
رواية قيود من حرير الفصل الخامس والثلاثون35 بقلم سيليا البحيري
في سجن النساء - القاهرة
توقفت الحارسة أمام الزنزانة المعدنية، تلك التي تبتلع الأرواح قبل الأجساد. تأوّه الباب الحديدي وهو ينزاح، كأنه يئن من أثقال الذنوب المتراكمة خلفه.
داخلها... كانت ولاء جاثمة على السرير المعدني كتمثال للهزيمة، شعرها أشعث، لكن عينيها... ما زالتا ترميان ذلك الشر القديم، لم تُهزم بعد.
الحارسة: "عندك زيارة."
رفعت ولاء رأسها ببطء، كمن يستجمع قواه لمواجهة القدر. تجهمت ملامحها.
ولاء: "مين؟"
لكنها لم تنتظر الإجابة... لأنها رأت بنفسها.
دارين الشرقاوي تدخل.
بكامل أناقتها... كأنها دخلت صالونًا فاخرًا... لا زنزانة حقيرة. عباءتها الفاخرة تتنافس مع رائحة الرطوبة، وحذاؤها الذي يعرف فقط أرضيات الرخام يلامس أسمنت السجن بكراهية.
تجمدت ملامح ولاء للحظة. صدمة... لم تستطع إخفاءها.
ولاء: "دارين...؟"
ابتسامة بطيئة... باردة... ظهرت على شفتي دارين، كمن يفتح نافذة على صقيع طويل.
دارين: "وحشتيني."
ضحكة قصيرة... خرجت من ولاء... لكنها كانت مشبعة بالمرارة، كدمعة تحولت إلى سم.
ولاء: "جايه تشمتي؟"
اقتربت دارين خطوة، نظرت حولها باشمئزاز خفيف، كمن يتفقد سوقًا للخردة.
دارين: "المكان لايق عليكي... بصراحة."
نظرة حقد اشتعلت في عيني ولاء، لو كانت نارًا لأحرقت ما حولها.
ولاء: "مش غريبة عليكي... الشماتة."
انحنت دارين قليلًا... اقتربت أكثر، حتى كادت أنفاسها تلامس جدار الصمت بينهما.
دارين: "أنا؟ بشمت؟"
ابتسمت بسخرية، كمن يلعب بفريسة قبل أن يطويها النسيان.
"أنا بس... بحب أشوف النهاية."
قبضت ولاء على يدها بقوة، فجأة، كأفعى تلدغ من تحت الرماد.
ولاء: "النهاية لسه مجتش."
رفعت دارين حاجبها، في مزيج من التسلية والازدراء.
دارين: "إنتي في السجن يا ولاء."
صمت لحظة، ثم أتمت:
"انتهيتي."
ضحكت ولاء... لكن هذه المرة... بهدوء غريب، كمن أمسك بخيط القصة من بدايته.
ولاء: "انتهيت؟"
رفعت عينيها ببطء... كمن يطل من نافذة محرقة ليرى الشمس ما زالت هناك.
"ولا الدور عليكي؟"
تغيرت ملامح دارين... ولو لثانية. ارتعدت حدقة عينها، لكنها تماسكت، كمن يعرف أن السقوط ممنوع.
دارين ببرود: "إنتي فقدتي عقلك هنا."
ابتسامة واسعة... لاذعة... ارتسمت على وجه ولاء، كمن يرسم على قبر خصمه اسمه قبل الأوان.
ولاء: "لا... بالعكس."
اقتربت قليلًا... صوتها انخفض... حتى صار همسًا لا يسمعه إلا الجدران.
"أنا بدأت أفهم كل حاجة."
سكون. ثقيل. خانق. حتى الحارسة خارج الباب شعرت بثقل الوقت.
ولاء: "ياسر..."
الكلمة فقط... كانت كفيلة بأن-
تتجمد نظرة دارين.
لثانية واحدة... انكسر شيء داخلها، شيء كانت تبني عليه صروحًا من كبرياء.
دارين (بحدة): "اسكتي."
لكن ولاء لم تتوقف. ضحكت... بصوت منخفض... مخيف، كرعد بعيد لا يراه أحد لكن الكل يخشاه.
ولاء: "مفاجأة صح؟"
عيناها تلمعان بشماتة سوداء، وكأنها تسترد روحها المسلوبة قطعة قطعة.
ولاء: "فاكرة إن محدش يعرف؟"
صمت ثقيل، لو سقط لسحق المكان.
ولاء: "فاكرة إن لعبتك نظيفة؟"
اقتربت أكثر... قدر ما يسمح لها المكان، حتى كادت الظلال تلتصق ببعضها.
ولاء (همس سام): "أنا عارفة... كل حاجة."
قلب دارين تسارع... لكن وجهها-
عاد باردًا. كأن أحدهم أطفأ فيه النور.
ببطء... رفعت رأسها، وجمعت ما تبقى من جبروتها.
دارين: "لو فتحتي بوقك..."
توقفت... نظرتها أصبحت قاتلة، كمن يعد قبرًا لا يعرف له صاحب.
"هتتمني الموت... ومش هتلاقيه."
ولاء لم ترتجف. بالعكس... ابتسمت. وكأن الموت رفيقها القديم.
ولاء: "خايفة."
كلمة واحدة... لكنها أصابت، أصابت عميقًا حيث لا يصل الزيف.
ولاء: "أول مرة أشوفك خايفة يا دارين."
اقتربت أكثر... حتى كادت أنفاسها تلمس وجه عدوتها.
"شكل السر تقيل... أوي."
صمت.
ثم-
استقامت دارين. استعادت هدوءها... كبرياءها... وقسوتها. كمن يلبس درعًا بعد أن أصابه سهم.
دارين ببطء: "إنتي هنا... محدش بيسمعك."
نظرة احتقار، باردة كثلج الصحراء.
"ومحدش هيصدقك."
توقفت لحظة... ثم مالت قليلًا نحوها، حتى صار صوتها لا يصلح إلا لموتى الأسرار.
دارين (بهمس بارد): "خلي السر معاكي... عشان تعيشي."
ثم اعتدلت... أدارت ظهرها، كمن يغلق كتابًا لن يعود ليفتحه.
لكن قبل أن ترحل-
ولاء بصوت مليء بالكره، بالحقيقة التي لا تُدفن: "فاكرة إنك كسبتي؟"
توقفت دارين.
ولاء: "كلنا خسرنا..."
ابتسامة سوداء... كمن يرسم بدمه رسالة أخيرة.
"بس أنا وقعت بدري... إنتي لسه جاية."
سكون.
ثم أضافت... ببطء، كمن يزرع بذرة يعلم أنها ستثمر:
"ويومك... قريب."
ثانية واحدة... ثم أكملت دارين طريقها...
دون أن تلتفت.
لكن...
خارج الزنزانة...
توقفت.
أنفاسها كانت أعمق من المعتاد، وصدرها يرتفع بهدوء مصطنع.
ياسر.
الاسم يطرق رأسها بقوة، كمن يحاول كسر باب لم يفتح من قبل.
ولأول مرة منذ سنوات... الخوف... زارها. زارها كضيف ثقيل لا يحمل هدايا، بل يحمل مرايا.
داخل الزنزانة...
ضحكت ولاء.
ضحكة بطيئة... مجنونة... كمن يشاهد مدينة تحترق من بعيد ويعلم أن النار ستأتي إليه لا محالة.
لأنها أخيرًا...
رأت الشر... يخاف
**********************
في الجامعة
تحت شجرة كبيرة قرب مبنى الكلية...
كانت غزل جالسة على المقعد الحجري، هاتفها بين يديها، لكن عينيها ليستا على الشاشة... بل في مكان بعيد.
الرسائل ما زالت عالقة في رأسها.
"خلي بالك من الطفل الصغير... ياسين صح؟"
شعرت بقلبها ينقبض.
في تلك اللحظة...
جلسَت بجانبها شغف وهي تضحك، تحمل كوب قهوة.
"أنا بقولك يا غزل... البنت دي مش طبيعية."
رفعت ميار الشابة حاجبها وهي تضحك.
"مين؟"
قالت شغف بفخر أم واضح:
"تاج! بنتي!"
ضحكت ميار.
"يا بنتي لسه شهرين!"
رفعت شغف يدها بحماس.
"أيوه شهرين... بس والله بتحكم في البيت كله."
اقتربت أكثر وهي تخفض صوتها كأنها تقول سراً خطيراً.
"تخيلي... أوس بقى بيصحى بالليل لوحده يغير لها الحفاضة."
انفجرت ميار ضاحكة.
"مستحيل! أوس؟!"
هزت شغف رأسها بفخر.
"آه والله... أبو مثالي فجأة."
ثم أضافت بمكر:
"أنا شكلي هخليه يصحى لها طول العمر."
ضحكت ميار مرة أخرى...
لكنها فجأة لاحظت شيئاً.
غزل... لم تضحك.
بل كانت تحدق أمامها بصمت.
تبادلت ميار وشغف نظرة سريعة.
ثم لوّحت شغف بيدها أمام وجه غزل.
"هالو؟ الأرض إلى غزل؟"
انتبهت غزل فجأة.
رمشت بعينيها.
"ها؟"
ابتسمت شغف بمكر.
"كنتي فين؟ في مؤتمر دولي ولا إيه؟"
حاولت غزل أن تبتسم.
"لا... بس سرحت شوية."
مالت ميار نحوها قليلاً.
نظرتها كانت أهدأ... وأكثر انتباهاً.
"سرحانة بقالك ربع ساعة."
رفعت غزل كتفيها بخفة.
"تعب بس..."
لم تقتنع ميار.
لكنها لم تضغط.
في المقابل...
قالت شغف فجأة بمرح:
"طب قوليلي بقى... ياسين عامل إيه؟"
لمعت عينا غزل فوراً عندما سُمع اسم ابنها.
ابتسمت رغم نفسها.
"كويس... طول الليل بيضحك."
ضحكت شغف.
"واضح إنه واخد من أبوه."
ابتسمت غزل.
لكن في داخلها...
تذكرت الرسالة مرة أخرى.
"العيال الصغيرة بتقع كتير..."
اختفى لون وجهها قليلاً.
لاحظت ميار ذلك فوراً.
اقتربت منها أكثر.
"غزل."
رفعت غزل عينيها.
قالت ميار بهدوء:
"في حاجة مضايقاكي؟"
صمتت غزل لحظة.
فكرت أن تخبرهما.
عن الرسائل.
عن الخوف.
عن ياسين.
لكنها رأت وجه شغف المشرق وهي تتحدث عن طفلتها.
ورأت قلق ميار الحقيقي.
فابتسمت بخفة وقالت:
"لا... مفيش."
ضيقت ميار عينيها قليلاً.
"متأكدة؟"
هزت غزل رأسها.
"آه."
في تلك اللحظة...
سمعوا صوت ضحكة عالية من جهة أخرى في الساحة.
التفتت شغف فوراً.
"أكيد أوس."
نظرت الفتيات الثلاث في الاتجاه الآخر.
بعيداً قليلاً...
كان غيث يقف مع أوس وسليم الشاب.
غيث يضحك رغم الضماد الخفيف تحت قميصه.
وسليم يقول شيئاً مازحاً.
أما أوس... فكان يضحك بصوت عالٍ كعادته.
قالت شغف مبتسمة:
" جوزي... شايف نفسه نجم الجامعة."
ضحكت ميار.
لكن غزل... ظلت تنظر إلى غيث.
قلبها انقبض قليلاً.
هي الوحيدة هنا التي تعرف...
أن هناك شخصاً ما في مكان ما...
يراقب حياتهم.
وينتظر اللحظة المناسبة.
وأسوأ ما في الأمر...
أنه يعرف اسم ياسين.
**********************
ظلت ميار تنظر إلى غزل بتركيز... تلك النظرة التي تعرفها غزل جيدًا.
نظرة تقول بوضوح: أنا لا أصدقك.
قالت ميار بهدوء وهي تميل نحوها قليلاً:
"غزل..."
رفعت غزل عينيها.
تابعت ميار بإصرار لطيف:
"أنا عارفاكي من وإحنا أطفال... لما تقولي مفيش حاجة، يبقى في حاجة كبيرة."
تنهدت غزل بخفة.
"يا ميار بلاش..."
لكن ميار لم تتراجع.
أمسكت يدها برفق.
"قوليلي."
كانت شغف تراقبهما بصمت هذه المرة، وقد اختفت ابتسامتها.
قالت بهدوء:
"فعلاً يا غزل... إحنا صحابك."
صمتت غزل لحظة...
نظرت إلى الجهة الأخرى حيث يقف غيث مع أوس وسليم يضحكون.
قلبها انقبض.
خفضت صوتها فجأة.
"مش هنا."
تبادلت الفتاتان نظرة سريعة.
وقفت ميار فوراً.
"طيب... تعالي."
تحركت الثلاثة بخطوات سريعة نحو ممر جانبي هادئ خلف مبنى الكلية، بعيدًا عن الطلاب.
توقفت غزل هناك.
يدها كانت ترتجف قليلاً.
قالت ميار بقلق:
"غزل... قلقتيني."
أخرجت غزل هاتفها ببطء.
فتحت الرسائل.
ثم دفعت الهاتف نحو ميار.
"اقري."
أخذت ميار الهاتف...
بدأت تقرأ.
ومع كل كلمة... كانت ملامحها تتغير.
ثم قرأت الجملة الأخيرة:
"خلي بالك من الطفل الصغير... ياسين صح؟"
اتسعت عيناها فجأة.
"إيه ده؟!"
التفتت شغف بسرعة.
"في إيه؟"
مدت ميار الهاتف لها.
أخذته شغف وقرأت الرسائل بسرعة.
ثوانٍ فقط...
ثم شهقت بغضب.
"مين الحيوان ده؟!"
قالت غزل بصوت منخفض:
"أنا متأكدة..."
نظرتا إليها.
تابعت:
"اللي طعن غيث... هو نفسه اللي باعت الرسائل."
تجمدت شغف في مكانها.
ثم فجأة انفجرت غاضبة:
"لا! كده الموضوع كبير!"
استدارت فوراً.
"لازم نقول لغيث حالاً!"
ثم أضافت بانفعال أكبر:
"ولأوس... ولسليم!"
ثم قالت بحزم:
"وعمي جاسر كمان..."
وقبل أن تكمل...
أمسكتها غزل بقوة.
"شغف!"
التفتت شغف لها بدهشة.
قالت غزل بسرعة، شبه متوسلة:
"لا!"
خفضت صوتها أكثر.
"لو حد عرف..."
كانت عيناها مليئتين بالخوف.
"هو قال بوضوح..."
ابتلعت ريقها بصعوبة.
"هيتخلص من غيث... وياسين."
ساد الصمت فجأة.
كأن الهواء نفسه توقف.
قالت ميار ببطء:
"إنتي بتقولي إيه؟"
همست غزل:
"هو عارف اسم ياسين."
اتسعت عينا شغف.
"يعني بيراقبكم..."
هزت غزل رأسها بصمت.
مررت يدها في شعرها بقلق.
"أنا مش عارفة هو مين... ولا عايز إيه."
ثم نظرت لهما بعينين دامعتين.
"بس لو عرف إني قلت لحد... ممكن يعمل حاجة."
تنهدت ميار ببطء.
ثم قالت بجدية:
"غزل... ده مش موضوع يتخبى."
اقتربت خطوة.
"ده تهديد حقيقي."
لكن غزل هزت رأسها بسرعة.
"أنا مش هخاطر بيهم."
نظرت إلى الأرض.
"مش هخاطر بياسين."
ساد صمت ثقيل.
كانت شغف تفكر بسرعة...
ثم فجأة قالت:
"طب استني..."
رفعت رأسها.
"ممكن تكون..."
توقفت لحظة.
ثم قالت الاسم ببطء:
"ولاء."
تجمدت ميار فوراً.
"ماما؟!"
قالت شغف بسرعة:
"فكري فيها..."
ثم تابعت:
"هي أصلاً كانت مليانة حقد على خالتك ميار... وعلى غزل."
ثم أضافت:
"وكمان... هي اللي تعاونت مع لورانزو في خطفكم قبل كده."
صمتت ميار.
الصدمة واضحة في عينيها.
تذكرت فجأة زيارة السجن...
نظرة أمها الباردة.
كلماتها المليئة بالكراهية.
همست ميار ببطء:
"هي فعلاً... كانت لسه مليانة حقد."
لكنها هزت رأسها بعد لحظة.
"بس..."
نظرت إلى غزل.
"هي في السجن."
قالت شغف:
"بس ممكن يكون عندها حد برا."
سكتت غزل.
ثم قالت بهدوء مرهق:
"أنا فكرت في كده برضه."
رفعت رأسها نحو الفتاتين.
"بس في الحقيقة..."
ابتلعت ريقها.
"أنا مش عارفة مين."
ساد الصمت بينهم.
وفي الجهة الأخرى من الساحة...
كان غيث يضحك مع أصدقائه.
غير مدرك...
أن زوجته تقف على بعد أمتار فقط...
وتخفي سراً قد يهدد حياتهم جميعاً.
************************
لندن - فيلا ياسر
كان ريان جالسًا على طرف سريره، لا يلمس شيئًا، لا يصدر صوتًا.....بين يديه... هاتف صغير أسود. ليس هاتفه الشخصي... بل جهاز اتصال لا يعرف طريقه إلا من يحملون أثقالًا لا تُحمل.
تردد لثوانٍ... ثم ضغط زر الاتصال.
رنّ مرة... مرتين... ثم جاء الصوت. هادئ... ثابت... يحمل ثقل رجال صنعوا من الصمت سلاحًا.
"أيوه يا ريان."
اعتدل ريان فورًا، حتى ظهره صار كأنه خشبة تنتظر الضربة.
ريان: "مساء الخير يا فندم."
صمت قصير... كمن يقيس المسافة بين كلمتين.
جاسر: "مساء الخير يا ابني."
رغم المسافة... جلس ريان وكأنه أمامه مباشرة، كأن الغرفة صارت أصغر.
جاسر: "وصلت لندن من غير مشاكل؟"
ريان: "أيوه يا فندم... كله عادي."
جاسر: "حد خد باله من تحركاتك؟"
ريان: "لا... بالنسبة لهم أنا جاي أقضي إجازة عند والدي."
جاسر: "كويس."
صمت لحظة... ثم تغيرت النبرة. لم تعد نبرة سؤال، بل نبرة إلقاء أمر.
جاسر: "اسمعني كويس."
شدّ ريان انتباهه فورًا، كمن يمسك بحافة الهاوية.
ريان: "أوامرك."
جاسر: "دي أول مهمة حقيقية ليك."
لمعت عينا ريان... لكن صوته بقي ثابتًا. في داخله، شيء ما كان يترتب على حاله.
ريان: "فاهم يا فندم."
جاسر: "وعشان كده... مفيش مجال للغلط."
صمت قصير... ثم أتى الصوت أثقل.
جاسر: "احنا بقالنا فترة بنرصد شبكة كبيرة."
عقد ريان حاجبيه قليلًا.
ريان: "جريمة منظمة؟"
جاسر: "أكبر من كده."
توقف لحظة... ثم قال ببطء، كمن يفتح بابًا لا يعرف ما خلفه:
جاسر: "زعيم واحد... بيحرك كل حاجة من تحت لتحت."
نظرة ريان اشتدت، صارت كمن يبحث عن نقطة ضوء في نفق مسدود.
ريان: "معلوم؟"
جاسر: "لأ."
صمت ثقيل... كمن يضع على الطاولة سرًا لا يُقال.
جاسر: "هوية مجهولة تمامًا."
رفع ريان رأسه قليلًا... صار ينظر إلى نقطة في السقف كأنها تحمل إجابة.
ريان: "يعني إحنا داخلين على حد مش شايفينه."
جاسر: "بالظبط."
ثم أضاف:
"بس إحنا شايفين أثره."
سكون. أثره فقط. لا وجه، لا اسم، لا شيء سوى الدخان الذي يتركه الحريق قبل أن يلتهم كل شيء.
جاسر: "تحركات... فلوس... عمليات... كلها متوصلة ببعض."
ريان: "والخيط فين؟"
جاء الرد مباشرًا، كمن يقطع شريطًا أحمر.
جاسر: "مصر."
ثانية صمت... كمن يعيد تشكيل الخريطة في رأسه.
ريان: "متوقع."
جاسر: "وعشان كده... هترجع."
لم يتردد.
ريان: "إمتى؟"
جاسر: "قريب جدًا."
نظر ريان نحو النافذة... الهدوء في الخارج كان خادعًا، كأن لندن كلها تتفرج ولا ترى.
جاسر: "إنت رسميًا لسه طالب في كلية الشرطة."
ابتسم ريان بخفة، ابتسامة لا تصل إلى العينين.
ريان: "غطاء مثالي."
لكن صوت جاسر أصبح أكثر جدية، كمن يحفر في أرض صلبة.
جاسر: "وهو ده أخطر جزء."
توقف...
"إنت مش ضابط كامل... ولسه بتتعلم."
خفض ريان صوته... لا خوفًا، بل إحساسًا بثقل ما يوضع على كتفيه.
ريان: "بس أنا جاهز."
جاسر: "أنا اللي اخترتك... وعارف ده."
ثم أضاف بنبرة أهدأ... أقرب إلى تحذير أب لابنه من رتبة:
"بس خلي بالك... الشغل ده مش تدريب."
سكون.
جاسر: "ده ناس بتختفي."
نظرة ريان أصبحت أكثر حدة، كمن يقرأ وصيته قبل أن يبدأ المعركة.
ريان: "مفهوم."
جاسر: "مهمتك الأولى بسيطة في شكلها..."
توقف...
"مراقبة."
رفع ريان حاجبه.
ريان: "مين؟"
صمت لثوانٍ... ثم قال جاسر:
جاسر: "مش شخص."
"مكان."
سكون.
جاسر: "عيلة."
نبض ريان تسارع قليلًا... لكن وجهه لم يتغير.
ريان: "مين؟"
جاء الرد ببطء... كمن يلقي بحجر في ماء راكد.
جاسر: "الشرقاوي."
تجمدت ملامح ريان للحظة. الاسم ضرب في صدره كرصاصة مطاطية-لا تخرق الجسد لكنها تترك وشمًا لا يزول.
لكن صوته بقي ثابتًا.
ريان: "سبب؟"
جاسر: "لأن كل الخيوط... بتعدي من حواليهم."
صمت ثقيل... كأن الخط نفسه صار أثقل.
ريان: "من غير ما يكونوا عارفين؟"
جاسر: "أغلبهم... لأ."
توقف لحظة... ثم أضاف كمن يزرع بذرة شك:
"بس إحنا مش بنستبعد حاجة."
نظر ريان في الفراغ... يفكر. في رأسه، بدأت الصورة تتشكل-لوحة لا تعرف من رسمها.
ريان: "يعني أنا داخل وسط ناس عادية... ممكن يكون بينهم حد مش عادي خالص."
جاسر: "وده دورك تعرفه."
صمت.
ثم قال جاسر بنبرة أخف قليلًا... لكنها لم تكن أخف وقعًا:
جاسر: "وخلي بالك..."
انتظر ريان.
جاسر: "إنت لو اتكشفت..."
توقف.
"محدش هيعرف يوصلك."
سكون. لم يقل "محدش هيعرف يساعدك". قال "يوصلك". كأنه يتحدث عن جثة لا تعنيه.
لكن ريان لم يتراجع. في عينيه، كان هناك ما هو أقوى من الخوف.
ريان بهدوء: "فاهم."
ثم أضاف، وكأنه يوقع على عقد لا يقرأ بنوده:
"ومستعد."
صمت قصير... ثم جاء صوت جاسر هذه المرة... أقرب لصوت أب ليس لديه إلا هذا الابن.
جاسر: "خليك عايش يا ريان."
لمعت عينا ريان قليلًا... لكنه لم يسمح لأي شيء بالخروج.
ريان: "حاضر يا فندم."
جاسر: "هنتواصل أول ما ترجع مصر."
ريان: "تمام."
انقطع الاتصال.
بقي ريان جالسًا للحظة... الهاتف في يده. صار وزنه أثقل مما كان. نظر إليه كمن يمسك بقنبلة لا تعرف متى تنفجر.
ثم همس... بصوت لم يكن موجهًا لأحد:
"اللعبة بدأت بجد."
*********************
أغلق ريان الهاتف ببطء...
وضع الجهاز في الدرج، ثم وقف متجهاً نحو النافذة.
الحديقة خارج الزجاج ساكنة...
الأشجار تتحرك قليلاً مع نسيم الليل.
تمتم لنفسه بهدوء:
"رجعنا للعبة."
لم يكن يعلم...
أن الباب خلفه كان مفتوحاً قليلاً.
وأن شخصاً آخر... سمع كل شيء.
في الممر...
كان آدم واقفاً مكانه كتمثال.
عيناه متسعتان.
قلبه يخبط في صدره.
"شبكة مافيا... مهمة... رجوع لمصر..."
كلمات لم يكن يفترض أن يسمعها.
ابتلع ريقه بصعوبة.
همس لنفسه:
"ريان..."
ثم فجأة...
استدار وركض في الممر.
نزل الدرج بسرعة... خطواته خفيفة حتى لا يوقظ أحداً.
فتح باب الفيلا الخلفي...
وخرج إلى الحديقة.
الهواء البارد ضرب وجهه.
توقف قرب الشجرة الكبيرة في وسط الحديقة...
وضع يديه على رأسه.
"إيه ده...؟"
بدأ يمشي جيئة وذهاباً بعصبية.
"هو قال لنا تدريب!"
ركل حجراً صغيراً بقدمه.
"تدريب إيه بس... ده داخل مافيا!"
تنفس بعمق... لكنه لم يهدأ.
جلس على حافة المقعد الخشبي في الحديقة.
مرر يده في شعره الأشعث.
"يا نهار..."
تخيل فجأة صورة أخيه وسط رجال مسلحين...
رصاص...
عصابات...
مافيا.
شعر بقلبه ينقبض.
همس بقلق حقيقي:
"هو ممكن يتقتل..."
سكت لحظة.
ثم رفع رأسه نحو نافذة غرفة ريان في الطابق العلوي.
الضوء ما زال مضاءً.
غضب خفيف اشتعل داخله.
"إزاي يعمل كده لوحده؟!"
ثم قال بانفعال شاب مراهق:
"وإحنا قاعدين هنا فاكرين إنه تدريب!"
وقف فجأة.
ثم بدأ يمشي في العشب بعصبية.
"لازم أقول لبابا."
توقف.
فكرة أخرى ضربت رأسه فوراً.
"لو قال لبابا... ريان هيقلب الدنيا."
بل ربما أسوأ...
قد يخسر مهمته.
زفر بقوة.
"يا سلام... يعني أنا اللي اتحطيت في النص!"
جلس مرة أخرى على المقعد.
نظر إلى السماء المظلمة.
تمتم بضيق:
"ليه دايماً البطل لازم يكون ريان؟"
صمت لحظة...
ثم ابتسم ابتسامة صغيرة رغم قلقه.
"مجنون."
رفع رأسه نحو نافذته مرة أخرى.
عينيه امتلأتا بقلق حقيقي هذه المرة.
همس بصوت منخفض:
"بس لو جرالك حاجة..."
توقف.
ثم قال بحزم شاب يحاول أن يبدو أقوى:
"هكسّر دماغك بنفسي."
أسند ظهره على المقعد الخشبي.
وقلبه ما زال مضطرباً...
لأنه أدرك فجأة...
أن أخاه الأكبر ليس فقط طالب شرطة.
بل يقف في منتصف حرب... لا يعرف أحد عنها شيئاً.
***********************
جلس آدم لحظات في الحديقة... يحاول أن يهدأ.
لكن كلما حاول إقناع نفسه أن يتجاهل ما سمعه... عاد صوت ريان وكلمات "المافيا" و"المهمة" إلى رأسه.
زفر بضيق.
"لا... مش هينفع."
وقف فجأة.
نظر مرة أخرى نحو نافذة غرفة ريان.
ثم تمتم:
"لازم أتكلم معاه."
دخل الفيلا بخطوات سريعة، وصعد الدرج.
توقف أمام باب غرفة ريان لحظة...
ثم طرق الباب.
في الداخل...
كان ريان ما يزال واقفاً قرب النافذة.
التفت نحو الباب.
"ادخل."
فتح آدم الباب ودخل.
نظر إليه ريان باستغراب خفيف.
"إيه؟ لسه صاحي؟"
لكن آدم لم يبتسم كعادته.
بل كان ينظر إليه مباشرة... بنظرة مختلفة.
قال بهدوء:
"سمعت كل حاجة."
تجمد ريان.
"إيه؟"
اقترب آدم خطوة.
"المكالمة."
ساد صمت ثقيل في الغرفة.
تغيرت ملامح ريان فوراً...
صلبت نظرته.
"آدم..."
حاول أن يبدو طبيعياً.
"أنت فاهم غلط."
لكن آدم رفع يده بسرعة.
"بلاش."
هز رأسه.
"متكذبش عليا."
توقف لحظة... ثم قال ببطء:
"أنا سمعت كل كلمة."
صمت ريان.
نظر إليه طويلاً... كأنه يقيم الموقف.
ثم تنهد ببطء.
"قد إيه سمعت؟"
أجاب آدم ببساطة:
"كفاية."
تقدم خطوة أخرى.
"مصر... مافيا... مهمة."
رفع حاجبه قليلاً.
"ده تدريب بسيط برضه؟"
خفض ريان عينيه للحظة... ثم مرر يده في شعره.
"آدم..."
صوته أصبح أكثر جدية.
"الموضوع ده ما ينفعش حد يعرفه."
نظر إليه آدم مباشرة.
"أنا مش حد."
رفع ريان عينيه إليه.
كانت لحظة صامتة بينهما.
ثم قال آدم بهدوء:
"أنا أخوك."
تغيرت ملامح ريان قليلاً.
لكن آدم تابع:
"كنت فاكر إنك بس في تدريب."
ابتسم بسخرية خفيفة.
"طلع الموضوع أكبر بكتير."
صمت لحظة.
ثم قال بصوت أقل حدة:
"كنت هقول لبابا."
رفع ريان رأسه بسرعة.
"إيه؟"
لكن آدم رفع يده مرة أخرى.
"بس مش هقول."
اتسعت عينا ريان قليلاً.
"ليه؟"
ابتسم آدم بخفة... تلك الابتسامة التي تشبه ابتسامة شقيقه.
"لأني مش عايزك تخسر المهمة."
صمتت الغرفة لحظة.
ثم قال آدم بجدية غير معتادة:
"إنت بتعمل حاجة مهمة."
نظر إلى الأرض لحظة... ثم رفع عينيه.
"حتى لو مرعبة."
اقترب أكثر.
"بس أنا مش غبي..."
أشار إليه بإصبعه.
"دي مافيا يا ريان."
لم يرد ريان.
فقال آدم بهدوء:
"يعني ممكن يحصل لك حاجة."
سكت لحظة.
ثم قال بنبرة أخف:
"وده اللي مضايقني."
نظر إليه ريان طويلاً.
في عينيه شيء بين الامتنان والقلق.
قال بهدوء:
"آدم... دي شغلي."
رد آدم فوراً:
"وأنا أخوك."
ساد صمت قصير.
ثم فجأة...
اقترب آدم خطوة... وعانقه بقوة.
تفاجأ ريان للحظة.
لكن بعد ثانية...
رفع ذراعيه وعانقه هو أيضاً.
قال آدم بصوت مكتوم قليلاً:
"أنا فخور بيك."
سكت لحظة.
ثم أضاف بابتسامة خفيفة:
"حتى لو مجنون."
ضحك ريان بهدوء.
"ده تقييم لطيف."
ابتعد آدم قليلاً.
ثم قال بجدية:
"بس خد بالك من نفسك."
نظر إليه مباشرة.
"عشان لو حصل لك حاجة..."
أشار إليه بتحذير تمثيلي.
"أنا هقتل المافيا دي بنفسي."
ضحك ريان هذه المرة بصوت خفيف.
ربت على رأسه كما يفعل دائماً.
"لسه بدري عليك."
لكن آدم قال بثقة شاب يحاول أن يبدو أكبر:
"استنى بس."
ثم أضاف بهدوء:
"بس متقلقش."
رفع يده كأنه يقسم.
"السر ده... هيفضل بينا."
نظر ريان إليه لحظة طويلة.
ثم ابتسم أخيراً.
"عارف."
لأنه في تلك اللحظة أدرك...
أن أخاه الصغير لم يعد طفلاً.
بل أصبح...
أقرب حليف له.
***********************
صباح اليوم التالي
كانت ليان تقف قرب الطاولة وذراعاها متقاطعتان، تنظر إلى ريان بوجه حزين واضح.
ريان كان يضع بعض الأشياء في حقيبة صغيرة قرب الكرسي.
قالت ليان بضيق واضح:
"ريان... بجد؟"
رفع ريان نظره إليها.
"ماما..."
قاطعت كلامه فوراً.
"لسه راجع من يومين!"
جلست على الكرسي وهي تهز رأسها بعدم رضا.
"وبترجع تسافر تاني؟"
ابتسم ريان ابتسامة خفيفة يحاول بها تهدئتها.
"شغل يا ماما."
قالت بحدة أم حقيقية:
"الشغل مش هيطير!"
في الطرف الآخر من الطاولة...
كان ياسر يقرأ الجريدة بهدوء، لكنه كان يستمع لكل كلمة.
أما آدم فكان صامتاً... يراقب أخاه.
تذكر فجأة حديث الليلة الماضية.
"مافيا... مهمة... رجوع لمصر."
تنهد بصمت.
قالت ليان بحزن:
"مش كفاية إنك بعيد طول السنة ... دلوقتي كمان في الإجازة؟"
اقترب ريان قليلاً منها.
"دي أيام بس."
قالت بسرعة:
"إنت دايماً بتقول كده."
ساد صمت قصير.
ثم فجأة...
تكلم آدم.
"ماما."
التفت الجميع نحوه.
قال بهدوء غير معتاد:
"سيبيه."
توقفت ليان.
"إيه؟"
هز آدم كتفيه قليلاً.
"ده مستقبله."
نظر إليه ريان بسرعة.
أما ليان... فرفعت حاجبها بدهشة.
"آدم..."
قالت ببطء:
"إنت اللي بتقول كده؟"
ضحك ياسر بخفة خلف الجريدة.
ثم أنزلها قليلاً لينظر إلى ابنه.
"أنا برضه مستغرب."
أشار إلى آدم بالمعلقة.
"ده نفس آدم اللي كان بيزعل كل مرة ريان يسافر؟"
احمر وجه آدم قليلاً.
"يعني..."
حاول أن يبدو طبيعياً.
"كبرنا بقى."
ضحك ريان بخفة.
"إنت؟"
رمقه آدم بنظرة تحذير سريعة.
"ماشي يا ريان."
ابتسم ياسر قليلاً وهو يراقب المشهد.
ثم قال لآدم:
"طيب فهمنا."
وضع الجريدة على الطاولة.
"إيه اللي غير رأيك فجأة؟"
توتر آدم للحظة.
ثم قال بسرعة:
"ولا حاجة."
أخذ قطعة خبز ليشغل نفسه.
"بس يعني..."
أشار نحو ريان.
"هو تعب كتير عشان يوصل للمرحلة دي."
نظرت ليان إلى ريان... ثم إلى آدم.
غريبة."
قالت بهدوء:
"أول مرة أشوفك بتدافع عنه."
ابتسم آدم بتوتر.
"مش بدافع..."
ثم أضاف بسرعة:
"بس يعني... لازم ندعمه."
في تلك اللحظة...
التقت عينا ريان بعيني آدم.
نظرة قصيرة فقط.
لكنها كانت كافية.
ابتسامة خفيفة مرت بينهما... كأنهما يتشاركان سراً.
لكن شخصاً آخر لاحظ ذلك.
ياسر.
كان ينظر إلى الاثنين بهدوء.
لاحظ النظرة.
لاحظ التوتر.
لاحظ أيضاً أن آدم ينظر إلى أخيه بشيء يشبه... القلق.
طوى الجريدة ببطء.
لكنه لم يقل شيئاً.
قال فقط بنبرة هادئة:
"إمتى رحلتك؟"
أجاب ريان:
"بعد ساعتين."
تنهدت ليان بحزن.
ثم مدت يدها وربتت على كتف ابنها.
"خلي بالك من نفسك."
ابتسم ريان بلطف.
"دايماً."
أما آدم...
فكان ينظر إليه بصمت.
وفي رأسه تدور فكرة واحدة فقط:
"ارجع سالم... بس."
**********************
في مصر تحديدا القاهرة - فيلا غزل وغيث
على السرير...
كان غيث مستلقياً بهدوء، كتاب مفتوح على صدره، لكنه في الحقيقة لم يكن يقرأ.
عيناه كانتا تراقبان غزل.
أما غزل...
فكانت تمشي في الغرفة جيئة وذهاباً.
خطوة... ثم أخرى...
تتوقف عند النافذة... ثم تعود.
في يدها هاتفها.
لكن عقلها كان في مكان آخر.
"خلي بالك من الطفل الصغير... ياسين صح؟"
أغلقت عينيها لحظة.
ثم تمتمت لنفسها:
"لا..."
توقفت فجأة.
وضعت الهاتف على الطاولة.
غيث تابعها بعينيه قليلاً... ثم قال بنبرة هادئة:
"إنتي هتكسري الأرض لو فضلتِ تمشي كده."
توقفت غزل.
نظرت إليه.
ابتسم بخفة:
"بقالك نص ساعة رايحة جاية."
تنهدت غزل.
"سرحانة بس."
رفع غيث حاجبه.
"دي سرحانة؟"
أشار بيده نحوها.
"دي خطة حرب."
لم تبتسم.
بل اقتربت من الطاولة... وأسندت يديها عليها.
قالت بصوت منخفض:
"غيث..."
نظر إليها.
"آه."
صمتت لحظة... ثم قالت فجأة:
"لو حد حاول يهددك... تعمل إيه؟"
تجمد غيث قليلاً.
ثم أغلق الكتاب ووضعه جانباً.
نظر إليها بتركيز.
"سؤال غريب."
قالت بسرعة:
"افتراض يعني."
ابتسم قليلاً.
"لو حد هددني... غالباً أضربه."
لم تضحك غزل.
بل بقيت صامتة.
فهم غيث أن الموضوع ليس مزاحاً.
جلس قليلاً.
"غزل."
رفعت عينيها إليه.
"في حاجة؟"
هزت رأسها بسرعة.
"لا."
لكنه لم يقتنع.
نظر إليها لحظة طويلة.
ثم قال بهدوء:
"إنتي لما بتكذبي... صوتك بيتغير."
تجمدت قليلاً.
ثم ابتسمت محاولة التهرب.
"إيه الثقة دي."
قال ببساطة:
"أنا جوزك."
ساد صمت قصير.
ثم قالت غزل فجأة:
"لو في حد بيهدد عيلتك..."
توقفت لحظة.
"تعمل إيه؟"
نظر إليها غيث بجدية.
"أول حاجة أعرف هو مين."
قالت بسرعة:
"إزاي؟"
أجاب بهدوء:
"أراقبه."
سكتت غزل لحظة.
ثم همست:
"لو كان هو اللي بيراقبك؟"
لمعت عينا غيث قليلاً.
"يبقى لازم نخليه يطلع من الضلمة."
اقتربت غزل ببطء وجلست على الكرسي.
عقلها بدأ يعمل بسرعة.
"يطلع من الضلمة..."
تمتمت:
"يعني يستفز."
نظر إليها غيث.
"غزل..."
رفعت رأسها.
"آه؟"
قال بنبرة خفيفة:
"إنتي بتفكري في إيه؟"
ابتسمت ابتسامة صغيرة... لكنها لم تصل إلى عينيها.
"ولا حاجة."
لكن عقلها كان يدور بسرعة الآن.
لم تعد تلك الصحفية الخائفة.
بل عادت غزل القديمة.
الصحفية التي كانت تطارد القصص الخطيرة حول العالم.
قالت ببطء لنفسها:
"لو هو بيبعت رسائل..."
رفعت الهاتف من الطاولة.
"يبقى عايز رد."
نظر إليها غيث بشك.
"رد؟"
هزت رأسها قليلاً.
"أيوه."
ثم همست:
"ولو رديت..."
نظرت إلى الشاشة.
وعيناها أصبحتا أكثر حدة.
"ممكن نعرف هو مين."
نظر إليها غيث لحظة.
ثم قال بابتسامة خفيفة:
"أنا مش عارف إنتي بتفكري في إيه..."
ابتسمت غزل هذه المرة بصدق خفيف.
اقتربت منه وربتت على يده.
"ما تقلقش."
*********************
في مكانٍ آخر...
كانت لارين تمشي وحدها.
خطواتها منتظمة...
حقيبتها على كتفها...
وعقلها لا يزال عالقًا عند مواجهة اليوم.
دارين.
توقفت لحظة...
زفرت ببطء.
لارين (بهمس): "واضح إني دخلت في حاجة أكبر مني..."
ثم أكملت طريقها.
في الجهة المقابلة...
سيارة سوداء متوقفة.
صامتة... كأنها جزء من الظل.
الباب فُتح بهدوء.
نزل رجل.
تحرّك نحوها بخطوات عادية...
لا تلفت الانتباه.
لارين لم تنتبه...
إلا عندما اقترب منها.
لارين: "في حاجة-؟"
لم تُكمل.
منديل ضُغط فجأة على أنفها وفمها.
تجمّدت.
حاولت أن تدفعه... أن تصرخ...
لكن أنفاسها اختنقت.
العالم اهتزّ حولها.
لارين (بصوت متقطع): "إنت... بت-"
صوتها انكسر.
ثوانٍ...
والقوة في جسدها بدأت تتلاشى.
عينها تشوّشت...
الشارع تمدد... ثم انكمش...
ثم...
لا شيء.
التقطها الرجل بسهولة،
فتح باب السيارة الخلفي...
ووضعها بالداخل.
الباب أُغلق.
السيارة تحركت فورًا...
واختفت وسط الطريق...
كأنها لم تكن.
في الخارج...
المدينة مستمرة.
أضواء... أصوات... حياة.
ولا أحد... لاحظ شيئًا.
في مكانٍ آخر...
كانت دارين تقف أمام نافذتها.
الهاتف في يدها.
وصلتها رسالة:
"تم."
ابتسمت.
ابتسامة باردة... دقيقة... بلا أي استعجال.
دارين (بهمس):
"دلوقتي... نقدر نتكلم."
رفعت نظرها نحو الليل...
"يا طالبة القانون..."
توقفت لحظة...
ثم أكملت:
"يلا نبدأ أول درس."
يتبع