
رواية نارين بين الحب والوجع الفصل الثالث عشر13 بقلم ليلي طاهر
لم تكن تلك الثقة نابعة من تهور...
فعاصم، منذ سنوات الجامعة، لم ينقطع يومًا عن تدريبات القتال والدفاع عن النفس، حتى أصبحت جزءًا ثابتًا من روتينه اليومي.
ولذلك، حين رأى المطواة في يد الشاب، لم يشعر بالذعر...
بل قيّم المسافة بينه وبين خصمه في لمح البصر، ورصد طريقة وقوفه، واستعد لأي حركة قد يقدم عليها.
ثم ثبت عاصم نظراته الباردة على الشاب، وقال بصوت هادئ يحمل أمرًا لا يقبل النقاش:
- بقولك... سيبها .
نظر إليه الشاب باستهزاء، ثم أطلق ضحكة ساخرة وهو يهز رأسه.
- ولو مسبتهاش... هتعمل إيه؟
لم تتغير ملامح عاصم، بل ظل ينظر إليه بثبات، ثم قال بنفس النبرة الهادئة:
- سيبها... أحسن لك.
ساد صمت ثقيل لثوانٍ.
ظل الشاب يحدق في عينيه، محاولًا أن يرى فيهما ذرة خوف... لكنه لم يجد.
على العكس...
كان ذلك الهدوء البارد يثير بداخله توترًا لم يفهم سببه.
زفر بضيق، ثم أبعد المطواة عن رقبة لينا، ودفعها بخشونة حتى ترنحت عدة خطوات إلى الخلف.
كانت قدماها ترتجفان بعنف، فتراجعت بلا وعي حتى وصلت إلى بقعة غمرها ضوء أحد أعمدة الإنارة.
رفعت يدها المرتجفة إلى فمها، تكتم شهقاتها، بينما كانت الدموع تنساب على وجنتيها، وتهز رأسها برفض وهي تتابع ما يحدث أمامها.
في تلك اللحظة...
وقعت عينا عاصم عليها.
تجمدت نظراته لجزء من الثانية.
ذلك الوجه...
وذلك الشعر الأحمر الطويل...
وتلك العينان...
في ومضة خاطفة، عادت إلى ذاكرته صورة الفتاة التي اصطدم بها في ممر الجامعة، وسقط هاتفها من يدها وتحطم على الأرض.
كانت هي...
ولم يدم ذلك الشرود سوى لحظة عابرة.
لكنها كانت كافية.
لمح الشاب ذلك التشتت الخاطف، فارتسمت على شفتيه ابتسامة خبيثة.
- خد دي بقى!
وانقض عليه فجأة، ملوحًا بالمطواة بكل قوته نحو صدره.
عاد تركيز عاصم في اللحظة الأخيرة.
رفع ذراعه اليسرى غريزيًا ليصد الضربة ويغيّر مسار النصل بعيدًا عن جسده.
شق النصل ظاهر يده شقًا طويلًا، فانفجر الدم منها في الحال.
شهقت لينا بقوة، وضغطت كلتا يديها على فمها وهي تهز رأسها .
- لا...!
لكن عاصم لم يلتفت إلى الدم.
في اللحظة التالية، انقض على معصم الشاب كالصاعقة، وأطبقت أصابعه عليه قبضةً فولاذية.
لوى ذراعه بحركة خاطفة ومدروسة، فانطلقت من الشاب صرخة ألم حادة، وانفرجت أصابعه لا إراديًا، لتسقط المطواة على الأرض برنين معدني حاد.
حاول الشاب أن يلكمه بيده الأخرى، لكن عاصم مال بجسده متفاديًا الضربة في هدوء، ثم أمسك بذراعه، واستدار نصف استدارة مستغلًا اندفاعه، قبل أن يطرحه أرضًا بقوة.
ارتطم ظهر الشاب بالإسفلت، وانقطع نفسه للحظات.
وقبل أن يتمكن من الحركة، ركل عاصم المطواة بعيدًا بقدمه، ثم وضع قدمه بثبات فوق ذراع الشاب، مانعًا إياه من النهوض.
ظل الدم ينساب من يده، لكنه لم يبدِ أي اهتمام.
ثبت نظره على الشاب، وقال بصوت هادئ، لكنه هذه المرة كان أكثر رهبة من أي صراخ:
- كنت قولتلك... سيبها.
تجمد الشاب في مكانه، وقد اختفت ابتسامته تمامًا، وحل محلها خوف لم يستطع إخفاءه.
ــــــــــــــــ
أمام مستشفى الشروق...
ترجلت شاهندة من السيارة مسرعة، وما إن اقتربت من المدخل حتى لمحت مراد وسيلا يهمّان بالدخول.
كان وجه سيلا شاحبًا، وعيناها ممتلئتين بالخوف.
أسرعت شاهندة نحوهما وهي تسأل بلهفة:
- خالتو عاملة إيه؟
أجابها مراد بسرعة:
- الحمد لله... الدكتور طمنّا شوية.
وقبل أن يكمل، دوّى رنين هاتفه.
أخرج الهاتف من جيبه، ونظر إلى الشاشة، ثم قال وهو يشير إلى باب المستشفى:
- ادخلوا إنتوا... هرد على المكالمة وأحصلكم.
أومأت شاهندة، ثم أمسكت بيد سيلا التي كانت ترتجف من شدة التوتر، وصعدتا معًا إلى غرفة نجاة.
ما إن وصلتا أمام الغرفة حتى لم تنتظر سيلا أن تطرق الباب.
دفعت الباب بقوة، واندفعت إلى الداخل وهي تصرخ:
- مامي!
ألقت بنفسها بين ذراعي والدتها، وظلت تبكي بحرقة.
- حبيبتي... مالِك؟ خوفتِني عليكِ!
ربتت نجاة على ظهرها بحنان، وقالت بصوت هادئ:
- متخافيش يا حبيبتي... أنا بقيت كويسة.
ابتعدت سيلا قليلًا، ونظرت إليها بلهفة.
- بجد يا مامي؟
ابتسمت نجاة، ومسحت دموعها بأطراف أصابعها.
- بجد يا روح مامي... بس مش عايزة أشوف الدموع دي تاني.
هزت سيلا رأسها وهي تبتسم وسط دموعها.
- حاضر.
طوال ذلك الوقت، كانت مديحة شاردة تمامًا.
لا ترى ما يدور أمامها، ولا تسمع شيئًا.
كانت كلمات عاصم قبل مغادرته تتردد في رأسها بلا توقف...
"أنا خطبت."
كيف ستخبر ابنتها؟
وكيف ستتحمل شاهندة سماع الخبر الذي انتظرته عمرًا كاملًا؟
قطع شرودها صوت شاهندة وهي تقترب من السرير بابتسامة مطمئنة:
- عاملة إيه يا خالتو؟ قلقتِينا عليكِ... ألف سلامة.
ابتسمت نجاة لها.
- الله يسلمك يا حبيبتي.
تلفتت شاهندة حولها، ثم سألت بعفوية:
- أومال عاصم فين؟ مش كان هنا؟ هو لحق يمشي؟ أنا جيت جري عشان أشوفه قبل ما يمشي.
رفعت مديحة رأسها ببطء، ونظرت إلى ابنتها طويلًا.
ثم قالت بصوت امتزج فيه الغضب بالقهر:
- كفاية بقى يا شاهندة... كفاية.
التفتت إليها شاهندة باستغراب.
- ماما؟
أكملت مديحة بمرارة:
- ضيعتي عمرك كله مستنياه... وفي الآخر...
توقفت لحظة، ثم قالت بسخرية موجعة:
- راح خطب واحدة تانية.
تجمدت شاهندة في مكانها.
واتسعت عيناها بذهول.
خرج صوتها بالكاد يُسمع:
- ...خطب؟!
أومأت مديحة برأسها في صمت.
تراجعت شاهندة خطوة إلى الخلف وهي تهز رأسها بعدم تصديق.
- لا... مستحيل...
أطلقت ضحكة مرتجفة، سرعان ما اختلطت بدموعها.
- ده... ده كل صحابي فاهمين إني خطيبته... وكل الناس عارفين إن دي مجرد مسألة وقت، وهتتعلن الخطوبة رسمي... مستحيل يكون خطب غيري...
ثم التفتت إلى نجاة بسرعة، وكأنها تبحث عن أي أمل.
- قولي لهم يا خالتو... قولي لهم إنه قال كده بس علشان يضايقكم... صح؟ !
مستحيل يعمل كده...
خفضت نجاة رأسها في صمت، بينما ازدادت ملامح شاهندة اضطرابًا.
أخذت تهز رأسها بعنف، وقالت بصوت متقطع:
- لا... أنا مش مصدقة... أكيد في سوء فهم... أنا هكلمه... أول ما أقابله هعرف الحقيقة...
استدارت نحو الباب وهي تمسح دموعها بعشوائية.
- أنا هروحله دلوقتي...
أمسكتها مديحة من ذراعها.
- شاهندة!
حاولت شاهندة الإفلات منها وهي تصرخ:
- سيبيني! لازم أعرف منه الحقيقة!
وفجأة...
صفعتها مديحة بقوة.
ساد الصمت في الغرفة.
وضعت شاهندة يدها على خدها، ونظرت إلى والدتها بصدمة، وقد تجمدت الدموع في عينيها.
حتى سيلا ونجاة ظلتا تحدقان في مديحة غير مصدقتين... فقد كانت تلك أول مرة ترفع فيها يدها على ابنتها.
قالت مديحة وهي تبكي، وصوتها يرتجف من شدة القهر:
- فوقي بقى يا شاهندة... فوقي!
شهقت شاهندة، بينما واصلت مديحة بانهيار:
- فوقي! عاصم مبقاش ليكي... إنتِ اللي عيشتي نفسك في حلم مالوش وجود.
وأشارت إليها بإصبع مرتجف وهي تكمل:
- ضيعتي سنين عمرك كلها مستنياه... رفضتي عرسان كتير علشانه...
ثم أمسكت وجه ابنتها بين كفيها، وقالت والدموع تنهمر من عينيها:
- انسيه يا شاهندة... انسيه. وشوفي حياتك مع واحد يحبك بجد... مش إنتِ اللي تجري وراه.
انهارت شاهندة على أقرب مقعد، ودفنت وجهها بين كفيها، وانفجرت في بكاء مرير.
بينما وقفت نجاة تراقب المشهد في صمت، وقد أدركت أن لعبتها التي بدأت بخطة بسيطة للضغط على عاصم انتهت بتحطيم قلب ابنة أختها.
---
في قصر بهاء الدين المصري...
كانت ياسمين تجوب أرجاء الصالة ذهابًا وإيابًا، تفرك يديها في توتر واضح.
مر وقت طويل...
أطول بكثير مما يحتاجه الذهاب إلى مركز صيانة قريب من القصر.
لكن لينا لم تعد.
ولم تكن تملك وسيلة للاتصال بها، فهاتفها تحطم تمامًا.
زفرت ياسمين بقلق، وهمست لنفسها:
- يا رب... تكون بخير.
في تلك اللحظة، خرجت الجدة من غرفتها بعد أن استيقظت من قيلولتها، تستند إلى عصاها.
ألقت نظرة سريعة حولها، ثم نادت بصوت هادئ:
- يا سناء... اطلعي صحي الست لينا من أوضتها، وقولي لفاطمة تجهز الغدا.
وقبل أن تتحرك الخادمة، قالت ياسمين بسرعة، وقد بدا الارتباك على وجهها:
- استني يا سناء... لينا مش هنا.
توقفت الجدة، وعقدت حاجبيها باستغراب.
- مش هنا؟! أومال فين؟
ابتلعت ياسمين ريقها، ثم أجابت بتردد:
- راحت تصلح الموبايل... ولسه مرجعتش.
ضيقت الجدة عينيها.
- تصلحه ! فين؟!
- في مركز "ريكا"... اللى فى الشارع اللى ورا القصر، قريب من هنا.
وفي تلك اللحظة، كانت نهلةزوجة شاكر خال لينا تهبط درجات السلم، تتبعها ابنتها فريدة
ابتسمت نهلة بسخرية وهي تقول:
- هو من إمتى حد في القصر بيصلح موبايل؟ يترمي ويتجاب غيره وخلاص.
ضحكت فريدة بخفوت وقالت باستهزاء:
- معلش يا ماما... أصلها عايشة دور البنت المكافحة .
ضربت الجدة عصاها بقوة على الأرض، فدوّى صوت ارتطامها في المكان، فسكت الجميع والتفتوا إليها.
رفعت الجدة رأسها، ورمقتهما بنظرة حادة.
نظرة واحدة...
كانت كافية لتبتلعا بقية كلامهما.
ثم التفتت إلى ياسمين وقالت بحزم:
- اتصلي بممدوح حالًا.
ثم أشارت إلى نهلة قائلة:
- وإنتِ... وأم لسانين اللى جنبك... حد فيكم يرن على شاكر يبلغه بسرعة.
وصمتت لحظة قبل أن تضيف بلهجة آمرة:
- ومحدش يبلغ بهاء بحاجة... حالته الصحية متستحملش أي صدمة.
أومأت ياسمين برأسها، بينما كانت دموعها تتجمع في عينيها.
أمسكت هاتفها، واتصلت بممدوح.
وما إن رد، حتى قصت عليه ما حدث بصوت متقطع من شدة القلق.
تبدلت ملامح ممدوح في لحظة.
نهض فورًا من مائدة عشاء العمل، والتفت إلى مساعده قائلًا:
- اعتذر للحضور بالنيابة عني... عندي ظرف طارئ.
ثم غادر المكان على عجل، واستقل سيارته، وانطلق بأقصى سرعة نحو مركز الصيانة... علّه يجد أي أثر للينا.
ــــــــ
أما في القصر...
جلست الجدة ببطء على مقعدها، وأحاطت رأس عصاها بكلتا يديها، وأسندت جبينها إليها في صمت، بينما أخذت تتمتم بالدعاء في سرها:
- يا رب... احفظها ورجعها بالسلامة.
وفي الجهة المقابلة...
تبادلت نهلة وابنتها نظرة سريعة، قبل أن ترتسم على شفتيهما ابتسامة خفية... لم تكن تحمل أي قلق، بل شيئًا أقرب إلى الشماتة.
وفي الجهة الأخرى...
لم تكن لينا تعلم أن القصر كله قد انقلب رأسًا على عقب بسبب تأخرها.
كانت ما تزال تقف في مكانها، تبكي بشهقات متقطعة، وقد أخفت وجهها بين كفيها، غير قادرة على النظر إلى ما يحدث أمامها.
ارتجف جسدها كله، بينما كانت أنفاسها تتلاحق بعنف، وكأن قدميها فقدتا القدرة على حملها.
ظل الشاب يلهث وهو يحاول الإفلات من تحت قدم عاصم.
وفي تلك اللحظة... دوّى صوت اقتراب عدد من المارة بعدما لفتت المشاجرة انتباههم.
ألقى عاصم نظرة سريعة نحو لينا، فوجدها ترتجف بعنف، ووجهها شاحبًا بصورة مقلقة.
زفر بضيق، ثم رفع قدمه عن ذراع الشاب دون أن يشيح بنظره عنه.
- اختفِ من قدامي... قبل ما أغيّر رأيي.
لم ينتظر الشاب ثانية واحدة، فنهض مترنحًا، ثم فرّ هاربًا بين الشوارع المظلمة.
أخرج عاصم هاتفه من جيبه، واتصل بمسعد.
- مسعد.. هات العربية قدام الفرع حالًا.
- حاضر يا دكتور.
أنهى المكالمة، ثم اتجه نحو لينا بخطوات ثابتة.
كانت ما تزال تخفي وجهها بين كفيها، وجسدها يرتجف، وشهقاتها لا تهدأ.توقف أمامها، وقال بصوت هادئ:
- إنتِ كويسة يا آنسة؟
هزت رأسها ببطء علامة الرفض، ثم أبعدت كفيها المرتجفتين عن وجهها، ورفعت عينيها إليه.
وما إن التقت نظراتهما...
اتسعت عيناها في ذهول، وارتجفت شفتاها.
خرج صوتها ضعيفًا... متقطعًا... بالكاد يُسمع:
- ال... جل... لا... د...
تجمد عاصم في مكانه لوهلة، وقد انعقد حاجباه في دهشة.لكن فى اللحظة التالية ...انطفأ بريق عينيها وارتخى جسدها بالكامل ،لتسقط مغشيا عليها بين يديه