
لم تكن العودة إلى القصر مجرد رجوع لجسد حياة وعائلتها إلى تلك الجدران الرخامية، بل كانت عودة الروح إلى جسدٍ أوشك على الفناء. لكن مراد، رغم فيض المشاعر الذي غمره، كان يعلم أن الأفاعي لا تموت من طعنة واحدة، وأن لمى لن تبتلع إهانتها وطرده لها بسهولة. في صباح اليوم الأول للعودة، جمع مراد حياة وعم عبده في مكتبه، وكان وجهه ينم عن تصميمٍ لم تعهده حياة من قبل، بدا وكأن البصيرة التي استعادها بقلبه منحت وجهه هيبةً ونوراً جديدين. قال مراد بصوته الرخيم: "يا حياة، إحنا بدأنا صفحة جديدة، بس فيه سطور قديمة لازم تتمسح نهائياً عشان نكتب مستقبلنا صح. لمى مش هتسكت، وتنسحب بسهوله طلب من عم عبده أن يظل حارس الفيلا من بعيد وان يقوم بوضع حراسه مشدده لاي شئ متوقع من لمي
ومن قلبها الأسود. وفي مساء اليوم التالي، وصلت لمى إلى القصر، لكنها لم تدخل كعادتها، بل دخلت مرتديةً قناع الندم والدموع المصطنعة. وجدت مراد يجلس في الشرفة الكبيرة، يحيطه صمت مطبق، وحياة تقف بعيداً في الظل بعيده عن نظرهااقتربت لمى بخبث وهي تمسح دموعاً وهمية وقالت: "مراد.. حبيبي.. سمعت إنك تعبان، قلبي مهنش عليه أسيبك لوحدك في الحالة دي، أنا مستعدة أنسى كل اللي فات وأفضل جنبك، أنا مش عاوزة غيرك." هنا ابتسم مراد ابتسامة غامضة، وقال لمى، الحب فعل مش كلام، وانتي قلتي إن الظلام مش بيلهمك، إيه اللي اتغير؟" بدأت لمى تسرد قصصاً عن ندمها وشوقها، وهي لا تعلم أن حياة كانت تسجل كل كلمة عبر المسجل المخفي في ركن الغرفه
اسمعي يالامي انا بحب حياه وهي مستحيل تتركني مثلك
هي عرفتني وحبتني زي ماانا بظلامي وعجزي
ابتسمت ابتسامه ماكره واخرجت خنجر من حقيبتها
وعندما حاولت غرسه في قلب مراد لتنتقم منه
وهي تقول اذلم تكن لي لم تكن لغيري انا من صنعت اسطورتك والهمتك الحانك وعملتك فنان لازم القلب اللي حبني يتوقف ميحبش حد غيري وفي لحظه جاءت حياه وعم عبدو كتفوهاا واخذو منها الخنجر واوقعوها بالارض
وجاؤا الحرس واتصلو بالشرطه
خرجت لمى وهي تصرخ بجنون، تدرك أنها خسرت كل شئ وأن مراد لم يعد ذاك الرجل المكسور الذي يسهل التلاعب به. بعد خروجها، ساد الهدوء المكان، هدوءاً غسله المطر الخفيف الذي بدأ يتساقط على الحديقة. اقترب مراد من حياة، وأمسك يدها بين يديه وقال بنبرة تملؤها السكينة: "عارفة يا حياة، أنا النهاردة بس بدأت أشوف بجد. الستارة السوداء اللي كانت مغطية عيني وقلبي اترفعت. إنتي مش بس كتبتِ قصتي، إنتي غيرتي نهايتها الحزينة لملحمة حب." ردت حياة وهي تنظر في عينيه اللتين رغم انطفائهما كانتا تشعان بالأمل: "إحنا لسه في أول السطر يا مراد، الحكاية طويلة، والبيت اللي بقى فيه روح وأم وأخت ضحكتها بتملا المكان، هو ده القصر الحقيقي اللي مبيتهدش."
في تلك الليلة، لم يذهب مراد لغرفته، بل ذهب إلى البيانو، وطلب من حياة أن تجلس بجانبه. وضع أصابعه على المفاتيح، وبدأ يعزف مقطوعة لم يسمعها أحد من قبل، كانت مقطوعة تجمع بين شجن الماضي وعنفوان الحاضر وإشراق المستقبل. وفي وسط العزف، توقف فجأة وقال: "حياة.. الفصل السادس في مذكراتي مش هيكون كلام، هيكون نغم، وعاوزك تكتبي في آخره جملة واحدة: (إن الأقدار لا تظلم أحداً، بل تضعنا في اختبارات لتميز الخبيث من الطيب، وفي نهاية الطريق، لا يصح إلا الصدق)." مالت حياة برأسها على كتفه، وأغلقت عينيها تستمع للحن الذي ملأ أرجاء القصر، مدركةً أن "لقاء القدر" قد تكلل بأجمل عهد، عهد الياسمين الذي لا يذبل، والقلوب التي لا تخون، لتنطوي صفحة الآلام وتبدأ فصول السعادة التي انتظروها طويلاً تحت سماء الحب الواسعة.
بعد تلك العاصفة التي أثارتها لمى، أيقن مراد أن وجودها في حياته لم يكن إلا سحابة سوداء حجبت عنه رؤية النور الحقيقي. قرر مراد إغلاق تلك الصفحة تماماً؛ من حياته
اما. لمي فكانت تبكي بكاء الندم علي مافعلته في مراد
وفي نفسها وكيف اصبحت حبيسه زنزانه في سجن النساء
في إحدى الأمسيات الهادئة، وبينما كانت حياة تقرأ لمراد فصلاً من رواية جديدة، قاطعها مراد بصوت يملؤه الترقب: "حياة.. فيه طبيب جراح عالمي وصل مصر، متخصص في حالات نادرة زي حالتي. أنا كنت فاقد الأمل، بس روحك اللي دخلت القصر خلتني عاوز أشوف الدنيا تاني.. عاوز أشوفك إنتي يا حياة."
لم تسع الفرحة قلب حياة، فأمسكت يده بقوة وقالت: "ده أحلى خبر سمعته في حياتي! أنا معاك يا مراد، وهفضل جنبك لحد ما تفتح عينيك وتشوف النور من تاني."
مرت أيام الفحوصات الطويلة والقلق المشوب بالأمل، حتى جاء يوم العملية. كانت حياة تقف أمام غرفة العمليات، تلهج بالدعاء، وقلبها يخفق مع كل ثانية تمر. وبعد ساعات من الانتظار المرير، خرج الطبيب بابتسامة مطمئنة: "العملية نجحت، بس لازم ننتظر 48 ساعة قبل ما نشيل الضمادات."
في غرفته بالمستشفى، كان مراد يرقد والضمادات تغطي عينيه. لم تترك حياة يده لحظة واحدة، كانت تتحدث إليه بصوتها العذب الذي كان دليله في عتمته. قال مراد بهمس: "أنا مش خايف من النتيجة يا حياة، أنا بس مستني اللحظة اللي هعرف فيها شكل الروح اللي أنقذتني."
حانت اللحظة الحاسمة. بدأ الطبيب بفك الضمادات ببطء شديد، والصمت يخيم على الغرفة. كانت الإضاءة خافتة لتناسب عينيه الحساستين. فتح مراد عينيه ببطء، رمش عدة مرات، وبدأت الألوان والظلال تتشكل أمامه.
أول ما وقعت عليه عيناه كان وجه "حياة" التي كانت تقف أمامه، والدموع تلمع في عينيها كالآليء. ظل مراد صامتاً لفترة طويلة، يتأمل ملامحها بدقة؛ وجهها الصافي، عينيها التي تفيض حناناً، وابتسامتها التي تمزج بين الرهبة والفرح.
قال مراد بصوت مخنوق من شدة التأثر: "حياة.. كنت فاكر إني رسمت ليكي صورة في خيالي، بس الحقيقة طلعت أجمل بكتير. إنتي مش بس جميلة يا حياة، إنتي فيكي نور اول مره اشوفه في حياتي
اقتربت حياة منه وهي تضحك وسط دموعها: "حمد الله على سلامتك يا مراد، حمد الله على سلامة عيونك اللي هتنور الدنيا بألحانك من تاني."
عاد مراد إلى قصره، لكنه لم يعد ذلك الرجل الوحيد المنكسر. دخل القصر وهو يرى الألوان التي اختارها والده، والزرع الذي اهتمت به حياة، وصور عائلتها التي ملأت المكان دفئاً.
اتجه مباشرة نحو البيانو، وجلس وحياة بجانبه. نظر إليها بعمق وقال: "دلوقتي مذكراتي كملت يا حياة. الفصل الأخير مكنش عن العمى، كان عن البصيرة اللي خلتني أختارك وأنا مش شايفك، وعن المكافأة اللي ربنا ادهالي لما شوفتك ولقيتك أجمل مما كنت أتخيل."
وضع أصابعه على المفاتيح وعزف لحناً يضج بالحياة والقوة، وبينما كان يعزف، كان ينظر إلى حياة كأنه يستمد من وجهها كل إلهامه. وفي تلك الليلة، كُتب السطر الأخير في قصة "لقاء القدر":
"إن أعظم ما يراه الإنسان ليس ما تبصره العيون، بل ما يشعر به القلب ويصدقه اليقين.. والقدر الذي جمعنا بالصدفة، هو نفسه الذي جعلنا نختار بعضنا للأبد."
تمت بحمد الله