهن يتمتما بضيق شديد، بينما سحب هو كفها يُدلفها معه الغرفة و يغلق الباب عليهم، إنساب بكفيه بتلقائيةٍ تامة على حجابها ليحاوط وجنتيها و قد لمعت عيناه من شدة سعادته، يُغمغم بإبتسامةٍ:
- طب إيه؟ .. إيه حلاوتك دي؟
إبتسمت و حاوط عنقه تقول بغنجٍ و كأنها مختلفة تمامًا عن تلك التي كانت على وشك الإنقضاض على فتاة أدبت إعجابها بزوجها:
- حلو عليا بجد؟
قبّل رأسها يضمها لصدره قائلًا بحنوٍ:
- يجنن يا حبيبتي
- مبسوط؟
- طاير!
إبتسمت تُريح رأسها على صدره، تُغمغم بصوتها المُحب:
- أنا بحبك أوي!
- و أنا بحبك أوي أوي
قال يضمها لصدره، فـ رفعت رأسها له تقول بحرجٍ:
- مش هتسألني على اللي حصل برا؟
قبّل جبينها بحنوٍ يُغمغم:
- أكيد حاجة كبيرة و دايقتك .. حصل إيه يا حبيبتي؟
قطبت حاجبيها بضيق فور تذكُر الأمر تقول:
- في إتنين برا كانوا عمالين يعاكسوك و ميعرفوش إني مراتك .. و إنت عارف إني بغير عليك!
تعالت ضحكاته فـ كوّرت كفها تضربه على صدره ليتآوه واصعًا كفه على صدره:
- إنتِ بقيتي عنيفة أوي
هتفت و قد إحتدت عيناها بشراسةٍ:
- أنا مقدرش أستحمل حد يقول عليك كلمة قدامي أو يعاكسك .. أنا مش فاهمة الشغلانة اللي كلها نسوان دي!
ضحك يحاوط خصرها ولازال ينظر لوجهها المنير في حجابها، يقول و عيناه قد برقَت حُبًا:
- النسوان فـ حتة .. و النتاية بتاعتي فـ حتة تانية!
شهقت على كلمته ثم إنفجرت ضحكًا قائلة:
- نتاية! إنت دكتور بيئة أوي!
- أنا بيئة موت!
هتف مبتسمًا يقرص وجنتيها، فـ تنحنحت تقول و هي تجذبه من كفه قائلة بهدوء:
- طب تعالى عايزة أقولك على حاجة عشان معطلكش الستات برا هيتجننوا و يدخلوا!
ضحك يتحرك معها، جلس على الأريكة و أسرعت هي تجلب الأكياس و تجلس أمامه، ترقرقت الدمعات في عيناها تقول و هي تُخرج العُلبة:
- أنا بحبك أوي .. و لو كنت أول مرة مترددة، فـ أنا دلوقتي مبسوطة أوي إنه موجود!
- مش فاهم
قال و هو يتابع بعيناه ما تُخرجه من الحقيبة، إخرجت العلبة و فتحتها تخرج منها الجوارب و تضعهما في راحة كفه قائلة و هي تشعر بدمعات لهيبية:
- في نونّة!
إتسعت إبتسامته يحدق في الجوارب الصغيرة، قبض عليهما و كأنهما أغلى ما يملك، يحاوط وجنتيها بكفه الآخر مغمغمًا:
- مش خايفة يعني يا حبيبتي؟
أسرعت تقول بلهفة تقترب منه:
- لا خلاص .. مش خايفة .. أنا عايزاه أوي حاسة إني عايزة أجيبه دلوقتي
ضحك ريان يلتقط شفتيها في قبلةٍ شغوفة مغمغمًا:
- حماس البدايات اللي عندك ده! إنتِ حياتي والله!
إبتسمت قائلة:
- و إنت كمان .. إنت و هو حياتي!
- مين الأول؟!
قال محذرًا إياها و هو يقرص أنفها، فـ غمغمت بإبتسامة:
- إنت يا حبيبي طبعًا
- كدابة .. لما ييجي هتنسيني!
قال بشرودٍ، فـ مسحت بأنفها فوق عنقه تحاوط خصره قائلة بلُطفٍ:
- إنت هتفضل حبيبي .. مافيش حاجة هتغيّر ده!