رواية لقاء القدر الفصل الاول1 بقلم ملكة الروايات والحكايات

رواية لقاء القدر الفصل الاول1 بقلم ملكة الروايات والحكايات 
الحلقه الاولي 
لقاء القدر 
كان الصمت في قصر "مراد الهواري" ليس مجرد غياب للصوت، بل كان وحشاً ينهش الجدران العالية والأعمدة الرخامية الباردة، وفي وسط ذلك السكون الذي يشبه القبور، كان مراد يجلس على مقعده الجلدي الضخم في مكتبه الذي تفوح منه رائحة الورق القديم والتبغ، يرتدي نظارته السوداء التي لم تكن تخفي عينيه فحسب، بل كانت تخفي انكسار روح فارس سقط من على جواده في عز انتصاره، كانت يداه تعبثان بمسبحة من أبنوس، وصوت ارتطام حباتها ببعضها البعض هو الإيقاع الوحيد الذي يتحكم في نبض المكان، وفجأة، اخترق هذا السكون صوت خطوات أنثوية رقيقة لكنها ثابتة، لم تكن خطوات الخدم الذين اعتادوا السير بحذر كأنهم فوق حقل ألغام، بل كانت خطوات تحمل ثقة غريبة، توقفت المسبحة عن الحركة في يده، ومال برأسه قليلاً جهة الباب، فقد ايقظ الحادث حواسه الأخرى لدرجة تجعله يشعر بحركة الهواء وتغير أنفاس من حوله، قال بصوت رخيم يشبه قصف الرعد البعيد: "خمس دقائق كاملة وأنتِ تقفين هناك كتمثال، هل جئتِ لتتأملي أطلال مراد الهواري أم أن لسانكِ قد لجمته رهبة المكان؟"، ارتجفت حياة للحظة، لكنها استجمعت شجاعتها وأخذت نفساً عميقاً وهي تنظر إلى ذلك الرجل الذي كان يوماً ملء السمع والبصر، والآن تراه سجين ظلامه وكبريائه، تقدمت خطوتين وقالت بنبرة حاولت أن تبدو عملية ومحايدة: "أنا حياة، السكرتيرة الجديدة التي أرسلها المحامي لترتيب أرشيفك وتدوين مذكراتك، ولم أقف صامتة رهبة، بل كنت أنتظر أن تنهي صلاتك مع هذا الصمت الذي يحيط بك"، سخر مراد بضحكة مكتومة لم تصل إلى شفتيه وقال: "حياة؟ يا له من اسم مفارقة في بيت يسكنه الموت منذ سنتين، اسمعي يا حياة، قبلكِ جاءت عشرات الفتيات، بعضهن طمعاً في الراتب، وبعضهن دفعهن الفضول لرؤية الموسيقار الذي انطفأ نوره، لكن كلهن رحلن في اليوم الأول لأنني ببساطة لا أحتمل وجود كائن بشري يحاول إشعاري بأنني بحاجة إليه، فما الذي سيجعلكِ مختلفة عنهن؟"، اقتربت حياة من المكتب أكثر، وضعت حقيبتها بهدوء وقالت: "سيجعلني مختلفة أنني لا أراك مسكيناً يحتاج للشفقة، ولا موسيقاراً منطفئاً، أنا أراك رجلاً قرر أن يعاقب العالم كله لأن القدر قرر اختباره، وأنا لست هنا لأواسيك، أنا هنا لأقوم بعملي الذي سأتقاضى عليه أجراً، وإذا كنت تظن أن لسانك السليط سيجعلني أهرب، فربما أنت من يجب أن يراجع حساباته لأنني لا أهزم بسهولة"، تجمدت ملامح مراد، وشعر بلسعة من التحدي لم يشعر بها منذ ليلة الحادث، تلك الليلة التي فقد فيها بصره وفقد فيها قلبه أيضاً، نهض من مقعده ببطء، وبطوله الفارع وهيبته التي لم يكسرها العمى، اتجه نحوها بدقة مذهلة كأنه يرى المكان بعقله، توقف أمامها مباشرة حتى شعرت بلفح أنفاسه، كان يفصل بينهما إنشات قليلة، وقال بنبرة غامضة: "القدر الذي تتحدثين عنه يا حياة، هو نفسه الذي أتى بكِ إلى هنا، وهو نفسه الذي سيجعلكِ تندمين على دخولك مملكتي، ففي هذا القصر أسرار إذا انفتحت أبوابها لن تغلق، هل أنتِ مستعدة حقاً لتكوني جزءاً من لقاء القدر هذا؟"، لم ترهبها نبرته، بل نظرت إلى وجهه الوسيم الذي غلفه الغموض وأدركت أن خلف هذا القناع الصخري قلباً يصرخ طلباً للنجدة، وبينما كان الصمت يطبق عليهما مرة أخرى، شعرت حياة أن هذه المهمة لن تكون مجرد ترتيب أوراق، بل هي معركة لاستعادة إنسان غرق في أعماق الظلام، معركة بدأت بصيحة تحدٍ وانتهت بوعد خفي بأن ما بعد هذا اللقاء لن يكون أبداً كما كان قبله، وأن خيوط القدر بدأت تنسج شباكها حولهما، لتكتب فصلاً جديداً من رواية لا يعلم نهايتها إلا من وضع النقطة الأولى في سطرها.
استمر مراد في وقفته المتحدية أمام حياة، وكأنه يحاول اختراق سترها بنظراته المحجوبة خلف سواد نظارته، ثم تراجع خطوة إلى الخلف وهو يلمس حافة مكتبه ببراعة مذهلة وقال بنبرة متهكمة: "أخبريني يا حياة، هل تظنين أن القراءة لي وتدوين مذكراتي ستكون نزهة ممتعة؟ هل قرأتِ مذكرات العظماء من قبل وظننتِ أنكِ ستشاركين في صنع أسطورة جديدة؟ الحقيقة أن مذكراتي ليست سوى سجل للهزائم، وقصص عن خيانات أولئك الذين صفقوا لي طويلاً حين كنت تحت الأضواء وهجروني في أول ليلة ساد فيها الظلام"، سحبت حياة كرسياً وجلست عليه دون أن تنتظر إذناً منه وقالت بهدوء استفزه: "ربما هم هجروك لأنك طردتهم بكبريائك قبل أن يرحلوا هم، وربما مذكراتك هي الفرصة الوحيدة ليرى الناس مراد الحقيقي لا مراد الذي يختبئ خلف هذه الجدران، أنا لا يهمني كم عدد الذين رحلوا، ما يهمني هو الأوراق التي أمامنا، هل نبدأ من ليلة الحادث أم نعود بالزمن إلى البدايات حيث كان الكمان هو لغتك الوحيدة؟"، فجأة ضرب مراد المكتب بقبضة يده حتى ارتجت الأقلام فوقه وصاح بغضب مكتوم: "إياكِ أن تأتي على ذكر تلك الليلة! تلك الليلة ماتت ودفنت معها كل أحلامي، لن نبدأ من هناك ولن نعود للوراء، إذا أردتِ العمل فستكتبين ما أمليه عليكِ فقط، دون أسئلة فضولية ودون محاولة لتحليل شخصيتي كأنكِ طبيبة نفسية"، لم تهتز حياة بل فتحت دفترها وقالت ببرود: "كما تشاء يا سيد مراد، سأكتب ما تمليه، لكن تذكر أن القارئ لا يحب القصص المبتورة، القارئ يبحث عن الروح، وأنا حتى الآن لا أرى في غرفتك هذه سوى جسد يسكنه الغضب"، ساد صمت ثقيل، وشعرت حياة أن مراد يصارع رغبة عارمة في طردها، لكن شيئاً ما في ثباتها جعله يتراجع، عاد ليركن ظهره إلى مقعده وقال بصوت خفيض هذه المرة: "الروح يا آنسة حياة احترقت منذ زمن، وما ترينه الآن هو الرماد، هل تملكين الجرأة للعبث بالرماد؟"، ابتسمت حياة ابتسامة لم يرها لكنه شعر بها في نبرتها حين قالت: "الرماد هو ما يتبقى بعد النار، وفي أعماق الرماد دائماً ما تختبئ جمرة تنتظر نسمة هواء لتعود وتشتعل من جديد، فهل أنت مستعد لتكون تلك النسمة؟"، ضحك مراد ضحكة جافة وقال: "فلسفة جميلة، لكنها لا تصلح في عالمي، ابدئي بتدوين التاريخ، اليوم هو السابع من أبريل، لنكتب أن القدر أرسل لي فتاة تظن أنها تستطيع ترويض العاصفة، لنكتب أن الفصل الأول من نهايتي قد بدأ بلقاء فتاة تدعى حياة"، وبينما كانت حياة تكتب كلماته، كانت تشعر أن كل حرف يخرج منه هو طلقة في صدر هذا الصمت، وأن المواجهة بينهما لم تعد مجرد عمل، بل أصبحت صراع إرادات، صراعاً بين من يريد البقاء في القاع ومن يحاول شده إلى النور، وأدركت في تلك اللحظة أن "لقاء القدر" لم يكن مجرد اسم اختارته في خيالها، بل هو الحقيقة التي ستغير حياتهما للأبد.
يتبع 

تعليقات



<>