
رواية هوس الريان الفصل الثاني والثلاثون32 بقلم ساره الحلفاوي
وصل إلى مقر الحادث .. لا يعلم كيف قادته قدميه إلى هُناك، كان مُبعثَر، مُشتت و لا يستطيع أن يجمع حروف لـ كلمة واحدة، بحث عنها كالمجنون و العرق يتصبب من فوق جبينه و كامل جسدُه، أنفاسُه مُتلاحقة و شفتيه قد جفّت، وجدها بالسيارة المنقلبة على جنبها، عاجزين عن إخراجها، نظر للمرء حولها بتيهٍ، يُردد و هو يدنو منها يجذبها ذراعها:
– لـيـل
بدأ بجذب ذراعها من النافذة المتحطمة، إنهمرت دمعاته بعدما وجد ذراعها بارد كالثلج، جذبها بكل قوته عله يُخرجها، حاول مرة و مرتان و ثلاث حتى خرج نصفها و الآخرين حاولون مساعدته في إعادة السيارة لوضعها بينما يردد هو و الذعر تملّك قلبه:
– بالراحة .. بالراحة
فورمًا أُعتُدلت السيارة حتى أسرع هو يفتح الباب و يجذبها لأحضانه يحملها، أسرعت سيارة الإسعاف في تقريب فراش له فـ وضعها عليه و جسده يرتجف فورما وجدها على هذه الحالة، الدماء قد خفت نصف وجهها، و جسدها بالكامل مجروح، إختبر أنفاسها فـ وجدها شعيفة للغاية جلس جوار فراشها الموضوع داخل سيارة الإسعاف، جلس على الأرضية كالشريد، ممسك بكفها المجروح يقبله و يضعه داخل أحضانه، لا ينظر لوجهها .. إن ناظره لربما يجهش في البكاء، وضعت الممرضة جهاز الأوكسجين، و كما توقع وجد بقعة صغيرة من الدماء على بنطالها بين فخذيها، صغيرُه! إزداد نحيط قلبه و تردد البكاء داخل صدره دون أن يخرج، عاد برأسه للخلف يناجي ربه، يُقبل كفها المغطى بالدماء و يضمه له فـ باتت ثيابه مخضّبة، وصلوا للمشفى، فـ راقبهم و هم يجرون الفراش إلى الطوارئ، كان أشبه بالتائه لا يعلم أين يذهب و لأي مكانٍ سينتمي من بعدها، جلس على الأرض و حالته باتت يُرثى لها، رفض الجلوس على المقعد .. كيف يجلس و يستقيم و هي بالداخل الله وحده يعلم ما بها، حتى تلك الإستقامة هي لا تستطيع أن تفعلها، أدمعت عيناه بعدما تجسدت صورتها أمامه على تلك الحالة، كانت بمظهرٍ لا تُحسد عليه، قطب حاجبيه يُردد:
– يارب إحفظهالي .. يارب إحميها أنا ماليش غيرها، أنا آسف يارب لو كنت عملت أي حاجة وحشة في حياتي .. إنتقم فيا يارب و أنا راضي بس بلاش فيها .. مش هستحمل فيها حاجة
قاطع حديثه الرَوحي دلوف رجال الشرطة، حاول أن يتحلّى بالقوة لينهض واثبًا بصلابة و كأنه ليس نفس الشخص الذي كانت الأرض تحتضنه قبل ثوان، وقف أمامه سيف صديقُه الضابط يقول و هو يضرب على كتفه كحركةٍ رجوليةٍ يتداولها الرجال:
– ألف سلامة عليها يا صاحبي .. متقلقش إحنا مش هنكست و هنجيب اللي عمل كدا!
مسح على عيناه بإرهاقٍ قائلًا:
– تقوم هي بس بالسلامة و أنا والله م هرحم حد!
تنهد سيف يقول بهدوء:
– إهدى بس يا ريان .. ده شغلنا إحنا، أنا دلوقتي عايز أفتح المحضر و عايز أعرف لو شاكك في حد بعينُه!
صمتت قليلًا ينظر في نقطة بعيدة، شرد مُفكرًا مع ذاته .. إن كانت إسراء بالسجن مع سيف .. فمن الذي سيفعل دونهما .. سُهير!
جحظ بعيناه و هو ينظى لسيف و كأنه أدرك هذا الأمر، ليقول بحدةٍ:
– سُهير .. عمتي مافيش غيرها! أنا متأكد إن هي اللي هتعمل كدا عشان تنتقم مني بعد م دخلت ولادها الإتنين السجن!
قال صديقه سيف بهدوء:
– طيب تمام .. إديني عنوانها و هنجيبها القسم نحقق معاها!
مسح على وجهه من هذا الإستنتاج المؤلم، لا يتخيل أن تؤذيه عمته في زوجته و طفله في الوقت ذاته، بدأ يُمليه العنوان بصوتٍ خاوي و قلبٍ قد تحجّر، هاتفته والدته التي لم تكن تعلم شيئًا فـ أسرعت هي و أبيه إلى المشفى يواسوه، لازالت الطبيبة لم تخرج، ليست طبيبة فقط بل كانوا مجموعة من الطبيبات المشرفات على حالتها وسط ضربات قلبه التي في تسارُع منذ أن رآها على تلك الحالة، هو لا يتخيل حياته دونها، ولا يعلم إن أُصيبت بمكروه ماذا سيفعل و كيف سيعيش
كانت دليلة تصلي و تدعو لها، بينما جلس عصام جوار ريان يضرب على ركبته و يقول بهدوء:
– متعملش كدا في نفسك يابني .. بإذن الله هتبقى كويسة
صمت ريان يحدق بـ سقف المشفى الكئيب و رأسه عائدة للخلف، فـ تابع عصام يناظره:
– يآآآآه يا ريان .. بتحبها أوي كدا؟ ده أنا عمري ما شوفتك بالحالة دي، للدرجة دي خايف عليها يابني، الحب ده حاجة مش مفهومة .. أحاسيس داخلة فـ بعض م بين بتحبه .. خايف عليه و خايف على نفسك عشان خايف منه، إحساس كدا بيكتب على صاحبُه يكون مربوط بـ بني آدم تاني عمره كله .. يزعل على زعله و يتعب على تعبُه، كإنكوا واحد مش إتنين، أنا أصلي عشت عمري كله بحب دليلة أمك .. مبقدرش أتخيل إني أفضل عايش لو هي جرالها حاجة، بحس إن في حاجة كدا غلط لو هي مش جنبي..
نظر له ريان يبتسم ساخرًا و يقول بمرارة:
– الحب بيذل .. أنا من ساعة م شوفتها كدا و أنا عايز أنام ع الأرض و أعيط زي العيل الصغير .. حاسس إني هتجنن
قال عصام بهدوء:
– صدقني إن شاء الله هترجعلك أحسن من الأول .. ده الدكاترة مرعوبين منك أساسًا .. بتهدد الدكاترة يا ريان
إنتفض ريان بغضب يقول:
– لو جرالها حاجة مش هيكفيني فيها عمرهم كله
تنهد عصام يقول بإبتسامة:
– طيب إهدى بس .. إهدى عشان تعدي على خير
خرجت طبيبة من الداخل فـ أسرع لها ريان يقول بلهفةٍ:
– ها .. عاملة إيه؟؟
قال الطبيبة بتعبٍ:
– الحمدلله عدينا مرحلة الخطر .. كان عندها نزيف داخلي قدرنا نسيطر عليها .. شوية كدمات و جروح كدا هتتعالج مع الوقت بإذن الله .. و البيبي نزل طبعًا!
قالت و كأن الأمر متوقعًا، فـ هتف ريان بمرارةٍ:
– يعني هي كويسة؟
أومأت له تقول:
– هي هتبقى كويسة إن شاء الله، هننقلها أوضة عادية و هناك حضرتك تقدر تطمن عليها
أومأ لها ريان و عاد يجلس منتظرًا خروجها على أحر من الجمر، تجمعت العيلة حولها عندما خرجت و كانت لازالت مغيبة عن الواقع، و كان هو في مقدمتهم، ذهب خلف التروللي مُنجرًا وراءه، لا يريد أن يواجهها، و لا يُريدها تستفيق دون أن تراه، إلتفت إلى عصام و دليلة و هم داخل الغرفة، يقول بملامحٍ قد إستوحشت:
– أختك يا حاج اللي عملت فيها كدا .. أنا لسه مش فـ إيدي دليل بس أنا متأكد زي مـ أنا شايفكوا قدامي كدا! و قسمًا بربي لو طلع حقيقي لهطربق الدنيا فوق دماغي و ما هعمل حساب صلة دم أبـــدًا!
هتفت دليلة مصدومة و هي تنظر لعصام:
– هي سُهير ممكن تعمل كدا يا حاج بجد؟!
هتف عصام بتعبٍ:
– أنا قرفت منها يا دليلة .. متسألينيش!
تركهم ريان و جلس على الفراش جوار زوجته يُقبل كفها و يمسح على وجنتها الشاحبة و قد رقّت عيناه فورما وقعت عليها و هي على تلك الحالة، بينما أخذت دليلة عصام و خرجا ليتركاهما يتناقشا في أمر سُهير، إقترب منها هو أكثر يميل على كفيها و يقبلهما واحدًا تلو الأخر يسند جبينه عليهما يُغمغم:
– اللهم لك الحمد .. رجعتيلي!
– ر .. ريان!
أسرع يرفع عيناه لها بلهفةٍ يمسح على خصلاتها و يقترب أكثر قائلًا ملهوفًا على صوتها متألمًا على مِحياها التي إنكمشت:
– روح ريان .. سامعاني يا حبيبتي؟
– آآآآآه
أطلقت تآوه متألمًا عندما حاولت النهوض فـ إنتفص قلبه يثبت كتفيها برفق بكفيه يقول و عيناه تتفرسها بقلقٍ:
– إرتاحي يا ليل متقوميش
نفت برأسها و قد أجهشت بالبكاء:
– ريان جسمي .. آآآه
إزدرد ريقه و قال و هو يمسح على خصلاتها:
– حبيبي أنا .. متتحركيش يا حبيبتي قوليلي عايزة إيه و أنا أعملهولك!
بكت أكثر و بالكاد رفعت كفها تضعه على معدتها و تناظرُه و كأنها تسأله بعيناها، فـ أمسك بكفها الموضوع على معدتها و قبل باطنه و مال يُقبل بطنها قبلة تلو الأخرى قائلًا بحنان ينظر لها:
– هنجيب بداله تلاتة يا حبيبتي .. فكري في نفسك دلوقتي بس!
وضعت كفها على مسند الرقبة الملفوف حول عنقها تبكي أكثر بطريقة جعلت قلبه ينفطر، أسند مرفق ذراعه جوار رأسها و مال يُقبل وجنتها و شفتيها قبلات خفيفة يواسيها بهم قائلًا بحنوٍ:
– ممكن كفاية عياط عشان ههريكٍ بوس هنا في المستشفى و محدش هيعرف يمنعني
كان يحاول جاهدًا أو يبدل بكائها بضحكاتٍ لكن خاب أمله عندما باتت و كأنها لم تسمعه، نظرت له بعيناها الدامعة و كم تمنى لو بإستطاعته تقبيل داخل عيناها و ليست جفونها فقط، تحركت شفتيها تُتمتم و هي تنظر له بأعين لمعت بالعبرات:
– أنا تعبت أوي .. أنا ليه بيحصل فيا كدا؟
تنهد و ثبّت أنفه على أنفها و هو يأخذ أنفاسه في رئتيه يقول:
– حقك عليا أنا .. مش هسكت والله و هجيبلك كل اللي آذوكِ تحت رجليكِ
همهمت و هي تنظر له:
– مش عايزة كل ده .. أنا عايزة أعيش في هدوء، الموضوع صعب أوي .. كدا؟
– نسافر؟
قالها بجديةٍ، فـ تنهدت تغمغم بألم:
– أيوا .. عايزة أمشي
– حاضر، هنمشي بس بردو مش قبل م أبهدل كل واحد فكّر ينزل دمعة من عينيكِ
قال مُقبلًا أعلى شفتيها، ثم تابع بمزاحٍ:
– البتاعة اللي على رقبتك دي مش مخلياني عارف أبوسها!
إبتسمت رغمًا عنها فـ قال و هو يرفع رأسه لأعلى:
– آآآه على الضحكة اللي إفتكرت إني هتحرم منها، يا شيخة أعمل فيكِ إيه .. بموت في أهلك كدا لــيـه
إبتسمت و ضحكت أكثر لتعود متآوهة:
– آآه متضحكنيش يا ريان جسمي واجعني
تحولت عيناه من المرح للإهتمام يقول و هو ينظر لجسدها:
– قوليلي فين واجعك بالظبط عشان أقول للدكاترة اللي برا دول
هتفت ببراءة و هي تنظر لجسدها:
-رجلي و آآ ..
قاطعها عندما وضح كفه على ساقها برفق يتأكد:
– هنا كدا؟
قالت مسرعة:
– آه هنا واجعني أوي
إعتدل في جلسته يميل ليُقبل أسفل ركبتيها كما أشارت، فـ شهقت تقول بخضةٍ من فعلته:
– ريان!
– ششش فين تاني يا قلب ريان!
قال و هو مبتسم، فـ خجلت تُردف:
– خلاص يا حبيبي مافيش حاجة
مال يطبع بشفتيه على فخذها فـ إرتجف جسدها تضع كفها على خصلاته:
– ريان إحنا في المستشفى!
قال يناظرها بخبثٍ مُحبب إليها:
– يا حبيبتي هو أنا عملت حاجة .. ده أنا ببوس الواوا!
ضحكت رغمًا عنها تتشبث بقميصه ليقترب منها مُقبلًا أرنبة أنفها يغمز لها:
– كفاية عشان أكتر من كدا هيبلغوا عنّا!
– أنا بقول كدا بردو
قال و هي تنظر له بعشقٍ، تغمغم و هي تمسح على وحهه بيدها الضعيفة:
– أنا مش عارفة أنا معاك ليه لحد دلوقتي! أنا كل المرمطة اللي بتحصلي دي بسببك يا دوك!
مرّ بـ إبهامه على شفتيها يُغمغم بحُب:
– أنا مش هسمحلك تبعدي أصلًا .. و ما عاش ولا كان اللي يمرمطك وأنا موجود يا حبيبتي!
تنهدت تضع كفها فوق كفه تقول بحزن:
– كان نفسي في البيبي ده .. كنت بدأت أفرح بيه يا ريان
قال بجدية:
– طب والله لولا إنك متكسرة كنا جيبنا واحد حالًا
– ريان إنت قليل الأدب يا حبيبي
قالت تقرُص ذقنه، فـ قال غامزًا لها بمكرٍ:
– يا حبيبتي م أنا عارف ده أنا سافل أصلًا
إبتسمت تنظر له بحب، لتعود قائلة بحيرة:
– هنخرج من هنا إمتى؟
– مش دلوقتي خالص .. .لما تبقي كويسة!
قال يعود بخصلاتها للخلف بكفُه، سألته بلهفةٍ:
– هو السواق آآ
صمتت عندما وجدت محياه إنكمشت بحزن:
– مات للأسف على طول .. عشان كدا أنا كنت هتجنن م الخوف عليكِ
إزدردت ريقها تتمتم بأسف و هي تسبل عيناها:
– الله يرحمه
عادت تناظره تقول بألمٍ تتذكر ذلك الموقف المريع:
– أنا شوفت الموت بعنيا يا ريان .. والله أنا شريط حياتي كله جري قدامي في اللحظة دي .. فكرت في إني لسه مش جاهزة أقابل ربنا .. أنا لسه متحجبتش و لسه بقطّع في الصلاة .. أنا مخوفنيش الموت على أد م خوفت من إني هقوله إيه؟ أنا للحظة حسيت إني وحشة أوي!
صمت يحثها بعيناها على المتابعة، فـ أكملت و هي تحاوط وجهه:
– عايزة أتحجب أول م أطله من هنا .. هنصلي وقت بوقته مع بعض، الحياة قصيرة أوي يا ريان!
قبّل باطن كفها يقول بحنوٍ:
– حاضر يا حبيبتي .. هنعمل كل ده
تنهدت تقول و هي تنظر حولها ببطء:
– ماما و بابا مجوش!
لم تكد تنهي جملتها حتى طُرق الباب و دلفت دليلة و معها عصام فـ إبتسمت لهما ليل، أسرعت دليل لها تعانقها بحذرٍ و هي على مشارف البكاء و قال عصام و هو يمسد على كتف ريان و كأنه يطمئنه أنها عادت:
– ألف حمدلله على سلامتك يا حبيبتي .. كنا هنتجنن عليكي!
إبتسمت ليل تقول و هي تربت على كف دليلة:
– الحمدلله ..
تمتم ريان مثلها يحمد ربه، جلسوا معها لبعضٍ من الوقت حتى قال ريان بهدوءٍ:
– هخلي حد من السوساقين يوصلكوا يا أمي .. و هخليه يتأكل من الفرامل!
قال ينظر لعصامٍ بنظرات ذات نغزى، فـ قال عصام بهدوء:
– صدقني يابني لو طلعت هي أنا اللي هقفلها و هخليك تتصرف معاها زي م إنت عايز إن شالله تسجنها!
تنهد الأخير قائلًا:
– ده اللي هيحصل!
قطبت ليل حاجبيها بعدم فهم، فـ إنتظرت خروجهما و نظرت إلى ريان تقول مستفسرة:
– ريان .. قصدكوا على مين!
– سُهير!
قال بنزقٍ، فـ رفعت حاجبيها تقول شاردة:
– تفتكر؟
– أنا مُتأكد!
قال موقنًا، فـ هدرت بحدة:
– أنا مش فاهمة هُما عـايزين مني إيـه آآه!
تألمت من الحدة التي تلبّستها فجأة فـ قال بحدة هو الآخر:
– إتهدي و إهدي إحنا ملصّمينك بالعافية! ملكيش دعوة إنتِ أنا هتصرف!
نظرت له بحزن تقول و هي تزم شفتيها كالأطفال:
– طب أنا محتاجة أدخل الحمام دلوقتي!
نهض ينظر لحالتها بحيرة قائلًا:
– أنا خايف أشيلك فـ أتغابى عليكي ولا حاجة تتكسري فـ إيدي!
– طب إندهلي ممرضة!
قالت متوجسه منه، لتجده إنتفض يقول بحدة:
– لا
قالت مُسرعة:
– ريان دي بنبت .. مش وقته!
هتف بحدة:
– بس يا بت!
– بت!
قالت ترفع حاجبيها، فـ مال عليها يقول بقلق:
– أصبري بقى أنا مقلّق أصلًا
– بالراحة بالله عليك!
قالت برُعب و هي تحاول رفع كفيها لتضعهم على كتفها، حملها برفقٍ فـ أنّت بألم تمتم:
– ضهري آآه
هتف مُسرعًا:
– آسف يا حبيبي ..
دلف بها للمرحاض يفتح بقدمه، أنزلها برفقٍ يُتابع محياها و هو يقول:
– قادرة تقفي؟
نفت برأسها و هي على وشك البكاء:
– مش قادرة لا مش قادرة!
أسرع يهتف:
– طب متعيطيش إستني بس ..
مسحت عيناها تراه يسندها بكفٍ واحد مقربًا إياها من صدره، أغلق الباب خلفه و نزع عنها ثياب المشفى فـ بقيت عارية تمامًا لتمتم بحرجٍ:
– يا ريان..
قال بجدية:
– إستني مش وقت كسوف خــالـص!
لم يكُن يتخيل يومًا أنا يفعلها .. ريان الذي يتقزز من أبسط الأشياء .. بل و يشعر بالإشمئزاز لدرجة تجعله ينهض إذا جاور أحدًا مُتعرق و رائحته ظاهرة، لم يكن يتخيل أنها ستُبدله لدرجة تجعله في موقف كهذا يتصرف بتلك الطريقة و من دون شعورً صغيرًا بالإشمئزاز منها، كيف له أن يشعر بأنها إبنته لتلك الدرجة .. كيف سيحب إبنته الحقيقية أكثر منها، إبتسم على تفكيرُه و قال شاردًا:
– هقول لبنتي إزاي إني عندي بنت تانية و بحبها أكتر من أي حاجة في الدنيا
إبتسمت فـ أكمل الإجراءات لتشهق مُدركة وضعها:
– ريان .. مافيش هدوم ليا هنا .. و أكيد الهدوم بتاعت الحادثة إتقطّعت!
حرر أزرار قميصه و قال بهدوءٍ:
– إلبسي قميصي و أنا هخلي أمي تبعت حد بهدوم ليا و ليكي
نظرت لقميصه الملطخ ببعض من الدماء قائلة بتأثُر:
– ده دمي!
تنهد لا يريد تذكر تلك اللحظات، ألبسها قميصُه و أحكم الأزرار عليها ثم مال يحملها بمنتهى الحذر، وضعها على الفراش بذات الحذر يقول و هو يلس جوغرها مغلغلًا أنامله في خصلاتها:
– تحبي تنامي شوية؟
أومأت له بإرهاقٍ، فـ تنهد قائلًا بهدوء:
– طيب يا حبيبتي نامي .. و أنا هروح أجيبلك أنا الهدوم و هجيبلك أكل
أسرعت تتشبث بكفُه قائلة برجاء:
– لا متسبنيش .. أنا ببقى خايفة أوي لما بتمشي!
قال بلُطفٍ:
– متخافيش يا حبيبتي، هحطلك حراسة على باب الأوضة
– لالا مش عايزة حراسة، أنا عايزاك جنبي .. متسبنيش
أمسك بكفها يُقبله مهاودًا إياها:
– حاضر يا حبيبتي، أنا معاكي أهو
ظل جوارها يمسد على خصلاتها تارة و يقبلهم تارة أخرى حتى نامت فورًا، لينهض من جوارها يهاتف طاقم من الحراسة خاص به، إنتظر حتى مجيئهم ينبه عليهم ألا يتركون باب غرفتها و أخذ من أحدهم قميص ليستر به جزعه العلوي، خرج من المشفى متجهًا للقصر الماكث به مع عيلته ليجلب أكبر قدر من الثياب لهما، دلف و هو يبحث عن والدته و أبيه، لم يجد أبيه فـ صعد لـ جناحهما حتى يطمئن على دليلة قبل الذهاب لجناحه و تجهيز ثيابه، طرق على الباب لكن لم يسمع ردها فـ توقع أنها قد تكون نامت، فتح الباب برفقٍ يبحث عنها بعيناه و يا ليته، ليته لم يأتي بالأساس، وجدها تُبحر في دماءها على الأرضية مُلقاء بإهمالٍ و سكين مُنغرس في معدتها دون رحمة، إتسعت عيناه و توقفت أنفاسه في حلقه، دنى منها يغمض عيناه و يفتحهما عله يكون في كابوسٍ مريع و ليس في واقعه، حتى أنه نظر حوله عله قد يكون أخطأ في البيت، أو الحناح، جنّ جنونه و هو يهرول عليها ممسكًأ بـ وجهها يتمتم دون وعي:
– أمي .. ماما!
تدحرجت عيناه لموضع غرس السكين يضع يده فوقه دون وعي ينظر لكفيه صائحًا كالطير الجريح:
– أمـــــــي!!!