
رواية قلبي لم يكن لي الفصل العشرون20 بقلم منه الوكيل
وفجأة، اتجمدت الصدمة في عيونه واتلاشت كل علامات الاستغراب لما سمع الراجل بيوجهله كلامه، ويصدمه بكلام مكنش متوقعه تماماً. بص له الراجل باستغراب شديد ونبرة حادة ولهجة صعيدية تقيلة: إنت كيف عايش لحد دلوجيت؟! مش إنت فهد ابن عمي وخلصنا منك؟!
أدهم حاول يتماسك، وعمل نفسه ثابت وقوي، ورد بصوت جش: أنا فهد ولسه عايش يا عمنا.. وراجع أخد حقي وأرد اللي حصل، وكنت لسه بد..فن مراتي اللي ما..تت على أيديكم الواطية!
سليم كان واقف في مكانه تايه ومش فاهم حاجة خالص، وعيونو بتتحرك بينهم بصدمة، وبص لأخوه وقال باستغراب: إنت بتقول إيه يا أدهم؟! فهد مين وإيه الكلام ده؟!
بص أدهم لأخوه بسرعة بعينه عشان يسكت وميفضحش الدنيا، بس الراجل ضحك بسخرية مرة وقطع الحكي: أهااا.. واضحة قوي! إنت بتلعب عليّ وعاوز تنتحل شخصية فهد عشان تضحك عليّ أنا وتوخد الواد الصغير؟ بقولك إيه، هات الواد بد..م بارد، ولا والله أقـت..لك دلوجيت!
جزّ أدهم على سنانه بغل، وقال بصوت حاد: هضحك عليك ليه يا راجل إنت؟! لما شوفتني بعينك قلت بلسانك فهد، هو في أكتر من إكده إثبات؟!
الراجل ضيق عيونه بشك كبير وهز راسه برفض:لا، ما دام مش داريان بالحكاية صوح، يبقا مش فهد واصل! عارف ليه؟ لو كنت فهد الحقيقي كنت عرفتني وعرفت طريقي زين، وشكلك متأجر وجاي تتقمص الشخصية.. هات الواد بدل ما أطلع سلا..حي وأفرغ رصا..صي في دماغك!
أدهم ضحك بسخرية لاذعة وقال بضيق: ميجيش على بالك أبداً إني فقدت الذاكرة بعد الحاد..ثة ولا إيه؟! ناسي مراتي اللي لسه د..فنها ود..مها على إيديكم مبردش ولا نشف؟!
رد الراجل بجمود وقسوة: أنا ميهمنيش الحديت المايع ده ولا المسرحيات اللي بتعملها عشان تستعطفني بيها! هات الواد معاك وتخلصني بدل ما نعمل عركة.
الواد الصغير من خوفه جري على أدهم ومسك في بنطلونه بقوة، وقال بصوت عياط وبراءة: مش هسيب بابا.. مش هاجي مع الراجل المتوحش ده!
أدهم بص للراجل بابتسامة سخرية وتحدي: سامع بيقول إيه؟! وعايز إيه من عيل صغير قافش في أبوه وخايف منك وعايز تطلعني مش أبوه عشان تاخده بحجة إنه يتيم وتاكل ورثه وأملاكه بالحرام، صح كدا ولا كشفت لعبتكم؟!
الراجل اتعصب وبان الغيظ في صوته: يا بتعطّلني ليه؟! بقولك تيجي معايا دلوجيت حالاً عشان نشوف إنت فهد بجد ولا كداب ابن كداب!
بص أدهم في عيون الراجل بغل وشرارة تحدي ولعة: حاضر.. هاجي معاك، ومش بس عشان أثبتلك، ده أنا جاي عشان أكـ..سر عينك وعين اللي خلفوك بعد الكلمتين دول!
في اللحظة دي، قرب سليم بخطوات مرعوبة ومسكه من دراعه وقال بقلق:إنت رايح فين يا بني؟! جنينت ولا إيه، هتروح فين مع الراجل ده لوحدكم؟!
أدهم بص لسليم بحسم واداه التعليمات بصوت واطي وصارم: متقلقش عليا خالص.. أنا هبعتلك اللوكيشن أول ما أوصل، وعايزك تتحرك فوراً تروح تقعد مع مراتي انت وساره في مكان آمن لحد ما أرجع.. إياك تسيب حور لوحدها ثانية واحدة، فاهم؟!
رد سليم بضيق شديد واعتراض: وأنا مش هسيبك تروح لقرية المجا..نين دول لوحدك!
قاطعه الراجل وهو راكب العربية وبزعق بحدة:يلا يا أخينا خلصنا، ورانا رجالة وشغل مش فاضيين لرطكم الكتير دا!
أدهم اتحرك وركب العربية مع الراجل والواد الصغير، وسليم حاول يمسك الباب ويكلمه تاني، بس أدهم أصر بحدة وقاله يمشى حالاً ويروح لحور عشان يلحقها،
واتحركت العربية بسرعة وسابت سليم واقف في مكانه قلبه مقبوض ومرعوب من اللي جاي.
مشى أدهم مع الراجل ودخلوا على دار كبير وواسع في قلب البلد، ودخلوا وسط جمع من رجالة العيلة وكلهم عيونهم مترقبة ومشدودة. أول ما دخلوا، تقدم سراج بخطوات ثابتة وابتسامة خبيثة، وبص للكل وقال بصوت عالي:أحب أفاجئكم.. فهد ابن عمنا.. اللي كان مفروض ما..ت ودفنا..ه.. أهو قدامي ومن لحمي ود..مي! ولا إني شاكك بس كل حاجة هتبان دلوقيت!
عمت حالة من الصدمة والذهول الكل، وبصوا لبعض ببرود وخوف، وارتفعت أصواتهم باستنكار: كيف هكا عاد؟! إحنا بيدينا دفنا..ه! ...أبداً.. دي واصلة خيال!
أدهم وقف بكل ثبات وحاول يتماسك، فقال بوضوح وثقة:
استغربتوا ليه كأنكم شوفتوا عفريت؟ أنا قاعد قدامكم أهو بشحمي ولحمي، المو..ت مش بالساهل زي ما كنتوا مفكرين.
الكل كان باين في عيونهم الخوف والرهبة. وفجأة، تقدم سراج وقال بتحدي وخبث: لا، استنى عندك يا فهد.. أنا مش مصدق الحكاية دي واصل، أنا رايد أشوف العلامة اللي في جسمك عشان أصدق!
وهنا، دخل اخوهم الكبير العمده، وقطع الحكي بصوته الخشن والنافذ: بسسس.. حسكم ما أسمعوش! عاد إيه التخريج ده؟ تعالى ورايا يا فهد، وهنعرف كل واصلة على أصولها.
حس أدهم بتردد في نفسه، وحاول يثبت قدامهم إنه فهد عشان العمده عايز يشوف علامة معينة تثبت إذا كان هو فهد الحقيقي ولا شخص تاني.
الراجل بص له وقال بجدية: تعال.. لو إنت فهد صحيح، عمر ما الخوف هيعرف طريق لقلبك.
دخل أدهم معاه الأوضة، وبمجرد ما قفلوا الباب، بص له الراجل وقال دغري: اقلع القميص.
بص له أدهم باستغراب شديد وعيونه وسعت: ليه؟!
عشان رايدين نشوف إنت فهد ابن عمنا بصحيح.. ولا واحد تاني جاي تلعب علينا لعبة مش قدها.
أدهم وقف في موقف لا يُحسد عليه ومش عارف يعمل إيه في السقطة دي، بس مكنش قدامه حل غير إنه يجاريه؛ فقلع قميصه ببطء، والراجل بص كويس وشاف جسمه.
بعد ثواني، ابتسم الراجل وقال: كنت متأكد وعارف.. إنت مش فهد! البس قميصك وتعال اقعد.
لبس أدهم قميصه بسرعة وهو بيبتلع ريقه بصدمة، واستغرب لما لقى الراجل بيقوله:شوف.. أنا هسيبك، وهطلع أقولهم بره إنت فهد بجد.. لأجل الصراحة مش حابب أطمع الكلا..ب دول في ورث الواد الصغير وياكلوا حقه بالحر..ام.
أدهم فتح عيونه باستغراب:اومال.. هو إنت مش معاهم؟!
ضحك الراجل بصوت هادي وقال: أنا راجل صالح ومليش في أكل الحرام.. عارف زين إن إخواتي طمعانين، وبعد ما ابن عمي ما..ت الله يرحمه، عيونهم بقت على حلال الواد عشان يصرفوه في بلاوي. أنا هديك الأوراق والحاجات اللي تضمن حق الواد الصغير.
بلع أدهم ريقه باحترام والراجل قال بفضول:هو إنت اسمك إيه؟
ابتسم أدهم وقال: أنا اسمي أدهم.. ومعروف في كل حته.
الراجل ابتسم بود وقال: معلش بقا يا ولدي، محصلش الشرف ما بينا قبل كدا.. بس أهو اتعرفنا.
رد أدهم بابتسامة: ده شرف ليا والله.. طيب، أنا هاخد الواد وهمشي عشان سايب الجماعة لوحدي وقلقان عليهم.
رد الراجل باطمئنان: ماشي يا بني، خده معاك وخلي بالك منه.. ده من ريحة الحبايب، وأنا كنت بعز ابن عمي الغالي.. يلا ربنا يرحمه.
طلع الراجل مع أدهم لبرة قدام الكل، ووقف بكل هيبة وقال بصوت عالي: اللي شايفينه ده.. فهد! ومما..تش، وقالي على كل واصلة وحكى لي كيف نجى.
سراج اتعصب وبص بضيق شديد: قالك إيه بقا يا خوي؟! وإزااااي عايش وإحنا دفنا..ه بإيدينا؟! أنا مش مصدق الحوار ده واصل!
العمده اضايق من كلام سراج، فقطع عليه الكلام بزعيق: إنت هتكدب أخوك الكبير يا سراج؟! الراجل قال كلمته وفهد قدامكم أهو، بلا هبل وكلام فارغ!
وبص لأدهم وقال: خد الواد يا فهد.. وامشي من هِنا.
أدهم اتحرك بسرعة، مسك إيد الولد الصغير اللي كان بيموت من الخوف وماسك فيه، بينما سراج واقف بيبص لهم بضيق وحقد معبي عيونه، ومش مصدق اللي بيحصل.
رجع أدهم لحدود البيت ومعاه الولد الصغير، وأول ما قرب من الباب، لقى في استقباله سليم وسارة والدكتورة اللي كانت ملامح وشها مليانة قلق وتوتر.
قبل ما ينطق بحرف، قربت منه الدكتورة بسرعة وقالت بصوت ملهوف: الحق يا بشمهندس أدهم.. المدام حور جوه في الأوضة مش ساكته خالص وفاقدة الأعصاب!
في اللحظة دي، وصل لودن أدهم صوت صريخ حور وهي منهارة وبتنادي باسمه بوجع:أدهمممم.. أدهم!
اتخض أدهم ورعب الدنيا هجم على قلبه، فساب إيد الولد الصغير فوراً ودخل على جوه بخطوات مجنونة. الولد من خوفه حب يجري وراه وهو بيعيط:بابا استنى.. خدني معاك!
بس سليم مَسكه بسرعة من كتفه وشدّه لحضنه عشان يهديه ويمنعه يدخل.
دخل أدهم الأوضة زي الهوا، لقى حور قاعدة على السرير بتعيط بهستيرية وجسمها كله بيرتجف. أول ما شافته، نطت من مكانها وقربت منه بسرعة، ورمت نفسها في حضـ..نه وهي بتمسك في هدومه بقوة وبتعيط بوجع:
أدهم!.. إنت لسه عايش؟! أنا كنت مرعوبة عليك.. حسيت إنك مت وسيبتني!
أدهم استغرب كلامها، بس ضمها لصد..ره بقوة وحنان، وبدأ يمسح على شعرها بحركة دافية وهو بيبتسم بوجع: هو أنا مـ..ت أمتا بس يا حبيبتي؟! أنا قدامك أهو.. أدهم بطولي وعرضي وبارتفاعي، شايفاني ولا إيه؟
حور رفعت عيونها الحمرا من العياط وبصت له بدموع مكتومة وهي متمسكة بيه:أرجوك.. ما تسيبنيش تاني والنبي!
بص أدهم في عيونها بعمق وقال بنبرة صادقة ومليانة حب: أوعدك.. مش هسيبك تاني أبداً.. بس طمنيني، أنتي كويسه؟ لسه في حاجة بتوجعك؟
نزلت دمعة من عيونها وهي بتبتلع وجعها:بطي.. وجعاني أوي يا أدهم.
رجع أدهم حضنها بحب واحتواها بين دراعه، وتنفس بهدوء عشان يطمنها:معلش يا قلبي.. استحملي، خلاص مفاضلش كتير على الولادة وتخلصي من تعب الحمل كله.
رفعت حور عيونها له ببراءة طفولية وهي بتكشر بضيق لطيف:أنا أصلاً مكنتش عايزة أحمل دلوقتي يا أدهم.. وإنت السبب في كل ده!
وسع أدهم عيونه باستغراب وبعد عنها وضحك بخفة وسط الموقف:
أنا السبب؟! أنا عملت إيه.. هو أنا جبته لوحدي؟! وبعدين يا عيوني، حتى لو مكنتيش حملتي وقتها، كنتي هتحملي بردو عاجلاً آجلاً.. لأني بموت فيكي وعايز أطفال منك.
بصتله حور بدموع ولمعت في عيونها نظرة فضول طفولية: طب أنا نفسي أعرف نوع الجنين.. ولد ولا بنت؟!
ابتسم أدهم بحنان وهو بيطبطب على خدها: حاضر من عيوني.. الدكتور قال بنفسه هنعرف نوعه أول ما ندخل في الأسبوعين الجايين، وقريب قوي هنعرف.
في بيت سراج هو واخوه، وقال بغضب وانفعال:
اللي عملته ده غلط واصل يا خوي! إنت عارف زين إنه مش فهد.. كيف تسيبه ويمشي أكديه ومخبي علينا؟!
تقدم العمدة أخوه الكبير بخطوات ثابتة ووجه متهجّم ونظرة حادة تمو..ت من الخوف، ورد عليه بصوت صارم:
لا.. هو فهد، وغصب عن الكل! أنا مش هغيب عن ابن عمي ولا هسمح لحد يلعب في الحكاية دي، والواد الصغير متمسك بيه.. وبعدين، إنتوا تحمدوا ربنا أصلاً إنه مش دريان إنكم إنتوا اللي قـ..تلتوا مراته! لو فهد عرف، والله ما هيجيبها للبر وهيمحيكم من على وش الأرض.. فاكليين تخرسوا وتسكتوا بدل ما تهدوا البيت فوق راسنا كلنا!
اتجنن سراج واتعصب بغضب أعمى، ورفع صوته بصدمة وإنكار: أنا؟! أنا مقـ..تلتش حد! إنت بتتهمنا بـ...
قاطعه العمدة بصوت جش ومرعب هز أركان البيت كله وهو بيبص له بغضب: اسكت خالص واقفل خشمك! إنت هتخبي عليّ عملتك السودة؟! أنا شايف بعيني إنت وأخوك كيف كنتوا تحاولوا تقتـ..لوها وتخلصوا منها! اللعبة دي مش عليّ أنا يا سراج.. يا تسكتوا وتكتموا على الموضوع خالص، يا إما تروحوا برجلكم تمو..توا نفسكم عنده وتخلصونا.. وقضي الأمر ومن هنا ورايح مفيش كلمة!
جزّ سراج على سنانه بقوة لحد ما عروق رقبته بارت، وعيونه بتطلع شرار من القهر والغباء اللي حواليه، وكلم نفسه بصوت واطي وشرير مليان حقد: طيب يا عمدة.. ماشية بمزاجك دلوقتي.. بس هنكسر راسه قريب، وشكله كده هيحصل مراته ويخلصنا منه هو كمان..
مرت الأيام والأسابيع، لحد ما جه اليوم المنتظر وموعد الكشف اللي هيعرفوا فيه نوع الجنين. كانت حور نايمة على السرير بتوتر وقلق واضح على وشها، وأدهم قاعد جنبها ماسك إيديها الاتنين بيدفيها بحب، وعيونه بتطمنها بكل طاقة حنان عنده.
دخلت الدكتورة وبدأت الفحص، وبعد دقایق رفعت راسها وابتسمت بحماس وقالت: مبروك.. بنت شبه مامتها تماماً
اتسع أدهم ابتسامته وسعت عيونه بفرحة عارمة غطت على كل تعب السنين اللي فاتت، فا باس إيد حور بحب وقال بصوت دافئ ومتحمس:سمعتي يا قلب أدهم؟! بنوتة! هتيجي تنور دنيتنا وتبقى نسخة من القمر بتاعي!
دموع الفرح لمعت في عيون حور، بس بسرعة ظهرت غيمة حزن خفيفة على وشها، ووطت عيونها وهي بتلعب في طرف الغطا بصوت مهزوز: أكيد.. كان نفسك في ولد يشيل اسمك، صح؟
أدهم لاحظ نبرتها، فابتسم بحب أعمق، ووطى باس راسها بحنان بالغ وقال: إيه الهبل اللي بتقوليه ده؟! ولد إيه وبتاع إيه؟ أنا أصلاً من جوايا كنت باحلم بربنا يرزقني بـ بنت.. عشان تطلع نسخة مصغرة منك، أتدلعها وأربيها على إيدي زي ما بربيكي كده.
رفعت حور عيونها له وفيها لمعة دموع مختلطة بسعادة طاغية، وابتسمت بكسوف وهي بتضيق عيونها بشك لطيف: بجد يا أدهم؟ ولا بتصالحني عشان مزعلش؟
ضحك أدهم بصوته كله، وشد على إيدها بقوة وقال بثقة:
وحياة عيونك الصفا دي ما بضحك عليكي، أنا عمري ما تمنيت حاجة في الدنيا قد ما تمنيت بنت منك إنتي بالذات.. عشان تبقى بنتك وصحبتك، وأنا أبقى حاميكم أنتوا الاتنين لحد آخر يوم في عمري.
دبت الراحة والاطمئنان في قلب حور، ومالت براسها على كتفه بتعب مرتاح: ربنا يخليك ليا وما يحرمنيش منك أبداً يا أدهم.
رّوح أدهم هو وحور للبيت، ودخلوا بالراحة وهو بيسندها بحرص لحد ما وصلها للسرير وقعدها بهدوء عشان ترتاح.
وفجأة، دخل عليهم الولد الصغير بخطوات سريعة وفرحة مليانه براءة، وقرب من أدهم وهو بينط بحماس. حور بصت له وظهرت مسحة ضيق خفيفة في نفسها، لاحظها أدهم، فبص للولد وبحنان طفولي قال:اسمع.. من النهاردة، لما تشوف حور تقولها يا ماما، سامع؟ دي هتبقى مامتك وحبيبتنا كلنا.
الولد ببرائة الأطفال بص لحور، وفجأة قرب منها وحضنها جامد وقال بصوت عالي: حاضر يا بابا!
هنا أدهم حس بغيرة دبّت في قلبه، فبصله بغيظ مصطنع وقال: يا ولد! طب يلا اطلع بره دلوقتي عشان مامتك تعبانة ومحتاجة ترتاح.
خرج الولد من الغرفة وهو بيجري بضحكته، وبصت حور لأدهم وهي بتضحك بصوت عالي على غيرته الواضحة:
بجد بتغير منه؟! ده لسه عيل صغير حرام عليك!
رد أدهم بضيق مصطنع وغيرة واضحة وهو بيبص لها بعيون تلمع: آيوه أغيّر! حتى من عيالنا لو وصل الأمر.. عشان إنتي بتاعتي أنا وبس، ومحدش هيشاركني فيكي
ابتسمت حور ، وبصت للباب اللي خرج منه الولد الصغير بقلق خفيف وقالت بصوت مأزوم ومحتار:طب والواد ده يا أدهم.. هنعمل إيه فيه؟ هيفضل معانا هنا طول الوقت، ولا ناوي تتصرف إزاي؟ أنا خايفة ومستغربة الحكاية دي.
فرك أدهم جبينه بضيق وحيرة، وتنفس بعمق وهو بيبص للأرض وقال بصدق: و الله ما أنا عارف يا حور.. دي أول مرة دماغي تقف كده ومبقاش عارف أتصرف في حاجة! بس سيبيه دلوقتي معانا في البيت لحد ما نشوف آخرتها
قفل ادهم الموضوع وبيهمس برضا، وفجأة لمعت في عيونه بابتسامة دافية وخبيثة شوية، فبص لها وعيونه بتلمع بشوق وقال بنبرة مشاكسة:بقولك إيه.. اقفلي عينك ثانية واحدة كده، عايز أوريكي حاجة.
بصت له حور بفضول ورفعت حواجبها باستغراب: حاجة إيه؟ هتقلقني تاني ولا إيه؟
ضحك أدهم بخفة وقال بإصرار لطيف:يا ستي اقفلي عينك بس ومش هتندمي!
غمضت حور عيونها بفضول وهي بتبتسم برقة، وفي اللحظة دي طلع أدهم من جيبه علبة مخملية صغيرة شيك جداً، وفتحها بهدوء.. طلع منها سلسلة دهب رقيقة وغاية في الجمال فيها نقش مميز. قرب منها بحذر وميل فوقها، وبدأ يلبسها السلسلة حوالين رقبتها بحركة هادية ودافية.
فتحت حور عيونها بذهول وقالت بصوت مهزوز من المفاجأة وهي بتلمس السلسلة بإيديها: إيه ده يا أدهم؟! الله.. دي تحفة! بس استنى أعدلها..
قاطعها أدهم وهو بيمسك إيديها الاتنين برقة ويقرب منها أكتر:لا.. استني لما أخلص أنا الأول.
خلص طريقتها وبتأكد إنها مظبوطة تماماً على رقبتها، وقال بابتسامة واسعة: خلاص، خلصت شوفي.
نزلت عيون حور على السلسلة وهي بتلمع على رقبتها، واتسعت عيونها من الفرحة الطاغية لدرجة إنها نطت حضنته بقوة من غير ما تحس وهي بتقول بسعادة ودموع الفرح في عيونها: الله يا أدهم! دي تجنن بجد.. إمتى جبتها؟ شكرا جداً يا حبيبي، إنت دايماً بتعرف إزاي تخليني أنسى أي تعب أو زعل في ثانية!
ابتسم أدهم بسعادة لضحكتها وعيونها اللي بتلمع، وقرب منها أكتر ومال على رقبتها طبع بوسة دافية ورقيقة مكان السلسلة، وهمس بصوت دافئ ومتحشرج:
عيوني وروحي كلهم فداكي يا حور.. جمالك ده أصلاً هو اللي بيخلي الحاجات البسيطة دي تفرحني.
قرب منها خطوة كمان، وعيونه تايهة في تفاصيلها، وهمس بصوت دافئ وملهوف: وحشتيني أوي يا حور.. مش قادر أبعد عنك ولا أصبر أكتر من كده.
قرب منها أكتر وهو بيبدأ يفك زراير قميصه ببطء، وطبع بوسة رقيقة على خدها وهي تايهة في ريحته وقربه. بلعت حور ريقها بصعوبة، وقالت بصوت مرتعش وخايف:أدهم.. مش دلوقتي، أنا لسه تعبانة و..
بس أدهم كان تايه فيها تماماً، وقلبه سابق عقله من الشوق. حور قلبها دق جامد برعب وخوف من إنها تتعب تاني، فهزت راسها ودموعها نزلت وهي بتعيط: أدهم.. فوق! مينفعش تقرب مني دلوقتي، أنا لسه تعبانة ومش قادرة!
غمض أدهم عينه بشوق وعنف، وتنفس بقوة وهو بيحاول يسيطر على نفسه، وقال بصوت متحشرج ومرتعش من كتر اللهفة:مش قادر يا حور.. والله مش قادر!
لما شاف دموعها نازلة بغزارة وخوفها الواضح، فوق لنفسه فوراً. فتح عيونه، وشدها لحضنه بحزن واحتواها بين دراعه بحب أعمق، وقعد يطبطب على ظهرها بحنان واعتذار:حقك عليا.. أنا آسف يا حبيبتي، سامحيني.. نسيت خالص إنك تعبانة، استهدي بالله .
رنّ التليفون فجأة وقطع اللحظة الرومانسية دي. أدهم طلّع تليفونه بضيق، وبان على وشه الاستفزاز وهو بيشوف مين المتصل:عايز إيه ده كمان دلوقتي؟!
فتح الخط وقال بصوت ناشف:خير؟!
جاوبه سليم بحماس:بقولك إيه، أنا عايزك إنت وحور تيجوا عندنا النهاردة...
أدهم بص لحور وقال بجدية: مش هينفع، حور لسه تعبانة شوية ومش قادرة.
تكلم سليم برجاء وإلحاح: يا عم معلش، تعالوا غيروا جو شوية وأكيد حور نفسها تخرج.. متقعدش تقلبها نكد وخليك سلس كدة!
من كتر الزن والإلحاح، وافق أدهم غصب عنه وقفل السكة. بصته حور بستغراب وهي بتمسح دمعة خفيفة على خدها، وقالت بصوت مأزوم:في إيه يا أدهم؟ سليم كان بيكلمك في إيه؟
ابتسم أدهم بحب وهو بيقرب منها وبيمسح ب صوابعه خصلات شعره اللي نازلة على وشها بحنان:إنتي لسه زعلانة مني طيب؟.. طب حقك عليا، والله العظيم إنتي وحشتيني، هعمل إيه يعني؟ مراتي وحبيبتي وعايز أملى روحي بيها وأنسيها أي وجع بلمساتي وحبي ليها...
بصت له حور بعيون كلها حزن بريء وقالت: لا يا أدهم مش زعلانة منك.. أنا عارفة إنك بتحبني وعايز تقرب مني بطريقتك، بس أنا فعلاً لسه تعبانة ومش قادرة.
مد أدهم إيده بحنان يمسح بقايا دموعها وقال:طب يا ستي، سليم عايزنا نروح نقعد عندهم شوية، إيه رأيك ننزل نغير جو ونفك عن نفسنا؟ ولا إنتي رأيك إيه؟
هزت حور راسها بابتسامة خفيفة وقالت:رأيي من رأيك.. يلا بينا نخرج نغير جو
ادهم ابتسم، وحور راحت تجهز نفسها عشان يخرجوا. كالعادة، كان أدهم واقف جنبها بيساعدها في لبسها برقة وحنان، بيطمنها بكل حركة لحد ما خلصوا تماماً. خرجوا من البيت وركبوا العربية، وراحوا على العمارة اللي بيسكن فيها سليم وساره.
طلع أدهم وهو بياخد حور في إيده لحد ما وصلوا قدام شقة سليم. ولسه هيرفع إيده عشان يخبط، استغرب إن باب الشقة مفتوح نص فتحة والجو جوه مضلم تماماً.
بص أدهم لحور بستغراب، وقربها ليه أكتر بحماية، ورفع صوته بحذر وهو بينادي:سليمم؟! انت فين يا بني؟ انت يالا ؟!
حور مسكت في دراعه جامد، وجسمها بدأ يترعش من الخوف وهي بتبتلع ريقها بصوت مرتعش:أدهم.. هو في إيه؟! أنا مش فاهمة حاجة وقلقانة.
وقبل ما أدهم يرد، حصلت المفاجأة.. الباب اتقفل وراهم بعنف لوحده في إشارة لإن حد قفله!
كانت كافية تضر..ب في دماغ حور شريط الذكريات المرعب.. افتكرت اليوم الأسود ووقت الضر..ب والاعتد..اء، خصوصاً لما العتمة طوقت المكان حواليها. رعب السنين هجم عليها في ثانية، وفقدت السيطرة على اعصابها خالص.
بدأت تصرخ بجنون وخوف أعمى، وهي متمسكة بأدهم بجنون: لااا لااا لاا! افتحوا النور والنبي!.. أدهم خليهم يفتحوا النور، مش قادره همو..ت! حوشهم عني!
أدهم اتخض من انهيارها المفاجئ، وضامها لصد..ره بكل قوته، وبدأ يهدي فيها بصوت ملهوف ومرعب عليه:بس.. اهدي يا حبيبتي، متخافيش أنا جنبك! والله ما هسيبك، انتي في حضني!
وفي اللحظة دي، وقبل ما أدهم يكمل كلامه، النور اتفتح فجأة بقوة