
رواية قلبي لم يكن لي الفصل التاسع عشر19 بقلم منه الوكيل
أدهم دخل في نوبة انهيار عصبي حاد، وجهازه العصبي استسلم أخيراً لكل اللي كان بيحاول يخفيه بقوته ..
حتى صوت أنفاسه بقى شبه منعدم، من كتر الضغوطات اللي اتراكمت عليه مره واحده ..
حور واقعة بين إيديه على نفس الأرضية، جسـ...مها واهن ونايمة بعمق بعد مفعول الحقـ..نة المهدئة اللي أخدتها من ثواني، كأنها متمسكة بيه حتى وهي غايبة عن الوعي.
الدكتورة جريت علي ادهم، وبصت للممرضة وقالت بصوت ملهوف: الحقيني.. ابعدي المدام عن حضـ..نه بالراحة.. البشمهندس دخل في انهيار عصبي! ارفعي معايا راسه، جهزت حقنـ...ة المهدئ.. لازم نديهاله حالاً قبل ما قلبه يتأثر بالصدمة دي!
الممرضة نزلت على إيدها ورجلها مع الدكتورة، بعدت حور بحذر وراحت ثبتت دراع أدهم، والدكتورة ضر..بت الحقنة بسرعة في عضلة دراعه. وبعد ما اطمنوا إن مفعول المهدئ بدأ يهدي نبضاته العـ...نيفة، بقوا بيحاولوا يسحبوه ويدخلوه جوّه البيت خطوة بخطوة، عشان ما يفضلش مرمي في الأرض ، ورجعوا شالوا حور ودخلوها جنبه على السرير.. بصعوبة بالغة
الدكتورة مسحت عرق جبينها وقالت بأنفاس مقطوعة للممرضة: انهيار عصبي حاد.. جسمه وصل لأقصى نقطة تحمل..من الضغوط النفسية شكله ليه ماضي صعب وهو بيحاول يكتم وجعه وكل ده فجر الجهاز العصبي .
الممرضة بصت ليهم بقلق وقالت: يا دكتورة، الحالة هنا صعبة جداً.. الاتنين محتاجين رعاية مش عادية.
الدكتورة اتنهدت بتعب:سيبيهم يرتاحوا.. الحقن مفعولها شغال، لازم يناموا والعالم كله يفصل عنهم دلوقتي..
على السرير الواسع، كانت حور نايمة، بس فجأة بدأت تتلوي في مكانها، وعينيها تتفتح ببطء شديد وهي حاسة بوجع في جسمها كله وكأن عجلة حربية عدت عليه. حركة إيدها شمال ويمين ملقاتش الدفء اللي متعودة عليه، فتحت عيونها على آخرها وبصت جنبها.. السرير كان فاضي!
شهقت بوجع خفيف وحست بقبضة في قلبها، الذكريات بدأت تهجم عليها زي الموج: صر..يخها، خوفها، الانهيار، ولما عاد الفيلم قدام عينيها وهي بتضربه وبتعضه، نزلت دمعة حارة على خدها وهي بتهمس بصوت مرتعش: مشى.. أكون تعبته وطفشته مني؟
وسط هواجسها وخوفها اللي كان راجع يسيطر عليها تاني، سمعت صوت مياه من جوه الحمام المؤدي للغرفة.
بلعت ريقها بصعوبة، وقامت بالعافية. جسمها كله كان مجهد ومكسر، وخطواتها بطيئة وبتتثاقل وهي ماشية في الأوضة لحد ما وصلت قدام باب الحمام. بحركة ضعيفة ومترددة، خبطت على الباب خبطات خفيفة وهي بتنادي بصوت مهزوز: أدهم انت موجود..؟
ثواني والباب اتفتح..
وقف أدهم قدامها، لافف فوطة على وسطه وجسمه العاري من فوق بيكشف آثار التعب والإنهاك، وشاش أبيض بسيط على إيده من لسعه والعضه امبارح.
حور أول ما شافته بالمنظر ده، خدت نفس عميق حسيت بإن صدرها بيوجعها، التوتر نط في عيونها وحست برغبة فطرية إنها تبعد عنه خطوة لورا وكأنها خايفة تإذيه تاني.
أدهم لاحظ نظرة الرعب اللي في عيونها، وقف مكانه فوراً ومد إيده بحذر شديد من غير ما يقرب:صباح الخير.. مالك واقفة كدة ليه؟ تعالي ارتاحي ..
حور هزت راسها برفض وهي بتترعش، وبصت في الأرض بكسوف وخوف:أنا.. أنا آسفة ع اللي عملته امبارح.. أنا مكنتش واعية، وخايفة أكون أذيتك.
أدهم اتنهد بوجع خفيف، ونزل على أوضاعها بابتسامة باهتة وصوت هادئ بيدخل القلب: آسفة على إيه يا حور؟ بطلي تلومي نفسك في كل حاجة.. اللي حصل امبارح كان كابوس وخلص، وأنا عمر ما وجع الدنيا كله يهون قصدي إني أبعد عنك أو أزعل منك.
رفعت حور عيونها ببطء، وفي لحظة وقفت نظرتها عند الشاش الأبيض البسيط اللي محوط إيده مكان اللسعة والعضة، فتحت بؤها بصوت مكسور وقالت وهي بتشاور بإيد مرتعشة:إيدك.. دي وجعاك بسببي أنا؟
أدهم بص لإيده وباس ابتسامة خفيفة وساخرة، حب يخفف بيها الجو المكهرب ده فقال بصوت هادي:إيدي؟ دي عضة من قطة مفتريه.. بس الحق يقال، عضتك تفتح النفس، وبعدين دي تسوى العالم قصاد إنك رجعتي تهدي.
ضحكت حور غصب عنها ضحكة خفيفة وسط دموعها، وهمست بكسوف وهي بتفرك في إيدها:أنا بجد مكنتش أقصد.. مكنتش حاسة بالدنيا ولا باللي بعمله فيك.
قرب منها بحذر شديد عشان يطمنها، بس لما حس برعشة جسمها وقف مكانه فوراً، وقال بصوت دافئ ومطمئن:عارف يا سيدي.. انك معذوره ومكنش قصدك يا حبيبتي انا كويس اصلا اول لما شوفتك
هزت راسها بخوف وهي بتنزل عيونها، فلاحظ حبسها لأنفاسها وتوترها، فتننهد بعمق وقال بصوت حنون: خايفة مني؟ للدرجادي مرعوبة؟ متقلقيش.. مش هقرب منك دلوقتي خالص وأنتي بالحالة دي. أنا كان نفسي أخدك في حضني فوراً وأحسسك بالأمان والحب، بس أنتي موجوعة ومقدرش أعمل كدا دلوقتي.. أنا بس عاوزك تبطلي خوف، عشان أنا أدهم.. حبيبك وابن عمك، واستحالة أذي روحي.
هديت نبرته جوه قلبها، وراحت نظرات الخوف تقل تدريجياً، لغاية ما ابتسمت بضعف.
أدهم مد إيده ببطء وقال بحنان: طب يلا.. تعالي معايا الحمام، أساعدك تاخدي شاور دافي وتغيري هدومك عشان نفطر سوا ونرتاح.
دخلت معاه الحمام بخطوات بطيئة، وأدهم بدأ يساعدها بكل حرص ورقة في خلع هدومها المتعبة، ولما دخلت تحت المية الدافية، بدأت تتوجع بخفة من أثر الجر..ح والعملية، فقالت بصوت مألم ومستعجل:أدهم.. والنبي اخلص بسرعة، الوجع شديد مش قادرة.
ادهم اتنهد بوجع عليها :حاضر يا قلبي، ثواني وكون مخلص.. استحملي معايا عشان ترتاحي..
بسرعة ورقة بالغة، خلصها أدهم ولف حواليها فوطة ناشفة، شالها بين إيديه وخرج بيها من الحمام، وساعدها تلبس هدوم قطنية مريحة ودافئة وقعدها على طرف السرير عشان ترتاح.
بص لها بحنان وقال:هسبقك دقيقة أعملك حاجة دافية تشربيها، ثواني وراجع.
فتح باب الغرفة وخرج للصالة، وفجأة لقى الدكتورة قاعدة على الكنبة وغلبها النوم من التعب وهي مستنية الصبح يخفف الحال. مع خطوة أدهم، صوت خبطة بسيطة برجله على الأرض صحاها، فقامت مفزوع ووقفت بسرعة وهي بتقول بقلق:بشمهندس أدهم! إيه الأخبار؟ حضرتك كويس؟! والمدام كويسه؟!"
أدهم هز راسه بهدوء وهو بيشاور لها تسكت بإيده، والدكتورة كملت بسرعة وبراءة:حضرتك كنت تعبان جداً واغمي عليك امبارح في الجنينة ولما جيت...
عنيه برقت وسعت بصدمة وقاطعها بحدة مصطنعة ووش مخنوق عشان حور مسمعش من جوه، وقال بسرعة وهو بيشير لها بالانصراف: متشكر جداً لإنك ساعدتينا.. إحنا كويسين ومفيش حاجة، تقدري تروحي شغلك أو مكانك دلوقتي.
الدكتورة استوعبت نظراته المحذرة وسكتت فوراً وهي بترهب، وهزت راسها: تمام يا فندم، حمد الله على سلامتكم. ومشيت بسرعة.
في اللحظة دي، كانت حور خارجة من الأوضة على مهلها، سمعت آخر الكلام وشافت الدكتورة خارجة مستعجلة. بصت لأدهم باستغراب وتوتر وهي بتقرب:
اغمي عليك؟! هو حصل إيه بالظبط يا أدهم؟ أنت تعبان؟ وليه الدكتورة كانت بتقول كدة؟
أدهم ارتبك ثواني بس حاول يداري قلقه بابتسامة مصطنعة ودارى عيونه عنها، وقال وهو بيحاول يغير الموضوع:مفيش يا حور.. دي كانت بتهزر، وبعدين إنتي مالك شكلك بصدقي بسرعة كدة؟ أنا زي الفل أهو قدامك.
حور ضيقّت عيونها بشك وقالت بصوت مهزوز: لأ.. مش هزار، أنا سمعتها بتقول إنت اغمي عليك.. إنت خبيت عني إيه؟
ابتسم أدهم بخبث وخبى قلقه وراء نظرة دافئة، وقرب منها خطوة وهو بيقول بصوت هادي: آه، أغمى عليا.. بس مش من تعب ولا مرض، أغمى عليا من الخوف عشان كنتب هتسبيني وتمشي! يعني بعد كل ده، وعايزاني أبقى واقف عادي وأنتي بتضيعي مني؟
بلعت ريقها بتأثر، وقالت بصوت مكـ..سور ومرتعش: أنا كنت غايبة عن وعيي.. مكنتش أقصد أوجعك ولا أخليك تتعب بالشكل ده.
مد إيده مسح على شعرها بحنان وقال بنبرة مليانة رجا: عارف يا قلبي، ومسامحك في كل حاجة.. بس عشان خاطري، خليكي جنبي ومتبعديش عني تاني، أنا بجد مبقتش أتحمل أشوفك في القسوة دي..
أدهم عشان يكسر حالة التوتر والقلق اللي مسيطرة عليها، وقال بصوت مرح: بقولك إيه.. سيبك من الكلام ده كله وتعالي ورايا المطبخ، هجهزلك أحلى فطار من إيدي.. ولا ناويتي تقفي تتفرجي لوحدك وتسيبيني ألبس الليلة دي لوحدي؟"
ابتسمت حور ابتسامة خفيفة ونابعة من قلبها لأول مرة من وقت طويل، وهزت راسها وهي بترد بضحكة مكسورة:
لا يا سيدي، كرمك ده فوق راسى..انا أهو معاك، بس لو الأكل طلع مش حلو متلومش إلا نفسك.
دخلوا الاتنين المطبخ مع بعض، وأدهم بدأ يتحرك بخفة وهو بيجهز الفطار، وكل شوية يرمي لها نكتة أو كلمة هزار عشان يشيل أي بقايا خوف من قلبها، وهي كانت بتضحك معاه وعينها مراقبة حرصه وتفاصيله.
بعد دقايق، جهز أدهم الأكل وحطه على السفرة الصغيرة في الصالة، وقعدوا قصاد بعض. أدهم مد إيده بمعلقة فيها لقمة وعينيه مليانة حب، وقال:يلا.. افتحي بوقك، تعالي أأكلك بإيدي.
لسه حور هتبتسم وتفتح بوقها، فجأة وشها خطف ألوان وحطت إيديها الاتنين على بوقها بسرعة، عيونها وسعت برعب من إحساس غريب هجم على معدتها، وقبل ما تنطق بكلمة قامت تجري بأقصى سرعة ناحية الحمام!
ساب أدهم اللقمة من إيده برعب وقام جري وراها بقلب بيدق بجنون، وصل الحمام لقى حور مرجعة وبتستفرغ بعنف وجسمها كمله بيرتجف، وهي ماسكة في حرف التواليت وبتعيط من شدة التعب.
أدهم نزل على ركبه جنبها بسرعة برعب، وإيده بتلم شعرها الطويل لورا عشان ما يتجرحش، والإيد التانية بتطبطب على ضهرها باهتزاز وهو سامع صوت تعبها اللي بيموت قلبه: خلاص يا حور.. سيبي نفسك، متضغطيش على معدتك اكتر من كده عشان ما تتعبیش زيادة.. حقك عليا أنا السبب في الفطار ده!
حور هزت راسها برفض وهي مغمضة عيونها بقوة وعروق رقبتها بارزة من الوجع:لأ.. مش منك.. معدتي مقلوبة لوحدها.. مش قادرة أفتح عيوني!
مد أدهم إيده بسرعة جاب منشفة قطنية بللها بمية فاترة، وبدأ يمسح لها جبينها اللي بينقط عرق، وقال بنبرة رجا:
طب بصيلي ثانية.. حاولي تاخدي نفس وتخرجيه ببطء.. عشاني أنا، بالله ما تضغطی على نفسك.
فتحت عيونها الدبلانة بصعوبة وبصتله بنظرة كله انكسار، وهمست بصوت يكاد يكون مسموع: تعبتك معايا أوي يا أدهم.. حاسة إني هموت من التعب.
أدهم هز راسه برفض قاطع وبنبرة حاسمة مليانة حب:
بعد الشر عنك.. بطلي كلام فارغ وخليكي مركزة معايا.. وتعالي أجيبلك أي حاجة تهدي نار معدتك دي.
فعلاً، مد إيده وساعدها تتقوم عشان تغسل وشها وتفوق شوية، بس وهي واقفة بتتشطف وبتغسل بوقها، فجأة عيونها وسعت بصدمة والوجع ضرب في بطنها من تاني، فرجعت تستفرغ للمرة التانية بعنف على قاعدة التواليت، وجسمها كله خاره وكأن طاقته انتهت.
خلصت ومسحت بوقها باهتزاز، وقفت ببطء وهي ماسكة في حرف الحوض عشان تخرج، ومع أول خطوة لبره الحمام.. نزلت نقط د..م خفيف على سيراميك الأرض.
أدهم اللي كان واقف مستنيها بخض، بص لتحت فجأة لاقى نقط الد..م! عيونه وسعت بفزع وقلبه اتقبض، ورفع عيونه لها برعب وصوت مهزوز:حور..! أنتي بتنز..في تاني؟!
بصت حور للأرض بخوف ودموعها نزلت على خدها، وقالت بصوت مكسور ومرتعش:
أنا.. أنا مش عارفة، حاسة بوجع فظيع وبطني بتتقطع من جوه.. أنا خايفة يا أدهم.
أدهم اتحرك بسرعة البرق ساندها، وقال بنبرة ملامة ونفس مقطوع: عشان جريتي جامد امبارح والحركة العنيفة دي.. شكل الجر..ح الداخلي اتفتح من التوتر والجهد اللي عمليته
حور استندت بكل وزنها الضعيف على صدره، ونفسها بيطلع بصعوبة وهي بتئن بصوت مبحوح: أنا.. أنا مكنتش واعية يا أدهم.. بالله عليك خلي الدكتورة تيجي بسرعة، أنا مش قادره أتحمل الالم ده.
شالها بين إيديه بحذر شديد عشان ما تضغطش على نفسها أكتر من كده، ودخل بيها الأوضة بسرعة البرق، مددها على السرير وغطاها، ومن كتر ما هو مرعوب وخايف عليها، طلع تليفونه من جيبه و كلم الدكتورة وطلب منها تيجي فوراً لأقصى سرعة.
بعد دقائق كانت الدكتورة وصلت، ودخلت الأوضة لحور عشان تفحص الجر..ح وتشوس إيه اللي حصل، بينما أدهم مقدرش يدخل وراها من كتر خوفه وتوتره، فضل رايح جاي في الصالة وقعد على الكنبة وهو ماسك دماغه بإيديه وبيتجنن من الندم: غبي.. أنا السبب، المفروض كنت منعتھا تروح من المستشفى وما سمعتش كلامها!
وفجأة.. سمع صوت وجع حور المكتومة وشهقات أوجاعها الواضحة من جوه الأوضة وهي بتحاول تستحمل الكشف.
أدهم مأتحملش يسمع أصوات تعبها أكتر من كدة، قلبه اتخلع في مكانه، فقام بسرعة وخرج من باب البيت لجنينة المزرعة وهو حاسس إن روحي بتتسحب منه ومش قادّر يستحمل يشوفها وهي بتتوجع كده!
أدهم وهو قاعد في الجنينة لوحده والندم بياكل فيه، فجأة فونه رن، ويرد يلاقي الدكتور بيقوله بنبرة جادة وصارمة:
أنت فين يا بشمهندس أدهم؟! الجـ..ثة اتأخرت يوم كامل في المشرحة وتصريح الدفـ..ن هيتوقف، ولو مجهزش استلمتها خلال ساعات النيابة هتدخل والمستشفى هتعمل محضر رسمي ضدك!
هنا أدهم هينصدم صدمة تانية تخليه يحس إن الدنيا كلها بتقفل عليه من كل الاتجاهات وقال بغضب: أنا مال اهلي بيها يارب أنا تعبت ودخلت نفسي في مصايب أنا مش قدها ساعدني عشان مش قادر استحمل ..
أدهم دخل الأوضة بخطوات سريعة وقلبه بيدق بقلق، وبص للدكتورة بلهفة وخوف: طمنيني.. مالها؟ أنا لاقيتها بنز.ف هو في حاجه؟ هو ابني فيه حاجة؟!
الدكتورة اتكلمت بهدوء: اطمن يا بشمهندس.. المدام بخير والحمد لله، المجهود العنيف اللي عملته امبارح هو اللي جاب نتيجة عكسية وعمل لها النز..يف ده، بس مفيش أي خطـ..ورة عليها ولا على الجنين، هي بس محتاجة راحة تامة.
أدهم تنفس الصعداء وأخيراً حس إن روحه رجعت له، وبص للدكتورة برجاء وقال: طيب بعد إذنك.. ينفع تقعدي معاها جوه في الشقة عقبال ما أرجع؟ عندي مشوار سريع ومش هأتأخر.
الدكتورة هزت راسها بموافقة وابتسامة: اتفضل يا بشمهندس، اطمن.. مش هتحرك من جنبها لحد ما ترجع.
خرج أدهم من البيت وطلع قدام المزرعة، وطلع تليفونه بسرعة اتصل برجالة الحراسة وكلمهم بحزم: اسمعوا.. عاوزكم تيجوا فوراً توقفوا قدام باب البيت هنا، عيونكم متفارقش المكان ولازم تأمنوا المنطقة دي كويس أوي لحد ما أرجع، فاهمين؟
تحت أمرك يا بشمهندس، ثواني ونكون عندك.
قفل المكالمة، وركب عربيته وطلع على البيت الأول، عشان ياخد الولد الصغير اللي كان قاعد بيعيط منهار على أمه ومش فاهم حاجة.. أدهم قلبه وجعه عليه لما شافه بالمنظر ده، فخده وركبه معاه في العربية.
في اللحظة دي، أخوه سليم جه وفتح باب العربية وركب جنبه، وبصله بضيق واستنكر بغضب: هو يابني هتجنني؟ إنت سايبني أنا مسحول لوحدي ورايح فين على الصبح بالمنظر ده كمان؟! إيه اللي جاب الواد ده معاك أساساً؟ ده مفلوق من العياط على أمه ومش راضي يسكت، وفين أمه أصلاً!
أدهم بص له بتعب وقال: اهدا بس، وأنا هفهمك كل حاجة.
بدأ أدهم يحكيله اللي حصل، وقاله إن الست دي جت قدام بيته وكانت حالتها متدهورة جداً ومضرو..بة، وما..تت .. سليم اتجنن وفتح عيونه بذهول: ما..تت قدام بيتك؟! ومضر..وبة؟! يا بني دي جريمة قتل! وانت بقا واخدنا علي فين ؟؟؟
ادهم بجمود : رايح استلم جـ..ثتها
سليم وصوته صاح علي ادهم : نعمم انت واعي بتقول ايه انت كدا رايح السجن بايدك فوق ياادهم إزاي ساكت ورايح تاخد جـ...ثتها بالمزاج كده؟ فين أهلها؟ الشر..طة فين؟
أدهم قبض إيديه بقوة على طارة العربية، وبصله بنظرة فيها ضغط وعصبية مكتومة وقال: هعمل ايه انا لاقيت نفسي واقع في زفت مصيبه أنا تايه يا سليم اسكت أنا هعمل اللي هريح بيه دماغي وبعدين الست دي ملهاش حد.. ومحدش سأل عليها من أهلها أصلاً! والمستشفى هما اللي كلموني وقالوا تعالي استلم الجـ..ثة.. ومادام الدكتور قال استلم الجـ..ثة يبقى أكيد كاشفين عليها ومخلصين ورقها قبل ما يخرجوها، وعشان مقعدش أدخل في سكة تحقيق وروتين وبلد تتلم ، أنا عاوز أخلص وأقفل الباب ده عشان محدش يوجع دماغي ولا يقرب من بيتي وأنا مراتي تعبانة.
سليم هز راسه برفض وقلق وهو بيبص للولد الصغير:
برضه خـ..طر يا أدهم أنا مش لاقي حاجه اقولها ولا اعملها.. بس ماشي، طالما كاشفين عليها والدنيا تمام، أنا مش هسيبك لوحدك.. يلا بينا.
وصلوا المستشفى، وبكل هدوء خلص أدهم كل الإجراءات بعد ساعات واستلم جـ..ثة الست ومعاه أخوه سليم والولد الصغير، وتحركوا بيها على المقا..بر في مكان هادي ومعزول وفي وقت المغربيه.
في بيت المزرعة، كانت حور بتتقلب بعنف على السرير وتأن بصوت مخنوق، وهي غارقة في كابوس مرعب.. شافت أدهم قدام عينيها بيبعد عنها وبيمو..ت ببطء وهي مش قادرة تلمسه. صرخت بكل ما فيها وجريت عليه، ولقيت نفسها قاعدة في الحلم وحاطة راسه على حجرها، بس الصدمة إن إيديها غرقت في د..مه ! صرخت بجنون وانهيار أكبر، وفي اللحظة دي، فتح أدهم عيونه وبص لها بنظرة ميـ..تة وقال بصوت مجوف ومرعب:أنا رايح للتر..بة ومش راجع تاني.. هتوحشيني...
اتفزعت حور من النوم وهي بتصرخ بصوت شق سكون الأوضة، رمت الغطا من عليها وقامت مرعوبة وهي بتنادي بجنون:أدهمممم!.. أدهم إنت فين يا حبيبي؟!
فتحت باب الأوضة وجريت لبرة، وقبل ما تلتقط أنفاسها، كانت الدكتورة بتقرب منها بسرعة وقلق: اهدي يا مدام حور.. عشان خاطري اهدي لتتعبي تاني والنز..يف يرجع!
حور كانت بتبص حواليها بفزع، عيونها زايغة في البيت كله وهي بتصرخ: لأ.. لأ! فين أدهم؟ جوزي فين؟! أنا عايزة أدهم دلوقتي.. سيبوني!
الدكتورة حاولت تمسكها بخوف: طيب أرجوكي اهدي.. استاذ أدهم قالي إنه نازل مشوار سريع وراجع علطول، ثواني هكلمهولك في التليفون!
أول ما حور سمعت إنه مش موجود في البيت، اتجننت تماماً وتحولت لكتلة من الرعب والفزع. فلتت نفسها بقوة من إيد الدكتورة، وجريت فتحت باب البيت
الدكتورة صرخت برعب وجريت وراها وهي بتنادي على الحراس: الحقوها بسرعة! امسكوها لا تضيع مننا!
انطلق الحراس بخطوات سريعة، وفي ثواني كانوا محاطين بيها وماسكينها عشان يمنعوها من الهروب، وهي بتصرخ بجنون وتتخبط في إيديهم بانهيار تام: سيبوني! أدهم في خـ..طر.. لازم أروحله، أبعدوا عني! أنا عايزه أدهم.. ودوني لجوزي هيروح مني! يا أدهم بقاااا.. والنبي ما تسيبنييييش!
كانت صرخاتها بتمزق الصمت، والدكتورة وقفت وهي بتترعش من هول حالتها، ورجعت البيت وحضرت حقنة مهدئ بسرعة وقربت منها، وضر..بتها في إيدها غصب عنها وسط مقاومتها الشرسة.
ثواني معدودة وبدأت أنفاس حور العنـ..يفة تتباطأ وتتلاشى، ودموعها نازلة بغزارة على خدودها وهي بتهمس بصوت واهن ومكسور، وتنزلق تدريجياً على الأرض بين إيدين الحراس:آآ.. دهم.. متسيبنيش.. لوحدي...
غمضت عيونها وغابت عن الوعي تماماً وهي نايمة على إيدين الحراس، والدكتورة بصت لها بذهول وحيرة بالغة من هول الكابوس ورعشة صوتها وحالتها اللي تفطر القلب، وأمرت الحراس بسرعة: شيلوها.. دخلوها جوه الأوضة بالراحة، وحطوها على السرير بسرعة قبل ما تتأذى!
عند ادهم
نزلوا من العربية، والجو حواليهم كان مقفر ومخيف. مسك أدهم الفأس وبدأ يحفر في الأرض بنفسه عشان يدفن الست ويسترها، وصوت خبط الحديد في الأرض الخشنة كان بيقطع سكون المكان.
في الوقت ده، كان الولد الصغير واقف جنب سليم، ومش فاهم حاجة غير إن أمه سابته للأبد؛ فبدأ يعيط بهستيرية وصوت عياطه بيمزق القلب وهو بيكرر بصوت مخنوق: ماما.. ماما اصحي.. أنا عايز ماما!
مع كل خبطة فأس في الأرض، كان صوت عياط الولد بيدخل جوه روح أدهم كأنه خناجر. الدموع تجمعت في عيونه وغصب عنه، هجمت عليه ذكرياته المريرة يوم ما ما..تت أمه.. نفس الوجع، ونفس إحساس اليتم والقهر اللي حس بيه زمان، كأنه بيعيش الكابوس من تاني وهو شايف قدامه طفل صغير بيواجه نفس المصير المظلم.
أدهم كان بيبلع غصة مريرة ومرعبة في حلقه، ودموعه نزلت على خدوده بصمت وهو بيحفر بتركيز وعصبية محروقة عشان يخلص.
وفي وسط عياط الولد وصوت الحفر.. وأثناء ما أدهم وطى عشان ينزل الجثة في الارض، شاف الولد فجأة بيجري عليه بانهيار وعايز يحضن أمه ومش مقتنع أنها سابته. هنا أعصاب أدهم انفجرت، والتفت لسليم بصوت عالي ومبحوح ودموعه مالية عيونه: سليم!.. خد الواد ده من هنا.. متخلهوش يقرب تاني
سليم جرى بسرعة شديدة وشد الولد لحضنه بقوة، وبدأ يطبطب عليه ويهديه وهو بيبص لأخوه بوجع وقلب مكسور عليه.
خلص أدهم د.فن الست وسترها بالتراب تماماً، فوقف مكانه وهو بياخد نفس طويل بيقطع أنفا..سه، ورفع إيده ببطء يمسح دموعه اللي كانت لسه على خدوده بتداري ضعفه.
ولسه بيلتفت عشان يروح لهم..
وفجأة.. ظهر شخص من ضلمة المقابر، ورفع سلا..حه في السما وضر..ب طلـ..قة نا..رية شقت سكون المكان! نطق الراجل بنبرة صعيدية قوية:ولد عمي.. لسه عايش؟!
الولد الصغير خاف من صوت الرصا..صة ومسك في سليم برعب وهو بيرتجف، بينما سليم بص حواليه بذهول وصدمة وهو بيكرر باستنكار: إيه ده؟! مين ده يا أدهم؟!
أدهم التفت وبص للراجل باستغراب شديد وعيونه معلقة عليه، بيحاول بشتى الطرق يركز ويفهم هو مين وعايز ايه.. وفجأة، اتجمدت الصدمة في عيونه واتلاشت كل علامات الاستغراب لما سمع الراجل بيوجهله كلامه ويصدمه بكلام مكنش متوقعه تماما