
رواية قيود من حرير الفصل السادس والثلاثون36 بقلم سيليا البحيري
في مخزن مهجور
كانت لارين
يدها مقيدة خلف ظهرها...
قدماها مثبتتان...
رأسها مائل قليلًا...
ثم-
حركة خفيفة.
أنفاسها تغيرت...
أصابعها تحركت ببطء...
فتحت عينيها.
الرؤية كانت ضبابية في البداية...
ثم بدأت تتضح.
سقف...
ضوء...
جدران باردة.
حاولت أن تتحرك...
فشدّت القيود.
توقفت.
نظرت حولها ببطء...
ثم-
ابتسامة صغيرة.
لارين (بهمس ساخر): "جميل... خطف تقليدي."
صوت الباب...
صرير بطيء.
دخلت...
دارين.
بخطوات ثابتة...
أناقة كاملة...
وكأنها لم تدخل مكان احتجاز...
بل مسرحًا.
توقفت أمامها.
صمت.
عينان تلتقيان.
لا خوف...
لا ارتباك.
فقط-
تحدي.
رفعت لارين رأسها قليلًا...
نظرت إليها... من أسفل لأعلى...
ثم ابتسمت.
لارين: "آه... كده الصورة وضحت."
اقتربت دارين خطوة...
عيناها مشتعلة بحقد واضح.
دارين: "أخيرًا فوقتي."
لارين بسخرية باردة: "وأخيرًا شفت مين اللي عنده الجرأة يخطفني..."
توقفت لحظة...
"أو يمكن... القلة."
صمت.
لكن الهواء-
توتر.
اقتربت دارين أكثر...
دارين (بصوت منخفض): "واضح إنك لسه مش فاهمة موقفك."
رفعت لارين حاجبها قليلًا...
لارين: "فاهمته كويس."
نظرت إلى القيود.
"دي حركة ضعيفة."
تجمدت ملامح دارين لثانية...
ثم ضيّقت عينيها.
دارين: "ضعيفة؟"
لارين: "آه."
رفعت عينيها بثبات.
"الناس القوية... بتواجه."
سكون.
ثم-
ابتسامة بطيئة ظهرت على وجه دارين...
لكنها كانت خطيرة.
دارين: "وأنا واجهتك... في الشارع."
اقتربت أكثر...
"بس إنتي اللي اخترتي الغلط."
لارين بهدوء قاتل: "الغلط؟"
توقفت...
ثم قالت:
"إني كسّرت صورتك قدام الناس؟"
الصمت... هذه المرة كان أثقل.
عينا دارين اشتعلتا.
دارين: "إنتي تجاوزتي حدودك."
لارين: "لا."
نظرت لها مباشرة...
"إنتي اللي متعودة محدش يوقفك."
لحظة...
ثم-
صفعة.
صوتها ارتد في الغرفة.
رأس لارين مال قليلًا...
سكون.
ثم-
أعادت رأسها ببطء.
نظرت إليها.
وبهدوء...
ابتسمت.
لارين (بهمس): "كده أحسن... بدأنا نتكلم صح."
تراجعت دارين نصف خطوة...
تفاجأت...
ثم عاد غضبها أضعاف.
دارين: "إنتي فاكرة نفسك مين؟"
لارين: "واحدة مش بتخاف منك."
صمت.
دارين (ببرود): "كل الناس بتخاف."
لارين: "يبقى أنا استثناء."
تقدمت دارين ببطء...
انحنت قليلًا لتصبح بمستواها.
دارين: "أنا ممكن أخليكي تختفي... ولا حد يعرفلك طريق."
رفعت لارين عينيها بثبات.
لارين: "جربي."
سكون.
اللحظة كانت مشتعلة.
ثم-
وقفت دارين مستقيمة.
هدأت فجأة...
بشكل مخيف.
دارين (ببطء): "إنتي مش عارفة إنتي وقعتِ في إيد مين."
لارين: "ولا إنتي."
توقفت دارين.
نظرت لها بحدة.
لارين: "أنا مش المشكلة."
توقفت...
"أنا بداية المشكلة."
صمت.
ثقيل... خانق.
ثم استدارت دارين...
خطوتان نحو الباب...
وقبل أن تخرج-
دارين (ببرود قاتل): "هنشوف... قد إيه هتفضلي قوية."
خرجت.
الباب أُغلق.
عاد الصمت.
الضوء يتأرجح.
لارين أغمضت عينيها لثانية...
ثم فتحتها.
نظرتها تغيرت...
أصبحت أعمق.
أهدأ.
أخطر.
لارين (بهمس): "اللعبة بدأت."
وفي مكان آخر...
دارين توقفت خارج الغرفة...
أنفاسها لم تكن ثابتة تمامًا.
رفعت يدها...
لمست خدها...
كأن الصفعة لم تكن للارين...
بل-
لكبريائها.
عيناها أظلمت.
دارين (بهمس): "هكسرِك."
***********************
في شركة الحديدي عند غزل
كانت يدها ترتجف قليلًا وهي تضغط على زر الطابق الأخير.
المرآة أمامها في المصعد عكست وجهًا لم تعهده...
غزل التي اعتادت التحدي، السفر، المخاطرة... كانت الآن خائفة.
ليس على نفسها فقط...
بل على غيث... على طفلها... على كل شيء قد ينهار فجأة.
"رسائل تهديد... محاولة قتل... هذا ليس لعبًا."
أغمضت عينيها للحظة، وأخذت نفسًا عميقًا.
طن...
انفتح باب المصعد.
الممر كان هادئًا بشكل غريب، مفروشًا بسجاد داكن، تتوزع على جانبيه مكاتب زجاجية تعكس صورة القوة والنفوذ.
هذا ليس مجرد شركة...
هذا عالم آخر.
خطت غزل خطوة... ثم أخرى.
وفجأة-
"غزل؟"
التفتت بسرعة.
كان آسر يقف أمامها، ببدلته الأنيقة، حاجباه معقودان قليلًا بدهشة خفيفة.
"آسر..." قالتها بصوت حاولت أن تجعله ثابتًا.
اقترب منها بخطوات هادئة، يراقب وجهها بدقة.
"أنتِ هنا؟ في الشركة؟"
ثم ابتسم ابتسامة خفيفة:
"ولا أنا تأخرت عن دعوة رسمية؟"
حاولت أن تبتسم... لكنها فشلت.
وهنا... اختفت المزحة من عينيه فورًا.
"غزل..." صوته انخفض، صار أكثر جدية،
"أنتِ بخير؟"
ترددت.
ثانية... ثانيتين...
ثم قالت:
"أنا... كنت جاية لعمو جاسر."
آسر لم يقتنع.
لكن قبل أن يتكلم... سألها بنبرة أهدأ:
"غيث عامل إيه دلوقتي؟"
تغيرت ملامحها فورًا... حزن خفيف مر في عينيها.
"أحسن الحمد لله... بدأ يتعافى."
هز رأسه بإيجابية، ثم قال بصدق:
"الحمد لله... أنا كنت عايز أجيله المستشفى بس كنت مسافر ومتلخبط في الشغل... ما لحقتش."
نظرت له بهدوء، هذه المرة ابتسامتها كانت أخف... لكنها حقيقية.
"ولا يهمك يا آسر... هو عارف إنكم مش مقصرين."
صمت لحظة، ثم عاد ينظر لها بتركيز:
"في حاجة حصلت تاني؟"
كادت تتكلم...
لكنها تراجعت.
"لا... بس موضوع مهم شوي."
تنهد بخفة، وكأنه قرر عدم الضغط عليها الآن.
"مكتب بابا آخر الممر."
ثم أضاف وهو ينظر لها بنظرة ثابتة:
"ولو احتجتي أي حاجة... أنا موجود."
"شكراً يا آسر."
ومرت من جانبه...
لكنها شعرت بنظراته تلاحقها حتى اختفت عند نهاية الممر.
وقفت أمام الباب.
"جاسر الحديدي"
رفعت يدها... وترددت.
لكن هذه المرة... لم يكن التردد طويلًا.
طرقت الباب.
"اتفضل."
دخلت ببطء.
المكتب واسع، مرتب بشكل صارم، كل شيء في مكانه...
وراء المكتب، كان جاسر يجلس، عينيه ترفعان من فوق ملف بين يديه.
نظرة واحدة فقط...
وكانت كافية.
"غزل؟"
أغلق الملف فورًا، وأشار للكرسي أمامه:
"تعالي."
تقدمت بخطوات مترددة، وجلست.
شعرت فجأة أنها... صغيرة.
لاحظ ذلك فورًا.
"في إيه؟"
تنفست بعمق، وصوتها خرج مهتزًا:
"أنا... محتاجة مساعدتك."
عينيه ثبتت عليها.
"قولي."
"في حد... بيبعتلي رسائل تهديد."
الصمت هذه المرة... كان أثقل.
لكن بدل الصدمة فقط...
ظهر انزعاج واضح على وجهه.
"ومن إمتى ده؟"
"من كام يوم..."
عقد حاجبيه، ونبرته تغيرت... ليست قاسية، لكنها مليئة بالعتب:
"يعني كل ده بيحصل... ومقولتيش؟"
خفضت عينيها.
"أنا... ما كنتش عايزة أقلق حد... وافتكرت ممكن تكون حاجة بسيطة-"
قاطعها بهدوء حازم:
"غزل."
رفعت عينيها له.
نبرته هدأت... لكنها كانت أوضح:
"إنتِ مش لوحدك. ومفيش حاجة اسمها حاجة بسيطة لما يكون في تهديد مباشر."
سكتت... وكأنها طفلة تم توبيخها بلطف.
ثم أكملت بصوت أخفض:
"بس... بعد اللي حصل لغيث..."
تغيرت ملامحه فورًا.
"إيه؟"
"أنا بقيت متأكدة إن الموضوع مش صدفة..."
وقف ببطء.
"طبعًا مش صدفة."
بدأ يتحرك خلف المكتب، وكأنه يعيد ترتيب أفكار كان يملكها بالفعل.
"أنا سألت غيث... قاللي كانوا مجموعة... هجوم مش عشوائي."
نظر لها مباشرة:
"والرسائل بدأت قبلها."
لم يكن سؤالًا...
بل استنتاج.
ابتلعت ريقها، وهزت رأسها.
"أيوه."
ساد صمت قصير...
لكن هذه المرة، كان واضحًا أن الخيوط بدأت تتجمع في رأسه.
"يبقى واحد."
اقترب خطوة، صوته منخفض لكنه حاد:
"اللي بيبعتلك الرسائل... هو اللي بعت الناس لغيث."
تجمدت في مكانها.
رغم أنها فكرت بذلك...
لكن سماعها منه... جعله حقيقيًا.
مرعبًا.
رفع هاتفه، ضغط رقمًا سريعًا.
"خالد، اقفللي أي ملف شغال عليه."
ثم نظر لغزل:
"الموضوع ده كان عندي..."
وتوقف لحظة، ثم أكمل بنبرة أعمق:
"بس دلوقتي بقى شخصي."
وقفت ببطء.
"يعني...؟"
اقترب منها خطوة، صوته هادئ... لكنه يحمل وعدًا واضحًا:
"يعني اللي بيلعب معاكي... غلط في العنوان."
ثم أضاف:
"والمرة دي... مش هسيبه."
*************************
ظلّت غزل واقفة أمامه... للحظة، وكأنها تتردد.
ثم فجأة قالت:
"عمو جاسر..."
نظر لها.
"أنا عايزاك... ما تقولش لحد."
تجمدت ملامحه.
"حد... مين؟"
ابتلعت ريقها، ثم قالت بسرعة وكأنها تخاف أن تتراجع:
"أي حد... حتى بابا."
الصمت الذي تلا كلماتها... لم يكن عاديًا.
هذه المرة، لم يكن صمت تفكير...
بل صمت رفض.
جاسر لم يرد فورًا.
اكتفى بالنظر لها... نظرة طويلة، ثقيلة.
"بتقولي إيه؟"
صوته كان منخفض... لكنه يحمل انزعاجًا واضحًا.
"باباكِ لازم يعرف."
هزت رأسها بسرعة:
"لا."
نبرة صوتها هذه المرة... كانت حاسمة.
"مش عايزاه يقلق... هو أصلاً تعبان من اللي حصل لغيث... ولو عرف إن في تهديد مباشر..."
سكتت لحظة، ثم أكملت:
"هيتجنن."
اقترب خطوة، ونظر لها بحدة خفيفة:
"وده الطبيعي."
ثم أضاف:
"ده مش خبر عادي يا غزل... ده أمانك."
خفضت عينيها، لكن صوتها خرج بإصرار:
"أنا عارفة... بس لو بابا عرف، الموضوع هيكبر... وهيبقى فيه قرارات ممكن تعقد كل حاجة."
نظر لها لثواني... يدرسها.
ثم قال ببطء:
"ولا إنتِ اللي هتتعقدي أكتر لو فضلتِ مخبية؟"
سكتت.
لم تجد ردًا.
تنهد جاسر بعمق، ومرر يده على جبينه، واضح عليه الانزعاج.
"أنا مش عاجبني ده خالص..."
ثم نظر لها مجددًا:
"إنتِ بتتصرفي لوحدك في حاجة أكبر منك."
رفعت عينيها له... وفيها رجاء واضح هذه المرة:
"أنا مش لوحدي... أنا معاك."
توقفت أنفاسه للحظة.
الجملة كانت بسيطة... لكنها وضعت المسؤولية كاملة أمامه.
صمت.
ثانيتين... ثلاث...
ثم زفر ببطء، وكأنه استسلم جزئيًا.
"تمام."
رفعت رأسها بسرعة.
"أنا مش هقول لحد... دلوقتي."
شعرت بشيء من الراحة... لكنه لم يكتمل.
لأنه أكمل مباشرة:
"بس ده مش معناه إني موافق."
هزت رأسها بخفة:
"عارفة."
نظر لها بجدية:
"وأول ما أحس إن الموضوع خرج عن السيطرة... باباكي هيبقى أول واحد يعرف..... مفهوم؟"
ترددت... ثم قالت:
"مفهوم."
صمت لحظة، ثم سأل:
"مين عارف غيرك؟"
أجابت بسرعة:
"شغف... وميار."
عقد حاجبيه:
"شغف؟"
"آه... شغف"
هز رأسه بتفهم، ثم سأل:
"وميار... بنت خالك؟"
"أيوه."
زفر بقوة هذه المرة، وأدار وجهه قليلًا وكأنه يفكر بصوت داخلي.
"يعني الموضوع خرج من إيدك من بدري..."
لم تعلق.
كانت تعرف أنه محق.
عاد ينظر لها، لكن هذه المرة بنظرة مختلفة...
أكثر حدة.
"اسمعي كويس."
نبرته أصبحت أوضح، أقرب للتحذير:
"اللي بيعمل كده... مش هاوي."
خطوة واحدة للأمام.
"ده حد بيراقب... وبيخطط... وبيجرب حدودك."
سكت لحظة... ثم أكمل:
"وأول ما لقى فرصة... ضرب."
شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.
رفع رأسه قليلًا، وعينيه أصبحتا باردتين بشكل مخيف:
"بس هو غلط في حاجة واحدة."
"إيه؟" همست بها.
نظر لها مباشرة:
"إنه قرر يقرب منك."
ثم زفر ببطء، لكن هذه المرة... كان الغضب واضحًا في صوته:
"وساعتها... بقى مش بيلعب معاكِ بس."
توقف.
ثم قال بنبرة منخفضة... لكنها مليئة بوعد صريح:
"ده بيلعب معايا أنا كمان."
صمت ثقيل ملأ المكان...
ثم أضاف، وكأنه يتوعد شخصًا غير موجود أمامه:
"وأنا مش بسيب اللي يبدأ لعبة زي دي... يكملها."
*************************
في كافيه.....جلس غيث على الكرسي، مائلًا قليلًا للخلف، ما زالت آثار التعب واضحة عليه...
لكن عينيه كانت أهدأ من الأيام الماضية.
"يا راجل أخيرًا افتكرت إن عندك صاحب!"
رفع غيث حاجبه وهو ينظر أمامه-
كان مصطفى يقترب، يحمل كوبين قهوة، وابتسامة واسعة لا تفارقه.
"ده أنا قولت أتأكد إنك لسه عايش... ولا الذوبان في القصور خلّص عليك."
ابتسم غيث بخفة:
"اهدى يا عم... لسه ما بعتش روحي رسمي."
جلس مصطفى أمامه، ووضع كوب القهوة بقوة خفيفة على الطاولة:
"لا بعت... وبالتقسيط كمان."
ضحك غيث هذه المرة:
"طب اسكت خليني أشوفك الأول... عامل إيه؟"
مصطفى شبك يديه خلف رأسه بتصنع:
"أنا؟ تمام... فقير، وحيد، مهجور من أعز أصحابه اللي اتجوزوا بنات الباشوات."
رمقه غيث بنظرة جانبية:
"بدأنا؟"
"لا والله لسه!" قالها مصطفى بحماس، ثم مال للأمام:
"بقى يا عم... من يوم ما اتجوزت غزل الشرقاوي... وإحنا بقينا ذكريات؟"
رفع غيث الكوب وأخذ رشفة هادئة:
"أولًا... مش اسمي أنا اللي اتغير، ده اسمك إنت اللي بقى درامي زيادة."
"آه طبعًا!" رد مصطفى بسرعة
"يعني أنا اللي غلطان؟ مش إنت اللي اختفيت؟"
تنهد غيث بتمثيل:
"أنا متجوز يا بني... مسؤوليات."
مصطفى ضيق عينيه:
"مسؤوليات ولا دلع؟"
ضحك غيث:
"الاتنين."
هز مصطفى رأسه وكأنه مصدوم:
"يا نهار أبيض... ده اعترف!"
ثم أشار له بإصبعه:
"بصراحة بقى... إنت محظوظ."
توقف غيث قليلًا.
"محظوظ؟"
"آه طبعًا!" قالها مصطفى بثقة
"اتجوزت واحدة زي غزل... بنت عيلة معروفة... وحلوة... وشخصية نار... وكمان-"
توقف لحظة وابتسم بمكر:
"جابتلك ياسين."
تغيرت ملامح غيث فورًا...
ابتسامة هادئة، دافئة، مختلفة تمامًا.
"ياسين..."
قالها وكأنه يذوق الاسم.
"ده حكاية لوحده."
ابتسم مصطفى وهو يراقبه:
"شايف؟ وشك بيتغير لما تيجي سيرته."
هز غيث رأسه بخفة:
"ده ابني يا عم... طبيعي."
"لا مش طبيعي..." قالها مصطفى وهو يضحك
"إنت داخل في مرحلة الأب الحنون خلاص... خلصنا."
ضحك غيث، لكنه لم يرد هذه المرة.
مرّت لحظة هادئة بينهما...
ثم أخذ نفسًا عميقًا.
الابتسامة خفتت.
لاحظ مصطفى فورًا.
"إيه؟"
لم يرد غيث.
ظل ينظر أمامه... وكأنه يفكر.
ثم قال بصوت أخفض:
"غزل..."
عقد مصطفى حاجبيه:
"مالها؟"
زفر غيث ببطء، ومرر يده على شعره:
"مش عارف... حاسس إنها مش طبيعية الفترة دي."
"إزاي يعني؟"
"متغيرة..."
توقف لحظة، يبحث عن الكلمات
"ساكتة أكتر... بتفكر كتير... بتبعد أوقات..."
رفع عينيه لمصطفى:
"وحاسس إنها مخبية حاجة."
صمت مصطفى لثواني، ثم مال للأمام قليلًا:
"إنت سألتها؟"
هز غيث رأسه:
"حاولت... بس كل مرة تقول مفيش حاجة."
سكت... ثم أضاف بنبرة أخف، لكنها تحمل قلق واضح:
"بس أنا عارفها... دي مش غزل."
نظر له مصطفى بهدوء، ثم تنهد بخفة:
"بص... ممكن أقولك حاجة؟"
"قول."
"إنت مكبر الموضوع شوية."
رفع غيث حاجبه:
"إزاي يعني؟"
ابتسم مصطفى ابتسامة بسيطة:
"يا عم... بنتك لسه مولودة من كام شهر... يعني نومها متلخبط... حياتها كلها متلخبطة..."
رفع إصبعه:
"وفوق ده... دراسة... وبيت... وطفل..."
ثم أكمل:
"طبيعي تبقى مضغوطة."
سكت لحظة، ثم أضاف بنبرة أخف:
"وممكن كمان تكون خايفة عليك بعد اللي حصل."
لم يرد غيث فورًا.
فكر...
كلامه منطقي.
لكن-
هز رأسه ببطء:
"مش عارف... الإحساس ده مش بيروح."
ابتسم مصطفى بخفة، وربت على كتفه:
"بص... لو في حاجة هتقولك."
ثم أضاف وهو يضحك:
"وحتى لو مخبية... أكيد مش حاجة زي ما دماغك رايحة."
نظر له غيث بنصف ابتسامة:
"يا رب."
"يا عم سيبك من كل ده..." قالها مصطفى وهو يعود لأسلوبه المرح
"وقولي... إمتى هتعزمني بقى في القصر؟ ولا لازم ألبس بدلة وأقدم طلب رسمي؟"
ضحك غيث أخيرًا:
"تعالى بس... وأنا أخليك تقعد في الجناح الرئاسي كمان."
"الله!" قالها مصطفى بحماس
"أهو الكلام اللي يفتح النفس!"
********************
في مكان احتجاز لارين
اقتربت من الباب، وضعت يدها عليه، دفعت-
ثابت.
كما توقعت.
انحنت قليلًا، تفحصت القفل... أصابعها مرت عليه ببطء، وكأنها تحفظ شكله.
ثم ابتعدت.
نظرت للأرض...
كرسي خشبي... طاولة صغيرة... زجاجة ماء.
لا شيء أكثر.
"بدائي..."
تمتمت بصوت خافت.
تقدمت نحو الكرسي، أمسكت به، قلبته... تفحصت الأرجل، المفاصل...
ثم ضربت به الأرض بقوة.
طَخ!
الصوت تردد في الغرفة...
لكن لا أحد جاء.
رفعت حاجبها قليلًا.
"كويس..."
أعادت المحاولة-
ضربة أخرى... ثم ثالثة...
حتى بدأت إحدى الأرجل تتشقق.
توقفت.
تنفست ببطء.
ثم جلست على الأرض، وأسندت ظهرها للحائط.
نظرت للقطعة الخشبية التي انفصلت...
أمسكتها.
قلبتها بين أصابعها.
حادّة قليلًا...
لكن ليست كفاية.
نهضت مجددًا، واتجهت نحو الباب.
أدخلت طرف الخشب في القفل... حاولت تحريكه... الضغط... لفّه...
ثانية... دقيقتين... ثلاث...
ولا شيء.
توقفت.
أخرجت القطعة ببطء.
نظرت إليها... ثم رمتها جانبًا.
سارت في الغرفة ذهابًا وإيابًا... خطوات هادئة، محسوبة...
تفكر.
تحلل.
تعيد تركيب كل شيء.
"خطف... بدون فدية... بدون كلام..."
توقفت فجأة.
عيناها ضاقت قليلاً.
"مش عشوائي."
تذكرت...
الشارع...
العجوز...
وتلك المرأة...
ملامحها... نظرتها...
الغرور... الاحتقار...
دارين.
لم يتغير شيء في وجه لارين...
لكن عينيها فقط... أصبحت أبرد.
"واضح إنك زعلتي."
قالتها بصوت منخفض... وكأنها تخاطبها رغم غيابها.
صمتت لحظة... ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة... بلا دفء.
"حساسة بزيادة."
عادت تمشي ببطء.
توقفت عند الحائط... وضعت يدها عليه، تشعر ببرودته.
"بس للأسف..."
نظرت نحو الباب.
"اخترتي الشخص الغلط."
جلست مجددًا، هذه المرة بشكل مريح أكثر، وكأنها... استقرت.
لا ذعر.
لا استعجال.
فقط... انتظار محسوب.
أغمضت عينيها لثواني... ثم فتحتها.
"أنا مش زي الناس اللي بتخافيهم."
قالتها بهدوء تام.
ثم أضافت، بنبرة ثابتة، باردة كالجليد:
"وأول ما أطلع من هنا..."
توقفت لحظة قصيرة...
"أنا اللي هاجي لك."
***********************
في فيلا الشرقاوي
جلست ميار على طرف السرير، تحتضن ركبتيها، وعيناها ثابتتان في الفراغ...
لكن عقلها لم يتوقف لحظة.
كلمات غزل...
نبرة صوتها...
الخوف الذي حاولت إخفاءه...
"في حد بيبعتلي رسائل تهديد..."
أغمضت عينيها بقوة.
"مين...؟"
همست بها.
لم يكن السؤال عاديًا...
كان مليئًا بشيء أعمق.
قلق... وغضب.
فتحت عينيها، ونهضت فجأة، بدأت تمشي في الغرفة ذهابًا وإيابًا.
"مين ممكن يعمل كده؟"
يدها ارتفعت إلى شعرها، شدّت عليه بخفة، وكأنها تحاول إجبار عقلها على الإجابة.
ثم توقفت فجأة.
كأن فكرة ما... ضربتها.
عيناها اتسعتا ببطء.
"...لا."
همست بها.
لكن ملامحها لم تهدأ.
بل العكس...
بدأ الغضب يظهر تدريجيًا.
"ممكن..."
نبرتها تغيرت.
أصبحت أكثر حدة... أكثر ظلمة.
ولاء.
الاسم مر في عقلها... كطعنة قديمة لم تلتئم.
وجه والدتها...
برودها... كلماتها... اعترافها...
كل شيء عاد دفعة واحدة.
شدّت قبضتها بقوة.
"مش بعيد..."
قالتها من بين أسنانها.
"هي قادرة على أي حاجة."
تنفست بسرعة، وصدرها يعلو ويهبط.
"حتى وهي في السجن..."
صمتت لحظة...
ثم رفعت رأسها، وعيناها تلمعان بغضب واضح:
"لو طلعتي إنتِ..."
تقدمت خطوة، وكأنها تواجهها بالفعل:
"أنا اللي هخلص عليكِ بإيدي."
الصمت عاد...
لكن هذه المرة... مشحون.
أخذت نفسًا عميقًا، ثم قالت بحسم:
"بكرة."
"هروحلك بنفسي... وأسألك."
طرَق.
تجمدت.
نظرت نحو الباب.
طرَق مرة ثانية.
"ميار؟"
الصوت كان مألوفًا... خفيفًا... يحمل تلك النبرة التي تعرفها جيدًا.
سليم.
توقفت لثانية...
ثم- فجأة-
اختفى كل شيء من وجهها.
الغضب... التوتر... الأفكار...
كأنها أغلقت بابًا داخليًا بالكامل.
اقتربت من المرآة بسرعة، نظرت لنفسها...
ثم ابتسمت.
ابتسامة خفيفة... ناعمة... مختلفة تمامًا عمّا كانت عليه قبل لحظات.
"ادخل."
فتح الباب بهدوء، ودخل سليم الشاب، بابتسامته المعتادة وعينيه المليئتين بالحياة.
"إيه يا آنسة... قاعدة لوحدك كده؟"
رفع حاجبه بمكر:
"ولا مستنياني؟"
ابتسمت أكثر، هذه المرة بوضوح:
"واضح إنك واثق في نفسك بزيادة."
أغلق الباب خلفه، واقترب بخطوات هادئة:
"مش واثق... متأكد."
وقفت أمامه، تضع يديها خلف ظهرها، تنظر له بنظرة خفيفة التحدي:
"من إيه بقى؟"
اقترب أكثر... حتى لم يعد بينهما سوى مسافة صغيرة:
"إنك بتستنياني."
اتسعت ابتسامتها رغمًا عنها.
"حلمك كبير."
مال قليلًا، صوته انخفض:
"بس مش مستحيل."
ضحكت بخفة، ثم أدارت وجهها قليلًا:
"طب كنت فين بقى؟ مختفي من امبارح."
تنهد بتمثيل:
"شغل... ضغط... حياة صعبة."
ثم أشار لنفسه:
"وأنا راجل بسيط بحاول أعيش."
ضحكت:
"آه طبعًا... واضح البساطة."
نظر لها بتركيز فجأة...
ثم قال بهدوء:
"إنتِ كويسة؟"
توقفت.
للحظة واحدة فقط...
كاد كل شيء يعود.
لكنها تداركت نفسها سريعًا.
"آه... كويسة."
ابتسمت، هذه المرة بنعومة أكثر:
"طالما إنت موجود."
تغيرت ملامحه فورًا، ابتسامة أوسع، دفء واضح:
"لا كده أنا هصدق بقى."
رفعت كتفيها بخفة:
"صدق... مين مانعك؟"
اقترب خطوة إضافية، نظر لعينيها مباشرة:
"عارفة؟"
"إيه؟"
"أكتر حاجة بحبها فيكِ... إنك بتقولي كلام حلو فجأة كده."
نظرت له بثبات، ثم قالت بهدوء:
"يمكن علشان إنت بتستاهل."
**************************
أمام فيلا الشرقاوي ليلا
نزلت دارين من السيارة بخطوات واثقة... كعبها يطرق الأرض بنغمة ثابتة، كأنها تعلن حضورها قبل أن تتكلم.
كانت أنيقة كعادتها...
فستان داكن، شعر مرتب بعناية، ونظرة باردة لا تحمل أي أثر لما فعلته قبل قليل.
كأنها لم تكن...
في مكان مظلم... تحتجز فتاة.
رفعت نظارتها الشمسية ببطء، ونظرت نحو الفيلا.
ابتسامة خفيفة... متعجرفة.
"البيت الوحيد اللي الواحد يرجعله ويلاقيه لسه زي ما هو... ممل."
دخلت.
ما إن عبرت الباب...
حتى تجمدت لثانية.
ثم رفعت حاجبها.
"يا مساء المفاجآت."
كان إياد واقفًا في الصالة، مستندًا على الكنبة، يحمل كوب عصير، يراقبها من أعلى لأسفل بنظرة تقييم مبالغ فيها.
ثم قال ببطء:
"لا لا لا... استني."
رفع يده كأنه يوقف الزمن.
"خليني أستوعب المنظر."
ضيّقت عينيها:
"إياد."
ابتسم ابتسامة واسعة، مريحة أكثر من اللازم:
"دارين."
سكت لحظة... ثم مال برأسه قليلًا:
"إيه الأناقة دي؟"
نظرت له ببرود:
"دايمًا كده."
هز رأسه:
"لا لا... المرة دي في حاجة زيادة."
ثم اقترب خطوة، يلف حولها وكأنه يفحص قطعة فنية:
"لمعة... ترتيب... حتى الميك أب مظبوط زيادة عن اللزوم..."
توقف أمامها مباشرة:
"كنتِ راجعة من حفلة؟ ولا..."
توقف، ثم ابتسم بمكر:
"مهمة خاصة؟"
لم تتغير ملامحها... لكن عينيها ضاقت قليلًا.
"وأنت مالك؟"
رفع كتفيه ببساطة:
"فضول بريء."
ثم أخذ رشفة من الكوب وأضاف:
"أصل اللي يخرج بالمنظر ده ويرجع بالهدوء ده... يا إما عمل مصيبة... يا إما ناوي يعملها."
ابتسمت بسخرية باردة:
"متشغلش نفسك بيا."
"لا اطمني... أنا آخر واحد ممكن يشغل نفسه بيكِ."
قالها بسرعة، ثم أضاف وهو ينظر لها بنظرة جانبية:
"أنا بحب راحتي."
شدّت يدها على حقيبتها قليلًا.
"واضح."
صمت لحظة... ثم قال فجأة بنبرة خفيفة لكنها لاذعة:
"على فكرة... ما فكرتيش تهتمي ببيتك شوية؟"
رفعت رأسها ببطء:
"إيه؟"
أشار بيده بشكل عشوائي:
"يعني جوزك... بنتك... حاجات بسيطة كده."
ثم ابتسم ابتسامة مزعجة جدًا:
"ولا المشروع الحالي أهم؟"
نظرت له بحدة:
"خليك في حالك يا إياد."
رفع حاجبه:
"ما أنا بحاول أساعد..."
ثم أكمل ببرود ساخر:
"حازم راجل محترم... حرام يفضل لوحده كده... وسارة؟"
هز رأسه بأسف مصطنع:
"البنت محتاجة أم... مش مديرة أعمال."
احمر وجهها قليلًا... الغضب بدأ يظهر بوضوح.
"إنت آخر واحد يتكلم عن العيلة!"
قالتها بحدة.
ثم أضافت بسرعة، وكأنها وجدت نقطة تضربه بها:
"واحد لحد دلوقتي ما اتجوزش... أخوك بقى جد... وإنت لسه-"
قاطعها فورًا، بدون أي تردد:
"مبسوط."
توقفت.
لم تتوقع الرد.
ابتسم وهو يكمل:
"أنا مبسوط كده..."
ثم اقترب قليلًا، وخفض صوته بنبرة مسرحية:
"لأني بصراحة..."
توقف لحظة، نظر لها من أعلى لأسفل مرة أخرى...
"خايف."
ضيّقت عينيها:
"من إيه؟"
ابتسم ابتسامة عريضة:
"أتجوز واحدة شبهك."
سكتت.
ثانية...
ثم-
"لا لا لا..." أكمل بسرعة وهو يرفع يده
"أنا أفضل العزوبية طول عمري... ولا المغامرة دي."
ضحك بخفة، وكأنه قال نكتة عظيمة.
وجهها احمر بالكامل الآن... الغضب واضح، حاد.
"إياد!"
لكنّه كان قد بدأ يتحرك بالفعل، متجهًا نحو الباب.
"خلي بالك بس..." قالها وهو يفتح الباب
"الجمال لوحده مش كفاية... أوقات الأخلاق بتفرق."
ثم التفت لها بنظرة أخيرة... ساخرة تمامًا:
"جربيها يوم."
وخرج.
بقيت واقفة مكانها...
ثابتة.
لكن يدها كانت ترتجف من شدة الغضب.
"حقير..."
همست بها.
ثم قبضت يدها بقوة، عينيها تلمعان بشيء أخطر من الغضب:
"كلكم..."
نظرت نحو الباب الذي خرج منه...
"هندمكم."
**************************
أمام فيلا الشرقاوي ليلا
نزلت دارين من السيارة بخطوات واثقة... كعبها يطرق الأرض بنغمة ثابتة، كأنها تعلن حضورها قبل أن تتكلم.
كانت أنيقة كعادتها...
فستان داكن، شعر مرتب بعناية، ونظرة باردة لا تحمل أي أثر لما فعلته قبل قليل.
كأنها لم تكن...
في مكان مظلم... تحتجز فتاة.
رفعت نظارتها الشمسية ببطء، ونظرت نحو الفيلا.
ابتسامة خفيفة... متعجرفة.
"البيت الوحيد اللي الواحد يرجعله ويلاقيه لسه زي ما هو... ممل."
دخلت.
ما إن عبرت الباب...
حتى تجمدت لثانية.
ثم رفعت حاجبها.
"يا مساء المفاجآت."
كان إياد واقفًا في الصالة، مستندًا على الكنبة، يحمل كوب عصير، يراقبها من أعلى لأسفل بنظرة تقييم مبالغ فيها.
ثم قال ببطء:
"لا لا لا... استني."
رفع يده كأنه يوقف الزمن.
"خليني أستوعب المنظر."
ضيّقت عينيها:
"إياد."
ابتسم ابتسامة واسعة، مريحة أكثر من اللازم:
"دارين."
سكت لحظة... ثم مال برأسه قليلًا:
"إيه الأناقة دي؟"
نظرت له ببرود:
"دايمًا كده."
هز رأسه:
"لا لا... المرة دي في حاجة زيادة."
ثم اقترب خطوة، يلف حولها وكأنه يفحص قطعة فنية:
"لمعة... ترتيب... حتى الميك أب مظبوط زيادة عن اللزوم..."
توقف أمامها مباشرة:
"كنتِ راجعة من حفلة؟ ولا..."
توقف، ثم ابتسم بمكر:
"مهمة خاصة؟"
لم تتغير ملامحها... لكن عينيها ضاقت قليلًا.
"وأنت مالك؟"
رفع كتفيه ببساطة:
"فضول بريء."
ثم أخذ رشفة من الكوب وأضاف:
"أصل اللي يخرج بالمنظر ده ويرجع بالهدوء ده... يا إما عمل مصيبة... يا إما ناوي يعملها."
ابتسمت بسخرية باردة:
"متشغلش نفسك بيا."
"لا اطمني... أنا آخر واحد ممكن يشغل نفسه بيكِ."
قالها بسرعة، ثم أضاف وهو ينظر لها بنظرة جانبية:
"أنا بحب راحتي."
شدّت يدها على حقيبتها قليلًا.
"واضح."
صمت لحظة... ثم قال فجأة بنبرة خفيفة لكنها لاذعة:
"على فكرة... ما فكرتيش تهتمي ببيتك شوية؟"
رفعت رأسها ببطء:
"إيه؟"
أشار بيده بشكل عشوائي:
"يعني جوزك... بنتك... حاجات بسيطة كده."
ثم ابتسم ابتسامة مزعجة جدًا:
"ولا المشروع الحالي أهم؟"
نظرت له بحدة:
"خليك في حالك يا إياد."
رفع حاجبه:
"ما أنا بحاول أساعد..."
ثم أكمل ببرود ساخر:
"حازم راجل محترم... حرام يفضل لوحده كده... وسارة؟"
هز رأسه بأسف مصطنع:
"البنت محتاجة أم... مش مديرة أعمال."
احمر وجهها قليلًا... الغضب بدأ يظهر بوضوح.
"إنت آخر واحد يتكلم عن العيلة!"
قالتها بحدة.
ثم أضافت بسرعة، وكأنها وجدت نقطة تضربه بها:
"واحد لحد دلوقتي ما اتجوزش... أخوك بقى جد... وإنت لسه-"
قاطعها فورًا، بدون أي تردد:
"مبسوط."
توقفت.
لم تتوقع الرد.
ابتسم وهو يكمل:
"أنا مبسوط كده..."
ثم اقترب قليلًا، وخفض صوته بنبرة مسرحية:
"لأني بصراحة..."
توقف لحظة، نظر لها من أعلى لأسفل مرة أخرى...
"خايف."
ضيّقت عينيها:
"من إيه؟"
ابتسم ابتسامة عريضة:
"أتجوز واحدة شبهك."
سكتت.
ثانية...
ثم-
"لا لا لا..." أكمل بسرعة وهو يرفع يده
"أنا أفضل العزوبية طول عمري... ولا المغامرة دي."
ضحك بخفة، وكأنه قال نكتة عظيمة.
وجهها احمر بالكامل الآن... الغضب واضح، حاد.
"إياد!"
لكنّه كان قد بدأ يتحرك بالفعل، متجهًا نحو الباب.
"خلي بالك بس..." قالها وهو يفتح الباب
"الجمال لوحده مش كفاية... أوقات الأخلاق بتفرق."
ثم التفت لها بنظرة أخيرة... ساخرة تمامًا:
"جربيها يوم."
وخرج.
بقيت واقفة مكانها...
ثابتة.
لكن يدها كانت ترتجف من شدة الغضب.
"حقير..."
همست بها.
ثم قبضت يدها بقوة، عينيها تلمعان بشيء أخطر من الغضب:
"كلكم..."
نظرت نحو الباب الذي خرج منه...
"هندمكم."
**************************
أمام فيلا الشرقاوي ليلا
نزلت دارين من السيارة بخطوات واثقة... كعبها يطرق الأرض بنغمة ثابتة، كأنها تعلن حضورها قبل أن تتكلم.
كانت أنيقة كعادتها...
فستان داكن، شعر مرتب بعناية، ونظرة باردة لا تحمل أي أثر لما فعلته قبل قليل.
كأنها لم تكن...
في مكان مظلم... تحتجز فتاة.
رفعت نظارتها الشمسية ببطء، ونظرت نحو الفيلا.
ابتسامة خفيفة... متعجرفة.
"البيت الوحيد اللي الواحد يرجعله ويلاقيه لسه زي ما هو... ممل."
دخلت.
ما إن عبرت الباب...
حتى تجمدت لثانية.
ثم رفعت حاجبها.
"يا مساء المفاجآت."
كان إياد واقفًا في الصالة، مستندًا على الكنبة، يحمل كوب عصير، يراقبها من أعلى لأسفل بنظرة تقييم مبالغ فيها.
ثم قال ببطء:
"لا لا لا... استني."
رفع يده كأنه يوقف الزمن.
"خليني أستوعب المنظر."
ضيّقت عينيها:
"إياد."
ابتسم ابتسامة واسعة، مريحة أكثر من اللازم:
"دارين."
سكت لحظة... ثم مال برأسه قليلًا:
"إيه الأناقة دي؟"
نظرت له ببرود:
"دايمًا كده."
هز رأسه:
"لا لا... المرة دي في حاجة زيادة."
ثم اقترب خطوة، يلف حولها وكأنه يفحص قطعة فنية:
"لمعة... ترتيب... حتى الميك أب مظبوط زيادة عن اللزوم..."
توقف أمامها مباشرة:
"كنتِ راجعة من حفلة؟ ولا..."
توقف، ثم ابتسم بمكر:
"مهمة خاصة؟"
لم تتغير ملامحها... لكن عينيها ضاقت قليلًا.
"وأنت مالك؟"
رفع كتفيه ببساطة:
"فضول بريء."
ثم أخذ رشفة من الكوب وأضاف:
"أصل اللي يخرج بالمنظر ده ويرجع بالهدوء ده... يا إما عمل مصيبة... يا إما ناوي يعملها."
ابتسمت بسخرية باردة:
"متشغلش نفسك بيا."
"لا اطمني... أنا آخر واحد ممكن يشغل نفسه بيكِ."
قالها بسرعة، ثم أضاف وهو ينظر لها بنظرة جانبية:
"أنا بحب راحتي."
شدّت يدها على حقيبتها قليلًا.
"واضح."
صمت لحظة... ثم قال فجأة بنبرة خفيفة لكنها لاذعة:
"على فكرة... ما فكرتيش تهتمي ببيتك شوية؟"
رفعت رأسها ببطء:
"إيه؟"
أشار بيده بشكل عشوائي:
"يعني جوزك... بنتك... حاجات بسيطة كده."
ثم ابتسم ابتسامة مزعجة جدًا:
"ولا المشروع الحالي أهم؟"
نظرت له بحدة:
"خليك في حالك يا إياد."
رفع حاجبه:
"ما أنا بحاول أساعد..."
ثم أكمل ببرود ساخر:
"حازم راجل محترم... حرام يفضل لوحده كده... وسارة؟"
هز رأسه بأسف مصطنع:
"البنت محتاجة أم... مش مديرة أعمال."
احمر وجهها قليلًا... الغضب بدأ يظهر بوضوح.
"إنت آخر واحد يتكلم عن العيلة!"
قالتها بحدة.
ثم أضافت بسرعة، وكأنها وجدت نقطة تضربه بها:
"واحد لحد دلوقتي ما اتجوزش... أخوك بقى جد... وإنت لسه-"
قاطعها فورًا، بدون أي تردد:
"مبسوط."
توقفت.
لم تتوقع الرد.
ابتسم وهو يكمل:
"أنا مبسوط كده..."
ثم اقترب قليلًا، وخفض صوته بنبرة مسرحية:
"لأني بصراحة..."
توقف لحظة، نظر لها من أعلى لأسفل مرة أخرى...
"خايف."
ضيّقت عينيها:
"من إيه؟"
ابتسم ابتسامة عريضة:
"أتجوز واحدة شبهك."
سكتت.
ثانية...
ثم-
"لا لا لا..." أكمل بسرعة وهو يرفع يده
"أنا أفضل العزوبية طول عمري... ولا المغامرة دي."
ضحك بخفة، وكأنه قال نكتة عظيمة.
وجهها احمر بالكامل الآن... الغضب واضح، حاد.
"إياد!"
لكنّه كان قد بدأ يتحرك بالفعل، متجهًا نحو الباب.
"خلي بالك بس..." قالها وهو يفتح الباب
"الجمال لوحده مش كفاية... أوقات الأخلاق بتفرق."
ثم التفت لها بنظرة أخيرة... ساخرة تمامًا:
"جربيها يوم."
وخرج.
بقيت واقفة مكانها...
ثابتة.
لكن يدها كانت ترتجف من شدة الغضب.
"حقير..."
همست بها.
ثم قبضت يدها بقوة، عينيها تلمعان بشيء أخطر من الغضب:
"كلكم..."
نظرت نحو الباب الذي خرج منه...
"هندمكم."
***************************
كانت السماء قد بدأت تميل إلى السواد...
والهدوء يلف المكان بطريقة غريبة.
توقفت السيارة أمام الفيلا.
نزلت غزل ببطء... خطواتها أثقل من المعتاد، كأن كل ما حدث اليوم... عالق في جسدها.
نظرت للحظة إلى باب الفيلا...
"بيت..."
لكن حتى هذه الكلمة... لم تعطها الشعور الذي كانت تحتاجه.
دفعت الباب ودخلت.
الداخل كان دافئًا...
إضاءة هادئة... ورائحة طعام خفيفة تملأ المكان.
"غزل؟"
رفعت رأسها.
كانت شيرلين تقف في منتصف الصالة، تحمل قطعة قماش بيدها، يبدو أنها كانت ترتب شيئًا.
"حمد لله على السلامة يا حبيبتي."
حاولت غزل أن تبتسم...
"الله يسلمك."
اقتربت شيرلين منها، نظرت لوجهها جيدًا... وتوقفت.
"إنتِ تعبانة؟"
هزت غزل رأسها بسرعة:
"لا... بس يوم طويل."
لم تقتنع شيرلين بالكامل... لكنها لم تضغط.
ابتسمت بلطف:
"طب اقعدي أعملك حاجة سخنة-"
قاطعتها غزل بهدوء:
"ياسين فين؟"
تغيرت ملامحها فورًا... مزيج من القلق والحنان.
ابتسمت شيرلين بخفة:
"نايم... في أوضتكم."
أغمضت غزل عينيها لثانية... وكأنها كانت تحتاج فقط سماع هذه الكلمة.
"نايم..."
هزت رأسها بخفة:
"تمام."
ثم تحركت نحو السلم.
"غزل."
توقفت.
التفتت.
نظرت لها شيرلين بنظرة أم حقيقية... دافئة، لكنها فاحصة.
"لو في حاجة... أنا موجودة."
سكتت غزل لحظة...
كادت تقول شيئًا.
لكن-
ابتسمت ابتسامة خفيفة، متعبة:
"عارفة."
ثم صعدت.
كل درجة من السلم...
كانت أثقل من التي قبلها.
صوت خطواتها كان خافتًا...
لكن داخلها... لم يكن هناك أي هدوء.
"من اللحظة دي... الموضوع بقى بتاعي."
صوت جاسر عاد في رأسها بوضوح.
"اللي بيبعتلك الرسائل... هو اللي بعت الناس لغيث."
شدّت يدها على الدرابزين.
"يعني مش تهديد بس..."
رفعت رأسها ببطء.
"ده بيقرب."
وصلت إلى الباب.
توقفت للحظة... يدها على المقبض.
ثم فتحته بهدوء.
الغرفة كانت شبه مظلمة...
ضوء خافت يتسلل من المصباح الجانبي.
ووسط السكون...
كان هناك صوت واحد فقط.
تنفس صغير... منتظم.
تحركت ببطء... كأنها تخاف أن تكسر هذا السلام.
اقتربت من السرير...
ونظرت.
ياسين.
ملفوف ببطانيته الصغيرة... ملامحه هادئة... بريئة... بعيدة تمامًا عن كل ما يحدث في هذا العالم.
تغير وجهها فورًا.
كل التوتر...
كل الخوف...
ذاب للحظة.
جلست على طرف السرير ببطء، ومدت يدها تلمس شعره بخفة شديدة.
"إنت لازم تفضل كده..."
همست بها.
"بعيد عن كل ده."
صمتت...
لكن عينيها لم تعد هادئة.
بل امتلأت بقلق أعمق.
"لو الموضوع كبر..."
"لو وصل له..."
سحبت يدها ببطء.
وقفت.
نظرت للغرفة...
ثم جلست على السرير، وأسندت ظهرها للحائط.
رأسها رجع للخلف...
وعينيها أغلقت.
لكن عقلها... لم يتوقف.
جاسر...
الرسائل...
الهجوم...
كلماته تتكرر.
"ده حد بيراقب... وبيخطط..."
فتحت عينيها فجأة.
نظرت نحو الباب.
كأنها... تتخيل أحدًا خلفه.
ثم همست بصوت خافت... لكن حاسم:
"أنا مش هخاف."
سكتت لحظة...
ثم أضافت:
"بس مش هسمح لك تقرب أكتر."
في الخارج...
كان كل شيء هادئًا.
لكن داخل هذه الغرفة...
كانت الحرب...
قد بدأت بالفعل.
***********************
ليل القاهرة كان ممتدًا...
طريق شبه فارغ... أضواء أعمدة الإنارة تتكرر بنمط ممل.
داخل السيارة...
كان ريان يقود بهدوء، عيناه ثابتتان على الطريق... لكن عقله يعمل.
عاد أخيرًا.
"القاهرة..."
همس بها داخليًا.
لكن لا حنين...
ولا راحة...
فقط... مهمة.
ضغط قليلًا على المقود، وكأن كل شيء داخله بدأ يعود لوضعه الحقيقي.
وفجأة-
شخص يقطع الطريق.
ضغط الفرامل بقوة-
صوت احتكاك حاد... شق سكون الليل
السيارة توقفت قبل الاصطدام بلحظة.
الصمت انفجر فجأة.
فتح ريان الباب بسرعة، نزل بخطوات ثابتة... لا ارتباك... فقط تركيز.
"إنتِ كويسة؟"
كانت الفتاة تقف أمام السيارة... تتنفس بسرعة خفيفة... ملابسها غير مرتبة... شعرها مبعثر قليلًا...
لكنها-
لم تبدُ خائفة.
رفعت رأسها ببطء.
وعندما التقت عيونهما-
توقف الزمن لثانية.
"...إنت؟"
قالاها في نفس الوقت.
نظرت له لارين ببرود واضح... رغم حالتها.
"مطار القاهرة."
قالتها ببساطة.
رفع حاجبه قليلًا:
"المؤتمر العلمي."
سكتت لحظة... ثم هزت رأسها:
"واضح إن ذاكرتك كويسة."
"شغلي يفرض ده."
ردها كان أسرع:
"محدش سألك."
سكت.
نظر لها لثواني...
ثم قال بهدوء جاف:
"شكلك مش في وضع يسمح لك بالسخرية."
نظرت لنفسها سريعًا... ثم له:
"وشكلك مش في وضع يخليك تسأل."
ضاقت عينيه قليلًا.
"عنيدة..."
فكر بها.
ثم قال:
"إنتِ كنتِ هتتخبطّي بالعربية."
"وأنت كنت هتدعسني." ردت بنفس البرود
"وقفت." قالها باختصار
"في آخر لحظة." رفعت حاجبها
صمت.
لحظة مشحونة... لكن غريبة.
لا صراخ...
لا خوف...
فقط... شدّ خفي.
تنفس ريان ببطء، ثم قال بنبرة أكثر جدية:
"إنتِ بتعملي إيه هنا بالمنظر ده؟"
نظرت له مباشرة...
نظرة حادة... فاحصة.
"حضرتك مين علشان أجاوب؟"
هذه المرة... انزعج.
ظهر ذلك في عينيه بوضوح.
"واحد منعك تموتي من ثواني."
رد فورًا.
سكتت.
ثانية...
ثم قالت ببرود أخف قليلًا:
"اتخطفت."
لم يتغير وجهه...
لكن عينيه فقط... أصبحت أعمق.
"كملي."
نظرت حولها سريعًا... ثم قالت:
"مكان مقفول... مفيش حراسة واضحة... قدرت أهرب."
"مين؟"
"ست."
قالتها ببساطة.
"متأكدة؟"
"شوفتها."
صمت.
ثم أضافت، وعيناها تضيقان:
"مريضة... مغرورة... شايفة نفسها فوق الكل."
رفع ريان رأسه قليلًا...
الوصف... مألوف.
خطير.
"اسمها؟"
هزت رأسها:
"معرفش."
سكت.
لكن ملامحه تغيرت قليلًا...
"دارين...؟"
الفكرة لم تكن بعيدة.
نظر لها مجددًا... هذه المرة بتركيز أكبر.
"تعالي."
قالها فجأة.
ضيّقت عينيها:
"فين؟"
"أوصلك."
"مش محتاجة."
"محتاجة." قالها بوضوح
"قلتلك لأ."
اقترب خطوة... صوته انخفض:
"اللي خطفك... ممكن يكون بيدور عليك دلوقتي."
توقفت.
كلامه... منطقي.
للأسف.
زفرت بخفة:
"...تمام."
فتح لها باب السيارة بدون تعليق.
ركبت.
داخل السيارة...
الصمت عاد.
لكن هذه المرة... مختلف.
نظرات سريعة... غير مباشرة...
تفكير...
تحليل...
قال فجأة:
"اسمك."
نظرت له:
"لارين."
هز رأسه:
"ريان."
سكتت.
ثم قالت بنبرة خفيفة السخرية:
"اسم عادي."
نظر لها بطرف عينه:
"بس مش شخص عادي."
سكتت.
هذه المرة... لم ترد.
مرّت لحظات...
ثم قال بهدوء:
"اللي حصل لك مش صدفة."
"عارفة."
"والموضوع مش هيقف عند كده."
نظرت له... بتركيز هذه المرة:
"وأنت عرفت منين؟"
سكت لحظة...
ثم قال:
"إحساس."
رفعت حاجبها:
"إحساس قوي أوي."
"كفاية." رد باختصار
الصمت عاد...
لكن هذه المرة... فيه شيء مختلف.
شدّ... غير مفهوم.
نظرت له للحظة...
ثم قالت فجأة:
"أنت دايمًا كده؟"
"كده إزاي؟"
"بارد."
نظر لها...
ثم قال بهدوء:
"وأنتِ؟"
ابتسمت ابتسامة خفيفة... بلا دفء:
"نفس المشكلة."
ثانية...
ثانيتين...
ثم-
عاد كل منهما ينظر للطريق.
لكن داخل كل واحد منهما...
سؤال واحد فقط:
"إيه ده؟"
ليس خوف...
ليس إعجاب واضح...
لكن-
شيء بدأ.
بهدوء...
وخطورة.
*************************
في فيلا الشرقاوي ، اوضة حازم و دارين
كانت الغرفة مظلمة إلا من ضوء خافت يتسلل من مصباح جانبي...
لكن الهدوء لم يكن موجودًا.
"إنت بتقول إيه؟!"
صوت دارين اخترق المكان كصفعة.
وقفت في منتصف الغرفة... ملامحها مشوهة بالغضب... عيناها تشتعلان.
أمامها... رجلان يقفان بصمت، رؤوسهما منخفضة.
"هربت؟!"
خطت خطوة سريعة نحوهم، كعبها يضرب الأرض بعنف:
"هربت إزاي يعني؟! دي مش لعبة دي!"
لم يرد أحد.
لم يجرؤ.
"أنا سيبتكم على بنت واحدة!"
صرخت بها، ثم دفعت أحدهم بقوة:
"واحدة!"
ترنح الرجل قليلًا... لكنه لم يرفع رأسه.
"كنتم بتعملوا إيه؟ نايمين؟!"
صوتها أصبح أعلى... أكثر حدة... أقرب للجنون.
"أنا جبتها بنفسي... بنفسي!"
وضعت يدها على رأسها للحظة... ثم صرخت فجأة:
"إزاي تسيبوها تهرب؟!"
أحدهم تمتم بصوت خافت:
"إحنا... كنا فاكرين-"
"إسكت!"
قاطعته بحدة، عيناها تقدحان شررًا:
"إنت مش مفروض تفكر... إنت مفروض تنفذ!"
صمت.
مخيف.
ثم بدأت تمشي في الغرفة بسرعة... ذهابًا وإيابًا... كحيوان محبوس.
"غبية..."
همست بها.
"أنا كنت عارفة إنها مش عادية..."
توقفت فجأة.
عيناها ضاقت...
"لازم تكون شافت حاجة..."
قبضت يدها بقوة:
"لو اتكلمت-"
صوت باب يُفتح.
تجمدت.
الصمت سقط فجأة على الغرفة.
ببطء...
استدارت.
كان حازم يقف عند الباب.
ثابت... هادئ...
لكن عينيه...
لم تكن هادئة.
نظرته انتقلت من الحراس... إلى دارين... ثم عادت إليها مرة أخرى.
نظرة واحدة فقط...
وكانت كافية لتجعلها تشعر بشيء نادر.
الخوف.
لم تتكلم.
لأول مرة منذ دقائق...
صمتت.
أحد الحراس ابتلع ريقه، ثم انسحب بسرعة... والآخر تبعه دون كلمة.
أُغلق الباب.
بقيت هي... وهو.
خطا حازم خطوة إلى الداخل.
ببطء.
عيناه لم تفارقاها.
"كنت فاكر إنك وصلتي لمرحلة سيئة..."
صوته كان منخفض... هادئ...
لكنه يحمل اشمئزازًا واضحًا.
"بس شكلي كنت غلطان."
لم ترد.
لم تعرف كيف.
نظرت له... محاولة الحفاظ على ثباتها المعتاد... لكنها فشلت قليلًا.
اقترب خطوة أخرى.
"خطف؟"
قالها ببساطة... كأن الكلمة نفسها تثير اشمئزازه.
"إنتِ بقيتي بتخطفي؟"
شهقت بخفة... لكنها لم تجب.
عيناها فقط... ارتجفتا للحظة.
اقترب أكثر...
أصبح أمامها مباشرة.
"أنا كنت فاكر إني شفت كل حاجة منك..."
توقف...
ثم نظر لها بنظرة باردة قاسية:
"بس إنتِ كل مرة بتثبتي إني كنت عبيط و اهبل و نام على ودانه زي الاطرش في الزفة."
بلعت ريقها.
"حازم-"
رفع يده قليلًا... أوقفها.
"اخرسي مش عايز اسمع صوتك"
ثم انحنى قليلًا نحوها... صوته انخفض أكثر:
"قولي بس حاجة واحدة."
تجمدت في مكانها.
عينيها فيه...
قلبها- لأول مرة منذ زمن-
يدق بسرعة.
"مين اللي خطفتيها؟"
يتبع