
رواية قيود من حرير الفصل الرابع والثلاثون34 بقلم سيليا البحيري
في مصر… بعد يومين
أمام فيلا غيث
نزل غيث من السيارة أولاً… حركته أبطأ قليلًا من المعتاد بسبب الجرح، لكن ملامحه كانت هادئة.
بجواره نزلت غزل فورًا… عيناها ما زالتا تراقبانه بحذر كأنها تخشى أن يتعب.
غزل بصوت منخفض:
"بالراحة… الدكتور قال ما تتعبش نفسك."
رفع غيث حاجبه بابتسامة خفيفة.
غيث:
"يا ستي أنا ماشي بس… مش داخل معركة."
قبل أن تكمل كلامها…
انفتح باب الفيلا فجأة.
خرجت أمينة خالة غيث أولًا.
ما إن رأته حتى وضعت يدها على صدرها بارتياح.
أمينة:
"الحمد لله!"
اقتربت بسرعة نحوه وربتت على كتفه بحنان.
أمينة:
"نورت بيتك يا ابني."
ابتسم غيث لها.
غيث:
"الله يسلمك يا خالتي."
خلفها ظهر رمزي وشيرلين.
شيرلين كانت تنظر إلى ابنها بعينين لامعتين… كأنها ما زالت غير مصدقة أنه عاد.
اقتربت منه فورًا.
شيرلين:
"حاسس بإيه دلوقتي؟"
تنهد غيث بمرح خفيف.
غيث:
"لو سألتيني السؤال ده تاني… هارجع المستشفى بنفسي."
ضحك رمزي بخفة.
رمزي:
"يبقى كويس فعلًا."
اقترب أيضًا سليم وميار.
سليم صافحه بحرارة.
سليم:
"حمد لله على السلامة يا غيث."
ميار ابتسمت له بحنان.
ميار:
"ربنا يحفظك."
لكن فجأة—
خرج صوت طفولي صغير من داخل الصالة.
التفت الجميع.
كان ياسين الصغير جالسًا في كرسيه المخصص للأطفال قرب الأريكة…
أمينة كانت قد وضعته هناك قبل قليل وهو يلعب بلعبته الصغيرة.
ما إن رأى والده عند الباب…
حتى توقّف عن اللعب.
اتسعت عيناه الصغيرتان…
ثم أطلق صوتًا طفوليًا متحمسًا:
"باا…!"
وبدأ يحرك يديه الصغيرتين في الهواء ويهز قدميه بحماس.
اتسعت ابتسامة غيث فورًا.
اقترب منه بخطوات أبطأ قليلًا… لكنه لم يستطع إخفاء فرحته.
انحنى بحذر… ثم حمله بين ذراعيه برفق.
غزل قالت بسرعة بقلق:
"غيث… الجرح!"
لكن غيث ضحك.
غيث:
"ده ابني… مش دمبل."
أما ياسين…
فكان في قمة السعادة.
ضحكاته الصغيرة ملأت المكان…
وبدأ يمسك ياقة قميص والده بيديه الصغيرتين ويتمسك به بقوة.
أصدر صوتًا طفوليًا سعيدًا:
"باا… باا…"
قبّل غيث رأسه بحنان.
غيث:
"وحشتني يا شقي."
ضحك الطفل أكثر… وبدأ يربت بكفه الصغيرة على خد والده ببراءة.
وقفت غزل تنظر إليهما…
وعيناها تلمعان بسعادة حقيقية هذه المرة.
كل الخوف الذي عاشته في المشفى…
ذاب فجأة أمام هذا المشهد.
اقتربت قليلًا وربتت على ظهر ياسين.
غزل مبتسمة:
"شكله كان مستنيك."
رفع غيث نظره إليها.
غيث:
"وأنا كمان."
في تلك اللحظة…
انطلق صوت خطوات صغيرة سريعة من الطابق العلوي.
ثم ظهر أمجد… شقيق غيث الصغير (8 سنوات).
وقف لحظة عند آخر الدرج… ثم اتسعت عيناه.
أمجد بفرح مفاجئ:
"غيث!"
ركض نحوه فورًا.
وقف أمامه يلهث قليلًا… ينظر إليه بقلق وفضول.
أمجد:
"كنت فين؟! اختفيت يومين!"
ضحك غيث بخفة.
غيث:
"كنت في إجازة."
عقد أمجد حاجبيه بشك.
أمجد:
"إجازة؟"
ثم لاحظ الضماد تحت قميصه.
اتسعت عيناه.
أمجد بقلق:
"إنت اتخانقت؟!"
انفجر رمزي بالضحك.
أما غيث فربت على رأسه.
غيث:
"شبه كده."
اقترب أمجد أكثر… ونظر إلى الجرح بحذر.
أمجد:
"وجعك؟"
ابتسم غيث.
غيث:
"دلوقتي… لا."
ثم نظر إلى الطفل بين ذراعيه… وإلى أمجد الواقف بجانبه.
غيث مبتسمًا:
"خصوصًا لما الاتنين حواليا."
ضحك أمجد.
أما ياسين فظل يضحك بصوته الطفولي… ممسكًا بقميص والده كأنه لا يريد أن يتركه.
وفي الخلف…
وقف الجميع ينظرون إلى هذا المشهد بسعادة.
شيرلين مسحت دمعة صغيرة من عينها.
أما غزل…
فكانت تراقب غيث وهو يحمل ابنه… وشقيقه الصغير يقف بجانبه.
وابتسمت بهدوء.
لأن البيت…
عاد حيًا مرة أخرى.
************************
في لندن شركة ياسر
في الطابق الأخير من مبنى زجاجي شاهق في لندن…
خلف المكتب الواسع جلس ياسر، ظهره مستقيم، عيناه مثبتتان على شاشة كبيرة أمامه.
على الشاشة…
امرأة تضحك في حفل فاخر.
فستان أحمر… كأس شمبانيا… ابتسامة متعالية.
دارين.
كانت تتحرك بين الضيوف كملكة مزيفة.
دخل رجل إلى المكتب ووضع ملفًا أسود على الطاولة.
العميل بهدوء:
"دي صور الليلة يا فندم… حفلة في فندق فاخر في القاهرة."
لم يحرك ياسر عينيه عن الشاشة.
قال ببرود:
"واضح… الحية عايشة حياتها كويس."
ضغط الرجل زرًا آخر… فظهرت صور إضافية.
دارين تتسوق في متجر فاخر.
دارين في سيارة رياضية.
دارين تضحك مع مجموعة سيدات.
العميل:
"مفيش أي تغيير في روتينها… حفلات… تسوق… ومواعيد اجتماعية."
صمت.
ثم… ابتسم ياسر.
لكنها لم تكن ابتسامة حقيقية.
كانت ابتسامة رجل يتذكر شيئًا مظلمًا.
ياسر بهدوء بارد:
"21 سنة…"
رفع عينيه أخيرًا عن الشاشة.
صوته خرج منخفضًا… لكنه مليء بسمّ قديم.
"21 سنة وهي فاكرة إنها خلصت مني."
اقترب من النافذة الكبيرة المطلة على لندن.
المدينة مضاءة… والضباب يزحف بين الأبراج.
قال دون أن يلتفت:
"عارف إيه أكتر حاجة بتضحك؟"
العميل:
"إيه يا فندم؟"
ياسر بسخرية لاذعة:
"إنها لسه فاكرة نفسها ذكية."
أخرج هاتفه من جيبه.
فتح رسالة جديدة.
كتب ببطء.
كل حرف… كأنه يضع مسمارًا في تابوت.
ثم أرسل الرسالة
"اشتقتِ لي؟"
رفع العميل حاجبه.
"رسالة غريبة شوية."
لكن ياسر لم يبتسم.
بل جلس مرة أخرى بهدوء… وضم يديه فوق المكتب.
عيناه أصبحتا باردتين جدًا.
"دي البداية بس."
فتح درج المكتب… وأخرج منه صورة قديمة
ياسر عندما كان شابا مع توأمه و معهما فتاة أخرى
الصورة قديمة… لكن الألم فيها مازال حيًا.
أغلق الدرج ببطء.
ثم قال بصوت خافت… لكنه مليء بالغضب:
"مش هقتلها بسرعة."
رفع عينيه نحو الشاشة حيث دارين بدأت تنظر حولها بقلق واضح.
ابتسم أخيرًا.
ابتسامة رجل قرر أن يبدأ الانتقام.
"لا…"
توقف لحظة.
ثم أكمل:
"أنا هخليها تعيش نفس الرعب… اللي عشته."
صمت المكتب للحظة.
ثم قال للعميل:
"خلي المراقبة مستمرة."
العميل:
"أوامرك."
وقبل أن يخرج… سمع صوت ياسر مرة أخرى.
لكن هذه المرة كان أكثر هدوءًا.
أخطر هدوء ممكن.
"قول لرجالتنا في القاهرة…"
رفع عينيه ببطء.
"اللعبة بدأت."
***********************
في فيلا غيث منتصف الليل
كان غيث مستلقيًا على السرير، ضماد أبيض يلف جانبه، ووسادة مرتفعة خلف ظهره.
بجانبه عربة الأطفال الصغيرة حيث كان ياسين مستيقظًا… يلوّح بيديه الصغيرتين ويضرب لعبته البلاستيكية الملونة ببراءة، يصدر منها صوت خافت كلما تحركت.
أما غزل فكانت جالسة على طرف السرير… تمسك طبقًا صغيرًا وملعقة.
غرفت لقمة صغيرة… ثم رفعتها نحوه.
غزل بلطف حازم:
"يلا… افتح بقى."
نظر إليها غيث بنظرة اعتراض طفولي.
غيث:
"غزل… أنا مش عاجز."
ابتسمت قليلًا وهي تقرّب الملعقة أكثر.
غزل:
"عارفة… بس الدكتور قال تاكل كويس."
ثم أضافت بخبث خفيف:
"وبعدين… خليني أدلعك شوية."
تنهد غيث وكأنه استسلم للأمر الواقع… ثم فتح فمه أخيرًا.
أكل اللقمة… ثم نظر إليها مبتسمًا.
غيث:
"بصراحة… أول مرة حد يطعمني كده."
رفعت غزل حاجبها.
غزل:
"مش عاجبك؟"
مال غيث قليلًا نحوها وقال بنبرة هادئة دافئة:
غيث:
"بالعكس… عاجبني جدًا."
ثم أضاف بمزاح:
"بس خايف أتعوّد."
ضحكت غزل بخفة وهي تغرف لقمة أخرى.
غزل:
"اتعود براحتك… بس لما تقوم بالسلامة هترجع تاكل لوحدك."
ابتسم غيث وهو ينظر إليها.
غيث:
"يبقى أنا كده مش مستعجل أطيب."
نظرت إليه غزل لحظة… ثم هزت رأسها بابتسامة صغيرة وهي تقرّب الملعقة مرة أخرى.
غزل:
"افتح بقى… بلاش كلام كتير."
ضحك غيث بخفة… ثم تأوه قليلًا وهو يمسك جانبه.
فجأة…
صدر صوت صغير من العربة.
"غااا…"
نظر الاثنان في نفس اللحظة.
كان ياسين يهز لعبته بحماس… وعيناه الواسعتان تلمعان.
ابتسم غيث فورًا.
مد يده نحوه وربت على بطنه الصغيرة.
غيث بحنان:
"شايف يا بطل؟… مامتك بتهزّقني."
ضحك ياسين بصوت طفولي قصير… كأنه يفهم.
راقبتهم غزل للحظة… ثم ابتسمت رغم قلقها.
لكن الابتسامة لم تدم.
وضعت الملعقة في الطبق ببطء.
ثم نظرت إلى غيث بجدية.
غزل:
"غيث…"
التفت إليها.
غيث:
"همم؟"
ترددت لثانية… ثم سألت:
غزل:
"إنت متأكد إنك ما تعرفهمش؟"
عقد حاجبيه.
غيث:
"مين؟"
غزل:
"الناس اللي هجموا عليك."
تنهد غيث قليلًا وهو يريح رأسه على الوسادة.
غيث:
"لو أعرفهم… كنت قلت."
صمت لحظة… ثم تابع:
"أنا كنت ماشي
… فجأة طلعوا من كل ناحية."
عيناه أصبحتا أكثر جدية.
"ثلاثة… يمكن أربعة."
غزل شدّت أصابعها حول الطبق دون أن تنتبه.
غيث أكمل:
"ما حاولوش يسرقوني… ما أخدوش حاجة."
نظر إليها مباشرة.
"كل اللي قالوه… إنها قرصة ودن."
صمتت الغرفة للحظة.
صوت لعبة ياسين الصغيرة فقط كان يقطع السكون.
"تك… تك… تك…"
خفضت غزل عينيها.
غزل بهدوء:
"قرصة ودن… ليه؟"
هز غيث رأسه.
غيث:
"ده اللي مش فاهمه."
ثم أضاف وهو يفكر:
"واضح إن حد باعتهم… بس مين؟"
ارتفع قلب غزل في صدرها.
الرسالة.
ذلك الرقم المجهول.
"خلي بالك على جوزك…"
رفعت رأسها نحوه.
غزل بصوت متردد:
"غيث… أنا…"
توقف.
نظر إليها بتركيز.
غيث:
"إنتِ إيه؟"
فتحت فمها… وكادت تقولها.
الرسائل…
لكن…
نظرت إلى ياسين.
كان يضحك وحده ويلوح بيديه الصغيرة في الهواء.
ثم عادت بعينيها إلى غيث… المصاب بسببها ربما.
انقبض قلبها.
خفضت نظرها فجأة.
غزل بسرعة:
"قصدي… يمكن حد غلط فيك."
ظل غيث صامتًا لثانيتين.
لم يقتنع.
نظر إليها طويلًا.
غيث بهدوء:
"غزل."
رفعت عينيها ببطء.
غيث بصوت منخفض:
"إنتِ مخبية حاجة."
تجمدت ملامحها.
غزل:
"لا."
غيث ابتسم ابتسامة خفيفة… لكنها كانت ابتسامة رجل يعرف زوجته جيدًا.
غيث:
"بقالنا كام متجوزين؟"
لم تجب.
مد يده وأمسك يدها بلطف.
غيث:
"أنا أعرف وشك كويس."
ثم قال بهدوء شديد:
"ولما بتقولي لا… وعينيك بتقول غير كده."
سكتت غزل.
قلبها يخفق بسرعة.
لكنها هزت رأسها في النهاية.
غزل بخفوت:
"صدقني… مفيش حاجة."
نظر إليها غيث للحظة أطول…
ثم تنهد.
غيث:
"تمام."
لكنه لم يبدُ مقتنعًا.
في تلك اللحظة…
صدر صوت ضحكة صغيرة من العربة.
التفتا معًا.
كان ياسين يلوّح باللعبة نحو أبيه… كأنه يريد أن يريه شيئًا مهمًا جدًا.
ضحك غيث بخفة ومد يده ليمسك أصبع ابنه.
غيث:
"طيب يا عم… فهمنا."
ثم نظر إلى غزل مرة أخرى… بعينين هادئتين لكن فيهما سؤال لم ينتهِ.
أما غزل…
فكانت تنظر إلى زوجها وابنها…
وقلبها يهمس بشيء واحد فقط:
"لو عرف… هيخاطر بنفسه أكتر."
ولهذا…
اختارت الصمت
**********************
في لندن…
داخل سيارة سوداء فاخرة تشق طريقها بهدوء بين أضواء الشوارع الواسعة.
كان ريان يقود بثبات، يده على المقود وعيناه تراقبان الطريق بتركيز.
ملامحه هادئة كعادتها… هدوء أقرب إلى البرود.
بجانبه جلس آدم، يرتدي جاكيتًا شبابيًا، ويكتب رسالة سريعة في هاتفه ثم يبتسم.
نظر ريان إليه بطرف عينه.
ريان بهدوء:
"واضح إنك متحمس أوي."
رفع آدم عينيه.
آدم مبتسمًا:
"طبعًا… بقالي أسبوع ما شوفتهمش."
هز ريان رأسه قليلًا.
ريان:
"أصحابك الإنجليز."
ضحك آدم.
آدم:
"نصهم إنجليز… والنص التاني خليط كده."
ثم أضاف مبتسمًا:
"بس ناس كويسة والله."
لم يعلّق ريان.
استمر يقود للحظة قبل أن يقول بهدوء:
"أنا جاي علشانك بس."
نظر إليه آدم.
آدم:
"عارف."
ثم ابتسم بخبث.
"بس حاول ما تبقاش مرعب زي كل مرة."
رفع ريان حاجبه قليلًا.
ريان:
"أنا مرعب؟"
ضحك آدم.
آدم:
"المرة اللي فاتت أول ما دخلت… كلهم سكتوا مرة واحدة."
قال ريان ببساطة:
"كان هدوء لطيف بصراحة."
انفجر آدم بالضحك.
آدم:
"والله أنت حالة."
مرت السيارة تحت أضواء الشارع الطويلة.
ثم قال آدم فجأة:
"على فكرة… شارلوت هتكون هناك."
تنهد ريان ببطء… وكأنه كان متوقعًا ذلك.
ريان:
"متوقع."
نظر إليه آدم وهو يبتسم.
آدم:
"البنت دي معجبة بيك فعلًا."
أجاب ريان دون اهتمام:
"ملاحظ."
ثم أضاف بهدوء:
"بس واضح إنها مش فاهمة إن تجاهلي ليها مقصود."
ضحك آدم.
آدم:
"يمكن فاكرة إنك غامض."
نظر إليه ريان لحظة قصيرة.
ريان:
"أنا مش غامض."
ثم قال ببرود بسيط:
"أنا بس مش مهتم."
هز آدم رأسه وهو يضحك.
آدم:
"والله صعبانين عليا صحابي النهارده."
ريان:
"ليه؟"
ابتسم آدم.
"علشان هيقعدوا بين طالب ثانوية بيحب الحفلات… وضابط شرطة مستقبلي مكشر."
رد ريان بهدوء:
"أنا مش جاي للحفلة."
نظر إليه آدم.
ريان أكمل:
"أنا جاي مع أخويا."
سكت آدم لحظة… ثم ابتسم ابتسامة صادقة هذه المرة.
آدم:
"عارف."
توقفت السيارة عند إشارة المرور.
نظر آدم عبر الزجاج إلى الأضواء والناس في الشارع، ثم قال مازحًا:
"بس لو شارلوت حاولت تكلمك… بلاش تخليها تعيط زي المرة اللي فاتت."
نظر إليه ريان ببطء.
ثم قال ببرود هادئ:
"لو سابتني في حالي… مش هكلمها."
صمت لحظة… ثم أضاف:
"ولو ما سابتنيش…"
ظهرت ابتسامة خفيفة جدًا على شفتيه.
"هتفهم لوحدها."
انفجر آدم بالضحك.
آدم:
"ربنا يستر."
*******************
في مصر…
فيلا الشرقاوي.
كانت دارين تقف أمام المرآة الطويلة في غرفتها، تمرر فرشاة الشعر ببطء عبر شعرها الأسود اللامع.
عيناها تتأملان انعكاسها بثقة واضحة… أقرب إلى الغرور.
ابتسمت لنفسها ابتسامة باردة.
دارين همست لنفسها:
"ميار…"
خرج الاسم من بين شفتيها وكأنه شيء كريه.
مررت أصابعها على خدها برفق وهي تنظر إلى ملامحها.
"الكل كان بيبص لي أنا…"
توقفت لحظة… ثم ضاقت عيناها.
"إلا سليم."
تحولت الابتسامة إلى شيء أكثر قسوة.
دارين بغيظ مكتوم:
"شافها هي."
ضحكة قصيرة ساخرة خرجت منها.
"الملاك… الطيبة… المسكينة اللي الكل بيحبها."
ثم همست بسمّ واضح:
"وكأنها أجمل مني."
قبضت الفرشاة في يدها بقوة.
"سليم كان المفروض يبص لي أنا."
وفجأة…
دُق الباب بقوة.
ارتفع حاجبها بضيق.
دارين ببرود:
"ادخل."
انفتح الباب.
دخلت هايدي.
لكن هذه المرة لم تكن تلك الفتاة الهادئة المعتادة.
وجهها كان مشدودًا… وعيناها قاسيتان.
توقفت دارين عن تمشيط شعرها ببطء.
دارين بلهجة متعالية:
"واضح إن حد نسي يخبط."
أغلقت هايدي الباب خلفها ببطء.
ثم اقتربت خطوتين.
هايدي ببرود:
"كنت عايزة أتكلم معاكِ."
دارين التفتت إليها بالكامل.
دارين بابتسامة باردة:
"لو الموضوع عن الماضي… فأنا مش مهتمة."
هايدي لم تبتسم.
بل قالت ببطء شديد:
"أنا كمان."
صمت قصير مرّ بينهما.
ثم أضافت هايدي:
"لكن في موضوع مهم."
دارين عقدت ذراعيها.
دارين بملل:
"اختصري."
اقتربت هايدي خطوة أخرى.
وعيناها ثابتتان عليها.
ثم قالت جملة واحدة فقط…
"موضوع ياسر."
توقفت دارين.
تجمدت يدها للحظة… لكنها تداركت نفسها بسرعة.
ابتسمت ابتسامة باردة.
دارين:
"إيه ؟"
لكن هايدي لم تخدع.
اقتربت أكثر… حتى أصبحت المسافة بينهما خطوة واحدة فقط.
هايدي بصوت منخفض لكنه مليء بالغضب:
"عارفة… أكتر حاجة قذرة عملتيها في حياتك إيه؟"
دارين رفعت حاجبها بسخرية.
دارين:
"الليلة شكلها طويلة."
لكن هايدي لم تضحك.
بل قالت مباشرة:
"لما زورتي التهمة لياسر."
في تلك اللحظة…
تغيرت عينا دارين للحظة قصيرة جدًا.
خوف… خاطف.
لكنها أخفته فورًا.
دارين ضحكت بسخرية.
دارين:
"واضح إن خيالك واسع."
لكن هايدي قطعتها بحدة:
"سمعتك."
الصمت سقط فجأة في الغرفة.
دارين لم تتحرك.
هايدي أكملت… وعيناها تشتعلان:
"سمعتك وإنتِ بتتكلمي مع الراجل اللي اتفقتِ معاه من 21 سنة."
وجه دارين أصبح أكثر صلابة.
لكن هذه المرة… لم تضحك.
هايدي اقتربت أكثر.
هايدي بحدة:
"سمعتك بتعترفي إنك خططتي تخدري ميار…"
ثم أضافت بمرارة:
"ولما ياسر كشف لعبتك… رميتي التهمة عليه."
قبضت دارين يدها بقوة.
دارين ببطء خطير:
"خلي بالك من كلامك."
لكن هايدي لم تتراجع.
بل اقتربت حتى أصبحت وجوههما قريبة.
هايدي:
"أنا مش بقول كلام."
ثم قالت بوضوح:
"أنا عارفة الحقيقة."
صمت ثقيل.
دارين نظرت لها طويلًا.
ثم ابتسمت.
ابتسامة باردة جدًا.
دارين:
"ولو عرفتي؟"
رفعت كتفيها باستخفاف.
"هتعملي إيه؟"
هايدي لم تتردد.
هايدي:
"لو حاولتِ تعملي أي مصيبة تاني…"
ثم قالت ببطء شديد:
"هقول كل حاجة للعيلة."
ضاقت عينا دارين.
هايدي أكملت:
"سليم… ميار… زياد… الكل."
ثم همست بحدة:
"وهقول لهم إن ياسر كان بريء."
اسم زياد جعل عيني دارين تلمعان بظلام.
لكنها تماسكت.
دارين ابتسمت ابتسامة باردة.
دارين:
"عارفة المشكلة في كلامك إيه؟"
هايدي لم تجب.
دارين قالت بهدوء:
"إنه مجرد كلام."
اقتربت خطوة.
دارين:
"ما عندكش دليل."
سكتت هايدي لحظة.
وهذا كان كافيًا.
ابتسمت دارين بانتصار بسيط.
دارين:
"لو فتحتي الموضوع ده…"
ثم قالت بنبرة تهديد هادئة:
"هتكسري العيلة كلها."
اقتربت أكثر.
"هتدمري زياد."
ثم همست:
"توأمه… اللي هو بيكرهه من يومها."
توقفت لحظة.
ثم أضافت:
"فكري كويس قبل ما تتكلمي."
لكن هايدي لم تتراجع.
بل نظرت لها بثبات.
هايدي:
"أنا مش جاية أهددك."
ثم قالت ببرود:
"أنا جاية أحذرك."
توقفت لحظة.
ثم أضافت:
"لو حاولتِ تأذي حد في العيلة تاني…"
عيناها أصبحتا قاسيتين.
"هفضحك."
صمتت الغرفة للحظة.
دارين لم تبتسم هذه المرة.
فقط نظرت إليها ببرود… وشيء مظلم يلمع في عينيها.
هايدي استدارت نحو الباب.
لكن قبل أن تخرج قالت جملة أخيرة:
"اللي عملتيه قبل 21 سنة…"
ثم نظرت لها للمرة الأخيرة.
"مش هيفضل مدفون للأبد."
وخرجت.
أغلق الباب خلفها.
بقيت دارين وحدها في الغرفة.
ابتسامتها اختفت ببطء.
ثم همست لنفسها ببرود شديد:
"غبية…"
***********************
في مكتب جاسر في مقر جهاز الاستخبارات
وقف سليم الشرقاوي قرب النافذة، يضم يديه خلف ظهره، وجهه متجهم بشكل واضح.
في المقابل جلس جاسر الحديدي على الأريكة، هادئًا كعادته، لكن ملامحه كانت جادة.
أما زين و إياد فكانا يقفان قريبين، يتابعان الحوار بصمت حذر.
قطع سليم الصمت أخيرًا بصوت حاد:
سليم:
"يعني إيه اختفوا؟"
لم يرفع جاسر صوته.
جاسر بهدوء:
"يعني… اختفوا."
ضرب سليم الطاولة بقبضته فجأة.
سليم بانفعال:
"ده مش جواب يا جاسر!"
ساد الصمت للحظة.
رفع جاسر عينيه نحوه بهدوء.
جاسر:
"رجالتنا قلبوا المنطقة كلها… مفيش أثر."
سليم التفت نحوه بسرعة، الغضب واضح في صوته:
سليم:
"ثلاثة أو أربعة رجالة يهجموا على واحد في نص شارع… ويطعنوه… ويختفوا كأنهم هوا؟!"
إياد اقترب خطوة.
إياد بهدوء:
"اهدى يا سليم."
لكن سليم لم يهدأ.
سليم وهو يشير بيده بعصبية:
"إزاي أهدى؟!"
ثم أضاف بحدة:
"اللي حصل ده مش خناقة شارع!"
نظر مباشرة إلى جاسر.
سليم:
"دي محاولة قتل."
جاسر لم يعارض.
بل قال بهدوء:
"عارف."
سليم اقترب منه أكثر.
سليم:
"وغيث لوحده!"
صوته انخفض قليلًا… لكنه بقي مشحونًا:
"لو ما كانش ربنا ستر…"
توقف عن الكلام، كأنه لا يريد إكمال الفكرة.
زين تدخل بهدوء.
زين:
"الحمد لله إنه كويس."
لكن سليم هز رأسه بعصبية.
سليم:
"الحمد لله طبعًا."
ثم أضاف بنبرة مريرة:
"بس ده ما يمنعش إن في ناس حاولوا يقتلوه."
نظر إلى جاسر مباشرة.
سليم:
"وأنا عايز أعرف مين."
ظل جاسر هادئًا.
جاسر:
"وإحنا بندور."
سليم ضحك ضحكة قصيرة خالية من المرح.
سليم:
"بتدوروا؟"
ثم قال بحدة:
"جاسر… أنا ما بتكلمش عن أي حد."
اقترب أكثر.
سليم:
"غيث بالنسبة لي زي ابني."
تغير صوته فجأة… أصبح أكثر ثقلًا.
"يمكن ما شفتش غزل وهي واقفة قدام غرفة العمليات."
صمتت الغرفة.
سليم أكمل ببطء:
"البنت كانت بتنهار."
خفض عينيه لحظة… ثم قال بصوت منخفض:
"كنت شايفها بتضيع قدامي."
رفع نظره إلى جاسر.
سليم:
"لو كان حصل لغيث حاجة…"
لم يكمل الجملة.
لكن الجميع فهم.
تنهد جاسر ببطء.
ثم وقف.
اقترب من صديقه ووضع يده على كتفه.
جاسر بهدوء صادق:
"أنا فاهمك يا سليم."
نظر إليه بثبات.
"وغزل بالنسبة لي زي بنتي."
ثم أضاف:
"وأوس… لو حد عمل فيه كده…"
توقف لحظة.
ثم قال ببرود حقيقي:
"كنت هقلب الدنيا عليه."
تبادل الرجلان نظرة صامتة.
التوتر بينهما خف قليلًا.
زين قال بهدوء:
"يبقى الحل إننا نفكر بعقل."
إياد أومأ موافقًا.
إياد:
"اللي عمل كده… أكيد مش ناس عادية."
جاسر أضاف:
"واضح إنهم محترفين."
نظر إلى سليم.
"لأنهم ضربوا… واختفوا."
سليم عقد حاجبيه.
سليم:
"وغيث قال إنهم قالوا له… قرصة ودن."
ساد الصمت مرة أخرى.
إياد قال ببطء:
"قرصة ودن… من مين؟"
لم يجب أحد.
جاسر تنهد قليلًا.
جاسر:
"ده اللي لازم نعرفه."
ثم قال بنبرة حازمة:
"لكن أكيد في حد ورا الموضوع."
نظر إلى سليم مباشرة.
جاسر:
"ومهما كان مين…"
توقف لحظة.
ثم أكمل بجدية واضحة:
"هنوصله."
بقي سليم صامتًا لثوانٍ.
ثم أخرج نفسًا طويلًا.
غضبه لم يختفِ… لكنه هدأ قليلًا.
سليم قال أخيرًا:
"أنا بس مش عايز حد يقرب من بنتي تاني."
نظر إلى الثلاثة أمامه.
ثم أضاف ببطء:
"ولا من جوزها."
خيم الصمت في الغرفة…
والأربعة يعلمون شيئًا واحدًا فقط.
أن ما حدث لغيث…
لم يكن حادثًا عشوائيًا.
***********************
في فيلا عائلة البحيري
كانت ميار الشابة جالسة على المقعد الخشبي قرب النافورة الصغيرة، شاردة، عيناها معلقتان في مكان بعيد لا يراه أحد.
بين يديها كانت تقلب ورقة صغيرة بلا انتباه.
أفكارها تدور في دوامة واحدة…
السجن.
وجه أمها.
ذلك البرود… ذلك الحقد.
تنهدت ببطء.
وفجأة…
سقط ظل طويل أمامها.
رفعت رأسها.
كان أدهم البحيري يقف أمامها.
ملامحه حادة وهادئة… نظراته باردة غالبًا، لكن خلفها قلب لا يراه كثيرون.
أدهم بهدوء:
"قاعدة هنا لوحدك؟"
اعتدلت ميار قليلًا.
ميار:
"كنت بفكر شوية."
جلس بجانبها دون أن يسأل.
صمت لثوانٍ… ثم قال وهو ينظر للأمام:
أدهم:
"زرتوها."
لم تكن سؤالًا.
بل حقيقة يعرفها.
خفضت ميار عينيها.
ميار بهدوء:
"آه."
ظل أدهم صامتًا للحظة… كأنه ينتظر.
ثم سأل ببرود:
أدهم:
"عملت إيه؟"
رفعت ميار عينيها نحوه ببطء.
ترددت قليلًا… ثم قالت:
ميار:
"ماعملتش حاجة."
عقد أدهم حاجبيه قليلًا.
ميار أكملت بصوت منخفض:
"ولا حتى حاولت."
تنهدت.
"بصتلي… كأني غريبة."
ثم ابتسمت ابتسامة حزينة.
"لا… مش غريبة."
توقفت لحظة.
ثم قالت:
"كأنها بتكرهني."
ظل وجه أدهم ثابتًا… لكن شيئًا مظلمًا مر في عينيه.
ميار أكملت بهدوء:
"قالتلي إنها عمرها ما حبتني."
قبض أدهم يده قليلًا دون أن يشعر.
لكن ميار لم تتوقف.
ميار:
"وقالت إني نسخة من عمتو ميار…"
ابتسمت بخفة.
"وعشان كده بتكرهني."
الصمت سقط بينهما.
هذه المرة… لم يكن صمتًا هادئًا.
كان صمتًا ثقيلًا.
أدهم قال أخيرًا بصوت منخفض:
أدهم:
"طبيعي."
نظرت إليه ميار باستغراب.
أدهم أدار وجهه قليلًا نحوها.
نبرته بقيت باردة… لكن عينيه لم تكن كذلك.
أدهم:
"الناس اللي جواهم سواد… النور بيضايقهم."
خفضت ميار نظرها مرة أخرى.
ثم قالت بهدوء:
ميار:
"أحمد سأل عنها النهارده."
تجمدت ملامح أدهم للحظة.
ميار تابعت:
"كان زعلان."
تنهدت.
"الأولاد في المدرسة قالوله إن مامته عمرها ما بتيجي."
سكتت لحظة.
"قعد يعيط."
تحركت عضلة صغيرة في فك أدهم.
الغضب لم يظهر في صوته… لكنه كان واضحًا في عينيه.
أدهم ببطء:
"فينه دلوقتي؟"
ميار:
"نام."
ابتسمت قليلًا.
"عمتو ميار لعبت معاه شوية لحد ما هدي."
هز أدهم رأسه ببطء.
ثم قال بنبرة أخفض:
أدهم:
"أنا السبب."
رفعت ميار رأسها بسرعة.
ميار:
"بابا—"
لكنه قطعها.
أدهم:
"أنا اللي اخترتها."
صمت لحظة.
ثم قال بمرارة واضحة:
"أنا اللي دخلتها حياتنا."
لمعت عينا ميار.
ميار بهدوء:
"أنت ما كنتش تعرف."
أدهم ضحك ضحكة قصيرة خالية من الفرح.
أدهم:
"كنت غبي."
ثم قال ببرود قاسٍ:
"الطيبة ساعات بتبقى غباء."
سكت قليلًا… ثم أضاف:
"وأنا دفعت تمنه."
رفع عينيه نحوها.
أدهم:
"وأنتِ وأخوك معايا."
مد يده فجأة… ووضعها على رأسها برفق.
كانت حركة بسيطة… لكنها نادرة منه.
أدهم بصوت أخف:
"بس حاجة واحدة عمري ما هسمح بيها."
ميار نظرت إليه.
أدهم:
"إن حد يكسرك."
ثم أضاف بجدية:
"لا هي… ولا غيرها."
ابتسمت ميار بخفوت.
ميار:
"أنا كويسة يا بابا."
نظر إليها طويلًا… كأنه يتأكد.
ثم قال:
أدهم:
"وأحمد؟"
ميار ابتسمت هذه المرة ابتسامة أدفأ.
ميار:
"أنا معاه."
ثم أضافت بلطف:
"وأنت كمان."
تنهد أدهم ببطء.
ثم قال ببرود ظاهري يخفي دفئًا حقيقيًا:
أدهم:
"الولد ده…"
توقف لحظة.
ثم أكمل:
"لو حد زعله…"
ابتسم ابتسامة خفيفة لكنها خطيرة.
"هيبقى يومه أسود."
ضحكت ميار بخفة لأول مرة.
ثم نظرت إلى أبيها وقالت:
ميار:
"أحمد بيحبك قوي."
لم يرد أدهم فورًا.
بل نظر إلى العشب أمامه.
ثم قال بصوت منخفض:
أدهم:
"وأنا كمان."
توقف لحظة.
ثم أضاف:
"أنتم الاثنين."
صمتت الحديقة من جديد…
لكن هذه المرة لم يكن الصمت ثقيلًا.
كان هدوء بيت…
يحاول أن يلتئم بعد جرح قديم اسمه ولاء.
*************************
في فندق فاخر في القاهرة…
كانت لارين تجلس قرب النافذة، ساق فوق الأخرى، أمامها على الطاولة كتب وأوراق المؤتمر القانوني الذي جاءت من أجله.
ملامحها هادئة… باردة… كما لو أن العالم لا يثير فيها الكثير من الانفعال.
التقطت هاتفها أخيرًا ونظرت إلى الاسم على الشاشة.
"خالتي أمينة"
تنهدت بخفة… ثم ضغطت زر الاتصال.
رن الهاتف ثوانٍ قليلة.
ثم جاء صوت دافئ من الطرف الآخر.
أمينة بلهفة:
"لارين؟"
لارين بهدوء:
"مساء الخير يا خالتي."
تنهدت أمينة براحة واضحة.
أمينة:
"قلقتيني عليكِ… كنت لسه بفكر أتصل."
لارين نظرت إلى الشارع أسفل الفندق.
السيارات تمر ببطء… والناس يضحكون في المقاهي.
لارين:
"أنا بخير."
ثم أضافت ببرود طبيعي:
"وصلت الفندق من شوية."
أمينة:
"والرحلة كانت كويسة؟"
لارين:
"عادية."
صمتت لحظة… ثم سألت:
"إنتِ لسه في الاسكندرية؟"
تنهدت أمينة قليلاً.
أمينة:
"أيوه… ولسه هاقعد شوية."
رفعت لارين حاجبها قليلاً.
لارين:
"مش كنتِ ناوية ترجعي الصعيد بعد يومين؟"
سكتت أمينة لحظة… ثم قالت بنبرة مختلفة قليلًا:
أمينة:
"حصلت مشكلة."
اعتدلت لارين في جلستها.
لارين بهدوء:
"مشكلة؟"
أمينة تنهدت مرة أخرى.
أمينة:
"غيث…"
توقفت لحظة.
"اتطعن."
سادت لحظة صمت قصيرة في الغرفة.
لارين لم تظهر أي ذعر واضح… لكنها سألت مباشرة:
لارين:
"اتطعن؟"
أمينة:
"آه… هجوم عليه في الشارع."
لارين عقدت حاجبيها قليلاً.
لارين:
"وهو الآن؟"
أمينة بسرعة:
"الحمد لله خرج من الخطر."
تنفست لارين ببطء.
لارين:
"جيد."
على الطرف الآخر من الهاتف…
ابتسمت أمينة بحنان خفيف.
أمينة:
"كنتِ هتقلقي عليه؟"
نظرت لارين إلى أوراقها على الطاولة.
لارين:
"القلق لا يغير النتائج."
ضحكت أمينة بخفة.
أمينة:
"لسه زي ما أنتِ… عقلانية زيادة."
لارين قالت بهدوء:
"المنطق يوفر الوقت."
ثم سألت:
"هل عرفت الشرطة من فعل ذلك؟"
أمينة:
"لا لسه."
توقفت لحظة… ثم قالت بحنان واضح:
"بس غزل كانت مرعوبة عليه."
تذكرت أمينة المشهد.
صوت غزل وهي تبكي أمام غرفة العمليات.
ثم قالت بهدوء:
"البنت كانت هتنهار."
لارين نظرت إلى الشارع مرة أخرى.
الناس في الخارج يمشون متشابكي الأيدي… يضحكون.
لارين قالت بنبرة حيادية:
"العلاقات العاطفية تجعل الناس ضعفاء."
ضحكت أمينة مرة أخرى… لكن هذه المرة بحنان أكبر.
أمينة:
"مش كل الناس يا لارين."
صمتت لارين.
أمينة أكملت:
"بالعكس… ساعات العيلة هي اللي بتقوي الواحد."
رفعت لارين عينيها نحو السقف.
لارين:
"هذا رأي."
أمينة قالت بلطف:
"ورأيك أنتِ؟"
لارين أجابت فورًا:
"الاعتماد على النفس أكثر استقرارًا."
ضحكت أمينة بخفة.
أمينة:
"عارفة إنك قوية…"
ثم أضافت بحنان صادق:
"بس الإنسان برضه محتاج حد."
سكتت لارين لحظة.
ثم قالت ببساطة:
"أنا لديّ عملي."
ابتسمت أمينة رغم كل شيء.
أمينة:
"والقانون أهم من العيلة؟"
لارين:
"القانون… واضح."
ثم أضافت بهدوء:
"الناس معقدون."
ضحكت أمينة بصوت خافت.
أمينة:
"والله عندك حق."
ثم سألتها:
"المؤتمر يبدأ بكرة؟"
لارين:
"نعم."
نظرت إلى الملفات أمامها.
"لديّ عرض قانوني في الجلسة الثانية."
أمينة بحماس:
"أكيد هتبهريهم."
لارين قالت ببساطة:
"سأقدم حججًا منطقية."
ابتسمت أمينة.
ثم قالت بحنان:
"خلي بالك من نفسك هناك."
لارين:
"دائمًا."
توقفت أمينة لحظة… ثم قالت:
"وأنا هرجع الصعيد بعد ما أطمن على غيث."
لارين:
"كما تشائين."
ثم أضافت ببرود لطيف:
"البيت سيكون هادئًا حتى تعودي."
ضحكت أمينة.
أمينة:
"عارفة إنك بتقوليها بطريقة غير مباشرة إنك مرتاحة من غيري."
لارين لم تبتسم.
لكن صوتها كان أخف قليلًا هذه المرة.
لارين:
"الهدوء مفيد للقراءة."
ابتسمت أمينة بحنان واضح.
أمينة:
"طيب يا أستاذة القانون."
ثم قالت بلطف:
"تصبحي على خير."
لارين:
"وأنتِ كذلك."
انتهت المكالمة.
وضعت لارين الهاتف على الطاولة.
ثم عادت تنظر إلى المدينة المضيئة خلف الزجاج.
فكرت للحظة في كلمات أمينة.
"العيلة بتقوي الواحد."
هزت رأسها بخفة.
ثم همست لنفسها:
"أحيانًا…"
توقفت لحظة.
ثم أكملت بهدوء:
"العقل يكفي."
*************************
في لندن في زاوية أنيقة من مقهى ليلي راقٍ .
جلس آدم مع أصدقائه حول طاولة واسعة.
كان المكان هادئًا نسبيًا مقارنة بالحفلات الصاخبة، لكنه ما زال مليئًا بالحركة والمرح.
بجانب آدم جلس ريان، ظهره مستقيم قليلًا، ملامحه هادئة لكن عينيه تراقبان كل شيء بنوع من الملل الواضح.
على الطاولة كانوا:
أوليفر و ثيو و لوكاس…
وثلاث فتيات: أميليا و صوفي… و شارلوت.
كان أوليفر يضحك بصوت مرتفع.
أوليفر:
"أقسم لكم… المدرس كاد يطردني من القاعة!"
ثيو ضحك.
ثيو:
"ماذا فعلت هذه المرة؟"
أوليفر:
"سألني لماذا تأخرت… فقلت له الحقيقة."
صوفي فضولية:
"وما الحقيقة؟"
رفع أوليفر كتفيه بلا مبالاة.
أوليفر:
"قلت له إن النوم كان أفضل من حصته."
انفجر الجميع بالضحك.
حتى آدم ضحك معهم.
أما ريان… فاكتفى برفع حاجب واحد ببطء.
لوكاس قال وهو يضحك:
لوكاس:
"أنت مجنون."
ثم التفت إلى ريان.
لوكاس:
"ريان، أخوك في المدرسة مشهور بالمشاكل."
آدم اعترض فورًا.
آدم:
"مشاكل؟! دي مواقف تاريخية."
ضحكوا مرة أخرى.
ريان قال بهدوء ساخر:
"واضح."
ثم أضاف:
"مستقبل أكاديمي باهر."
ضحك ثيو.
ثيو:
"لا تقلق… سنقوده للطريق الصحيح."
نظر ريان إليه نظرة قصيرة.
ريان:
"أتمنى ذلك."
في تلك اللحظة…
انحنت شارلوت قليلًا فوق الطاولة، شعرها الأشقر ينسدل على كتفيها، وفستانها القصير أكثر جرأة من اللازم.
ابتسمت مباشرة نحو ريان.
شارلوت:
"أنت صامت جدًا الليلة."
لم يرفع ريان عينيه حتى.
كان يقلب كوب الماء بين أصابعه.
ريان:
"أنا أستمع."
ابتسمت شارلوت ابتسامة أوسع.
شارلوت:
"تستمع لي أنا؟"
رفع ريان عينيه أخيرًا.
نظر إليها لثانية واحدة فقط.
ثم قال بهدوء جاف:
ريان:
"لا."
ضحك لوكاس بخفة.
أما شارلوت فعضّت شفتها… لكن لم تتراجع.
شارلوت مائلة نحوه أكثر:
"غريب… أغلب الرجال يحبون الاستماع لي."
ريان أعاد نظره إلى الطاولة.
ريان:
"أنا لست أغلب الرجال."
ضحك ثيو.
ثيو:
"أعجبني الرد."
أما أميليا فضحكت وهي تهز رأسها.
أميليا:
"شارلوت… دعي الرجل يتنفس."
لكن شارلوت لم تترك الموضوع.
رفعت كأسها ونظرت إلى ريان بوقاحة واضحة.
شارلوت:
"أخبرني… هل لديك حبيبة؟"
آدم تنهد فورًا.
آدم:
"يا إلهي…"
ريان قال بهدوء:
ريان:
"لا."
ابتسمت شارلوت ببطء.
شارلوت:
"إذن المشكلة ليست فتاة."
اقتربت قليلًا أكثر.
"ربما المشكلة أنك لم تقابل الفتاة المناسبة بعد."
ثم قالت بوقاحة واضحة:
"ربما… أنا."
ساد صمت قصير.
أوليفر كتم ضحكته.
صوفي وضعت يدها على وجهها.
أما ريان…
فنظر إليها ببطء.
نظرة هادئة… لكنها باردة جدًا.
ريان:
"مستبعد."
انفجر لوكاس وثيو بالضحك.
آدم كاد يختنق من الضحك.
أما شارلوت…
فاحمر وجهها قليلًا.
لكنها حاولت الحفاظ على ابتسامتها.
شارلوت:
"أنت قاسٍ."
ريان عاد ينظر إلى كوبه.
ريان:
"أنا صريح."
تدخل أوليفر سريعًا ليخفف الجو.
أوليفر:
"حسنًا… دعونا نتحدث عن شيء آخر."
ثم نظر إلى ريان.
أوليفر:
"بصراحة… آدم محظوظ بك كأخ."
رفع ريان نظره نحوه.
أوليفر تابع بابتسامة صادقة:
"أغلب الإخوة الكبار لا يهتمون أصلاً."
صمت ريان لحظة.
ثم قال ببساطة:
ريان:
"أنا أهتم."
نظر إلى آدم للحظة.
آدم ابتسم له بخفة.
ثم عاد الحديث يدور بينهم عن الجامعة والسفر والسيارات…
لكن ريان ظل صامتًا معظم الوقت.
عيناه تراقبانهم.
مرحون.
طيبون.
لكن عالمهم… مختلف تمامًا.
وفي زاوية ذهنه…
كان يفكر بشيء واحد.
"آدم لا يشبههم."
بعد دقائق…
انحنى آدم نحوه قليلًا وهمس:
آدم:
"أنت صامت جدًا."
ريان قال بهدوء:
ريان:
"أراقب."
آدم ضحك.
آدم:
"أنت تبدو كضابط تحقيق."
لم يبتسم ريان.
بل قال بهدوء:
ريان:
"عادة قديمة."
ثم أضاف وهو ينظر إلى الطاولة:
"سنتحدث لاحقًا."
آدم فهم النبرة فورًا.
هز رأسه قليلًا.
أما في الطرف الآخر من الطاولة…
فكانت شارلوت تراقب ريان بصمت الآن.
غاضبة.
لأن لأول مرة…
رجل لا يهتم بها.
وهذا…
كان يثيرها أكثر.
***********************
في فيلا غزل وغيث – ليل متأخر
كان الهدوء يملأ الغرفة.
ضوء المصباح الخافت ينساب على الجدران…
وغيث نائم بعمق على السرير، أنفاسه بطيئة تحت تأثير المسكنات، والضماد الأبيض يلف جانبه.
قرب النافذة…
كانت غزل جالسة على الكرسي بجانب سرير ياسين الصغير.
الرضيع نائم بهدوء… يضم لعبته الصغيرة بيده…
وجهه مسترخٍ ببراءة.
مدّت غزل يدها تمسح على شعره بحنان.
همست بخفوت:
"نام أخيراً…"
نظرت إليه طويلاً… ثم التفتت نحو غيث.
اقتربت من السرير وجلست بجانبه.
مررت أصابعها على يده بحذر وهمست:
"خضتني عليك…"
تحرك غيث قليلاً لكنه بقي نائمًا.
تنهدت غزل وأخرجت هاتفها لتطفئه.
لكن…
ظهر إشعار جديد.
رسالة.
تجمدت أصابعها.
رقم مجهول.
نبض قلبها بعنف.
فتحت الرسالة ببطء.
ظهرت الكلمات على الشاشة:
"واضح إن الرسالة الأولى ما كانتش كفاية."
تجمد وجهها.
تابعت القراءة…
"قلنا قرصة ودن بس…"
انقطع نفسها للحظة.
ثم ظهرت الجملة التالية:
"بس واضح إنك ما فهمتيش."
اتسعت عيناها.
الجملة الأخيرة ظهرت ببطء على الشاشة:
"المرة الجاية… مش هيقوم من على الأرض."
ارتجفت يدها.
نظرت فورًا نحو غيث النائم.
ثم إلى ياسين الصغير.
همست بصوت مرتجف:
"مين…؟"
وقبل أن تستوعب…
اهتز الهاتف مرة أخرى.
رسالة ثانية.
فتحتها ببطء.
وكان فيها سطر واحد:
"وخلي بالك كويس من ابنك الصغير…"
توقف قلبها تقريبًا.
تابعت القراءة والدم يبرد في عروقها.
"ياسين… صح؟"
شهقت بصمت.
تسمرت في مكانها.
ثم ظهرت بقية الرسالة:
"العيال الصغيرة بتقع كتير… خصوصاً لما حد ما يبقاش واخد باله."
ارتجفت يدها بقوة.
رفعت رأسها ببطء نحو سرير ياسين.
الطفل ما زال نائمًا ببراءة… لا يعرف أن اسمه أصبح في رسالة تهديد.
همست غزل بصوت مكسور:
"لا…"
اهتز الهاتف مرة ثالثة.
فتحت الرسالة الأخيرة.
وكان فيها سطر قصير فقط:
"قريب جداً."
سقط الهاتف من يدها على الأرض.
وقفت فجأة… قلبها يضرب صدرها بعنف.
نظرت نحو الباب…
ثم نحو النافذة.
الستارة تتحرك قليلاً مع الهواء.
لكن في تلك اللحظة…
شعرت وكأن أحدًا يراقب البيت.
اقتربت ببطء من النافذة.
أبعدت الستارة قليلاً…
ونظرت إلى الحديقة المظلمة.
لا أحد.
لكن قلبها لم يصدق ذلك.
ابتعدت خطوة…
ثم نظرت إلى غيث… ثم إلى ياسين.
وعيناها امتلأتا خوفًا.
همست بصوت ضعيف:
"مش هسمح لحد يقرب منكم…"
لكن داخلها…
كانت تعرف أن الخطر هذه المرة لم يعد موجّهًا لغيث فقط.
بل لابنها أيضاً.
يتبع