
رواية قيود من حرير الفصل الحادي والخمسون51 بقلم سيليا البحيري
في مقر جهاز الاستخبارات المصرية - مساءً
توقفت سيارة سليم أمام المبنى. نزل سليم أولًا، ثم ياسر. كان كلاهما لا يزال تحت تأثير المواجهة التي حدثت بينهما قبل أقل من ساعة. لكن سرعان ما اختفى كل شيء عندما وقعت عينا ياسر على شخص يجلس في نهاية الرواق
كان يجلس على أحد المقاعد، منحني الظهر، واضعًا رأسه بين كفيه، وكأنه يحمل فوق كتفيه جبلًا كاملًا
عقد ياسر حاجبيه فورًا
ياسر (متعجبًا):
ريان؟ إنت هنا ليه؟
رفع الشاب رأسه ببطء. وللحظة، ارتاحت عيناه عندما رأى والده. لكن تلك الراحة لم تدم. حل محلها حزن غريب. حزن لم يره ياسر في ابنه من قبل.
وقف ريان بسرعة، وكأنه ينتظر هذه اللحظة.
ريان (بصوت مبحوح):
بابا...
اقترب منه ياسر فورًا، ووضع يده على كتفه.
ياسر (بقلق):
إنت بتعمل إيه هنا؟ إيه اللي جابك؟
ريان:
أنا...
تردد. نظر إلى سليم، ثم عاد إلى والده. كان يريد أن يقول شيئًا، لكن الكلمات عالقة في حلقه.
ريان (بصوت خافت):
في حاجة لازم تعرفها.
شعر ياسر بانقباض في صدره. لم ير ابنه بهذا الشكل من قبل.
ياسر:
إيه هي؟
فتح ريان فمه، لكنه لم ينطق بحرف واحد. لأن صوتًا باردًا جاء من خلفهم.
لارين (بهدوء):
هتعرفوا كل حاجة بعد دقيقة.
استدار الجميع. كانت لارين تقف عند باب أحد المكاتب، كالعادة، ملامحها هادئة، ونظرتها حادة.
لارين:
سيادة اللواء جاسر مستنيكم.
تبادل ياسر وريان النظرات. ثم تنهد ياسر تنهيدة عميقة.
ياسر:
طيب... خلاص.
وبعد لحظات، دخل الأربعة إلى المكتب.
كان جاسر الحديدي واقفًا أمام النافذة، وبجواره عدة ملفات وصور منتشرة فوق الطاولة. استدار عندما دخلوا.
جاسر (بهدوء):
أخيرًا... وصلتوا.
اقترب منه سليم، ثم صافحه بحرارة.
سليم:
خير يا جاسر؟ إيه اللي حصل؟
أما ياسر فاكتفى بإيماءة بسيطة، لم يكن في مزاج للمجاملات.
ياسر:
السلام عليكم.
جاسر:
وعليكم السلام.
جلس الجميع. لكن التوتر كان واضحًا، خصوصًا عند ريان، ولارين، وياسر الذي بدأ يشعر أن شيئًا ليس طبيعيًا.
نظر سليم إلى صديقه.
سليم (بجدية):
قول إيه اللي بيحصل؟
أشار إلى الملفات المنتشرة على الطاولة.
سليم:
إيه اللي جابنا هنا؟
ساد الصمت للحظات. ثم أخذ جاسر نفسًا عميقًا، وأغلق أحد الملفات أمامه ببطء.
جاسر (بهدوء ثقيل):
طوال السنين اللي فاتت...
رفع عينيه نحوهم.
جاسر:
كنا بنطارد أشباح.
نظر الجميع إليه باهتمام.
جاسر:
كل مرة نقرب من رأس الشبكة... حد كان يسبقنا بخطوة.
ياسر (باستغراب):
يعني إيه؟
جاسر (بجدية قاطعة):
يعني إن فيه شخص واحد كان بيحرك كل الناس.
اتسعت عينا سليم قليلًا.
سليم:
كل الناس؟ تقصد مين؟
أومأ جاسر، وبدأ يعد على أصابعه:
جاسر:
دارين... فالينتينا... لورانزو... ولاء... وغيرهم كتير.
ساد الصمت.
ياسر (ببطء):
تقصد زعيمهم؟ الزعيم الكبير؟
رفع جاسر عينيه، ونظر إلى ياسر مباشرة.
جاسر (بثبات):
بالضبط.
ثم أضاف بصوت أصبح أكثر حدة:
جاسر:
واحنا وصلنا له أخيرًا.
تجمد الجميع. حتى سليم.
سليم (مذهولاً):
وصلتوا... للزعيم الكبير؟
جاسر:
أيوه.
بدأ قلب سليم ينبض بقوة. لأنه لم يكن يتخيل أصلًا أن دارين تعمل ضمن شبكة بهذا الحجم. كل ما كان يعرفه أنها امرأة حاقدة وخبيثة. لكن مافيا؟ زعيم؟ شبكة دولية؟ هذا أكبر بكثير مما تخيل.
سليم (بذهول):
يعني دارين كانت بتشتغل لحساب حد؟
ضحكت لارين بسخرية قصيرة.
لارين (بسخرية باردة):
كانت بتنفذ أوامره من سنين طويلة.
نظر إليها سليم بذهول. أما ياسر، فبدأ يشعر بشيء ثقيل داخل صدره. خصوصًا عندما نظر إلى ريان، الذي خفض عينيه فورًا.
ياسر (بحدة):
مين هو؟
لم يرد أحد.
ياسر (أعلى صوتًا):
مين هو؟!
ساد صمت طويل داخل المكتب.
ثم نظر جاسر إلى ريان. ونظر ريان إلى الأرض. ثم إلى لارين. وأخيرًا، رفع عينيه نحو والده. وكانت عيناه ممتلئتين بالألم. شيء جعل قلب ياسر ينقبض فورًا.
ياسر (بقلق):
ريان؟
لكن ريان لم يجب. عندها تدخل جاسر، وتحدث بصوت هادئ جدًا.
جاسر (بهدوء حذر):
قبل ما أقوللكم اسمه...
نظر إلى ياسر مباشرة.
جاسر:
لازم تعرفوا إن الراجل ده... مكنش عدو بعيد.
انعقد حاجبا ياسر.
جاسر (بصوت أصبح أكثر ثقلًا):
لأ... كان قريب جدًا منكم.
ازدادت حيرة سليم. أما ريان فأغلق عينيه، وكأنه يستعد لضربة قاتلة.
ثم فتح جاسر الملف الأخير أمامه، وأخرج صورة من داخله. وضعها على الطاولة ببطء شديد.
لكننا لا نرى الصورة بعد.
في حين اتسعت عينا ياسر ببطء... وكأن العالم كله توقف للحظة
🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎
ساد الصمت داخل المكتب. كان ياسر يحدق في الملف الموضوع أمامه، بينما بدأ صبره ينفد شيئًا فشيئًا.
ياسر (بحدة):
كفاية ألغاز بقى
ضرب الطاولة بكفه بقوة، فارتجت الملفات.
ياسر (صاخبًا):
مين هو؟!
لكن قبل أن يتكلم جاسر، تقدمت لارين خطوة للأمام. وضعت يديها خلف ظهرها، ورفعت ذقنها قليلًا. ثم قالت بثقة واضحة:
لارين (بهدوء حازم):
قبل ما تعرفوا الاسم...
نظرت إلى ياسر مباشرة.
لارين:
لازم تعرفوا إحنا وصلنا له إزاي.
تنهد ياسر بضيق، وكاد ينفجر.
ياسر (بغضب):
يا بنتي... أنا هنفجر
ابتسمت لارين ابتسامة صغيرة، وكأنها تستمتع بالتوتر.
لارين:
أنا عارفة.
ثم أضافت بنبرة لا تخلو من شيء من الفخر:
لارين:
أنا لارين الأسيوطي... طالبة في كلية الحقوق...
نظرت نحو سليم.
لارين:
وابنة المحامي جواد الأسيوطي...
ثم أكملت بثبات:
لارين:
وعميلة سرية في فريق تابع للاستخبارات المصرية.
اتسعت عينا سليم. أما ياسر فلم يعلق، فهو يعرف بالفعل أن هناك شيئًا غير طبيعي في هذه الفتاة.
لارين (بثقة):
منذ أكتر من سنة...
أشارت إلى الصور الموزعة على الطاولة.
لارين:
بدأنا نلاحظ إن كل القضايا اللي بنحقق فيها ترجع لنقطة واحدة.
لارين:
أسماء مختلفة، جنسيات مختلفة، جرائم مختلفة...
ثم ضربت بإصبعها على الطاولة.
لارين:
بس مصدر التمويل واحد.
بدأ الجميع ينصتون. حتى ياسر.
لارين:
في الأول كنا فاكرين إن دارين هي الرأس...
ضحكت بسخرية.
لارين:
بس دارين أذكى من إنها تكون أداة بس... وأغبى من إنها تكون الزعيمة.
حتى جاسر ابتسم رغم التوتر.
لارين:
بعدها اتعاونت الاستخبارات المصرية مع الجانب الإيطالي.
رفعت ملفًا آخر.
لارين:
ماركو وفريقه كانوا بيتعقبوا تحويلات مالية خارجة من أوروبا... واحنا كنا بنتعقب الأسماء الوهمية في الشرق الأوسط.
بدأ ريان يتابع بصمت، وعيناه مثبتتان على الأرض.
لارين:
المشكلة كانت إن الراجل عمره ما استخدم اسمه الحقيقي ولا مرة طول عشرين سنة.
سليم (بلهفة):
إذن إمسكتموه إزاي؟
ابتسمت لارين. وهنا ظهر ذكاؤها الذي اعتادت التفاخر به.
لارين:
ما مسكناهوش مباشرة... لأ، احنا سيبناه يكشف نفسه بنفسه
انعقد حاجبا ياسر.
لارين:
عملنا تسريب لمعلومة مزيفة.
جاسر (مكملًا):
معلومة إن واحد من الحسابات السرية للشبكة اتهكر... وإن الاستخبارات الإيطالية خدت قائمة العملاء كاملة.
سليم (مندهشًا):
بس كانت كذبة؟
لارين (بخبث):
أكيد.
ثم ابتسمت ابتسامة ماكرة.
لارين:
بس في حد بلع الطعم.
أشارت إلى صورة أخرى.
لارين:
بعد أقل من ست ساعات... بدأت أوامر الطوارئ تنتقل جوه الشبكة. تحويل فلوس، إلغاء حسابات، اختفاء وسطاء، وتصفية بعض العناصر.
هنا عقد جاسر ذراعيه.
جاسر:
ومن خلال حركة الاتصالات... قدرنا نتتبع مركز القيادة.
لارين (بحماسة):
ومش بس كده.
ثم فتحت ملفًا أخيرًا.
لارين:
الغلطة الحقيقية حصلت لما واحد بعت أمر مباشر لدارين.
تجمد سليم.
سليم:
دارين؟
لارين:
أيوه... كانت تحت المراقبة من غير ما تعرف.
ثم نظرت إلى ياسر مباشرة.
لارين:
ومن خلال الأمر ده... وصلنا للاسم الحقيقي.
ساد الصمت. صمت طويل جدًا. حتى ريان بدأ يتنفس بصعوبة، وكأن الهواء أصبح نادرًا.
أما ياسر، فشعر أن قلبه ينبض بقوة غريبة، وكأنه على وشك الخروج من صدره.
ياسر (بصوت أجش):
مين هو؟
هذه المرة، لم تتهرب لارين. بل نظرت في عينيه مباشرة.
لارين (بثبات):
الزعيم الكبير.
توقفت لحظة.
لارين:
الراجل اللي حرك دارين... واللي مول فالينتينا... واللي بنى الشبكة كلها.
ثم قالت الاسم.
لارين (بهدوء قاتل):
فوزي الشامي.
ساد الصمت. صمت مطبق. كأن الهواء اختفى من الغرفة.
سليم (مصدومًا):
إيه؟!
لكن ياسر... لم يتكلم. فقط حدق فيها. غير مصدق.
فوزي؟ فوزي الشامي؟ الرجل الذي استقبله عندما وصل إلى لندن محطمًا؟ الرجل الذي ساعده؟ الرجل الذي فتح له أبواب العمل؟ الرجل الذي وقف بجانبه؟ الرجل الذي زوجه ابنته؟ والد ليان؟ جد ريان وآدم؟
شعر وكأن الأرض تميد تحت قدميه.
ياسر (هامسًا):
لأ...
ثم تراجع خطوة للخلف.
ياسر (بصوت أعلى):
ده مستحيل.
رفع رأسه نحو جاسر.
ياسر (بغضب):
قول حاجة
لكن جاسر لم يستطع. لأن الملف أمامه يحتوي على الأدلة كلها.
وهنا انفجر ريان فجأة:
ريان (بسرعة، وكأنه يدفع عن نفسه تهمة):
ماما مالهاش علاقة بالموضوع
التفتت الأنظار إليه.
ريان (بحرارة):
ماما مش عارفة حاجة... هي ضحية زينا.
كان يتحدث بحرقة حقيقية.
ريان (بصوت يرتجف):
متخلطوش بينها وبين جدي.
لكن ياسر لم يكن يسمع. أو ربما... لم يعد قادرًا على السمع أصلًا.
جلس فجأة على الأريكة. أو بالأحرى... هوى عليها. وكأن ساقيه لم تعودا تحملانه.
ياسر (بصوت مكسور بالصدمة):
فوزي...
نظر إلى الفراغ، وكأنه يرى شبحًا.
ياسر (هامسًا):
فوزي؟!
هرع سليم نحوه فورًا.
سليم (بقلق):
ياسر!
وفي الجهة الأخرى اقترب جاسر بسرعة.
جاسر (بحزم):
اهدأ... خد نفسك.
لكن ياسر لم يكن ينظر إليهما. كان ينظر إلى شيء بعيد. بعيد جدًا.
إلى ذلك الشاب المشرد الذي وصل لندن قبل واحد وعشرين عامًا. والرجل الذي مد له يده يومها. ثم اكتشف الآن... أن اليد التي أنقذته ربما كانت هي نفسها اليد التي كانت تدير الجحيم من خلف الستار طوال هذه السنوات.
🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎
في المشفى أمام المشرحة - بعد دقائق
كانت الأجواء ثقيلة أصلًا. وفاة ولاء، وقضية فالينتينا، والتحقيقات التي بدأت تتشابك بطريقة مخيفة. وقف العقيد كريم المنصوري يتحدث مع أدهم، بينما كانت بقية العائلة متجمعة في الرواق.
وفجأة... عادت غزل.
لكن شيئًا في ملامحها كان مختلفًا. اختفى التوتر، اختفت الحيرة، وحل مكانهما برود مخيف. ذلك البرود الذي كانت تعرف به أيام عملها الصحفي.
انتبه الجميع لها.
ميار (بقلق):
غزل؟ فيكي إيه؟
رفعت غزل رأسها، ونظرت مباشرة نحو العقيد كريم.
غزل (بثبات قاتل):
حضرة العقيد...
التفت إليها الجميع.
غزل:
أنا أعتقد إنكم بتدوروا على الشخص الغلط.
عقد العقيد حاجبيه.
العقيد كريم (باستغراب):
تقصدي إيه؟
تقدمت خطوة، وكأنها تستعد لإلقاء قنبلة.
غزل:
المجرم اللي بتدوروا عليه...
صمتت لحظة، وكأنها تمنح الجميع فرصة للاستعداد.
غزل (بوضوح):
هو حازم الزيني.
ساد الصمت. ثم انفجرت الصدمة.
ميار (مذهولة):
إيه؟!
غيث (بصدمة):
حازم؟!
أوس (مستغربًا):
جوز دارين؟!
شغف (باستنكار):
مستحيل!
حتى العقيد كريم نفسه بدا مذهولًا، وكأن الاسم ضربه في وجهه.
العقيد كريم (بجدية):
إنتِ متأكدة من اللي بتقوليه؟
أومأت غزل.
غزل:
أنا متأكدة.
العقيد كريم:
وعلى أي أساس؟
أخرجت هاتفها.
غزل:
لأن الشخص اللي بيتعقب القضية دي من شهور... وصل له.
العقيد كريم:
مين؟
غزل:
ماركو.
ارتسمت الدهشة على وجه غيث. أما العقيد فأصبح أكثر جدية.
العقيد كريم:
ممكن أتكلم معاه؟
غزل:
أكيد.
أعادت الاتصال فورًا، ووضعت الهاتف على مكبر الصوت.
رن الهاتف عدة مرات، ثم ظهر صوت ماركو.
ماركو:
غزل؟
غزل:
ماركو... أنت على مكبر الصوت. معايا العقيد كريم المنصوري من الشرطة المصرية.
ساد الصمت للحظة، ثم تحول صوت ماركو فورًا إلى نبرة مهنية صارمة.
ماركو:
فهمت.
العقيد كريم:
معاك العقيد كريم.
ماركو:
تشرفت بمعرفتك يا حضرة العقيد.
العقيد كريم (بجدية):
ليه بتتهم حازم الزيني؟
جاء صوت ماركو هادئًا وواضحًا.
ماركو:
لأن كل الخيوط اللي تابعناها الشهور اللي فاتت... انتهت عنده.
بدأ الجميع ينصتون. حتى ميار الشابة توقفت عن البكاء للحظة.
ماركو:
في الأول كنا فاكرين إن دارين الشرقاوي هي الرأس المدبر... بس كل ما تعمقنا أكتر... لقينا شخص تاني بيتحرك من تحت.
العقيد كريم:
كمل.
ماركو:
أول قضية كانت التهديدات المجهولة اللي كانت بتوصل لغزل.
تجمدت ملامح الجميع.
ماركو:
الأرقام كانت وهمية... بس كانت بتمر عبر شبكة اتصالات استخدمها حازم أكتر من مرة.
اتسعت عينا غيث، وقبض يده دون شعور.
ماركو:
بعدها حادثة الاعتداء على غيث... الشخص اللي نفذ الطعنة استلم فلوس من وسيط... والوسيط ده استلم الفلوس من حساب مرتبط بحازم.
شهقت شغف.
شغف:
يا نهار اسود
ماركو:
وبعدين ظهرت قضية فالينتينا روسي... لقيناها دخلت مصر متخفية... خطفت غزل و بعد عملية الانقاذ...اختفت بعدها على طول.
رفع العقيد رأسه.
ماركو:
آخر شخص كان بيتعقب تحركاتها... هو حازم.
بدأت ملامح العقيد تتغير، وأصبح أكثر اهتمامًا.
ماركو:
بل أكتر من كده... لقينا إن حازم كان بيراقب دارين نفسها.
صمت الجميع.
ماركو:
وكأنه كان بيجمع معلومات عنها... وعن شركائها... وعن تحركاتها.
العقيد كريم:
عندك دليل مباشر؟
ماركو:
عندنا تسجيلات، وتحويلات مالية، وتتبعات رقمية، وعدد من الشهادات.
ثم أضاف:
ماركو:
بس المشكلة إننا معرفناش دوافعه الحقيقية لسه.
العقيد كريم:
ليه؟
ماركو:
لإن تصرفاته متناقضة... ساعات بيساعد خصوم دارين... وساعات بيساعد دارين نفسها... وساعات بيضرب الاتنين مع بعض.
عقد العقيد حاجبيه.
العقيد كريم:
يعني إنت بتقول إنه مش مجرد مجرم عادي؟
ماركو (بثقة):
أبدًا... حازم بيلعب لعبة أكبر بكتير من اللي احنا متخيلينه.
تبادل الجميع النظرات، وشعروا لأول مرة أنهم لا يعرفون هذا الرجل أصلًا. ثلاثة عشر عامًا عاشها وسطهم، ومع ذلك... لا أحد يعرف حقيقته.
العقيد كريم:
شكرًا ليك يا ماركو.
ماركو:
أتمنى أكون أفدتكم.
العقيد كريم:
أكيد.
انتهت المكالمة، وبقي الصمت مسيطرًا. صمت ثقيل، مرعب.
حتى ميار الأم همست أخيرًا:
ميار الأم (بصدمة):
يعني...
نظرت إلى غزل.
ميار الأم:
كل اللي حصلنا... كان حازم وراه؟
نظرت غزل إلى الفراغ، ثم قالت ببطء، وكأنها تخرج الكلمات من أعماقها:
غزل (بهدوء):
ده اللي باين.
أما العقيد كريم، فكان ينظر إلى الأرض مفكرًا. لأن القضية أصبحت الآن أعقد بكثير مما تصور. ولأن اسمًا واحدًا... بدأ يظهر خلف كل الكوارث
حازم الزيني
🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎
في مكان مجهول - ليلًا
كانت دارين مقيدة على الكرسي، عيناها مشتعلة بالغضب والكراهية والجنون. منذ ساعات وهي تحاول فهم ما يحدث، لكن شيئًا واحدًا فقط كانت تعرفه: أن الرجل الذي أمامها... لم يكن حازم الذي عاش معها ثلاثة عشر عامًا. كان شخصًا آخر. شخصًا لم تعرفه يومًا.
رفعت رأسها عندما دخل. كان حازم هادئًا كعادته. هادئًا بصورة مرعبة. جلس أمامها، ثم وضع ملفًا فوق الطاولة.
دارين (بسخرية):
أخيرًا قررت تفتح بقك؟
لم يرد.
دارين (باستفزاز):
ولا جاي تمثل دور الغامض زي كل مرة؟
رفع عينيه نحوها ببطء.
حازم (باردًا):
لأ... جاي أخلص كل حاجة.
ابتسمت بسخرية، لكن عينيها كانتا تراقبانه بحذر.
دارين:
طب قولي... إنت مين أصلاً؟
ساد الصمت للحظات، ثم قال:
حازم (بهدوء قاتل):
أنا الراجل اللي قضى تلتاشر سنة بيراقبك.
اختفت ابتسامتها فجأة.
دارين (مذهولة):
إيه؟
حازم (ببرود):
تلتاشر سنة... وإنتي فاكرة إنك الأذكى وإن الكل عرايس ماريونيت في إيديكي... بينما إنتي كنتي الدمية.
مال للأمام قليلًا، ونظر في عينيها.
دارين (بغضب):
كذاب!
حازم:
أكيد؟
فتح الملف، وأخرج عدة صور قديمة، تقارير، أسماء.
حازم:
من سنين وأنا عارف إن فيه شبكة بتتحرك تحت... وعرفت إن فوزي الشامي هو اللي واقف وراها.
اتسعت عيناها.
دارين:
يعني إنت كنت شغال ضده؟
حازم (بهدوء):
وعلشانه ساعات.
دارين (مستغربة):
إيه؟
ابتسم ابتسامة باردة.
حازم:
كنت محتاج أوصل للرأس... وعلشان أوصل للرأس كان لازم أقرب من الأفاعي.
ثم أشار إليها بإصبعه.
حازم:
وإنتي أكبر أفعى في الطريق.
قبضت يديها بغضب، وكادت القيود أن تنكسر.
دارين (بحدة):
علشان كده كنت بتبلغ الاستخبارات؟
حازم:
أيوه.
دارين:
وعلشان كده كنت بتجسس عليا؟
حازم:
أيوه.
دارين:
وعلشان كده كنت بتبعت المعلومات؟
حازم:
أيوه.
شعرت لأول مرة أنها لا تملك أي إجابة. كانت عاجزة.
دارين (بصوت خافت):
وغزل؟ ليه هددتها؟
تنهد حازم، وكأن السؤال ثقيل عليه.
حازم:
عشان كانت بتقرب من الحقيقة أكتر من اللازم.
دارين:
يعني إيه؟
حازم:
كانت بتدور... ولو وصلت للحقيقة في الوقت الغلط... كانت هتموت.
صمتت.
حازم (بهدوء):
أنا كنت ببعدها... بطريقة وحشة... بس كنت ببعدها.
ضحكت دارين بجنون.
دارين:
طب بقيت بطل دلوقتي؟
لم يهتم.
دارين (بسخرية):
وفالينتينا؟ وولاء؟
هنا أصبح صوته أكثر برودًا، وكأنه يتحدث عن أرقام.
حازم:
فالينتينا كانت عارفة أسرار تكفي تشعل حرب كاملة... وولاء كانت هتودي المحققين في الطريق الغلط تاني.
دارين (بحقد):
يعني إنت اللي تخلصت منهم؟
لم يجب مباشرة. ثم قال:
حازم:
عملت اللي شفته ضروري عشان أخلص اللعبة دي.
حدقت فيه طويلاً. ثم فجأة... ضحكت. ضحكت بجنون حقيقي.
دارين (بجنون):
يا منافق... بتتكلم كأنك أحسن مننا... وإنت غارق في الوحل زينا
وقف حازم ببطء، ونظر إليها من علو.
حازم:
يمكن... بس فيه فرق بيني وبينك.
دارين (بسخرية):
وإيه هو؟
نظر إليها مباشرة، وقال ببرود:
حازم:
أنا كان عندي سبب... إما إنتي... فكنتي بتدُمري الكل عشان بتكرهي الكل.
اشتعلت عيناها، وكادت تنفجر من مكانها.
دارين (تصرخ):
متتكلمش عني بالشكل ده!
حازم (بهدوء حازم):
خلاص يا دارين... اللعبة انتهت.
ثم أمسك سلاحه ووضعه على الطاولة أمامه.
حازم:
هاخد سارة.
تجمدت. كأن صاعقة ضربتها.
دارين (مرتعبة):
إيه؟
حازم:
هسافر... وأبدأ حياة جديدة معاها.
لأول مرة، ظهر الذعر الحقيقي على وجهها.
دارين (بذعر):
سارة؟ ابنتي؟
حازم (بهدوء):
بنتنا.
دارين (تصرخ):
مش هتاخدها
حازم (بثبات):
هاخدها.
دارين (بجنون):
هي مش هتحبك أكتر مني
هنا ضحك حازم للمرة الأولى. ضحكة قصيرة، مؤلمة، ساخرة.
حازم (بمرارة):
هي عمرها ما عرفت الحب منك أصلاً.
كانت تلك الضربة الأقسى. فقدت دارين سيطرتها تمامًا. بدأت تصرخ، وتشتم، وتلقي الاتهامات، وتتوعد الجميع. كأنها لم تتعلم شيئًا. كأنها لم تندم على شيء.
نظر إليها حازم طويلاً، ثم هز رأسه ببطء.
حازم (بهدوء أخير):
علشان كده... مكنش فيه طريق تاني معاكي.
وبعد لحظات، امسك مسدسه و اطلق النار على رأس دارين الذي انفجرت منه الد'ماء بقوة و فارقت الحياة للأبد...و انتهت المواجهة الأخيرة بينهما. وساد الصمت في المكان.
وقف حازم، ثم أعاد سلاحه إلى مكانه، واستدار نحو الباب.
دخل أحد الحراس فورًا.
حازم:
كل حاجة جاهزة؟
الحارس:
أيوه يا سيدي.
حازم:
وسارة؟
ابتسم الحارس.
الحارس:
مع المربية... وهي كويسة.
للمرة الأولى منذ سنوات، ظهر شيء يشبه الراحة على وجه حازم. أومأ برأسه.
حازم:
خلاص... نروح.
وغادر المكان دون أن يلتفت خلفه. بينما كانت صفحة دارين الشرقاوي... قد أغلقت إلى الأبد.
وفي الخارج، كانت سيارة تنتظر. وحياة جديدة تنتظر أيضًا.
وحفلة الحساب الأخيرة مع فوزي الشامي... لم تبدأ بعد
🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎
فيلا الشرقاوي - المساء
لأول مرة منذ سنوات، اجتمع هذا العدد الهائل من أفراد العائلة في مكان واحد. لكن لم يكن اجتماعًا عائليًا عاديًا، بل كان أشبه بمحكمة. محكمة تحاكم واحدًا وعشرين عامًا من الأكاذيب.
جلس الجميع في الصالون الكبير. الوجوه متوترة، والصمت ثقيل. حتى الأطفال شعروا أن شيئًا ما ليس طبيعيًا. كان ياسين الصغير يجلس في كرسيه الخاص يعبث بلعبته الملونة، بينما كانت تاج الصغيرة تثرثر بلغتها الطفولية الخاصة. البراءة الوحيدة الموجودة في المكان كله.
أما الكبار... فكانوا ينتظرون.
وقف جاسر الحديدي أمام الجميع، وبجانبه لارين، وخلفهما جواد الأسيوطي. تنهد جاسر ببطء، ثم قال:
جاسر (بهدوء ثقيل):
أنا عارف إن اللي هتسمعوه النهاردة مش هيكون سهل.
نظر إلى محمد، الرجل الذي بدا أكبر بعشر سنوات منذ انكشاف دارين، ثم أكمل:
جاسر:
بس مش ممكن نخبي الحقيقة أكتر من كده.
ساد الصمت.
سليم (بجدية):
تكلم يا جاسر.
أومأ جاسر، ثم فتح الملف أمامه.
جاسر:
منذ أكتر من عشرين سنة... دارين مكانتش بتشتغل لوحدها.
ارتجف محمد، بينما أغمض الجد عادل عينيه.
جاسر:
كانت بتشتغل لصالح شخص تاني.
مها (مذهولة):
شخص تاني؟
جاسر:
أيوه... راجل عنده شبكة كبيرة من النفوذ والفلوس والعلاقات... وكان بيستخدم دارين عشان تنفذ مخططاته.
ارتفع حاجبا سيف.
سيف (بغضب):
يعني كل اللي حصل لياسر...
جاسر (بثبات):
مش كان مجرد انتقام شخصي من دارين... لأ، كان جزء من لعبة أكبر.
نظر الجميع نحو ياسر، الذي كان جالسًا بصمت. صمت مرعب. وكأنه لم يعد يملك طاقة للكلام.
زياد (بغضب):
اخويا ضاع عمره كله بسببهم.
ممدوح (بمرارة):
وحُرمنَا منه واحد وعشرين سنة.
انخفض رأس الجد محمد أكثر، حتى أصبح ينظر إلى الأرض.
محمد (بصوت مكسور بالندم):
سامحني يا ياسر...
التفت الجميع إليه.
محمد (بصوت يرتجف):
أقسم بالله لو كنت أعرف... لو كنت أعرف ما كنت سبتها تعمل كده.
اختنق صوته، وكادت دموعه تسبقه.
تقدم عامر فورًا ووضع يده على كتف والده.
عامر (بحنان):
كفاية يا والدي.
لكن محمد لم يكن يسمعه.
محمد (بصوت مبحوح):
أنا اللي ربيتها... أنا اللي فشلت... أنا السبب.
هنا تقدمت رهف وجلست بجانبه، وأمسكت يده بقوة.
رهف (بدفء):
لا يا عمي... الغلط غلطها هي... مش غلطك.
رفع محمد رأسه بصعوبة، وكانت عيناه ممتلئتين بالدموع.
في هذه اللحظة، تقدمت لارين. كعادتها، بهدوء وثقة.
لارين (بهدوء حازم):
وفيه شخص تاني لازم تعرفوه.
التفتت الأنظار إليها.
لارين:
حازم الزيني.
شهقت ميار.
ميار (مذهولة):
جوز دارين؟
لارين:
أيوه.
زين (باستغراب):
إيه علاقته؟
تنهدت لارين، ثم بدأت تتحدث.
لارين:
طول السنين اللي فاتت كنا فاكرينه مجرد جوز ساكت... راجل ضعيف الشخصية... بعيد عن كل حاجة.
ابتسمت بسخرية خفيفة.
لارين:
وطلع إننا كنا غلطانين تمامًا.
بدأ الجميع ينصتون باهتمام.
لارين:
حازم كان عارف جزء كبير من اللي دارين بتعمله... وكان بيراقبها من سنين.
إياد (مستغربًا):
بيراقبها؟
لارين:
أيوه... وكان بيبعت معلومات لجهات مختلفة.
سليم (باهتمام):
يعني للاستخبارات؟
لارين:
ساعات... وساعات كان بيشتغل لوحده.
ازداد العبوس على وجوه الجميع.
جواد (بهدوء):
يعني باختصار... حازم مكانش جزء من اللعبة بس... لأ، كان لاعب مستقل جواها.
صمت الجميع.
مازن (باستغراب):
وليه؟
لارين (بصدق):
ده اللي لسة مش عارفينه كامل... بس المؤكد إنه مكنش واثق في دارين... ولا في اللي هي شغالة لصالحه.
تبادل الجميع النظرات. بينما ظل ياسر صامتًا. صامتًا بصورة أثارت قلق سليم.
سليم (بهدوء):
ياسر؟
رفع ياسر رأسه، لكن عينيه كانتا شاردتين. في مكان آخر. في اسم آخر. اسم لم يذكره أحد بعد.
فوزي الشامي.
الرجل الذي يعرف حقيقته الآن. بينما بقية العائلة لا تعرف شيئًا. ولا تعلم أن الكارثة الحقيقية... لم تُكشف بعد.
في الطرف الآخر من الصالون، كانت غزل تراقب والدها. ثم تنظر إلى ياسر. ثم إلى ريان. وأدركت أن هناك شيئًا أكبر بكثير مما يقال هنا. شيئًا لم يخبرهم به أحد بعد.
أما الجد عادل، فكان يراقب الجميع بصمت. وكأنه يشعر أن الليلة ليست نهاية الحكاية... بل بداية الفصل الأخير منها.
بينما كان ياسين الصغير يضحك فجأة دون سبب، فتبعه صوت ضحكات تاج الصغيرة. فالتفت الجميع نحوهما للحظة. ولأول مرة منذ ساعات، ارتسمت ابتسامة صغيرة على بعض الوجوه.
ابتسامة قصيرة.
وسط بحر طويل من الأسرار... التي لم تنتهِ بعد
🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎
كان الصمت لا يزال يسيطر على المكان بعد حديث لارين. الجميع غارق في أفكاره.
وفجأة... رن هاتف سليم.
نظر إلى الشاشة، فتجمدت ملامحه.
سليم (بصدمة):
حازم.
ارتفعت رؤوس الجميع دفعة واحدة.
جاسر (بحدة):
حازم؟!
أومأ سليم.
سليم:
هو بنفسه.
ثم ضغط زر الإجابة، ووضع المكالمة على مكبر الصوت.
سليم (ببرود حذر):
تكلم.
جاء صوت حازم هادئًا بصورة غريبة. هادئًا أكثر مما ينبغي.
حازم (بهدوء قاتل):
مساء الخير جميعًا.
تشنج وجه محمد فورًا، أما زينب فشعرت بانقباض في قلبها.
محمد (بغضب مكتوم):
بنتي فين؟!
ساد الصمت للحظة، ثم قال حازم:
علشان كده أنا اتصلت..... تعيش انت يا محمد بيه
توقف الزمن للحظة
محمد (مرتعشًا):
إيه؟!
زينب (بصوت يرتجف):
حازم... إنت بتقول إيه؟
جاء الرد باردًا كالصقيع.
حازم:
دارين خلصت
شهقت زينب، بينما اتسعت عينا محمد.
محمد (صارخًا):
إنت عملت فيها إيه؟!
حازم (بهدوء):
اللي كان لازم يحصل من سنين.
انهارت زينب باكية، وأمسكت رهف بها بسرعة. أما محمد، فجلس مكانه كأن الهواء خرج من رئتيه. حتى بعد كل ما فعلته دارين... تبقى ابنته. تبقى قطعة من قلبه.
محمد (بصوت مكسور):
إنت قتلتها؟
لم يجب حازم مباشرة، ثم قال:
حازم:
هي مش هترجع.
ساد الصمت. صمت ثقيل جدًا. ثم صرخ محمد:
محمد:
وسارة فين؟! إنت خدتها فين؟!
هنا تغير صوت حازم قليلًا. لأول مرة، ظهر فيه شيء يشبه المشاعر.
حازم:
معايا.
قفز محمد من مكانه.
محمد (بجنون):
يا حقير رجع حفيدتي دلوقتي
لكن حازم قاطعه بحدة لم يعرفها الجميع.
حازم (بقسوة):
لأ.
سكت الجميع.
حازم (بهدوء حازم):
مش هسيب بنتي هناك.
محمد (بغضب):
دي حفيدتي!
حازم (بثبات):
وأنا أبوها.
ثم أكمل ببرود قاتل:
حازم:
مش هسمح إنها تكبر في نفس البيئة اللي خلفت دارين.
تجمد الجميع. حتى محمد لم يجد ردًا. لأن الجملة أصابت مكانًا مؤلمًا. مكانًا يعرف الجميع أنه حقيقي جزئيًا.
حازم:
سارة هتعيش معايا... بعيد عن كل ده.
زينب (باكية):
بس إحنا بنحبها...
صمت لحظة، ثم قال بهدوء:
حازم:
أنا عارف... وعلشان كده هخليها تزوركم.
التفت الجميع لبعضهم.
حازم:
في الإجازات... وفي الأوقات المناسبة... مش هحرمها منكم.
خفض محمد رأسه. أما زينب فبكت بصمت.
ثم تابع حازم:
حازم:
إسمعوني كويس...
ساد الصمت.
حازم:
دارين خلصت... ومعظم أتباعها خلصوا... فكروا في حياتكم... في عيالكم... في مستقبلكم... ومتضيعوش اللي باقي من عمركم في الماضي.
رفع جاسر حاجبه.
جاسر (بسخرية):
من إمتى بقيت بتدي نصائح؟
ضحك حازم ضحكة قصيرة باردة.
حازم:
من يوم ما شفت الانتقام بيعمل إيه في الناس.
ثم أكمل:
حازم:
فضل ليكم شخص واحد بس.
توتر ياسر فورًا.
حازم:
فوزي الشامي.
ساد الصمت. حتى الذين لا يعرفون القصة كاملة شعروا بثقل الاسم.
حازم:
لو مااتحركتوش بسرعة... هيهرب
ثم صمت قبل أن يقول:
حازم:
وفيه حاجة أخيرة.
التفتت الأنظار نحو غزل.
حازم:
غزل.
تجمدت ملامحها.
حازم:
أنا آسف.
اتسعت عيناها.
حازم:
عن التهديدات... وعن كل اللي حصل.
ثم أضاف بنبرة هادئة:
حازم:
أنا كنت بحاول أحميكي.
وهنا... انفجرت غزل.
نهضت من مكانها دفعة واحدة، حتى اهتز الكرسي بجوارها.
غزل (صارخة):
كذاب
تجمد الجميع. حتى حازم سكت.
غزل (مرتجفة من الغضب):
متتجرأش تقول كده
سنوات من الخوف، والتهديد، والضغط، والألم... كلها انفجرت دفعة واحدة.
غزل (بمرارة):
كنت بتحميني؟!
ضحكت بمرارة.
غزل:
دي حماية؟ تهددني؟ ترعبني؟ تخليني أخاف على ابني؟ تؤذي جوزي؟
ارتفع صوتها أكثر.
غزل:
وتقول إنك كنت بتحميني؟!
نهض غيث فورًا ووضع يده على كتفها.
غيث (بهدوء):
غزل...
لكنها لم تهدأ.
غزل (والدموع في عينيها):
إنت كنت بتعمل كده لنفسك! إنت ماكنتش بتفكر غير في نفسك! كلكم زي بعض!
في هذه اللحظة اقتربت ميار بسرعة واحتضنت ابنتها.
ميار (بدفء):
اهدئي يا حبيبتي...
لكن غزل كانت تبكي الآن. غضبًا أكثر من الحزن.
أما ياسين الصغير، فكان جالسًا في كرسيه ينظر حوله بحيرة. لا يفهم شيئًا. لكنه شعر بتوتر أمه. وبصوت طفولي صغير، أصدر أنينًا خافتًا. ثم مد يديه نحوها.
فالتفتت غزل إليه فورًا، وانكسر غضبها للحظة. اقتربت منه وحملته بين ذراعيها، فأمسك الصغير بملابسها ببراءة. وكأنه يحاول تهدئتها بطريقته الخاصة.
أما على الهاتف، فبقي حازم صامتًا لثوانٍ طويلة. ثم قال بصوت منخفض:
حازم (بهدوء خافت):
يمكن إنتي على حق...
نظر الجميع إلى الهاتف.
حازم:
مع السلامة.
وانقطعت المكالمة.
وبقيت العائلة كلها في صمت. بين خبر موت دارين، واختفاء حازم، وظهور فوزي، وإدراك الجميع أن النهاية الحقيقية... أصبحت أقرب من أي وقت مضى.
🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎
فيلا ياسر البحيري - الثالثة فجرًا
كان المنزل غارقًا في الصمت. صمت ثقيل. حتى الساعة المعلقة على الحائط كانت أصوات عقاربها مسموعة بوضوح.
في الصالون، كانت ليان جالسة على الأريكة منذ ساعات. لم تستطع النوم. وبجانبها آدم، يحاول التظاهر بالهدوء، لكنه كان ينظر إلى باب الفيلا كل دقيقة تقريبًا. فريان لم يعد بعد، وياسر أيضًا. وهذا وحده كان كافيًا ليجعله قلقًا.
وفجأة... سمع الاثنان صوت سيارة بالخارج. فقفزا من مكانيهما.
آدم (بلهفة):
أخيرًا!
واندفع نحو الباب، بينما نهضت ليان بسرعة.
وبعد لحظات، فتح الباب. ودخل ياسر، وخلفه ريان.
لكن... ما إن وقعت عينا ليان على زوجها حتى شحب وجهها. لأنها لم تره هكذا من قبل. أبدًا. كان يبدو وكأنه عاد من جنازة. وجهه شاحب، وعيناه حمراوان، ونظرته مكسورة.
شهقت ليان.
ليان (بفزع):
ياسر!
واتجهت نحوه بسرعة.
ليان (بقلق):
حصل إيه؟ إنت كويس؟
لكن ياسر لم يجب. فقط نظر إليها. نظرة طويلة جدًا. نظرة جعلت قلبها ينقبض.
وفي الجهة الأخرى، كان آدم قد وصل إلى ريان.
آدم (بقلق):
ريان! إنتوا كنتوا فين؟ حصل إيه؟
نظر ريان إلى أخيه، ثم إلى والدته، ثم إلى والده الذي لم يكن قادرًا على الكلام. أدرك ريان فورًا أن المهمة وقعت على عاتقه.
تنهد ببطء.
ريان (بهدوء):
إقعدوا.
تجمد الجميع.
ليان (مستغربة):
ريان؟
ريان (بجدية):
من فضلك يا أمي... إقعدي.
شعرت ليان بالخوف. خوف حقيقي. وجلست ببطء، بينما جلس آدم بجانبها. أما ياسر، فجلس في المقعد المقابل، لكن رأسه كان منخفضًا. وكأنه يحمل جبلًا فوق كتفيه.
ساد الصمت. ثم بدأ ريان الكلام.
ريان (بصوت خافت):
النهاردة...
توقف للحظة، وكأنه يجمع قوته.
ريان:
عرفنا مين هو الزعيم الكبير.
عقدت ليان حاجبيها.
ليان (باستغراب):
ومين هو؟
نظر إليها ريان مباشرة. وكانت تلك أصعب لحظة في حياته.
ريان (بصوت مكسور):
جدي.
ابتسمت ليان باستغراب، وكأنها لم تفهم.
ليان (مذهولة):
إيه؟
ريان (بثبات مؤلم):
فوزي الشامي.
اختفت الابتسامة فورًا.
ليان (منكرة):
لأ.
صمت ريان.
ليان (بصوت أعلى):
لأ! ده مستحيل!
ريان (بحنان):
أمي...
ليان (تصرخ):
مستحيل! متقولش كده! بابا مش مجرم! بابا مش ممكن يعمل كده!
أما آدم، فكان ينظر بينهما بصدمة.
آدم (مرتعشًا):
ريان... إنت متأكد؟
أومأ ريان ببطء، وكأن رأسه أصبح ثقيلاً.
ريان (بأسف):
أيوه... الأدلة كاملة... الاستخبارات المصرية والإيطالية... وكل حاجة بتقول كده
هزت ليان رأسها بعنف، وكأنها تحارب الحقيقة.
ليان (بإنكار):
كذب! حد لفّق ده... حد عايز يورطه... بابا مش كده!
هنا... رفع ياسر رأسه أخيرًا. وكانت عيناه مليئتين بالحزن. حزن جعل ليان تتوقف عن الكلام.
ياسر (بصوت مكسور):
ليان...
نظرت إليه.
ياسر (بصوت يرتجف):
أنا كنت متمني لو إن ده كذب... أكتر من أي حد تاني.
اقترب منها قليلًا.
ياسر:
بس دي الحقيقة.
بدأت دموعها تتجمع.
ليان (هامسة):
لأ...
ياسر (بمرارة):
الراجل اللي ساعدني في لندن...
اختنق صوته.
ياسر:
مكنش بيساعدني عشان أستاهل المساعدة...
صمت، ثم أكمل بصوت مبحوح:
ياسر:
كان بيستخدمّني.
اتسعت عينا ليان.
ياسر (بألم):
أنا كنت أداة... ورقة في لعبة أكبر.
ليان (بصوت يرتجف):
لأ...
ياسر (بصوت ينكسر):
كل حاجة كانت محسوبة... حتى جوازي منك.
شهقت ليان. وكأن أحدهم صفعها.
ليان (مرتعشة):
إيه...؟
ياسر (بحزن عميق):
مش عارف لو خطط لكده من الأول... بس المؤكد إنه ماكانش بريء.
بدأت دموعها تنهمر. دموع صامتة، مؤلمة.
ليان (بصوت طفل ضائع):
بابا...
جلست ببطء، ثم وضعت يدها على فمها. وكأنها تحاول منع نفسها من الانهيار. لكنها فشلت. وانفجرت بالبكاء. بكاء موجع. بكاء ابنة اكتشفت فجأة أن الصورة التي عاشت عليها عمرها كله... كانت كذبة.
هرع آدم إليها فورًا.
آدم (بحنان):
أمي...
لكنها كانت تبكي فقط. تبكي بحرقة. بينما جلس ريان بجانبها وأمسك يدها، دون أن يقول شيئًا.
أما ياسر، فكان ينظر إليها بعجز. لأنه للمرة الأولى منذ واحد وعشرين عامًا... عرف شعورًا أشد مرارة من الظلم.
أن تكتشف أن الشخص الذي أنقذك يومًا... كان هو نفسه سبب ضياع حياتك.
وفي تلك الليلة... لم ينم أحد في ذلك المنزل.
لا ياسر.
ولا ليان.
ولا ريان.
ولا آدم.
لأن الحقيقة... عندما تأتي متأخرة جدًا... تؤلم أكثر مما يتخيل أي إنسان
🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎
فيلا فوزي الشامي - قبل الفجر بقليل
كان كل شيء هادئًا. هادئًا بصورة مريبة.
جلس فوزي الشامي في مكتبه الفخم، أمام النافذة الزجاجية الكبيرة. وفي يده كأس من الكحول، وعلى وجهه ابتسامة رضا. لأول مرة منذ أيام، وصله الخبر الذي انتظره. دارين انتهت.
تنهد بارتياح، ثم أخذ رشفة من كأسه.
فوزي (بسخرية):
غبية...
هز رأسه.
فوزي (ببرود):
أنا كنت عارف إنك هتقعي في الآخر.
ابتسم بسخرية.
فوزي:
بس على الأقل... ماتقعيش على دماغي.
ثم ضحك. ضحكة رجل اعتاد النجاة. طوال سنوات، كل من حوله سقط. لورانزو. فالينتينا. دارين. ولاء. أما هو... فكان دائمًا يفلت. دائمًا.
وفجأة...
بووووم
اهتزت الفيلا كلها. تجمد فوزي في مكانه، ثم نهض بسرعة.
فوزي (مذعورًا):
إيه ده؟!
وفي اللحظة التالية، انطلقت صفارات الإنذار، وأضواء قوية غمرت الحديقة. ثم سمع صوتًا جهوريًا عبر مكبرات الصوت:
الصوت (جهوريًا):
"فوزي الشامي!"
اتسعت عيناه.
الصوت:
"أنت محاصر بالكامل! اخرج رافعًا إيديك واستسلم فورًا!"
سقط الكأس من يد فوزي وتحطم على الأرض.
فوزي (بصدمة):
لأ...
ركض نحو النافذة، ثم نظر للخارج. فشحب وجهه. مركبات عسكرية. قوات خاصة. عناصر مسلحة. طوق كامل حول الفيلا.
فوزي (هامسًا):
مستحيل... مستحيل...
ثم بدأ يتراجع للخلف. كأنه يرى كابوسًا. طوال حياته كان يخطط، ويتحكم، ويأمر. أما اليوم... فهو المطارد. هو الفريسة.
وفجأة... تحطم باب الفيلا الرئيسي، ودخلت قوة كاملة.
في المقدمة، كان يقف ضابط طويل القامة، في منتصف الأربعينات تقريبًا. وجهه صارم، ونظرته حادة.
العميد رائد المنصوري - 46 عامًا. أحد قادة الوحدات الخاصة بالقوات المسلحة.
تقدم عدة خطوات، ثم نظر مباشرة إلى فوزي.
العميد رائد (بثبات):
فوزي الشامي... أنت رهن الاعتقال.
فوزي (صارخًا):
إنت عارف إنت بتعمل إيه؟ إنت عارف أنا مين؟!
لم يهتز الرجل.
العميد رائد (باردًا):
أيوه... عارفين كويس إنت مين.
ازداد غضب فوزي.
فوزي (بجنون):
مش من حقكم تدخلوا بيتي
العميد رائد (بثبات):
عندنا أوامر.
فوزي (بتهديد):
أنا أقدر أدمر مستقبلك كله
العميد رائد (بهدوء قاتل):
زمن التهديدات خلص
كانت الجملة كفيلة بإشعال جنون فوزي. بدأ يصرخ، ويشتم، ويهدد، ويتوعد الجميع. كأن عشرات السنين من القناع سقطت دفعة واحدة.
فوزي (بجنون):
أنا اللي صنعتكم أنا اللي كنت بحرك الكل أنا-
ثم فجأة... توقف.
تلعثم. ترنح قليلًا.
عقد العميد رائد حاجبيه.
العميد رائد (بحزم):
أمسكوه!
لكن الأوان كان قد فات. ارتعشت يد فوزي، ثم اختل توازنه، وهوى على الأرض وسط صدمة الجميع.
أحد الجنود (بفزع):
سيدي!
العميد رائد (بسرعة):
الطبيب فورًا!
هرع المسعفون إليه. وبعد لحظات، رفع الطبيب رأسه.
الطبيب (بجدية):
يبدو إنها جلطة دماغية.
نظر العميد رائد إلى فوزي. الرجل الذي أرعب عشرات الأشخاص لسنوات، والذي كان قبل دقائق فقط يشعر بأنه انتصر. أما الآن... فكان ممددًا على الأرض، عاجزًا، مكسورًا، ومهزومًا.
وبعد دقائق، دخل شخص آخر إلى الفيلا. توقف العميد رائد، ثم أومأ له باحترام.
العميد رائد:
اللواء جاسر.
دخل جاسر الحديدي ببطء، ونظر إلى فوزي. طويلاً. طويلاً جدًا. ثم قال بهدوء:
جاسر (ببرود):
إذن... ده الراجل اللي دمّر حياة عشرات العائلات.
لم يرد أحد. اقترب أكثر، ثم نظر إلى فوزي الذي كان شبه فاقد للوعي، وقال ببرود:
جاسر (بهدوء قاتل):
انتهت اللعبة يا فوزي... ولأول مرة مش هتقدر تهرب.
ثم استدار.
بينما كانت سيارات الإسعاف تستعد لنقل فوزي تحت الحراسة المشددة.
وفي تلك اللحظة... أدرك الجميع أن الرجل الذي ظل يحرك الأحداث من الظل طوال سنوات... سقط أخيرًا
يتبع