رواية قيود من حرير الفصل الثالث والثلاثون33 بقلم سيليا البحيري

رواية قيود من حرير الفصل الثالث والثلاثون33 بقلم سيليا البحيري
في فيلا عائلة البحيري...داخل غرفة ميار...
كانت تجلس على مكتبها، كتاب مفتوح أمامها، لكن عينيها لم تكونا تقرآن فعلًا.
القلم بين أصابعها... يدور ببطء.
تنهدت.
كلمات ولاء في السجن ما زالت تتردد في رأسها كصدى ثقيل.
"أنا عمري ما حبيتك..."
"إنتِ نسخة منها... وعشان كده بكرهك..."
أغمضت عينيها لحظة... ثم هزت رأسها بخفة، كأنها تطرد الفكرة
همست لنفسها بهدوء:
"خلاص... انتهى"
وفجأة...
دُق الباب بخفة.
رفعت رأسها.
"ادخل"
فتح الباب ببطء... وظهر أحمد الصغير وهو يمسك لعبته
أحمد (بتردد):
"ميار... إنتِ صاحيّة؟"
ابتسمت له فورًا.
"تعال يا بطل"
دخل وجلس بجانبها على السرير.
ظل يراقبها لحظة... ثم قال ببراءة:
"إنتِ زعلانة شوية؟"
ضحكت بخفة ومسحت على شعره.
"لا... بس تعبانة شوية."
فكر أحمد قليلاً... ثم مد لها لعبته.
"طب نلعب شوية؟"
رفعت حاجبها مبتسمة.
"في نص الليل؟"
هز كتفيه ببساطة.
"هو الليل بيمنع اللعب؟"
ضحكت ميار أخيرًا... ضحكة حقيقية هذه المرة.
"طيب دقيقة واحدة بس."
وبدأ الاثنان يحركان اللعبة فوق السرير كأنها سباق صغير.
صوت ضحكات أحمد ملأ الغرفة للحظات... حتى توقف فجأة عندما رن هاتف ميار.
نظرت إلى الشاشة.
سليم.
تغيرت ملامحها قليلًا... مزيج من الدفء والخجل.
ردّت.
"ألو؟"
جاء صوته من الطرف الآخر هادئًا... لكنه يحمل قلقًا واضحًا.
"إنتِ كويسة؟"
ابتسمت رغم نفسها.
"دي أول كلمة؟"
رد فورًا:
"آه... لأني عارف النهارده كان صعب."
سكتت لحظة... ثم قالت بهدوء:
"أنا كويسة."
تنهد سليم من الطرف الآخر.
"كويسة بجد؟ ولا بتقولي كده عشان تطمّني الناس؟"
نظرت ميار إلى أحمد الذي كان يراقبها باهتمام.
ثم قالت بصوت أهدأ:
"كويسة... عشانكم."
ضحك سليم بخفة.
"كويس... لأن لو حد زعلك تاني... هضطر أعمل مشكلة كبيرة."
رفعت حاجبها.
"مشكلة؟"
قال بثقة:
"آه... أنا خطيبك رسميًا... من حقي أتخانق."
احمر وجهها قليلًا رغم أنها وحدها في الغرفة.
"إنت مستحيل."
رد فورًا:
"وأنتِ جميلة."
تجمدت لحظة.
"إيه؟"
ضحك سليم.
"قلت الحقيقة... مش غلطتي إنك كل ما تبكي تبقي أجمل."
ضربت الجبهة بيدها.
"يا سليم..."
قال بهدوء هذه المرة:
"أنا فخور بيكِ... عارفة كده؟"
سكتت.
كلماته أصابت شيئًا عميقًا في قلبها.
سألته بهدوء:
"فخور بإيه؟"
رد دون تردد:
"إنك واجهتي الماضي... وما هربتيش."
نظرت ميار إلى الأرض لحظة... ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة.
"كان لازم."
قال سليم:
"وأنا هنا... لو احتجتي تهربي شوية."
ضحكت بخفة.
"من إيه؟"
رد فورًا:
"من الدنيا كلها."
تدخل أحمد فجأة وهو يهمس بجانب الهاتف:
"مين ده؟"
ضحكت ميار.
"ده سليم."
أخذ أحمد الهاتف فجأة.
أحمد بحماس:
"سليم ميار بتضحك دلوقتي"
ضحك سليم من الطرف الآخر.
"أهو ده المطلوب."
أعاد أحمد الهاتف إليها.
سكتت ميار لحظة... ثم قالت بصوت خافت:
"شكرًا."
رد سليم ببساطة:
"على إيه؟"
قالت:
"إنك موجود."
سكت لحظة... ثم قال بنبرة دافئة:
"أنا دايمًا موجود."
*************************
في فيلا غزل وغيث...في غرفة المعيشة كانت غزل تمشي ذهابًا وإيابًا، الهاتف في يدها، وعيناها لا تفارقان الشاشة.
اتصلت مرة أخرى.
رنّ الهاتف...
مرة... مرتين... ثلاث...
لا رد.
أغلقت الاتصال ببطء.
همست لنفسها بقلق:
"فينك يا غيث...؟"
نظرت إلى الساعة.
تأخر أكثر من المعتاد.
وقبل قليل...
تلك الرسالة المجهولة.
"خلي بالك من جوزك..."
ابتلعت ريقها.
حاولت أن تقنع نفسها أنها مجرد مزحة سخيفة... أو تهديد فارغ.
لكن قلبها... لم يصدق.
وفجأة-
انفجر بكاء ياسين من الغرفة المجاورة.
بكاء حاد... قوي... كأنه صرخة صغيرة في قلب الليل.
انتفضت غزل فورًا.
ركضت إلى الغرفة.
وجدت ياسين في سريره الصغير... وجهه أحمر... ويداه تتحركان بعصبية وهو يبكي بقوة.
حملته بسرعة.
"يا حبيبي... خلاص... خلاص..."
بدأت تهدهده بين ذراعيها.
لكن البكاء لم يتوقف.
بل ازداد.
"ششش... ماما هنا... مفيش حاجة..."
ضغطت عليه أكثر إلى صدرها... تمسح على شعره الصغير... تقبّل جبينه.
لكن الصغير ظل يبكي... بكاءً متقطعًا... حادًا... كأن شيئًا ما يؤلمه.
ارتجفت أنفاس غزل.
"مالك يا ياسين...؟"
هزّته برفق.
لكن شيئًا في داخلها بدأ ينهار.
تذكرت الرسالة.
وتأخر غيث.
والهاتف الذي لا يرد.
شعرت بالدموع تملأ عينيها فجأة.
"بس يا حبيبي... بالله عليك بس..."
لكن ياسين ظل يبكي.
بقوة.
وبدأت دموعها تسقط هي أيضًا.
كانت تحاول تهدئته... لكنها كانت ترتجف.
"بابا هييجي دلوقتي... خلاص..."
لكن صوتها لم يكن واثقًا.
بل مكسورًا.
وفجأة-
فُتح باب الغرفة بسرعة.
ظهرت شيرلين بملامح قلقة بعدما سمعت البكاء.
"في إيه؟!"
اقتربت بسرعة.
"ياسين ماله؟!"
كانت غزل تحاول تهدئته، لكن الدموع على وجهها فضحتها.
نظرت إليها بلهفة.
"ماما... هو غيث فين؟"
عقدت شيرلين حاجبيها باستغراب.
"غيث؟"
نظرت حولها قليلًا.
"هو مش عندكوا فوق؟"
تجمدت غزل.
"لا..."
سكتت لحظة... ثم قالت بصوت خافت:
"لسه ما رجعش."
ارتفع حاجبا شيرلين.
"ما رجعش؟"
هزت غزل رأسها ببطء... وعيناها امتلأتا خوفًا.
"اتصلت بيه كتير... مش بيرد."
بدأ ياسين يبكي مرة أخرى بقوة بين ذراعيها.
احتضنته أكثر وهي تحاول تهدئته... لكن صوتها كان يرتجف.
"مش عارفة ليه... قلبي مش مرتاح..."
نظرت إليها شيرلين بقلق حقيقي الآن.
"يمكن اتأخر في الشغل بس-"
**********************
كان بكاء ياسين ما يزال يملأ الغرفة...
وغزل تحاول تهدئته بين ذراعيها، لكن أنفاسها كانت متقطعة، وقلبها يدق بقوة.
شيرلين كانت تراقبها بقلق واضح.
"غزل... اهدي شوية... أكيد غيث بس اتأخر في الشغل-"
وفجأة...
رنّ هاتف غزل.
نظرت إليه بسرعة.
الاسم على الشاشة:
غيث
اتسعت عيناها فورًا.
"غيث!"
رفعت الهاتف بسرعة، وفتحت الخط بلهفة.
"ألو؟! غيث إنت فين؟!"
لكن الصوت الذي جاء لم يكن صوته.
صوت امرأة... هادئ... رسمي.
"حضرتك زوجة صاحب الهاتف؟"
تجمدت ملامح غزل.
"أيوه... أنا... هو فين؟"
جاء صوت الممرضة مترددًا قليلًا:" صاحب الهاتف وصل من شوية للمستشفى... مصاب بطعنة بسلاح أبيض..."
سقطت الكلمات في الغرفة كصاعقة.
"وهو دلوقتي في غرفة العمليات-"
لم تسمع غزل بقية الجملة.
صرخت فجأة صرخة حادة مزقت الصمت.
"لاااااا!"
ارتجف جسدها بعنف...
وأفلتت ياسين من بين ذراعيها دون أن تشعر.
"غزل!"
شهقت شيرلين برعب، وانقضّت بسرعة والتقطت الطفل قبل أن يسقط.
ضمته إلى صدرها بقوة، وقلبها يكاد يخرج من مكانه.
"يا ساتر!"
ياسين انفجر في البكاء أكثر... بكاء حاد ممزق.
شيرلين نظرت إلى غزل بصدمة.
"في إيه؟! حصل إيه؟!"
لكن غزل كانت واقفة في مكانها... الهاتف ما يزال في يدها... وجهها شاحب تمامًا.
الدموع تنهمر بلا توقف.
همست بصوت مكسور بالكاد يُسمع:
"غيث..."
اقتربت شيرلين خطوة، وقلبها بدأ يغرق في الخوف.
"غزل... اتكلمي! غيث ماله؟!"
لكن قبل أن تجيب...
انفتح باب الغرفة بسرعة.
دخل رمزي بملامح متوترة بعد أن سمع الصراخ.
"في إيه؟!"
وخلفه أمينة التي كانت في زيارة، تنظر بقلق شديد.
"صوت الصريخ ده كان لمين؟"
شيرلين كانت ما تزال تضم ياسين الذي يبكي بجنون.
نظرت إلى غزل... ثم إلى زوجها رمزي، ويدها بدأت ترتجف.
أمسكت بذراعه بقوة.
"رمزي..."
صوتها كان مرتعشًا.
"في حاجة حصلت لغيث..."
تجمد رمزي في مكانه.
"إيه؟!"
في تلك اللحظة اقتربت أمينة بسرعة، وأخذت ياسين من شيرلين محاولة تهدئته.
احتضنته بقوة وهو يبكي بعنف... جسده الصغير يهتز بين ذراعيها.
همست له بحزن:
"اهدى يا حبيبي... اهدى..."
لكن الطفل لم يهدأ.
كان يبكي كأن قلبه الصغير يشعر بما حدث.
وفي وسط هذا المشهد...
كانت غزل تتحرك فجأة.
وضعت الهاتف على الطاولة دون وعي.
ثم اندفعت نحو الباب.
"غزل!"
ناداها رمزي.
لكنها لم تتوقف.
ركضت نحو الخارج... بثياب البيت... شعرها غير مرتب... ودموعها لا تتوقف.
صوتها خرج مرتجفًا وهي تفتح الباب:
"غيث في المستشفى!"
ثم خرجت مسرعة في الليل...
تركض نحو السيارة...
نحو المستشفى...
نحو غيث.
**********************
في لندن... داخل فيلا ياسر
الساعة تجاوزت العاشرة ليلاً...
كان آدم جالسًا على الأريكة وهو يحكي بحماس، يلوّح بيديه كأنه يعيد تمثيل المشهد.
آدم (باندفاع):
"وبعدين يا بابا المدرس قالي: مين اللي عمل الصوت ده؟!
فأنا بصيت لزميلي وقلت له: اعترف قبل ما أضحي بيك!"
ضحكت ليان وهي تضربه بخفة على كتفه.
ليان:
"يا ولد... أنت هتخليني أروح المدرسة أعتذر بدل منك!"
أما ياسر فكان يضحك بصوت خافت، يهز رأسه.
ياسر:
"أنا متأكد إن المدرسين بقوا يحفظوا اسمك أكتر من اسم المدرسة."
رفع آدم كتفيه ببراءة مصطنعة.
آدم:
"مش ذنبي إني شخصية مؤثرة."
وفي تلك اللحظة...
جاء صوت هادئ من خلفهم.
"خيانة ، أنتو بتضحكوا من غيري."
تجمّد الثلاثة في أماكنهم.
التفتوا ببطء نحو المدخل...
وهناك...
واقف عند الباب... معطفه على كتفه... ابتسامة صغيرة على شفتيه...
ريان.
اتسعت عينا ليان فوراً.
ليان (بذهول):
"ريان؟!"
وقبل أن ينتظر ردًا... كانت قد ركضت نحوه.
احتضنته بقوة... كأنها تتأكد أنه حقيقي.
ليان (بفرح مختلط بعتب):
"يا مجنون! جيت إمتى؟! ليه ما قلتش إنك راجع؟!"
ضحك ريان بخفوت وهو يضمها.
ريان:
"كنت عايز أفاجئكم."
ابتعدت قليلاً... أمسكت وجهه بين يديها، تتأمله كما تفعل كل أم بعد غياب طويل.
ليان:
"نحفت... وسهرت كتير... صح؟
وأكلت كويس؟
ونمت كويس؟
والمهمة كانت خطيرة؟"
رفع ريان حاجبه بابتسامة هادئة.
ريان:
"ماما... سؤال واحد في المرة."
ضحك ياسر وهو يقترب منه.
وقف أمامه لحظة... ينظر إليه بفخر واضح.
ثم فتح ذراعيه وعانقه بقوة.
ياسر:
"حمد لله على سلامتك يا بطل."
رد ريان وهو يربت على كتف والده:
ريان:
"الله يسلمك يا بابا."
لكن الهدوء لم يدم طويلاً...
لأن آدم كان يقف خلفهما وذراعاه متشابكتان، يراقب المشهد بعينين ضيقتين.
آدم:
"لحظة... لحظة..."
التفت الجميع إليه.
اقترب خطوة... وهو يحدق في ريان كأنه يحقق في جريمة.
آدم:
"إنت داخل البيت كده فجأة... وتسرق كل الأحضان؟"
رفع ريان حاجبه.
ريان:
"والمطلوب؟"
فتح آدم ذراعيه فجأة.
آدم:
"حقي الشرعي كأخ صغير مهمل."
ضحكت ليان.
أما ريان فاقترب وضربه بخفة على رأسه.
ريان:
"كبرت يا آدم."
رد آدم فوراً:
"للأسف... لسه أطول منك."
نظر ريان له بنظرة باردة مصطنعة.
ريان:
"احلم."
ضحك ياسر.
ليان أمسكت يد ريان وسحبته نحو الأريكة.
ليان:
"اقعد بقى... واحكي.
المهمة كانت فمصر صح؟
عملت إيه هناك؟"
جلس ريان بهدوء... وأسند ظهره.
ريان:
"شغل عادي."
نظر له آدم بشك واضح.
آدم:
"كلمة شغل عادي دي بتخوفني منك."
ضحك ريان.
ريان:
"ليه؟"
رد آدم وهو يميل نحوه:
"عشان كل مرة تقول شغل عادي... بيطلع فيه مصيبة."
ضحك الجميع.
أما ريان...
فابتسم فقط.
لكن خلف تلك الابتسامة...
كان يحمل أسراراً... لا يعرفها أحد في هذه الغرفة.
ولا حتى والده.

***********************
في المشفى... قبل شروق الشمس بقليل
أمام غرفة العمليات...
تجمّعت العائلة.
الجميع هنا... لكن الصمت كان أثقل من أي كلام.
على أحد المقاعد...
كانت غزل جالسة... شاحبة الوجه... عيناها حمراوان من البكاء... يداها متشابكتان بقوة وكأنها تتمسك بشيء غير مرئي.
لم تكن تنظر لأحد...
عينها ثابتة فقط على باب غرفة العمليات المغلق.
همست بصوت مكسور بالكاد يُسمع:
"يا رب..."
بجانبها كانت ميار، والدتها، تمسح دموعها بحنان وتمسّد شعرها.
ميار (بصوت دافئ رغم القلق):
"اهدي يا حبيبتي... إن شاء الله هيبقى بخير."
لكن غزل هزّت رأسها بعنف... دموعها تسقط بلا توقف.
غزل:
"هو كان كويس... خرج من البيت كويس...
ليه يحصل فيه كده؟!"
احتضنتها ميار بقوة.
ميار:
"دي ابتلاءات يا بنتي... وربنا كبير."
قريب منهما...
كانت شيرلين تبكي بشدة، تمسك بمنديل بين يديها.
شيرلين (بصوت مرتجف):
"ابني... غيث عمره ما أذى حد... ليه حد يعمل فيه كده؟!"
جلس بجانبها زوجها رمزي، يمسك بيدها محاولاً تهدئتها رغم أن القلق واضح في عينيه.
رمزي بهدوء:
"شيرلين... اهدي شوية... الدكتور قال إنهم بيعملوا كل اللي يقدروا عليه."
لكنها هزّت رأسها وهي تبكي.
شيرلين:
"أنا حاسة بقلب الأم... ابني موجوع..."
اقتربت منها غرام بلطف... وربتت على كتفها.
غرام:
"إن شاء الله يقوم بالسلامة... ربنا كبير."
أما جاسر الحديدي فكان واقفاً قليلاً بعيداً، يراقب باب غرفة العمليات بوجه صارم.
اقترب منه سليم والد غزل.
سليم بصوت منخفض:
"أي خبر؟"
هز جاسر رأسه ببطء.
جاسر:
"لسه."
تنهد سليم بعمق... ومسح وجهه بيده.
على الجانب الآخر...
كان أوس يقف قرب الحائط، يمرر يده في شعره بعصبية.
اقتربت منه زوجته شغف وربطت يدها بذراعه.
شغف بهدوء:
"هيبقى كويس... إن شاء الله."
أوس نظر إلى باب العمليات... ثم قال بصوت منخفض:
أوس:
"غيث مش سهل يقع كده... أكيد هيقوم."
قرب النافذة...
وقف زين، عم غزل، ينظر للخارج بصمت.
وبجانبه أدهم البحيري، خالها، الذي عقد ذراعيه ووجهه متجهم.
أدهم:
"اللي عمل كده... لازم يتحاسب."
قالها ببرود واضح.
أما قرب المقاعد...
كانت ميار الشابة جالسة بجانب سليم الشاب، يداها متشابكتان بتوتر.
همست له بصوت منخفض:
ميار الشابة:
"أنا خايفة."
ضغط سليم على يدها برفق.
سليم الشاب:
"هيبقى كويس... غيث قوي."
لكن عينيه هو أيضاً كانتا متعلقتين بباب العمليات.
وفي منتصف هذا الصمت...
انفجرت غزل بالبكاء مرة أخرى.
غزل (بصوت مرتعش):
"أنا آخر حاجة قالها لي... إنه راجع بسرعة..."
انهارت الكلمات في حلقها.
أمسكت أمها وجهها بين يديها.
ميار:
"بصيلي يا غزل..."
رفعت غزل عينيها بصعوبة.
ميار بحزم حنون:
"غيث بيحبك...
وعشان كده هيحارب ويرجع لك."
سقطت دمعة أخرى من عين غزل.
ثم التفتت نحو باب غرفة العمليات... وكأنها تتحدث إليه عبر الجدار.
غزل همست:
"ارجع لي... بس ارجع..."
*********************
مقبض الباب دار أخيراً...
وانفتح باب غرفة العمليات ببطء.
خرج الطبيب وهو يخلع القفازات الطبية... ملامحه متعبة بعد ساعات طويلة.
في لحظة واحدة...
وقف الجميع.
الكراسي تحركت... والأنفاس تسارعت... وكلهم اندفعوا نحوه.
لكن غزل كانت أول من وصل إليه.
وقفت أمامه مباشرة... عيناها متعلقتان بوجهه كأن حياتها كلها معلقة بكلماته.
غزل بصوت مرتجف:
"دكتور... غيث... عامل إيه؟"
صمت الطبيب لثانية... ثم قال بهدوء:
"الحمد لله... العملية نجحت."
في تلك اللحظة...
كأن الهواء عاد إلى الممر.
تنفس الجميع بارتياح مفاجئ.
انفجرت شيرلين بالبكاء مرة أخرى... لكنها هذه المرة دموع ارتياح.
شيرلين وهي تمسك بذراع زوجها:
"الحمد لله... الحمد لله يا رب..."
أغمض رمزي عينيه للحظة طويلة... ثم قال بصوت خافت:
"الحمد لله."
أما غزل...
فوقفت مكانها للحظة... كأنها لم تستوعب الكلام.
ثم همست بصوت ضعيف:
"بجد؟... هو كويس؟"
أومأ الطبيب مطمئناً.
الطبيب:
"نعم... الطعنة كانت خطيرة وقريبة من الأعضاء الحيوية... لكننا تمكنا من إيقاف النزيف."
وضعت غزل يدها على فمها... والدموع انهمرت من عينيها بقوة.
ميار اقتربت منها بسرعة واحتضنتها.
ميار:
"قلتلك يا بنتي... ربنا كبير."
اقترب جاسر الحديدي خطوة للأمام وسأل بجدية:
"متى يمكننا رؤيته؟"
أجاب الطبيب:
"سيُنقل الآن إلى العناية المركزة حتى يستقر وضعه... وبعدها يمكن لشخص واحد فقط زيارته لدقائق."
هز جاسر رأسه بتفهم.
لكن الطبيب أكمل كلامه بنبرة أكثر جدية:
"هناك أمر آخر مهم."
عاد التوتر فوراً إلى وجوه الجميع.
نظر الطبيب إليهم واحداً واحداً.
الطبيب:
"هذه إصابة بسلاح أبيض... وطبيعة الجرح تدل على أنها طعنة متعمدة."
صمت الممر.
أكمل الطبيب:
"بحسب الإجراءات... يجب إبلاغ الشرطة."
تبادل الرجال النظرات.
قال أدهم البحيري ببرود واضح:
"واضح إنها محاولة قتل."
عقد زين حاجبيه.
أما سليم والد غزل فشد فكه بصمت.
في تلك اللحظة...
تجمدت ملامح غزل.
شيء ما لمع في عينيها فجأة...
ذكرى.
تلك الرسالة.
الكلمات التي قرأتها قبل ساعات فقط.
"لو لم تبتعدي... سيدفع شخص تحبينه الثمن."
ارتجفت أصابعها قليلاً.
همست لنفسها بالكاد يُسمع:
"هو..."
رفعت عينيها نحو باب العناية المركزة... قلبها ينبض بقوة.
هي تعرف الآن.
هذا لم يكن حادثاً...
بل رسالة جديدة.
لكنها لم تقل شيئاً.
فقط أغلقت عينيها لثانية... وأخذت نفساً عميقاً.
في المقابل...
كان أوس يمرر يده في شعره وهو يقول بارتياح:
"المهم إنه بخير."
أومأت غرام قائلة:
"الحمد لله."
مسحت شيرلين دموعها وهي تنظر نحو باب الغرفة التي سيُنقل إليها ابنها.
شيرلين بصوت مبحوح:
"بس أشوفه بعيني... وبعدين أرتاح."
أما غزل...
فكانت ما تزال تنظر نحو الممر...
وقلبها يقول شيئاً واحداً فقط:
"من فعل هذا... لن أتركه."
**************************
في لندن... مع أول خيوط الصباح
كان ياسر مستيقظًا قبل الجميع.
جالسًا على طرف السرير، يحتسي قهوته ببطء... ينظر من النافذة إلى الضباب الذي يغطي الحدائق.
خلفه...
كانت ليان ما تزال نائمة.
شعرها الأسود مبعثر قليلاً على الوسادة... ووجهها هادئ كأن العالم كله لا يستطيع إزعاجه.
التفت ياسر نحوها...
وتوقفت عينه عندها لحظة أطول من المعتاد.
ابتسم بهدوء.
بعد لحظات... تحركت ليان ببطء، ثم فتحت عينيها نصف فتحة.
ليان بصوت ناعس:
"بتبص عليّا كده ليه؟"
ضحك ياسر بخفوت.
ياسر:
"بفكر... إني محظوظ."
رفعت حاجبها بتعب وهي تسند رأسها على يدها.
ليان:
"آه طبعاً... لأنك متجوزني."
اقترب منها قليلاً... وابتسم.
ياسر:
"ده أهم سبب."
مد يده... وأزاح خصلة شعر سقطت على جبينها.
ليان ابتسمت بخفة.
ليان:
"صحيح... إمبارح كنت فرحان برجوع ريان كأنك طفل."
تنهد ياسر بعمق.
ياسر:
"غصب عني... كل مرة يرجع من مهمة بحس..."
توقف قليلاً.
ثم أكمل بهدوء:
"كأن ربنا بيرجعهولي من جديد."
مدّت ليان يدها... وأمسكت يده بلطف.
ليان:
"ريان قوي... شبهك."
ابتسم ياسر ابتسامة صغيرة... لكن عينيه أصبحتا أعمق قليلاً.
سكت لحظة... ثم نظر إليها.
ياسر بصوت صادق هادئ:
"أنا دايمًا بفكر... لو ما قابلتكيش."
ضحكت ليان.
ليان:
"كنت هتعيش عادي."
هز رأسه ببطء.
ياسر:
"لا... مش عادي."
نظر إلى القهوة في يده... ثم عاد بعينيه إليها.
ياسر:
"أنتِ وأبوكي... غيرتوا حياتي."
حاولت أن تقاطعه... لكنه أكمل.
ياسر:
"أبوكي فتح لي الباب...
وأنتِ فتحتِ قلبي."
سكتت ليان للحظة... وعيناها لمعتا قليلاً.
ليان:
"بابا كان بيحبك جدًا."
ابتسم ياسر بحنان.
ياسر:
"وأنا بحبه كأنه أبويا."
مد يده... وأمسك يدها بين كفيه.
ياسر بهدوء:
"بس أكتر حاجة أنا ممتن لها..."
رفع عينيه إليها مباشرة.
ياسر:
"إنك صدقتيني."
ابتسمت ليان... تلك الابتسامة التي يعرفها جيدًا.
ليان:
"أنا ما صدقتكش..."
اقتربت أكثر... وضعت يدها على خده.
ليان:
"أنا اخترتك."
ابتسم ياسر ابتسامة دافئة... ثم جذبها قليلاً نحوه.
ياسر مازحاً:
"واضح إن اختيارك كان ممتاز."
ضحكت ليان بخفة.
ليان:
"لسه بفكر أرجع فيه."
رفع حاجبه.
ياسر:
"بعد كل السنين دي؟"
هزت كتفيها بمكر.
ليان:
"يمكن."
اقترب أكثر... حتى لامس جبينها.
ياسر بصوت منخفض:
"متأخرة... خلاص."
ضحكت... ثم أسندت رأسها على كتفه.
ظلّا هكذا لحظة...
الصباح يتسلل ببطء حولهما... والهدوء يملأ الغرفة.
ثم قالت ليان فجأة:
ليان:
"تعرف إيه أحلى حاجة؟"
ياسر:
"إيه؟"
ابتسمت وهي تنظر نحو الباب.
ليان:
"إننا بعد كل اللي مرّ... لسه هنا."
نظر ياسر إليها... ثم ضم يدها أكثر.
ياسر:
"وطول ما أنتِ هنا... أنا 
كويس."
************************
في مصر... فيلا البحيري 
جلست هايدي على الطاولة الخشبية الصغيرة...
فنجان قهوتها بين يديها... والبخار يتصاعد ببطء.
لكن عينيها لم تكونا على القهوة.
بل في مكان آخر...
في تلك الكلمات التي سمعتها الليلة الماضية.
دارين...
صوتها ما زال يتردد في رأسها.
"لعبت لعبة صغيرة بس... وخليت الكل يصدق إن ياسر هو الغلطان."
شدّت هايدي أصابعها قليلاً حول الفنجان.
واحد وعشرون سنة...
واحد وعشرون سنة...
ورجل كامل حياته انقلبت بسبب كذبة.
همست لنفسها ببطء:
"إنتِ مبتتعلميش أبداً يا دارين..."
ارتشفت رشفة صغيرة من القهوة... ثم وضعت الفنجان بهدوء.
عيناها أصبحتا أكثر تركيزاً.
"بس المرة دي..."
توقفت لحظة.
"المرة دي... أنا سمعت كل حاجة."
في رأسها...
كانت الأفكار تتحرك بسرعة... كأنها قطع شطرنج تتحرك على لوحة.
لكن فجأة-
صوت خطوات صغيرة في الممر.
التفتت هايدي فوراً.
ظهرت ميار الصغيرة عند باب المطبخ... شعرها نصف مربوط... وفستان المدرسة في يدها.
ميار الصغيرة (بتردد لطيف):
"ماما..."
اختفت القسوة فوراً من وجه هايدي... واستبدلت بابتسامة دافئة.
هايدي:
"صباح الخير يا روحي."
اقتربت الطفلة قليلاً.
ميار الصغيرة:
"ممكن تساعديني أربط الفستان؟ العقدة مش راضية."
ضحكت هايدي بخفة ونهضت من مكانها.
هايدي:
"تعالي هنا."
وقفت ميار أمامها... وبدأت هايدي تربط الشريط خلف ظهرها برفق.
ميار الصغيرة كانت صامتة لحظة... ثم قالت بصوت خافت:
"ماما..."
هايدي:
"نعم؟"
ترددت الطفلة قليلاً... ثم قالت بحزن:
"سارة... بتعيط."
توقفت يد هايدي لحظة.
لكنها أكملت ربط العقدة بهدوء.
هايدي:
"ليه؟"
تنهدت ميار الصغيرة.
ميار الصغيرة:
"أنا سمعتها...
طنط دارين طردتها من الأوضة... وقالتلها تخرج."
تجمدت ملامح هايدي لثانية قصيرة.
اشمئزاز حقيقي مرّ في عينيها... لكنه اختفى فوراً قبل أن تراه الطفلة.
دارين...
حتى ابنتها لا تسلم منها.
تنفست هايدي ببطء... ثم أنهت العقدة وأدارت ميار نحوها.
ابتسمت لها بحنان.
هايدي:
"اسمعيني يا ميار..."
رفعت الطفلة عينيها إليها.
هايدي وضعت يديها على كتفيها بلطف.
هايدي:
"سارة محتاجة حد يكون جنبها... صح؟"
هزّت ميار رأسها.
ميار الصغيرة:
"هي دايماً بتكون لوحدها."
ابتسمت هايدي ابتسامة حنونة.
هايدي:
"طيب... إنتِ تقدري تكوني أختها الكبيرة."
اتسعت عينا الطفلة قليلاً.
ميار الصغيرة:
"أنا؟"
هايدي:
"أيوه...
الأخت الكبيرة اللي تدافع عنها... وتخليها تضحك."
فكرت ميار لحظة... ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة.
ميار الصغيرة:
"طيب... هروح أشوفها دلوقتي."
ربتت هايدي على شعرها بحب.
هايدي:
"برافو عليكي يا حبيبتي."
ركضت الطفلة نحو الباب... لكنها توقفت فجأة.
التفتت.
ميار الصغيرة:
"ماما..."
هايدي:
"نعم؟"
ابتسمت الطفلة ببراءة.
ميار الصغيرة:
"بحبك."
ابتسمت هايدي ابتسامة دافئة حقيقية.
هايدي:
"وأنا بعشقك."
خرجت الطفلة من المطبخ بخطوات سريعة.
عاد الهدوء للمكان.
وقفت هايدي مكانها لحظة...
ثم عادت إلى الطاولة.
رفعت فنجان القهوة... لكن عينيها أصبحتا باردتين هذه المرة.
همست بصوت منخفض لا يسمعه أحد:
"لعبتك القديمة... خلاص انتهت يا دارين."
***************************
في المشفى... داخل غرفة العناية
كان غيث مستلقيًا بلا حركة... الضماد يلف جانبه... وأنبوب المصل يتدلّى بجانب السرير.
وبجانبه...
كانت غزل جالسة على الكرسي القريب منه.
لم تتحرك منذ ساعات تقريبًا.
يدها ممسكة بيده... أصابعها متشابكة مع أصابعه كأنها تخشى أن يختفي إن تركتها.
عيناها متعبتان... لكنهما لا تفارقان وجهه.
همست بصوت خافت وهي تنظر إليه:
"بس افتح عيونك... يا غيث..."
مرت لحظة صامتة...
ثم...
تحركت أصابعه قليلاً.
تجمدت غزل في مكانها.
رفعت رأسها بسرعة.
"غيث؟..."
رمشت عيناه ببطء... ثم فتحهما قليلاً.
تاهت نظرته للحظة في السقف الأبيض... قبل أن تنتقل ببطء إلى الوجه القريب منه.
غزل.
وقف قلبها تقريبًا من شدة التوتر.
اقتربت منه فورًا.
غزل بلهفة:
"غيث... سامعني؟"
رمش مرة أخرى... ثم خرج صوت خافت منه:
"غزل...؟"
انفجرت دموعها فورًا.
أمسكت وجهه بيديها برفق شديد.
غزل بصوت مرتجف:
"أيوه أنا... أنا هنا."
نظر حوله ببطء... كأن عقله يحاول جمع الصور.
غيث بصوت متعب:
"هو... أنا فين؟"
ضحكت غزل وسط دموعها.
غزل:
"في المستشفى... يا حبيبي."
حاول أن يرفع رأسه قليلاً... فتأوه من الألم.
غزل بسرعة:
"لا لا... ما تتحركش."
نظر إليها لحظة... ثم ابتسم ابتسامة خفيفة رغم التعب.
غيث:
"واضح إن اللي حصل... كان مش هزار."
هزت رأسها بسرعة ودموعها لا تتوقف.
غزل:
"كنت هتموتني من الخوف..."
مد يده بصعوبة... ولمس خدها برفق.
غيث بصوت أضعف لكنه دافئ:
"أنا كويس... أهو."
ضحكت من بين دموعها.
غزل:
"كويس؟!
إنت داخل عمليات أربع ساعات!"
رفع حاجبه قليلاً.
غيث:
"بس صحيت... لقيتك جنبي."
نظر في عينيها بعمق.
غيث:
"يبقى أنا فعلاً كويس."
سقطت دمعة أخرى من عينها.
اقتربت أكثر... وأسندت جبينها على جبينه بحذر.
غزل همست:
"كنت خايفة أخسرك..."
أغمض عينيه لحظة... ثم قال بصوت هادئ:
"أنا مش هسيبك."
فتح عينيه مرة أخرى... ونظر إليها بمكر خفيف رغم تعبه.
غيث:
"لسه عندي ابن لازم أعلمه الشقاوة."
اتسعت عيناها  قليلاً.
غزل:
"ياسين!"
رفع غيث حاجبه.
غيث:
"أيوه... فين الواد؟"
تجمدت للحظة...
ثم تذكرت فجأة.
أمينة... في الفيلا.
قالت بسرعة:
غزل:
"مع خالتك أمينة... في البيت."
ثم فجأة... تغيرت ملامحها.
نظرت إلى الأرض لحظة.
غيث لاحظ ذلك فورًا.
غيث بهدوء:
"مالك؟"
تنهدت بخفوت.
غزل:
"أنا... سيبته طول الليل..."
رفعت عينيها إليه... وفيهما شعور بالذنب.
غزل:
"كان بيعيط... وأنا سبتُه... وجيتلك."
ابتسم غيث ابتسامة هادئة.
رفع يده ببطء... وأمسك يدها.
غيث:
"غزل..."
رفعت عينيها إليه.
غيث:
"لو رجع بيا الوقت... كنت هزعل لو ما جيتيش."
ضغط على يدها برفق.
غيث:
"إنتِ مكاني هنا."
ابتسمت بخجل خفيف وسط تعبها.
غزل:
"بس هو صغير..."
قال بهدوء:
غيث:
"وأمه كانت بتنقذ أبوه."
ثم أضاف بنبرة دافئة:
"أكيد هيسامحك."
ضحكت بخفة لأول مرة منذ ساعات.
ثم انحنت قليلاً... وقبّلت جبينه بحنان.
غزل همست:
"الحمد لله إنك رجعتلي."
أغمض غيث عينيه قليلاً وهو يبتسم.
غيث:
"وأنا أول حاجة شوفتها لما صحيت..."
فتح عينًا واحدة ونظر إليها.
غيث:
"وشك."
ابتسم.
"ده أحسن منظر في المستشفى كلها."
ضحكت غزل بصوت خافت... وهي ما تزال تمسك بيده.
*************************
لم تكد ضحكة غزل الخافتة تهدأ...
حتى سُمعت طرقات سريعة على باب الغرفة.
فتحت غزل رأسها قليلاً نحو الباب.
وفي اللحظة التالية...
انفتح الباب ودخل الجميع تقريبًا.
أول من اندفع كان شيرلين.
ما إن رأت ابنها بعينيه مفتوحتين حتى شهقت، وركضت نحوه فورًا.
شيرلين بصوت مرتجف:
"غيث!"
وقفت عند السرير وأمسكت وجهه بين يديها كأنها تتأكد أنه حقيقي.
شيرلين ودموعها تنهمر:
"حبيبي... إنت كويس؟"
ابتسم غيث رغم تعبه.
غيث:
"أنا بخير يا ماما... والله."
وضعت يدها على شعره بحنان شديد.
شيرلين:
"خوفتنا عليك..."
اقترب رمزي أيضاً، يضع يده على كتف زوجته.
رمزي بنبرة هادئة:
"الحمد لله إنك فوقت."
أومأ غيث بابتسامة صغيرة.
بعدهما اقترب سليم والد غزل وميار.
ميار مسحت دموعها وهي تنظر إليه.
ميار:
"حمد لله على سلامتك يا بني."
سليم أومأ بجدية.
سليم:
"ربنا كتب لك عمر جديد."
رفع غيث رأسه قليلاً باحترام.
غيث:
"الله يسلمكم."
ثم جاء جاسر الحديدي بخطوات ثابتة... بجانبه زوجته غرام.
ابتسمت غرام بحنان.
غرام:
"الحمد لله إنك بخير."
أما جاسر فاكتفى بهزة رأس قوية.
جاسر:
"حمد لله على السلامة يا بطل."
في الخلف...
كان أوس وسليم الشاب يتبادلان النظرات قبل أن يقتربا بسرعة.
أوس ضحك وهو ينظر لغيث:
أوس:
"إيه يا عم... سيبتنا ليلة كاملة برا العناية."
رفع غيث حاجبه بتعب.
غيث:
"كنت باخد أجازة."
ضحك سليم الشاب.
سليم الشاب:
"إجازة إيه بس... إحنا اتخضينا عليك."
ابتسم غيث بخفوت.
غيث:
"واضح."
اقتربت شغف وميار الشابة أيضاً.
ميار الشابة ابتسمت بارتياح.
ميار الشابة:
"الحمد لله إنك كويس."
أما أدهم البحيري فوقف قليلاً بعيداً يراقب المشهد، ثم قال بصوت هادئ لكنه حازم:
أدهم:
"المهم إنك عدّيت المرحلة الصعبة."
أومأ غيث له باحترام.
لبضع دقائق...
امتلأت الغرفة بالأسئلة.
"حاسس بإيه؟"
"وجعك عامل إيه؟"
"الدكاترة قالوا إيه؟"
وغزل ما زالت تقف بجانبه... يدها ممسكة بيده.
تراقب الجميع... لكن عينيها لا تبتعدان عنه.
بعد لحظات...
رفع جاسر الحديدي يده قليلاً.
هدأ الكلام في الغرفة.
تقدم خطوة نحو السرير.
نبرته أصبحت أكثر جدية.
جاسر:
"غيث."
نظر إليه غيث مباشرة.
جاسر:
"إيه اللي حصل بالضبط؟"
ساد صمت خفيف في الغرفة.
الجميع انتبه.
تنهد غيث ببطء... ثم قال:
"كنت ماشي... في شارع 6 أكتوبر."
عقد رمزي حاجبيه.
رمزي:
"لوحدك؟"
أومأ غيث.
غيث:
"أيوه."
ثم أكمل:
"الشارع كان شبه فاضي... وفجأة... ثلاثة رجالة ظهروا."
شد أوس فكه.
أوس:
"ثبتوك؟"
هز غيث رأسه قليلاً.
غيث:
"واحد فيهم كان ماسك سكينة."
توترت الغرفة.
قال سليم الشاب بحدة:
"سرقة؟"
هز غيث رأسه ببطء.
غيث:
"لا."
نظر إلى السقف لحظة وكأنه يسترجع المشهد.
غيث:
"أنا سألتهم إنتوا عايزين إيه..."
ثم أكمل بصوت أبطأ:
"واحد فيهم قال..."
توقف لحظة.
الجميع ينتظر.
قال:
"رسالة."
تجمدت ملامح بعضهم.
أكمل:
"وقبل ما أفهم..."
أشار بيده الضعيفة نحو جانبه.
غيث:
"ضربني."
قبض أدهم البحيري يده.
أدهم:
"ولاد-"
لكن غيث أكمل بهدوء:
"وقبل ما يمشوا... واحد فيهم قرب وقال..."
خفض صوته قليلاً.
غيث:
"دي... قرصة ودن بس."
ساد صمت ثقيل في الغرفة.
قال أوس بصدمة:
"قرصة ودن؟!"
سليم الشاب عقد حاجبيه.
سليم الشاب:
"مين ممكن يعمل كده؟"
رمزي نظر إلى الأرض مفكراً.
أما جاسر الحديدي فكانت عيناه تضيقان قليلاً.
واضح أنه يفكر كضابط الآن.
جاسر ببطء:
"يبقى الموضوع مش عشوائي."
في تلك اللحظة...
ارتجفت أصابع غزل قليلاً.
لكنها أخفت ذلك بسرعة.
قلبها كان يدق بعنف.
"لو لم تبتعدي... سيدفع شخص تحبينه الثمن."
الكلمات عادت إلى رأسها بقوة.
إذن...
هو.
نفس الشخص.
نفس التهديد.
شعرت ببرودة تمر في جسدها.
لكنها لم تقل شيئًا.
لم تخبر أحدًا.
فقط ضغطت على يد غيث قليلاً.
لاحظ غيث ذلك... ونظر إليها.
غيث بهدوء:
"غزل؟"
رفعت عينيها بسرعة... وأجبرت نفسها على الابتسام.
غزل بصوت خافت:
"أنا هنا."
لكن داخلها...
كان الخوف قد بدأ يكبر.
************************

في القاهرة - أحد الشوارع الراقية
توقفت سيارة سوداء فاخرة على جانب الطريق.
نزل السائق بسرعة... وفتح الباب.
نزلت دارين الشرقاوي.
معطفها الأنيق... نظارتها الداكنة...
وخطواتها الواثقة التي لا تعرف التردد.
كأن الشارع كله... ملكها.
بضع خطوات فقط...
ثم-
رجل عجوز يجلس قرب الرصيف.
ثيابه مهترئة...
يداه ترتجفان...
وقبعة صغيرة أمامه.
رفع رأسه ببطء عندما مرت دارين.
العجوز بصوت ضعيف: "يا هانم... أي حاجة لله..."
توقفت.
ببطء...
استدارت نحوه.
نظرت إليه... من أعلى إلى أسفل.
نظرة... باردة... قاسية.
دارين: "إنت بتشوّه منظر المكان."
خفض العجوز عينيه...
العجوز: "أنا بس بطلب المساعدة..."
اقتربت خطوة...
صوت كعبها على الأرض كان حادًا كصفعة.
دارين: "اشتغل... زي باقي الناس."
ضحك العجوز بمرارة...
العجوز: "لو لاقي شغل... ما كنتش قاعد هنا."
لمعت عينا دارين ببرود...
ثم التفتت نحو حارسها.
دارين بلهجة آمرة: "شيله من هنا."
تحرك الحارس فورًا...
لكن-
صوت هادئ من الخلف:
"استنى."
تجمدت الحركة.
استدارت دارين ببطء...
كانت لارين تقف هناك.
ملابس بسيطة...
حقيبة كتب على كتفها...
وعيناها... هادئتان بشكل يثير التوتر.
تقدمت خطوة واحدة فقط.
لارين بهدوء بارد: "محدش هيلمسه."
تبادل المارة النظرات...
الهمسات بدأت تنتشر.
دارين خلعت نظارتها ببطء...
ثبتت عينيها على لارين.
دارين: "وإنتِ بقى مين؟"
لارين دون تردد: "واحدة مش بتسكت على الظلم."
ابتسامة خفيفة... مليئة بالسخرية... ارتسمت على شفتي دارين.
دارين: "ظلم؟"
أشارت نحو العجوز.
"ده شحات."
رفعت لارين حاجبها قليلًا...
لارين: "وده إنسان."
سكون خفيف...
دارين ضيّقت عينيها...
دارين: "امشي من هنا... قبل ما تندمي."
لكن لارين لم تتحرك.
بل اقتربت خطوة.
لارين بهدوء قاتل: "تعرفي إيه الغريب؟"
توقفت لحظة.
"إنك لابسة أحسن البراندات... وواقفة وسط الناس...
وبتتصرفي كأنك فوقهم."
الشارع سكت للحظة...
أحد المارة همس:
"دي دارين الشرقاوي..."
آخر قال:
"البنت دي مش عارفة بتكلم مين..."
لكن لارين...
لم تلتفت.
لارين: "أنا طالبة قانون."
رفعت رأسها بثبات.
"ولو حد فيهم قرب له... هبلغ الشرطة فورًا."
ضحكة ساخرة خرجت من دارين...
دارين: "شرطة؟"
اقتربت منها... حتى أصبح بينهما مسافة خطيرة.
دارين بصوت منخفض: "إنتِ عارفة بتكلمي مين؟"
لارين بهدوء: "واحدة فاكرة إن الفلوس بتديها الحق تذل غيرها."
همسات...
بعض الضحكات المكبوتة...
وجه دارين اشتعل غضبًا.
لكن لارين أكملت...
لارين: "لو عايزة الناس تحترمك..."
نظرت نحو العجوز.
"اتصرفي باحترام."
ثم أخرجت بعض المال...
انحنت... وضعته في قبعة الرجل.
العجوز: "ربنا يخليكي يا بنتي..."
ابتسمت له ابتسامة خفيفة...
لارين: "ولا حاجة."
وقفت...
ثم نظرت إلى دارين نظرة أخيرة.
لارين: "يوم سعيد."
واستدارت...
ومشت.
الشارع صامت...
ثم بدأت الهمسات تعلو.
"كسّرتها بالكلام..."
"جرأة مش طبيعية..."
أما دارين...
فكانت واقفة مكانها.
عيناها... مشتعلة.
قبضت يدها بقوة...
ثم همست...
بصوت بارد... مخيف:
دارين: "قليلة الأدب..."
نظرت إلى ظهر لارين... وهي تبتعد وسط الزحام.
دارين ببطء: "هتدفع التمن."
وضعت نظارتها مرة أخرى...
ثم التفتت إلى حارسها.
دارين بلهجة حادة: "عايزة كل حاجة عنها."
توقف.
"اسمها... أهلها... بتدرس فين...
حتى نفسها بتتنفسه فين."
الحارس انحنى قليلًا:
"أوامرك يا هانم."
لكن داخل عقل دارين...
لم يكن هذا مجرد فضول.
بل...
بداية استهداف.
فتاة مثل هذه...
لا يجب أن تتكلم.
يجب أن تُسكت
يتبع 
تعليقات



<>