رواية حتي يجمعنا القدر بقلم رشا روميه
رواية حتي يجمعنا القدر الفصل الرابع والعشرون24 بقلم رشا روميه
«مؤشر أحمر»
نسير ونتعثر ببعض الأحيان ونظن أن ذلك التعثر مجرد أمر تلقائي عبثي نمر به وينتهي، لكن ما لا ندركه أن هذا التعثر ما كان سوى مؤشر للتنبيه، يومض ليحذرنا من موطئ خطواتنا القادمة، مجرد إبرة للبوصلة تتوهج بلونها الأحمر تنتظر أن تتجه نحو الطريق الصحيح، مؤشر ينذر بالخطر حين تغفل عن رؤيته.
مخطئ من يرى الخطر هو الصراع بين الحق والباطل، بل الخطر هو عدم التفرقة بينهما، فيجب عليك أن تنظر لبوصلة هدايتك حتى ترى مؤشرها الأحمر الذي يطلق تحذيرًا صامتًا، يتوهج بلونها الأحمر كـ لون الدماء فوق خريطتك البيضاء.
كل خطوة محسوبة، فنحن نسير بقدر مكتوب وليس مرورًا عابرًا، إنتبه وإستفق من غفلتك، إبحث عن المؤشر الأحمر لتحذر من الخطر، وإتخذ من عثراتك قوة، فلا شئ عشوائي ولا أنت مخير.
رشا روميه
❈-❈-❈ــ
ناقوس خطر يدق كأصوات إستغاثة، تؤشر بتوهج ينتظر من يدرك ويفطن للخطر الذي يكمن بمنابعه، لكن الغفلة تُخفي رؤية إرتفاع مؤشر الخطر ويتغاضى عن أسبابه.
بيت عائلة مكاوي (شقة زاهر)...
تعالت صيحات "فردوس" تنبه الجميع بطلبها للمساعدة، بقلب قلق وأنفاس متحشرجة أخذت تصيح:
- لا حول ولا قوة إلا بالله، إلحقوني يا ناس.
كلمات مؤلمة متخوفة، وقعت بمسامع "جميلة" كأنغام طرب، تعالت دقات قلبها فرحًا وإتسعت إبتسامتها لتسحب باب شقتها من خلفها مسرعة نحو شقة والدا زوجها لتتمتع برؤية نجاح محاولتها وخلاصها من "زهرة".
تقدمت لداخل الشقة ذات الباب المفتوح بإندفاع لتتيبس قدميها بموضعهما وتقف كتمثال من حجر وقد قُتلت الكلمات بحنجرتها، إتسعت عيناها بصدمة فغرت لها فاها بقوة غير مصدقة لما تراه عيناها.
بقلم رشا روميه
إحتدت مقلتيها بعد لحظات تود أن تصرخ بهم جميعًا، فلا أحد يشعر بمقدار الحميم بداخل بركانها الثائر الآن، توهج وجه "جميلة" بحمرة غيظ وغضب شديد وإرتفع مؤشر إحساسها بالخطر الذي لم ولن ينتهى بهذه السهولة.
إبتلعت ريقها وهي تحاول تهدئة نفسها المحترقة حين وقعت عيناها على "زهرة" تجلس بمقعد "فردوس" بأعين زائغة ووجه شاحب، أقبلت "فردوس" بكوب ممتلئ بالحليب تمسكه بيدها وقد إقتطب وجهها بضيق وتخوف معًا لتنهر "زهرة" بتخوف:
- كده برضه يا بنتي، هي يعني قلة أكلك دي حتنفع بحاجه، يلا إشربي كوباية اللبن دي كلها.
مدت "زهرة" كفها ببطء لتمسك بكوب الحليب إنصياعًا لطلب "فردوس" ثم إرتشفت منه القليل تحت أعين "جميلة" المندهشة، بالكاد أغلقت فمها المفغور وهي تكز بأسنانها فوق شفتيها بغيظ محدثة نفسها:
- (هي لسه عايشه!!!! طب إزاي، إزاي؟!!!! أمال مرات عمي كانت بتصوت ليه؟)
ورغم غيظها الشديد إلا أنها تمالكت نفسها تريد أن تفهم كيف حدث هذا لتهتف بنبرة قلقة بسبب صراخ "فردوس" منذ قليل:
- مالكم، إيه إللي حصل، فيه إيه يا مرات عمي؟
مصمصت "فردوس" شفتيها بإشفاق على حال "زهرة" قائلة:
- إسكتِ يا "جميلة"، مش "زهرة" وقعت من طولها من كتر التعب وقلة الأكل وأغمى عليها يا عيني.
رفعت "جميلة" أنفها بإستنكار مرددة:
- قلة الأكل!!
عادت "فردوس" تربت على كتف "زهرة" الشاحبة بحنان وتأثر لما أصابها من ضعف:
- أه والله، لازم ناخد بالنا منها شويه اليومين دول، مينفعش نسيبها كده، كده بعد الشر يجرى لها حاجه.
غمغمت "جميلة" بغيظ بداخلها:
- (يا ريت، وتبقى جت من عند ربنا والله).
أخذت تفرك كفيها بعضهما ببعض تنفث بهم غضبها وفشل خطتها المحكمة، لكن ذلك المؤشر الذي يثور برأسها ينذر بالخطر، فقد وصل ذروته وإشتعلت خطوطه الحمراء، عليها التخلص منها مهما كلفها الأمر، فإن نجت اليوم فهناك محاولات أخرى عليها الترتيب لها لتحظى بنجاح لم تحظى به محاولتها الأولى.
بقلم رشا روميه
إنتبهت لصوت آت تجاههم من داخل الشقة ليسترعى هذا الصوت المتخوف قلقهم:
- أسترها من عندك يا رب، مش تاخدوا بالكم!!!
تطلعت ثلاثتهم لـ"زاهر" الذي تقدم نحوهم بوجه ظهر عليه الإستياء والفزع، حينما سألته "فردوس" عما حدث:
- خير يا حاج؟ فيه إيه تاني؟!
أشار "زاهر" تجاه الداخل قائلًا:
- أنا لقيت سلك الكهرباء واقع في المايه اللي في الحمام، كان ممكن حد يتأذى ويتكهرب لا قدر الله، الحمد لله اني شوفتها وأخدت بالي، كويس إنها جت على قد كده ولا حد من البنات إتأذى.
لم تنتبه "جميلة" مطلقًا بأن بناتها كان من الممكن أن يصابهن الأذى بدلًا من "زهرة"، زاغت عيناها بإضطراب خوفًا من أن يكتشف "زاهر" أن هذا الأمر مدبر وليس مجرد تصادف.
إرتجفت قليلًا لتتحدث بشكل طبيعي حتى لا يشكك أحدهم بها، هتفت بتفاجئ كاذب:
- معقول ده!!!! الحمد لله، ده أنا كنت لسه حالًا حروح أطلع الحافظه من المياه.
إستطاعت بلحظة أن تحول الإهتمام نحوها وأنها كان يمكن أن تكون هي من تؤذى من هذا الأمر، لكن "فردوس" شهقت بفزع:
- يا خبر!!! ده ربنا لطيف بعباده والله، دي كمان "زهرة" لولا تعبها وإنها أغمى عليها كان زمانها راحت تشيل الحافظه من المياه (ثم نظرت تجاه "زهرة" تتحمد الله على لطفه وكرمه) ده إنتِ إتكتبلك عمر جديد يا بنتي.
إلى متى سيظل صفاء النفوس وتصديق أن حُسن النوايا قائمًا؟ لم يتشكك أحدهم بأن لـ"جميلة" يد بهذا الأمر، ولم يخال بهم أن تكون كذلك، مؤشر أحمر يتوهج أمام أعينهم ينذر على الملأ بأن هناك من يحيك المكائد لكن صفاء النفوس والظن الحسن جعلهم لا ينتبهون لذلك.
إتسعت عينا "زهرة" المنهكة بذهول:
- فعلًا يا ماما، ربنا ستر، الحمد لله، الحمد لله.
بوجه مقتطب أخذ "زاهر" يحذرهم بقلب متألم:
- إبقوا خدوا بالكم بالله عليكم، إحنا مش ناقصين وجع قلب تاني.
- عندك حق يا حاج.
تنهد "زاهر" الذي لم يقوى بعد على نسيان حزنه وتجاوزه، ليستكمل بهدوء رخيم:
- حضري نفسك بعد بكره يا "أم محمود"، حنروح نزور قبر "أنور" ونقرا له الفاتحه.
تهدلت ملامحها بإنكسار، فأي ألم يماثل ألم فقدان الإبن، ثم أومأت "فردوس" برفق:
- حاضر، ربنا يرحمك برحمته يا إبني.
لم يترك بنفسها ما تتأثر بها لغيابه، لكن قلبها يرغمها على البقاء بإنسانية، لتعتدل "زهرة" وهي تتشدق نحوهما بنظراتها معقبة:
- أنا كمان عايزه آجي معاكم.
لمعت برأس "جميلة" فكرة جديدة، بل إشتعلت بتوهج هذه المرة، فإقتناص الفرص أصبحت فائقة به الآن، لتقاطع حديثهم موجهة حديثها لـ"زهرة" بنبرة محبة قلقة لم يتشكك أحد بها:
- لا طبعًا مينفعش، إزاي يا حبيبتي بس تروحي مشوار متعب زي ده وإنتِ تعبانه كده!! (ثم رفعت رأسها تحتاج موافقة لا يمكن ردها لتطلب من "زاهر" التدخل) ولا إنت رأيك إيه يا عمي؟
ليتنا نُصدُّق بكلمة ننطق بها تحمل معنى المحبة وهي بداخل القلوب على تمام النقيض، تأهبت "جميلة" لسماع رأي "زاهر" الذي يجب أن يوافق رأيها، وإن رفض الآن عليها البحث عما يقنعه بالعدول عن رأيه لتتماشي الأمور كما تأمل.
نظر "زاهر" تجاه تلك الواهنة، شاحبة الوجه يومئ بالإيجاب، فلا داعي لإرهاقها لأكثر من ذلك، ليردف بالموافقة:
- عندك حق يا "جميلة"، "زهرة" تعبانه ومتستحملش مشوار زي ده، بإذن الله يا بنتي الزيارة الجايه تكوني بقيتي كويسه وتيجي معانا.
أجابته "زهرة" بطواعية فهي بالفعل تشعر بالتعب:
- إن شاء الله.
لو كانت العيون تتراقص فرحًا، لكانت "جميلة" هي أول من تتمايل الآن، فيبدو أن القدر يمنحها فرصة جديدة لمحاولة ثانية لتعوض ما أفسده اليوم.
بالكاد "زهرة" أكملت شرب كوب الحليب كاملًا لتتجه نحو غرفتها لتبقى بها للراحة، وأيضًا للهرب، فما بقى على عودة "محمود" سوى القليل، وعليها تجنب لقاؤه حتى تنقضي أيام عدتها وترحل عن هنا، فرؤيته مؤشر أحمر ينذر بخطر السقوط بالخطيئة وخراب البيوت.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
مستشفى الهلال المركزي....
حين تتخذ طريقًا خاطئًا يمكنك أن تتراجع محاولًا العودة، فأن تعود نادمًا خير من أن تبقى بطريق مظلم، لكن حين تصل لنهاية هذا الطريق وتجاوزت المؤشرات الحمراء سترفع وقتها الرايات السوداء وتعلن الوقوع بالحظور، فليتك تيقظت من غفلتك حين رأيت مؤشرك الأحمر.
دلفت إحدى الممرضات لغرفة التمريض بوجه مستاء حين لاقتها رفيقتها "نهى" متسائلة بفضول:
-ها قوليلي بسرعه، عملوا إيه مع "مروة"؟
زفرت الفتاة بقوة وهي تسحب مقعدًا إلى جوار "نهى"، قبل أن تجيبها بإستياء بالغ:
- المدير حولها للنيابه ووقفوها عن العمل كمان، شكل الموضوع بجد، وهي "مروة" فعلًا إللي عملت كده.
سنوات مرت عليهم برفقة بعضهن البعض، يحزنون لما يزعجهن ويفرحن لما يفرحهن جميعًا، لم هذا التحول والأذى؟! أ لهذه الدرجة تتغير النفوس، أم أن شياطين الحقد تكمن بأنفسنا وتنتظر وقت لتخرج لتظهر حقيقتها البشعة!!!
عقبت "نهى" بتحسر:
- ليه بس يا "مروة" تعملي كده، ليه؟ دي "ليلى" مهما كان صاحبتنا، و حرام نأذي حد كده.
لوت الممرضة فمها ساخرة من سطحية رفيقتها:
- يعني مش عارفه "مروة" عملت كده ليه، غيره من "ليلى"، هى كانت دايمًا بتغير منها.
رفعت "نهى" حاجبيها بإندهاش:
- غيره!!!! دى كده تبقى مريضه والله، متعرفيش لو ثبت عليها الموضوع ده حيعملوا معاها إيه؟
- أكيد حيحكموا عليها، خصوصًا إن عم "عزت" إتأذى فعلًا.
حركت "نهى" رأسها بإدراك متأخر:
- تصدقي أنا دلوقتِ بس فهمت هي كانت متضايقه أوي كده ليه لما رحت أنا و"ليلى" نزورها، ربنا يكفينا شرها.
- أهي "ليلى" كمان ربنا حيعوضها بسفر البعثه ده، هي مكلمتكيش لما وصلت ألمانيا؟
تأهبت "نهى" إستعدادًا لعودتها للعمل وإنتهاء فترة الراحة:
- لأ، ولا بعتت ولا حاجه، أكيد مشغوله في باباها الأول، المهم، بلاش نقولها على موضوع "مروة"، هي مش ناقصه.
- على رأيك، يلا نكمل الشغل أحسن الدكتور ييجي ويبهدلنا على قاعدتنا دي.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
يتوهج اللون الأحمر سارقًا للعيون، فما بين تفاحة أسقطتها الجاذبية وبين جمر مشتعل فرق طمأنينة وسكون، فاختر دلالتك بنفسك، فكلاهما بنفس اللون، لكن شتان بين وقعهما بالنفس.
رشا روميه
ألمانيا (شقة نور)...
بعد وقت مر بإنتظار طلب الطعام الجاهز، جلس الصديقان يتجاذبان أطراف الحديث من هنا وهناك، فكم إشتاقا لبعضهما البعض، حتى وصل طعامها، رفع "كريم" حاجبيه بشقاوة:
- يلا إدعي للي حيأكلكم، الأكل وصل.
ضحك "نور" من دعابة "كريم" اللطيفة ليسرع بتلهف:
- طيب يلا بينا نطلع لهم على طول عشان ناكل سوا، و بالمره تتعرف عليهم.
- أتعرف، وماله.
صعدا للدور التالي وقد حملا معهما الطعام، دق "نور" جرس الباب ليقفا لبعض الوقت دون أن يفتح الباب، وبعد دقائق عدة فتح "عزت" الباب بوجه مرهق وعينان متعبتان.
بقلم رشا روميه
تطلع "نور" لبعض الوقت بـ"عزت" الذي لم يكن يتوقع أن يكون هو من يقابلهم، إبتسم بخفة ثم قال:
- مساء الخير يا عم "عزت"، ممكن نقعد معاكم شويه.
أشار "عزت" بترحيب نحو الداخل:
- إتفضلوا طبعًا.
أثناء حركتهم بدأ "نور" بتعريف "كريم" لـ"عزت":
- أعرفك يا عم "عزت"، ده الدكتور "كريم" إللي حكيت لحضرتك عنه، زميلي وصديقي وعشرة عمر.
بحفاوة شديدة قابله "عزت" ليرحب به مرة أخرى:
- أهلًا وسهلًا يا دكتور، والله تعبناك جدًا في سفرنا هنا.
تعامل "كريم" بطبعه الودود الإجتماعي ليتحدث مع "عزت" كما لو أنه يعرفه حق المعرفة من قبل:
- وده كلام برضه يا حجوج، ده إنت نورتنا، ألمانيا كلها وقفت على رجل من ساعة ما عرفوا إنك جيت.
إبتسم "عزت" بإعياء شديد متقبلًا مجاملته الظريفة:
- الله يعزك يا رب، دمك خفيف أوي يا دكتور "كريم".
وضع "نور" مغلف الطعام فوق الطاولة ليدعو "عزت" لتناوله معهم:
- يلا يا عم "عزت"، أكيد جوعتوا، إحنا جيبنا الغدا وقولنا نيجي نتغدا كلنا سوا.
نظر "عزت" للطعام وهو يشعر بغصة من داخله، فمنذ وقت ليس بالبعيد كان يتمنى تلك الوجبة المجانية ليلتهمها بشراهة ونفس متقبلة، لكن الآن ومع همه ومرضه، أصبح آخر ما يفكر به هو تناول الطعام، فحتى شهيته لا تقوى على ذلك.
نعمة لم يقدرها أصبح يشتهي أن يعود ولو ليوم واحد للماضي ليقدرها حق تقديرها ويشكر الله على صحة كان يتمتع بها، لم يشعر بقيمتها إلا وقت زوالها، تنهد بإبتسامة باهتة:
- تعبتوا نفسكوا ليه كده.
بنبرة مضطربة وأعين مشتتة تبحث عنها فقط تلعثم "نور" قائلًا:
- لا تعب ولا حاجه، يلا بسم الله، و....
صمت "نور" قليلًا فلا يريد التطفل، لكنه بالفعل يود لو تخرج لهم "ليلى" وتتناول معهم الطعام، إرتباك ملحوظ إستطاع "كريم" بفطنة فهم صاحبه وما يريد، لكنه تعجب من إرتباكه الشديد، هل يبعثر الحب النفس بهذه الدرجة، فحتى "نور" الواثق القوي أهتز لمجرد مكان جمعه بمن يحب؟!
لحقه "كريم" على الفور ينزع عنه الحرج ويتحدث بتلقائيته محققًا طلب "نور" الذي لم يطلبه بعد:
- طب إيه، مش تنادي بنتك يا عم "عزت" تاكل معانا ولا إيه؟
قالها "كريم" لينهي عبارته بغمزة خفية إنتبه لها "نور" ليجفل بعينيه إمتنانًا لإنقاذه له من شدة إضطرابه.
بقلم رشا روميه
أجاب "عزت" على الفور:
- أصلها تعبت أوي في السفريه دي وكانت عايزه تنام، يلا ملهاش نصيب، خليها دلوقتِ تنام وترتاح.
غيابها كضياع الحلم، أمر مؤلم ترك بنفسه ضيق وإحباط بالغ، لكنه إستطرد بتحسر:
- طيب إتفضل نتغدا يا عم "عزت"، ونبقى نشيل نصيبها بعد ما ترتاح.
- كتر خيرك يا إبني.
جلس "عزت" بالمقعد الأقرب للطاولة، بينما مال "كريم" هامسًا بأذن "نور" يشاكسه قليلًا:
- فلتت منك المره دي، كان نفسي أشوف الممرضه دي إللي لخبطت كيانك، بس ملحوقه الجايات أكتر من الرايحات.
كظم "نور" فوق أسنانه بقوة وهو ينظر نحو "عزت" خشية أن يكون قد إستمع لما قاله "كريم":
- إشش، إسكت مش وقته!!!!
تراقص حاجبي "كريم" بمشاكسة ماكرة وهو يجلس بأحد المقاعد ليتبعه "نور" بضيق من أفعاله الصبيانية، شرعوا بتناول الطعام وسط نظرات خاطفة بين الحين والآخر تجاه غرفة "ليلى"، لعل الحظ يحالفه ويري طلتها الخاطفة لأنفاسه إن إستيقظت.
لكن يبدو أن الحظ لم يكن حليف "نور" اليوم، فقد إستغرقت "ليلى" بنومها حتى نهاية زيارتهم لـ"عزت" ومغادرتهم للشقة ليتجهوا لشقة "نور" بالدور الأول.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
الآن فقط أدركت معنى الحرب الصامتة، أن تختنق الكلمات قبل خروجها، أن يكتب بيننا فراق قبل أن نُجمع معًا، حتى وإن كُتب البعد بين قلوبنا، فالشوق يدفعني لمراقبتك من بعيد، فما وقع بقلوبنا هو عشق الروح للروح، أمر مرغم ولا حيلة به.
رشا روميه
بيت عائلة مكاوي (شقة زاهر)...
عاد "محمود" بموعده تمامًا ليتناول مع والديه وزوجته طعام العشاء كما هم معتادون، لكن غير المعتاد هو تلك الحالة التي سيطرت على الجميع منذ وفاة "أنور"، حالة من الفتور والهدوء المؤلم، ربما كان سئ السلوك، ربما كان إبن أنهك نفوسهم وقواهم، لكنه يظل ولدهم الذي كسر قلوبهم حزنًا بفقده.
غيابه كما لو كان هناك شئ ما تغير بالبيت وأهله ولم يعد كما كان، الجميع شارد بأفكاره، صامت تمامًا حتى إنتهت وجبتهم.
وضعت "جميلة" أكواب الشاي برفق فوق المنضدة ثم جلست بأحد مقاعد غرفة المعيشة، أخذت تنظر لـ"محمود" الشارد تمامًا لا ينتبه لها ولا لوجودها.
ضيق حل بقلبه وهو يسأل نفسه عن تلك التي تتجنبه تمامًا، فمنذ وفاة "أنور" لم يقابل "زهرة" إلا مرة واحدة وكانت مصادفة لا أكثر، ليحدث نفسه بشرود:
- (هي قاصده تتجنبني، ولا هي أصلًا زعلانه وحابه تقعد مع نفسها، معقول تكون حبت "أنور" للدرجه دي؟!!)
ثم إنتبه لنفسه ينهرها عن هذا التفكير:
-( أنا بقول إيه وبفكر في إيه، حبته أو محبتهوش، مينفعش أبدًا أفكر كده، لازم زي ما هي بتبعد، أنا كمان أبعد، حتى لو غصب عني، كفايه لحد كده)
أعلت "جميلة" صوتها تنادي "محمود" بضيق:
- أوووف، يا "محمــــــــــــود"!!
إنتبه "محمود" لمنادتها له ليلتفت نحوها كمن يفيق من غفلة جميلة بواقع مزعج، لكنه رغم ذلك تحدث بهدوء:
- هاه، أيوه يا "جميلة"، عايزه حاجه؟
لوت فمها بنفور قائلة بتملل:
- بقولك أنا طالعه أنام، طالع معايا ولا قاعد؟ أنا تعبت وعايزه أرتاح.
حرك "محمود" رأسه بآلية مستجيبًا لها:
محمود: طالع اه، يلا بينا.
نظرت "جميلة" نحو طفلتيها المستغرقتان بالنوم، ثم أشارت لـ"محمود" بلهجة حادة:
- أنا مش حقدر أشيل البنات، هاتهم إنت، أنا طالعه.
دفع "محمود" الهواء بطرف أصابعه بلا إكتراث لها معقبًا:
- وهم من إمتى في بالك، إطلعي إطلعي، أنا حجيب البنات.
حمل إحداهن برفق بينما ساعدته والدته بحمل الأخرى، فهن كالعصافير الرقيقة خفيفة الوزن، إبتسم "محمود" بسمة مزيفة معهودة حتى كاد الجميع لا يفرقون بين بسمتِه الحقيقية وبين تلك التي تتعلق بثغرة طيلة الوقت ثم قال بهدوء:
- تصبحي على خير يا أمي، محتاجه مني حاجه؟
تطلعت "فردوس" بعينيه المنطفئة وروحه المكسورة لتتيقن أن هذه الإبتسامة ما هي إلا شكل بدون روح، لتجيبه بحنو:
- عايزاك طيب يا حبيبي، تصبح على خير.
تحرك "محمود" نحو الدرج ليصعد لشقته فيما يكبت بداخله هذا البركان الذي يخشى من إنفجاره يومًا، ربما كانت مشاعره المختلطة مؤشر واضح لعدم قدرته على التحمل، لكنه مازال يضغط بقوة حتى لا يحدث ذلك، فلن يهدم هذا البيت بسهولة، سيحاول قدر الإمكان وضع إستقرار حياة بناته أمام أعينه وعليه هو التحمل.
أغلقت "فردوس" باب شقتها مشفقة على ولدها الذي يحمل فوق طاقته ما لا يستطع حمله دون تذمر أو شكوى، لكنها تخوفت من أن يصل يومًا لذروة تحمله وينفجر بالوقت الخطأ.
ساعات قضتها "زهرة" حبيسة غرفتها كالعادة، تستطيع سماع أصوات حديثهم البسيطة، تجبر نفسها على البقاء بالظل عوضًا عن أن تضعف أمام قلبها، مدة قصيرة عليها تحملها لتنتهي علاقتها بهذا البيت وأصحابه وتبتعد تمامًا فهذا حكم القدر.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
صبرًا أيها القدر، فلتتمهل وتعطني وقتًا للراحة من بين ضرباتك المتكررة، أريد هدنة ألتقط بها أنفاسي.
رشا روميه
ألمانيا (شقة ليلى)...
بعد توم عميق إمتد لساعات حتى حل الليل، إستيقظت "ليلى" بإحساس متنعم لطيف، فالراحة فقط تكسب السعادة دون تفكير.
إنتبهت لطول الوقت الذي إستغرقته خلال نومها، أسرعت نحو الخارج لتمر بغرفة والدها تطمئن عليه، ليتقوس حاجباها بإشفاق على حالته وهو نائم يئن بألم.
دثرته جيدًا بغطائه ثم خرجت نحو غرفة المعيشة لتجد بعض الطعام فوق الطاولة، تفحصت محتوى اللفافة لتبتسم برفق، فرغم إحساسها بالجوع إلا أنها أدركت أن بالتأكيد "نور" هو من أرسل لهم هذا الطعام.
لملمت بسمتها لتنطلق بخطوات رشيقة نحو المرحاض أولًا لتتوضئ وتصلي ما فاتها وهي نائمة قبل أن تتناول هذا الطعام الشهي.
أمل جديد يفتح آفاق لم تكن تحسب لها حساب، فيبدو أن الطريق القادم يبشر بسعادة مختبئة بين جوانب الحياة قد إدخرها لها القدر، تنهدت بتفاؤل وسعادة تستعد لهدنة جديدة من عثرات حياتها المتكررة أخيرًا.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
مع بداية يوم جديد تتوق إليه الجميع بشوق، إنه بداية جديدة، وإحساس جديد، رسائل تبعث بالنفس مع بداية ساعات الصبح تخبرنا بأن القدر ربما يتبسم لنا هذه المرة، وإن لم يكن، فسيبتسم لنا يومًا فكل ما من عند الله خير.
رشا روميه
المستشفى الأهلية...
تتوقت "فرح" لبداية هذا اليوم، شعرت بحماس جعلها لم تغفو جيدًا بليلة الأمس، فاليوم سيحقق "سامح" وعده لها، اليوم سيقلها إلى السويس لتبحث عن أهلها.
إتفق معها "سامح" بالأمس بأنه سيتخذ اليوم عطلة ليصطحبها إلى مدينة السويس للبحث عن أهلها، وها هو اليوم قد جاء، جلست "فرح" بإستعداد تام لقدوم "سامح" بأية لحظة للخروج من المستشفى.
إستقل "سامح" سيارة "نور" وإنطلق نحو المستشفى حتى لا يتأخر على "فرح" ليساعدها اليوم بالبحث عن أهلها، فعليهم العودة بنفس الطريق الذي أتت منه لعل بهذا الطريق ما يغير النفوس.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
ألمانيا...
خرج "نور" من شقته مستكملًا مكالمته مع "كريم" بتعجل شديد:
- اه طبعًا فهمت، طيب دكتوره "هيلدا" ألاقيها فين بالضبط في المستشفى؟
- متقلقش، أنا كلمتها هي حتكون في إستقبالكم أول ما توصلوا، العربيه الخاصة بيكم حتلاقيها قدام البيت كمان عشر دقايق.
نظر "نور" تجاه الدرج ثم أخفض صوته حتى لا تسمعه "ليلى" إن كانت قادمة:
- وورق عم "عزت"، خلص تمام كله صح؟
- متقلقش يا "أبو شُعلة"، "هيلدا" دي أستاذه، مخلصه كل حاجه، خد بس الراجل وبنته وروح على المستشفى عشان تبدأوا أول يوم شغل، وبإذن الله أخلص شغلي هنا وأبقى أعدي عليك.
سخر "نور" من طريقة صديقه التي تشبه إهتمام الأمهات:
- مالك يا "كيمو"، هو إنت عامل زي أمي كده ليه، متقلقش عليا أوي كده، أنا برضه "نور"، سلام بقى عشان ألحق المعاد.
ضحك "كريم" بعفوية ضحكته الصاخبة المميزة:
- ماشي يا إبني، أنا الحق عليا إني قلقان عليك، ما هو لو كان ينفع تشتغل معايا في المستشفى كنت جبتك، بس إنت تخصص وأنا تخصص، والمستشفى عندنا مفيهاش تخصص باطني، أعمل لك إيه.
- ماشي يا سيدي، يلا سلام.
أنهى مكالمته ليجد "عزت" و "ليلى" يهبطان درجات السلم ببطء ليسرع لمساندة "عزت" الذي خارت قواه وأصبح هزيلًا لا يقوى على التحرك من شدة إعيائه.
بقلم رشا روميه
إستقلوا السيارة الخاصة التي وقفت بإنتظارهم أمام البناية ليتجهوا نحو المستشفى التي سيعملان بها وأيضًا هي نفس المستشفى التي سيعالج بها "عزت" تحت ملاحظة "نور".
بدأ "نور" بإجراءات إدخال "عزت" وعمل فحوصات الدم المطلوبة لتقييم حالته بينما إستلمت "ليلى" العمل تحت إشراف "نور" بعد مقابلتهم للطبيبة "هيلدا" المختصة بالإشراف على البعثة الخاصة بهم.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
إشتقت لكوني طفلة لا تعلم للحزن معنى، ولا للخذلان وجود، ألا ترهق رأسها بتفكير، وأن تحلم بلا حدود.
رشا روميه
بيت عائلة مكاوي (شقة زاهر)....
بهذا الوقت من الصباح والذي تتجمع به عادة العائلة بأكملها لتناول طعام الإفطار، أكملت "زهرة" نومها المصطنع حتى لا تشاركهم تلك الوجبة أيضًا.
تأهب "زاهر" و "محمود" للتوجه لمحال تجارتهم، بينما حملت "جميلة" أغراضها للذهاب للمخزن (البيوتي سنتر)، أدخلت "فردوس" بنات إبنها للغرفة الداخلية ليلعبون بالداخل فهي أأمن لهن من بقائهم يتجولون بتلك الشقة الكبيرة دون إنتباه.
ومع إنشغال الجميع وتأهبه لروتين حياتهم اليومي، دق جرس باب البيت، تطلعوا ببعضهم البعض بين متفاجئ ومتوجس وقلق، دقات غريبة بهذا الصباح تبث بالتأكيد بداخل نفوسهم خوف من مجهول، إلتف "محمود" لإتجاه الباب متسائلًا بتعجب:
- يا ترى مين إللي جاي لنا من بدري كده!! دي الساعه مجاتش تسعه!!
وضعت "فردوس" كفها فوق صدرها بقلق بحركة لا إرادية، كما لو أنها تمسك بقلبها ودقاته تأمره بالهدوء رغم تخوفها:
- أستر يا رب، قلبي بقى يتقبض لما حد ييجي بدري كده!!!
أشار "زاهر" بصوت الحكمة والرزانة بدلًا من ظنونهم وتخوفهم بلا داعي:
- إنتوا حتفضلوا تسألوا، إنزل يا إبني شوف مين تحت!!
أومأ "محمود" بخفة إنصياعًا لما يقوله والده، ليهبط درجات السلم لمعرفة زائر هذا الصباح، إعتلت ملامحه دهشة قوية وهو ينظر لهذا الزائر بتعجب وإستغراب ليهتف به :
- عم "خليل"!!
إعتدل "خليل" بوقفته متأهبًا، ثم أردف بكلمات متلاحقة كما لو كان يحفظها ويكررها بداخله:
- صباح الخير، إزيك يا "محمود"، معلش أنا جيت بدري، بس قولت عشان ألحقكم قبل ما تروحوا المحلات.
زيارة غير معتادة بوقت غريب ومبكر للغاية، أمر جعل "محمود" يشعر بالتوجس من تلك الزيارة الغير متوقعة، ورغم أن "خليل" لم ينطق كلمة أخرى بخلاف ما قاله دفعة واحدة، إلا أن "محمود" أخذ يتمعن بالرجل وقد دارت برأسه عدة أفكار عن سبب تلك الزيارة.
كل أفكاره دارت بإتجاه وحيد، أمر بديهي للغاية، فيبدو أن "خليل" قد أتى لإصطحاب "زهرة"، بالتأكيد هذا هو السبب الذي أتى به بهذا الصباح، وإلا فلما سيأتي دون موعد وبهذا التوقيت؟!
رفض وإضطراب وتخوف، أمور جعلت "محمود" يبتلع ريقه بقوة، ورغم ما شعر به وسبب له هذا الضيق إلا أن "محمود" إبتسم بدبلوماسية وهو يأشر نحو الداخل قائلًا:
- ده كلام، لأ طبعًا، ده بيتك تيجي في أي وقت.
بقلم رشا روميه
تحرك "محمود" أولًا ليلحقه "خليل" من خلفه، بينما كان "محمود" يرحب به وبقدومه حتى وصلا لشقة والديه:
- يا أهلًا وسهلًا، إتفضل يا عم "خليل".
وقف "محمود" بباب شقة والديه لينبههم لهذا الزائر، ثم أعلى بصوته يعلن قدوم "خليل"، فيما دعاه للدخول:
- إتفضل، إتفضل يا عم "خليل"، ياحاج، ده عم "خليل" أبو "زهرة" هنا.
لاقاه "زاهر" بحفاوة لقدوم صهره لينهض مرحبًا به بصوته الواضح الأجش:
- يا أهلًا وسهلًا، ده إيه المفاجأه الحلوه دي، إتفضل يا حاج "خليل".
مجرد سماع إسم "خليل" كان كـ ناقوس الخطر، كـ رايات حمراء رفعت ليتأهب الجميع الحذر من الغرق، مؤشر خطر دق بأسماع "زهرة" التي إخترق إسم والدها أذنيها.
دارت عيناها السوداء بتخوف فور معرفتها بقدومه، فتلك أول مرة يأتي هنا لزيارتها، تعالت ضربات قلبها المضطربة وهي تدور بعشوائية حول نفسها لتنتابها الحيرة، هل تخرج لمقابلته أم تبقى بالغرفة كما هي دون أن تظهر وجودها.
لم تكن "زهرة" الوحيدة من تفاجئت بتلك الزيارة بل كان وقع قدوم "خليل" أثار حفيظة الجميع، ليس لأنه غير معتاد القدوم فحسب، بل لقدومه بمثل تلك الساعة المبكرة.
وقفت "جميلة" أمام المطبخ حتى تتمكن من سماع حديثهم بوضوح، فقد أجلت مغادرتها حتى تعلم أولًا سبب مجئ "خليل"، مدت رأسها وأطلقت أذنيها تستمع بتركيز حتى لا تضيع كلمة مما يقولونها.
هتف "زاهر" مرحبًا بـ"خليل":
- نورتنا والله يا حاج "خليل"، القهوه يا "أم محمود".
نهضت "فردوس" من مقعدها قائلة:
- حالًا يا حاج، نورتنا يا حاج "خليل".
لم يأتي بزيارة عابرة، بل لمهمة واحدة عليه إنجازها، لهذا توجب عليه أن يخبرهم بالأمر مباشرة:
- لا مؤاخذه إن أنا جيت فجأه كده، بس قولت ألحقكم قبل ما تروحوا المحل يا حاج، عشان فيه موضوع مهم وقلت أتكلم معاكم فيه.
أعدل "زاهر" جذعه بإهتمام لينصت جيدًا لحديث ضيفه:
- إتفضل يا حاج، خير.
بلا خجل أو حتى حمرته، تأهب "خليل" ليلقي كلماته اللاذعة دون إكتراث لوقعها، أو حتى توقيتها المناسب، بل إن ما يهتم به هو مصلحته التي سيتلقاها من طلبه، رفع "خليل" رأسه بقوة كصاحب حق وعليهم الإنصياع لأمره، ليلقي طلباته بنبرة قوية متبجحة:
- معلش أعذروني بس الحق حق برضه، وأنا كنت جاي عشان حاجتين، أولهم حق "زهرة"، وزي ما إنتوا عارفين و فاهمين إن لها ورث من "أنور" الله يرحمه، وده كلام ميزعلش حد، حقها ومن حقها تاخده، ولا أنا غلطان؟! وغير كده، أنا عايز "زهرة" تروح معايا البيت، هي خلاص معدلهاش قعاد هنا.
طلب بلهجة أمر، قالها "خليل" بنبرة يأمر يطاع، رفع رأسه بشموخ منتظرًا أن تتهافت عليه الأموال التي كانوا سيبتلعونها ببطونهم ويستولون على حقها.
إنتظر "خليل" رد "زاهر"، لكن "محمود" كان أسرع بالرد، حيث وقف منتفضًا بحدة فاجئت "خليل" برده السريع:
- بعد إذنك يا حاج، حرد أنا على الحاج "خليل"، شوف يا حاج، حق "زهرة" في الحفظ والصون من يوم وفاة "أنور" وهو متشالها من غير كلام إحنا عمرنا ما بنيجي على حق ربنا أبدًا، لكن "زهرة" حتفضل هنا لحد ما العده تخلص زي ما الحاج والحاجه طلبوا منها وهي وافقت.
لاحت إبتسامة غريبة بوجه "خليل" ليس فوز فحسب، بل زهو وراحة بذات الوقت، إن ما يهمه هو حصوله على الميراث من تلك العائلة الثرية، و"زهرة" ستعود إليه يومًا ما، ربما هذا هو أفضل حل فبدلًا من أن يصرف أمواله عليها ستبقى ببيتهم لحين إنتهاء عدتها، ووقتها ستعود لبيته ويكون زواجها متاح من "أبو نصار" الذي أخبرته عنه زوجته.
بإيمائة متكبرة أجاب "خليل" كما لو كان يتنازل بالموافقة:
- ماشي يا "محمود"، خليها عندكم، بس الميراث لو سمحت أنا محتاجُه عشـــ...
قطع حديثه هتاف "زهرة" الحاد:
- بابا!!!!!!!
تتوهج النفس بإشتعال ثورتها دون أن نرى لهيب بأعيننا، لكننا نشعر به بقلوبنا، كل كلمة نطقها "خليل" أطلقت كل صفارات الإنذار بداخل "زهرة"، لم تعد تتحمل الصبر على طمع والدها بهذه الطريقة، إرتفع مؤشرها الأحمر لذروته، لن تتحمل وتصمت بعد الآن، فما يحدث خطر ومهين للغاية، خرجت من الغرفة لتقف بوجه والدها وقد إشتد حمرة وجهها من شدة إنفعالها، لتستكمل بحدة وغضب:
- ورث!!! ورث إيه يا بابا!! أنا لا عايزه ورث ولا عايزه أي حاجه خالص.
إتسعت عينا "خليل" ليناظر إبنته بنظرات محذرة غاضبة من تنازلها الغبي عن مال سهل، ليكز فوق أسنانه بغيظ:
- إسكتِ إنتِ، إنتِ مبتفهميش حاجه!!!
شعر "زاهر" بتوتر الأجواء بين "زهرة" ووالدها، كما أن ما يطلبه "خليل" حقها بالفعل، ليردف بنبرة هادئة ليهدئ من إنفعال "زهرة":
- ده حقك يا بنتي أبوكِ مغلطش.
كما لو أن الهواء رد لرئتيه مرة أخرى، رفع "خليل" هامته بسعادة قائلًا:
- قول لها يا حاج.
كم يقلل منها ويهين وجودها ببيت أُناس أكرموها، كيف تطالبهم بالمال وهي تعيش بخيرهم وحنانهم، غمروها بما لم تجده، أحبوها بصدق، ويكون بالنهاية يكون ذلك رد جميلهم؟! لا، لن تترك والدها يطالبهم بالمال، هي لا تريده، حتى وإن كان حقها، هي لا تريده بالمرة.
وقفت "زهرة" متحلية بقوة زائفة لأول مرة أمام والدها، رفضت تمامًا ما يفعله وما يطالب به، لن يُحط من قدرها لأكثر من ذلك، هتفت بوالدها بضيق:
- لأ طبعًا، أنا مش عايزه الفلوس دي، أنا متنازله عنها لــ.....
ألم كالنيران وقع بوجنتها الممتلئة إثر صفعة قوية هوى بها "خليل" فوق وجه "زهرة" ليخرسها تمامًا، كل ما تتفوه به يخسره ما سيكسبه منهم، كان عليه أن يجعلها تصمت تمامًا وتبتلع لسانها حتى لا يخسر مال لم يكن يحلم بأنه سيحصل على ربعه بنفسه، هدية ألقاها القدر بجعبته وستجعله تلك الضعيفة يخسره.
صفعة هشمت روحها أمام الجميع، لتنكس رأسها بإنكسار وهي تضع كفها فوق موضع الألم بوجنتها المتوهجة، صفعة كان لها صدى أكبر من مجرد صوت وألم لحظي، إنها إهانة وإذلال ممن لم تعرف منه الرحمة والحنان.
ضربت تلك الصفعة قلب "محمود" الذي هوى كف "خليل" فوق قلبه وهو يرى ألمها، لكن حين رفع "خليل" ذراعه مرة أخرى ينوي إعادة صفعها وقف "محمود" حائلًا ليمسك بيده المرفوعة بالهواء ثم دفع "خليل" تجاه المقعد من خلفه وهو يسيطر على إنفعاله حتى لا يرد الإساءة لهذا الرجل:
- خلاص يا حاج "خليل"، قولت لك حقها محفوظ، تعالالي أي وقت في المحل خد نصيبها، مفيش داعي للعنف ده.
بقلم رشا روميه
نهض "خليل" من المقعد الذي أرغمه "محمود" على الجلوس به ليعدل من ملابسه قائلًا:
- خلاص يا "محمود"، بكره أجيلك المحل نخلص الموضوع ده، سلام.
رمق إبنته بنظرة غاضبة قبل خروجه ثم غادر بيت مكاوي، فرغم ما حدث إلا أنه وصل لغايته.
إستدار "محمود" بصدر منفعل وتنفس مضطرب نحو "زهرة"، حاول إخراج بعض الكلمات التي تحشرجت بداخله، رؤيتها بعد هذا الغياب المتعمد كان مربكًا للغاية، وقبل أن ينطق كلمة واحدة أسرعت "زهرة" بالعودة لغرفتها، صوت شهقاتها الموجعة وقع بقلوبهم جميعًا، خاصة هو، لكن لا باليد حيلة ليخفف آلامها.
لم يكن ألم الصفعة يؤلم بقدر إحساسها بإستغلال والدها لها، ليس خذلان فحسب بل إحساس بالكره، فبالتأكيد ليس لها أي محبة بقلب والدها، فحتى وإن نسيت الألم وأوجاعه لن تنسى أبدًا ما شعرت به.
تقدمت "فردوس" بضيق قائلة:
- حتى ورثها مش حيهنيها عليه.
- خلاص يا أمي، الموضوع مش مستاهل.
وإن كان طامع مستغل لكنه يبقى بالنهاية والدها، وهذا ما فكر به "محمود" لينهي هذا الحديث تمامًا حتى لا يعيب بوالد "زهرة" ويجرح ذلك شعورها، فيكفيها شعورها بالخجل من طلبه وإستغلاله لما حدث.
أخذت "جميلة" تعض شفتيها بغيظ فها هو ما كانت تفكر به سيحدث وستخسر مالًا من مالها لوالد تلك الوضيعة، لهذا يجب عليها التحرك بأسرع مما كانت تخطط.
خرجت "جميلة" دون تعقيب عما حدث، لتتجه نحو المخزن لتفكر بتمعن بالخطوة القادمة التي يجب عليها أن تخطوها وحساب كل شيء بدقة هذه المرة حتى لا تعيد الفشل لمخططها.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
وجدت بك النصف الآخر الذي يكملني، أنت فرصتي التي لا تكرر مرتين، بوصلة طريقي حين أضل، أخشى أن تهتز إبرتها وأضيع وحدي دون هداية، فلا أقدر على تحمل صدمة غيابك، فأنت قبل كل شئ.
رشا روميه
المستشفى الأهلية...
بعض الوداع محبب للنفس، يبهج الروح، فليس كل وداع مؤلم، وضعت "فرح" كل ملابسها بحقيبة وقد وضعتها فوق المقعد في إنتظار مجئ "سامح" كما وعدها، اليوم ستودع بقائها بالمستشفى للأبد، لن تعود إليها مرة أخرى، اليوم ستسافر إلى السويس للبحث عن أهلها.
توقف "سامح" بسيارة "نور" أمام المستشفى ليصفها بحرص خوفًا من أن يخدشها فهي أمانة لديه وعليه الحفاظ عليها، ترجل برفق ليدلف لداخل المستشفى ليصطحب "فرح" من الداخل.
أسرعت إحدى الممرضات لغرفة "فرح" قائلة بنبرة مبتهجة:
- "فرح"، "فرح" دكتور "سامح" جه، أنا جيت أقولك أهو على طول زي ما وصتيني.
أجابتها "فرح" بحماس شديد فقد تتوقت لتلك اللحظة منذ أن إتفقا معًا:
- بجد، جه بجد.
بطريقة سلسة للغاية تحركت "فرح" وهي مدركة تمامًا أبعاد الغرفة هذه المرة، وقفت قبالة الباب الذي حفظت مكانه عن ظهر قلب، فتحته وهي تتلمس الحائط إلى جانبها حتى وصلت للمصعد الذي سيقلها للدور الأرضي لمقابلة "سامح"، فما عادت تطيق الصبر والإنتظار.
ظنت أيضًا أن رؤيته لها تتحرك بثقة دون الحاجة لأحد أمر سيجعله ينظر لها بدون إشفاق على حالتها، ستكون قوية قادرة على فعل الأشياء بمفردها وليست عاجزة.
ضغطت زر المصعد لكن يبدو أنه معلق بأحد الطوابق، حتى أنها لم تنتظر لحماسها المفرط وقررت أن تتخذ الدرج ببطء فهي أول مرة تستخدمه، لكن بداخلها قوة تدفعها للتحرك والحرص في ذلك أيضًا.
تلمست الحائط مرة أخرى حتى وصلت لبداية الدرج، قبضت كفها بقوة للجانب الخشبي للسلم وبدأت تضع قدمها ببطء على درجته الاولى، شعرت بالسعادة والفخر بإنجازها وهي تتحرك بيسر دون طلب مساعدة.
لم يكن الأمر صعبًا للغاية، بل يحتاج لإحساس ومهارة، إستطاعت بالفعل تجاوز طابق كامل دون الإعتماد على أحد، لم يتبقى سوى طابق أخير وتصبح بمقابل "سامح" بالدور الأرضي.
بقلم رشا روميه
لكن حظها العثر أرسل لها طفل صغير كثير الحركة كان يركض ويرفض تمامًا الإمساك بيد والدته، يتحرك هنا وهناك ثم قرر فجأة نزول السلم.
ركض مسرعًا من خلف "فرح" يهبط درجات السلم بحركته الغير متوازنة فإصطدم رغمًا عنه بـ"فرح"، صدمة جعلت توازنها يختلف وتنزلق قدمها أسقط متدحرجة بقية الدرجات نحو الأسفل، حاولت التشبث بأي شئ لكن فقدانها لبصرها لم يمكنها من أن تنقذ نفسها.
وقف "سامح" برفقة أحد زملائه الذي إستوقفه لسؤاله عن أمر ما، وبتلك اللحظة إستمعا لضجة كبيرة إثر سقوط شخص ما من أعلى السلم، إندفع بشهامته المعروفة للمساعدة دون تأخر، ليبعد الملتفين حول الشخص الذي سقط محاولًا إسعافه.
صدمة موجعة وهو يرى "فرح" بذاتها أمامه ملقاة أسفل الدرج بسكون تام، سكون كان له ضجيج مؤلم بداخله وهو يطالع وجهها الذي تغطى بالكامل بالدماء النازفة من رأسها، لون أحمر قابض للنفس لا يتناسب مع ملابسها المبتهجة وروحها اللطيفة.
هتف "سامح" بحرقة:
- "فـــــــــــــرح"!!!!!
سكون غير معتاد جعله يشعر بالفزع لرؤيتها بهذه الهيئة، أسرع بطلب نقلها لغرفة الطوارئ على الفور، وضعتها الممرضات فوق أحد الأسرة الناقلة ليدفعونها بتعجل نحو غرفة الطوارئ.
فقدانها خطر، وغيابها خطر، لا يمكنه تخيل فقدانه لمن أرشدته للطريق، لمن اعادة إليه معنى الحياة، تلك الجروح التي تغطي رأسها هي ندبات بقلبه، لم تكن روحه بداخله بل حملتها "فرح" معها لتلك الغرفة التي أغلق بابها للتو، غرفة الطوارئ
يتبع
